وطلّقها رجعيّةً إجازةً للنّكاح الموقوف
الشروح عليها
(قَوْلُهُ: وَطَلِّقْهَا رَجْعِيَّةً إجَازَةٌ لِلنِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ لَا طَلِّقْهَا أَوْ فَارِقْهَا) لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ فَكَانَ الْأَمْرُ بِهِ إجَازَةُ اقْتِضَاءٍ
بِخِلَافِ قَوْلِ الْمَوْلَى تَزَوَّجْ أَرْبَعًا أَوْ كَفِّرْ عَنْ يَمِينِك بِالْمَالِ حَيْثُ لَا تَثْبُتُ الْحُرِّيَّةُ اقْتِضَاءً لِأَنَّ شَرَائِطَ الْأَهْلِيَّةِ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا اقْتِضَاءً
بِخِلَافِ النِّكَاحِ لِأَنَّ الْعَبْدَ أَهْلٌ لَهُ لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ الْآدَمِيَّةِ، وَإِنَّمَا لَا يَكُونُ قَوْلُ الْمَوْلَى لَهُ طَلِّقْهَا أَوْ فَارِقْهَا إجَازَةً لِاحْتِمَالِهِ الْإِجَازَةَ، وَالرَّدَّ فَحُمِلَ عَلَى الرَّدِّ لِأَنَّهُ أَدْنَى لِأَنَّ الدَّفْعَ أَسْهَلُ مِنْ الرَّفْعِ أَوْ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِحَالِ الْعَبْدِ الْمُتَمَرِّدِ عَلَى مَوْلَاهُ فَكَانَتْ الْحَقِيقَةُ مَتْرُوكَةً بِقَرِينَةِ الْحَالِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: رَجْعِيَّةً لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ طَلِّقْهَا بَائِنًا لَا يَكُونُ إجَازَةً لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْبَائِنَ يَحْتَمِلُ الْمُتَارَكَةَ كَمَا فِي الطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَالْمَوْقُوفِ وَيَحْتَمِلُ الْإِجَازَةَ فَحُمِلَ عَلَى الْأَدْنَى كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ لَا طَلِّقْهَا لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَوْقِعْ عَلَيْهَا الطَّلَاقَ كَانَ إجَازَةً لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلْمُتَارَكَةِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
وَكَذَا إذَا قَالَ: طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً يَقَعُ عَلَيْهَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ لِلنِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ أَيْ نِكَاحِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ احْتِرَازًا عَنْ نِكَاحِ الْفُضُولِيِّ فَإِنَّ قَوْلَ الزَّوْجِ لِلْفُضُولِيِّ طَلِّقْهَا يَكُونُ إجَازَةً لِأَنَّهُ يَمْلِكُ التَّطْلِيقَ بِالْإِجَازَةِ فَيَمْلِكُ الْأَمْرَ بِهِ
بِخِلَافِ الْمَوْلَى وَلِأَنَّ فِعْلَ الْفُضُولِيِّ إعَانَةٌ كَالْوَكِيلِ، وَالْإِعَانَةُ تَنْتَهِضُ سَبَبًا لِإِمْضَاءِ تَصَرُّفِهِ بِالْإِجَازَةِ وَعَدَمِ الْغَايَةِ
بِخِلَافِ الْمُتَمَرِّدِ عَلَى مَوْلَاهُ وَهُوَ مُخْتَارُ صَاحِبِ الْمُحِيطِ وَمُخْتَارُ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ وَنَجْمِ الدِّينِ النَّسَفِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِجَازَةٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَلِذَا عَمَّمَ فِي الْمُخْتَصَرِ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفَ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْجَهُ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الطَّلَاقَ يَسْتَدْعِي سَبْقَ النِّكَاحِ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ وَخَرَجَ عَنْ الْأَصْلِ مَسْأَلَةُ الْعَبْدِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فَلِذَا كَانَ تَطْلِيقُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ نِكَاحٌ بَعْدَ إنْكَارِهِ إقْرَارًا بِالنِّكَاحِ إلَّا إذَا قَالَ: مَا أَنْتِ لِي بِزَوْجَةٍ وَأَنْتِ طَالِقٌ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَقَوْلُ الْمَرْأَةِ لِرَجُلٍ طَلِّقْنِي إقْرَارٌ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ النَّافِذِ وَتَطْلِيقُ وَاحِدَةٍ مِنْ إحْدَى الْفَرِيقَيْنِ إجَازَةٌ لِذَلِكَ الْفَرِيقِ فِيمَا إذَا زَوَّجَهُ فُضُولِيٌّ أَرْبَعًا فِي عُقْدَةٍ ثُمَّ زَوَّجَهُ ثَلَاثًا فِي عُقْدَةٍ فَبَلَغَهُ فَطَلَّقَ إحْدَى الْأَرْبَعِ أَوْ إحْدَى الثَّلَاثِ بِغَيْرِ عَيْنِهَا كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ إذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ فِي نِكَاحِ الْفُضُولِيِّ قِيلَ يَكُونُ إجَازَةً،
وَقِيلَ: لَا وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ فِي الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ
أَمَّا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَهِيَ إجَازَةٌ وِفَاقًا وَقُبِلَ الِاخْتِلَافُ فِيمَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْخَبَرُ
أَمَّا لَوْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ فَقَالَ: طَلِّقْهَا يَكُونُ إجَازَةً وِفَاقًا أَقُولُ: عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ إجَازَةٌ يَنْبَغِي أَنْ تُحَرَّمَ عَلَيْهِ لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ أَجَازَ أَوَّلًا ثُمَّ طَلَّقَ اهـ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ فَقَالَ: لِأَنَّ كَلَامَ الزَّوْجِ لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا حُمِلَ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ فَيَكُونُ إجَازَةً تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ اهـ.
وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ قَوْلَهُ " طَلِّقْهَا أَوْ فَارِقْهَا "،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إجَازَةً فَهُوَ رَدٌّ فَيَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُ الْعَبْدِ حَتَّى لَا تَلْحَقَهُ الْإِجَازَةُ بَعْدَهُ وَفِي الْخَانِيَّةِ: لَوْ قَالَ الْمَوْلَى لَا أَرْضَى وَلَا أُجِيزُ كَانَ رَدًّا
وَلَوْ قَالَ: لَا أَرْضَى وَلَكِنْ رَضِيتُ مُتَّصِلًا جَازَ اسْتِحْسَانًا اهـ.
وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مُكَاتَبٌ أَوْ عَبْدٌ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى ثُمَّ طَلَّقَ كَانَ ذَلِكَ رَدًّا مِنْهُ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقْطَعُ النِّكَاحَ النَّافِذَ فَلَأَنْ يَقْطَعَ النِّكَاحَ الْمَوْقُوفَ أَوْلَى فَإِنْ أَجَازَهُ الْمَوْلَى بَعْدَ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ لَمْ يَجُزْ النِّكَاحُ لِأَنَّهُ أَجَازَ بَعْدَ الْفَسْخِ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَمَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ أَجَازَ الْمَوْلَى النِّكَاحَ بَعْدَ الطَّلْقَاتِ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَقَدْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَلَوْ تَزَوَّجَهَا لَمْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُكْرَهُ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ بِأَنَّ إجَازَةَ الْمَوْلَى لَمَّا كَانَتْ بَاطِلَةً كَانَ عَدَمًا وَلَوْ لَمْ يُجِزْ الْمَوْلَى كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ثَانِيًا أَذِنَهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ بِالْإِجْمَاعِ فَكَذَا هُنَا وَهُمَا يَقُولَانِ الْإِجَازَةُ فِي الِانْتِهَاءِ كَالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَالْإِذْنُ فِي الِابْتِدَاءِ لَوْ كَانَ هَا هُنَا مَوْجُودًا صَارَتْ مُحَرَّمَةً حَقِيقَةً فَإِذَا وُجِدَتْ صُورَةُ الْإِجَازَةِ فِي الِانْتِهَاءِ يَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ نَوْعُ كَرَاهِيَةٍ اهـ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ: وَلَوْ تَزَوَّجَتْ أَمَةٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى فَوَطِئَهَا لَمْ يَكُنْ نَقْضًا لِلنِّكَاحِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ اهـ.
وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فَهَلْ لِلْمَرْأَةِ فَسْخُهُ قَبْلَ إجَازَةِ الْمَوْلَى صَرَّحَ فِي الذَّخِيرَةِ بِأَنَّ لَهَا الْفَسْخَ فِي نَظِيرِهِ وَهِيَ مَا إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ صَبِيٍّ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ كَمَا لِلْمَوْلَى فَسْخُهُ لِكُلٍّ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ فَسْخُهُ
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْإِجَازَةَ تَثْبُتُ بِالدَّلَالَةِ كَمَا تَثْبُتُ بِالصَّرِيحِ فَإِنَّ قَوْلَ الْمَوْلَى طَلِّقْهَا رَجْعِيَّةً إجَازَةُ دَلَالَةٍ
وَحَاصِلُهُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهَا تَثْبُتُ بِالصَّرِيحِ وَبِالدَّلَالَةِ وَبِالضَّرُورَةِ فَمِنْ الصَّرِيحِ أَجَزْتُ أَوْ رَضِيتُ أَوْ أَذِنْتُ وَنَحْوُهُ
وَأَمَّا الدَّلَالَةُ فَهِيَ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى الْإِجَازَةِ كَقَوْلِ الْمَوْلَى بَعْدَ بُلُوغِهِ الْخَبَرَ حَسَنٌ أَوْ صَوَابٌ أَوْ لَا بَأْسَ بِهِ أَوْ يَسُوقُ إلَى الْمَرْأَةِ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ فِي نِكَاحِ الْعَبْدِ
وَأَمَّا الضَّرُورَةُ فَنَحْوُ أَنْ يَعْتِقَ الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ فَيَكُونُ الْإِعْتَاقُ إجَازَةً،
وَفِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ قَالَ الْمَوْلَى: أَجَزْتُ إنْ زِدْت لِي الْمَهْرَ فَأَبَى فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى حَالِهِ لِأَنَّهُ جَوَابٌ عَلَى الزِّيَادَةِ فَيَقْتَصِرُ الرَّدُّ عَلَيْهَا
وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَا أُجِيزُ حَتَّى تَزِيدَ إذْ الْمُغَيَّا التَّوَقُّفُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَمْتَدُّ وَيَنْتَهِي لَا الرَّدُّ
وَكَذَا لَوْ قَالَ إلَّا بِزِيَادَةٍ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْبَاقِي فَإِنْ قَبِلَ نَفَذَ، وَالزِّيَادَةُ كَمَهْرِ الْمِثْلِ حَتَّى تَسْقُطَ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ
وَلَوْ قَالَ: لَا أُجِيزُ لَكِنْ زِدْنِي أَوْ أُجِيزُ إنْ زِدْتنِي بَطَلَ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ مُقَرِّرٌ لِلنَّفْيِ وَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا أُجِيزُ وَسَكَتَ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ بِالنِّكَاحِ لَمْ يَكُنْ إجَازَةً فَإِنَّ أَجَازَهُ الْعَبْدُ جَازَ وَلَوْ مَاتَ الْمَوْلَى قَبْلَ الْإِجَازَةِ فَإِنْ كَانَتْ أَمَةٌ فَإِنْ وَرِثَهَا مَنْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بَطَلَ النِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ وَإِنْ وَرِثَهَا مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِأَنْ كَانَ الْوَارِثُ ابْنَ الْمَيِّتِ، وَقَدْ وَطِئَهَا أَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ وَرِثَهَا جَمَاعَةٌ فَلِلْوَارِثِ الْإِجَازَةُ وَلَوْ أَجَازَ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ لَمْ يَجُزْ النِّكَاحُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَفِيهِ: لَوْ تَزَوَّجَ الْمَوْلَى امْرَأَةً عَلَى رَقَبَتِهَا بَطَلَ النِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ لِأَنَّهُ مِلْكُهَا لِلْمَرْأَةِ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ الْمَرْأَةِ كَمَا لَوْ بَاعَهَا الْمَوْلَى مِنْ امْرَأَةٍ فَإِنَّهُمْ قَالُوا إذَا بَاعَهَا الْمَوْلَى قَبْلَ الْإِجَازَةِ فَهُوَ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْوَارِثِ،
وَلَوْ بَاعَهَا مِمَّنْ لَا تَحِلُّ لَهُ فَلَمْ يَجُزْ حَتَّى بَاعَهَا مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ فَأَجَازَ لَمْ يَجُزْ كَذَا فِي الْمُحِيطِ،
وَفِي الذَّخِيرَةِ وَلَوْ بَاعَهَا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ يُفْسَخُ النِّكَاحُ لِأَنَّهُ يَنْفُذُ بِالسُّكُوتِ إذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ اهـ.
وَمُرَادُهُ بَاعَهَا مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ وَعَلَى هَذَا قَالُوا: فِيمَنْ تَزَوَّجَ جَارِيَةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَوَطِئَهَا ثُمَّ بَاعَهَا الْمَوْلَى مِنْ رَجُلٍ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الْإِجَازَةَ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَمْنَعُ حِلَّ الْوَطْءِ لِلْمُشْتَرِي وَرَدَّهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ بِأَنَّ مَا فِي الْكِتَابِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْإِجَازَةُ صَحِيحٌ لِأَنَّ وُجُوبَ الْعِدَّةِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ التَّفْرِيقِ،
وَأَمَّا قَبْلَ التَّفْرِيقِ فَهِيَ لَيْسَتْ بِمُعْتَدَّةٍ فَاعْتِرَاضُ الْمِلْكِ الثَّانِي يُبْطِلُ النِّكَاحَ الْمَوْقُوفَ،
وَإِنْ كَانَ هُوَ مَمْنُوعًا عَنْ غَشَيَانِهَا، وَجَعْلُ هَذَا قِيَاسَ الْمَنْعِ بِسَبَبِ الِاسْتِرْدَادِ لَا يَمْنَعُ بُطْلَانَ النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ فَهَذَا مِثْلُهُ، وَجَعْلُ عَدَمِ صِحَّةِ الْإِجَازَةِ فِي الْمُحِيطِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَأَنَّ الْقَوْلَ بِالْإِجَازَةِ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ،
وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَمَاتَ الْمَوْلَى أَوْ بَاعَهُ قَبْلَ الْإِجَازَةِ فَلِلْوَارِثِ، وَالْمُشْتَرِي الْإِجَازَةُ،
وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ: زَوَّجَهَا الْغَاصِبُ ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ دَخَلَ بِهَا صَحَّتْ الْإِجَازَةُ وَإِلَّا بَطَلَ النِّكَاحُ،
وَلَوْ ضَمِنَهَا لَا رِوَايَةَ فِيهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ النِّكَاحُ لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالضَّمَانِ ضَرُورِيٌّ فَلَا يَكْفِي لِجَوَازِ النِّكَاحِ كَمَا لَوْ حَرَّرَ غَاصِبٌ ثُمَّ ضَمِنَهُ فَإِنْ
قُلْتُ: قَدْ ذَكَرُوا فِي الْإِجَازَةِ الصَّرِيحَةِ لَفْظَ أَذِنْت وَقَالُوا: لَوْ أَذِنَ لَهُ بِالنِّكَاحِ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ لَا يَكُونُ إجَازَةً فَهَلْ بَيْنَهُمَا تَنَاقُضٌ
قُلْتُ: يُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا عُلِمَ بِالنِّكَاحِ، فَقَالَ بَعْدَهُ: أَذِنْت،
وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْمِعْرَاجِ إنَّ أَذِنْت مِنْ أَلْفَاظِ الْإِذْنِ اهـ.
يَعْنِي لَا مِنْ أَلْفَاظِ الْإِجَازَةِ فَلَا إشْكَالَ وَفِي الْقُنْيَةِ: سُكُوتُ الْمَوْلَى عِنْدَ الْعَقْدِ لَيْسَ بِرِضًا،
وَفِي الْخُلَاصَةِ: أَذِنَ لِعَبْدِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِدِينَارٍ فَتَزَوَّجَ بِدِينَارَيْنِ لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ،
وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ: عَبْدٌ طَلَبَ مِنْ مَوْلَاهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ مُعْتَقَةً فَأَبَى فَتَشَفَّعَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ بِالتَّزَوُّجِ فَأَذِنَ لَهُ فَتَزَوَّجَ هَذِهِ الْمُعْتَقَةَ يَجُوزُ. اهـ. .
(قَوْلُهُ: أَوْ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِحَالِ الْعَبْدِ الْمُتَمَرِّدِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ أَدْنَى،
وَفِي النَّهْرِ عَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ زَوَّجَهُ فُضُولِيٌّ فَقَالَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ: طَلِّقْهَا أَنَّهُ يَكُونُ إجَازَةً إذْ لَا تَمَرُّدَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ اهـ.
قُلْتُ: نَعَمْ لَكِنَّ التَّعْلِيلَ الْأَوَّلَ أَعَمُّ لِإِفَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إجَازَةً فِي هَذِهِ الصُّورَةِ
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُكْرَهُ) مِثْلُهُ فِي النَّهْرِ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْفَتْحِ حَيْثُ ذَكَرَ الْخِلَافَ عَلَى عَكْسِ مَا هُنَا لَكِنْ رَأَيْتُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة ذَكَرَ الْخِلَافَ كَمَا هُنَا مَعْزِيًّا إلَى شَرْحِ السَّرَخْسِيِّ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُكْرَهُ اهـ.
وَكَذَا رَأَيْتُ الْخِلَافَ كَمَا هُنَا فِي كَافِي الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ
(قَوْلُهُ: إلَى أَنَّ الْإِجَازَةَ تَثْبُتُ. . . إلَخْ) عَبَّرَ الزَّيْلَعِيُّ بِالْإِذْنِ بَدَلَ الْإِجَازَةِ فَقَالَ: إذْنُ السَّيِّدِ يَثْبُتُ. . . إلَخْ
وَكَذَا فِي الْفَتْحِ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّهْرِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إجَازَةُ النِّكَاحِ لَمْ يَقُلْ إذْنٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَاحْتَاجَ إلَى الْإِجَازَةِ وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا لَوْ زَوَّجَهُ فُضُولِيٌّ فَأَذِنَ الْمَوْلَى لَهُ بِالنِّكَاحِ فَإِذَا أَجَازَهُ الْعَبْدُ صَحَّ اهـ.
وَكَذَا قَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ، وَالْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ لَا يَكُونُ إجَازَةً فَإِنْ أَجَازَ الْعَبْدُ مَا صَنَعَ جَازَ اسْتِحْسَانًا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي الْفَرْقِ أَنَّ الْإِجَازَةَ مَا يَكُونُ لِأَمْرٍ وَقَعَ، وَالْإِذْنُ مَا يَكُونُ لِأَمْرٍ سَيَقَعُ وَيَظْهَرُ مِنْ الْفُرُوعِ الْآتِيَةِ أَيْضًا أَنَّ الْإِذْنَ يَكُونُ بِمَعْنَى الْإِجَازَةِ إذَا كَانَ الْآذِنُ عَالِمًا بِالْأَمْرِ الْوَاقِعِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ الْآتِي بَعْدَ صَفْحَةٍ وَعَلَى مَا قُلْنَا مِنْ الْفَرْقِ فَالتَّعْبِيرُ هُنَا بِالْإِجَازَةِ أَنْسَبُ مِنْ تَعْبِيرِ الزَّيْلَعِيِّ بِالْإِذْنِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ أُجِيزُ أَنْ زِدْتنِي) الَّذِي فِي التَّلْخِيصِ أَوْ وَأُجِيزُ بِوَاوٍ بَعْدَ أَوْ قَالَ الْفَارِسِيُّ فِي شَرْحِهِ أَيْ
وَلَوْ قَالَ الْوَلِيُّ: لَا أُجِيزُ لَكِنْ زِدْنِي أَوْ قَالَ لَا أُجِيزُ وَأُجِيزُ إنْ زِدْتنِي بَطَلَ الْعَقْدُ أَصْلًا رَضِيَ الزَّوْجُ بِالزِّيَادَةِ أَمْ لَمْ يَرْضَ لِأَنَّ الْعَطْفَ مُقَرِّرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَهُوَ نَفْيُ الْإِجَازَةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا أُجِيزُ وَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ زِدْنِي أَوْ وَأُجِيزُ إنْ زِدْتنِي
(قَوْلُهُ: بَطَلَ النِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ) أَيْ أَيْ لِطُرُوِّ الْحِلِّ الْبَاتِّ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى رَقَبَتِهَا) أَيْ رَقَبَةِ الْأَمَةِ الْمَوْقُوفِ نِكَاحُهَا
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الزَّوْجَ يَمْنَعُ حِلَّ الْوَطْءِ لِلْمُشْتَرِي)
قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ فِي الْمِلْكِ الْأَوَّلِ وَجَبَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَالْمُعْتَدَّةُ لَا تَحِلُّ لِغَيْرِ الْمُعْتَدِّ مِنْهُ فَهِيَ لَمْ تَصِرْ مُحَلِّلَةً لِلتَّمَلُّكِ الثَّانِي فَلَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ فَإِذَا أَجَازَ كَانَ صَحِيحًا
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ عَبْدًا) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً
وَحَاصِلُهُ أَنَّ فِي الْعَبْدِ يَتَوَقَّفُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا عَلَى إجَازَةِ الْمُشْتَرِي أَوْ الْوَارِثِ، وَالتَّفْصِيلُ السَّابِقُ فِي الْأَمَةِ
(قَوْلُهُ: يَعْنِي لَا مِنْ أَلْفَاظِ الْإِجَازَةِ) مُنَافٍ لِمَا مَرَّ مِنْ عَدِّهِ مِنْ أَلْفَاظِ الْإِجَازَةِ فَالْأَوْلَى التَّوْفِيقُ بِحَمْلِ مَا فِي الْمِعْرَاجِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالنِّكَاحِ.
(و) قول المولى لعبده (طلقها رجعية إجازة للنكاح الموقوف) على إذنه ولم يقل أذن لأنه لو كان لاحتجاج إلى الإجازة ومن ثم قالوا: لو زوجه فضولي فأذن المولى بالنكاح فإن أجازه العبد صح
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَطَلَّقَهَا رَجْعِيَّةً إجَازَةً لِلنِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ لَا طَلِّقْهَا أَوْ فَارِقْهَا) يَعْنِي إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ،
وَقَالَ لَهُ الْمَوْلَى طَلِّقْهَا رَجْعِيَّةً يَكُونُ إجَازَةً لِلنِّكَاحِ،
وَلَوْ قَالَ طَلِّقْهَا أَوْ فَارِقْهَا لَا يَكُونُ إجَازَةً؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يَكُونُ إلَّا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ فَتَعَيَّنَ الْإِجَازَةُ.
وَقَوْلُهُ طَلِّقْهَا أَوْ فَارِقْهَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ؛ لِأَنَّ رَدَّ هَذَا الْعَقْدِ وَمُتَارَكَتَهُ يُسَمَّى طَلَاقًا وَمُفَارَقَةً وَهُوَ أَلْيَقُ بِحَالِ الْعَبْدِ الْمُتَمَرِّدِ وَهُوَ أَدْنَى فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى،
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى قَوْلُهُ طَلِّقْهَا يَكُونُ إجَازَةً أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُطْلَقٌ فَيَنْصَرِفُ إلَى الْجَائِزِ وَلَنَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ فَلَا تَثْبُتُ الْإِجَازَةُ بِالشَّكِّ حَتَّى لَوْ قَالَ أَوْقِعْ عَلَيْهَا الطَّلَاقَ أَوْ طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً تَقَعُ عَلَيْهَا يَكُونُ إجَازَةً؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ مُخْتَصٌّ بِالنِّكَاحِ النَّافِذِ، فَيَكُونُ إجَازَةً،
وَلَوْ زَوَّجَ فُضُولِيٌّ رَجُلًا امْرَأَةً فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ طَلِّقْهَا يَكُونُ إجَازَةً؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ التَّطْلِيقَ بِالْإِجَازَةِ فَيَمْلِكُ الْأَمْرَ بِهِ
بِخِلَافِ الْمَوْلَى؛ وَلِأَنَّ فِعْلَ الْفُضُولِيِّ إعَانَةٌ كَالْوَكِيلِ وَلِهَذَا يَكُونُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ كَالْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْإِجَازَةِ أَلْيَقُ
بِخِلَافِ فِعْلِ الْمُتَمَرِّدِ؛ وَلِأَنَّ الضَّرَرَ فِي حَقِّ الزَّوْجِ يَنْجَبِرُ بِمِلْكِ بُضْعٍ يُقَابِلُهُ
بِخِلَافِ ضَرَرِ الْمَوْلَى فَإِنْ قِيلَ لَوْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى رَجُلٍ نِكَاحًا وَأَنْكَرَ، ثُمَّ طَلَّقَهَا يَكُونُ إقْرَارًا مِنْهُ بِالنِّكَاحِ.
وَكَذَا لَوْ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِرَجُلٍ طَلِّقْنِي يَكُونُ إقْرَارًا مِنْهَا بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ النَّافِذِ،
وَكَذَا لَوْ زَوَّجَهُ فُضُولِيٌّ أَرْبَعًا فِي عُقْدَةٍ، ثُمَّ زَوَّجَهُ ثَلَاثًا فِي عُقْدَةٍ أُخْرَى فَبَلَغَهُ فَطَلَّقَ إحْدَى الْأَرْبَعِ أَوْ إحْدَى الثَّلَاثِ بِغَيْرِ عَيْنِهَا يَكُونُ إجَازَةً لِنِكَاحِ ذَلِكَ الْفَرِيقِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ قُلْنَا
أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِمَا يَدُلُّ عَلَى مُبَاشَرَةِ الصَّحِيحِ النَّافِذِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ
بِخِلَافِ نِكَاحِ الْمُتَمَرِّدِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ كَلَامَ الزَّوْجِ لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا حُمِلَ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ، فَيَكُونُ إجَازَةً تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ، ثُمَّ الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ إذْنَ السَّيِّدِ يَثْبُتُ بِالتَّصْرِيحِ كَقَوْلِهِ أَجَزْت أَوْ رَضِيت بِهِ أَوْ أَذِنْت فِيهِ وَيَثْبُتُ أَيْضًا بِالدَّلَالَةِ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ سَمَاعِهِ هَذَا حَسَنٌ أَوْ صَوَابٌ أَوْ نِعْمَ مَا صَنَعْت أَوْ بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا أَوْ لَا بَأْسَ بِهَا أَوْ يَسُوقُ إلَيْهَا مَهْرَهَا أَوْ شَيْئًا مِنْهُ
بِخِلَافِ الْهِدَايَةِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو الْقَاسِمِ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ إجَازَةً وَالْأَوَّلُ اخْتِيَارُ أَبِي اللَّيْثِ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الصَّدْرُ الشَّهِيدُ إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ، وَالْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ لَا يَكُونُ إجَازَةً فَإِنْ أَجَازَ الْعَبْدُ مَا صَنَعَ جَازَ اسْتِحْسَانًا كَالْفُضُولِيِّ إذَا وَكَّلَ فَأَجَازَ مَا صَنَعَهُ قَبْلَ التَّوْكِيلِ وَكَالْعَبْدِ إذَا زَوَّجَهُ فُضُولِيٌّ فَأَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ فِي التَّزَوُّجِ فَأَجَازَ مَا صَنَعَهُ الْفُضُولِيُّ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ: وَطَلَّقَهَا رَجْعِيَّةً إجَازَةً إلَخْ) هَذِهِ مِنْ خَوَاصِّ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَصُورَتُهَا فِيهِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي عَبْدٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ: طَلِّقْهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إجَازَةً،
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ فَارِقْهَا،
وَلَوْ قَالَ لَهُ طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً تَمْلِكُ الرَّجْعَةَ كَانَ إجَازَةً وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ إجَازَةً فِي الصُّورَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمَوْلَى طَلِّقْهَا يَحْتَمِلُ الْإِجَازَةَ وَيَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَالطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَالْمَوْقُوفِ لَيْسَ بِطَلَاقٍ، بَلْ هُوَ مُتَارَكَةٌ لِلنِّكَاحِ وَفَسْخٌ لَهُ حَتَّى لَا يُنْتَقَصُ شَيْءٌ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ وَذَلِكَ لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ يَخْتَصُّ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ إلَّا أَنَّ النِّكَاحَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا يَكُونُ شُبْهَةً يُسْقِطُ الْحَدَّ إذَا وَطِئَ قَبْلَ الْإِجَازَةِ إلَّا إذَا وَطِئَ بَعْدَ الْمُتَارَكَةِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ لِارْتِفَاعِ الشُّبْهَةِ اهـ.
أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ طَلِّقْهَا أَوْ فَارِقْهَا لَا يَكُونُ إجَازَةً) أَيْ
وَكَذَا لَوْ قَالَ طَلِّقْهَا طَلَاقًا بَائِنًا، ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ الرَّدُّ أَلْيَقُ بِحَالِهِ أَيْ مِنْ الْإِجَازَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ أَدْنَى) أَيْ الرَّدُّ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُتَارَكَةَ رَدٌّ وَالطَّلَاقَ رَفْعٌ وَالرَّدُّ أَسْهَلُ مِنْ الرَّفْعِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى) أَيْ لِئَلَّا تَثْبُتَ الْإِجَازَةُ بِالشَّكِّ اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ فِعْلَ الْفُضُولِيِّ إعَانَةٌ) أَيْ وَلَيْسَ بِتَمَرُّدٍ،
أَمَّا الْعَبْدُ فَمُتَمَرِّدٌ بِالنِّكَاحِ بِدُونِ إذْنِ الْمَوْلَى فَالرَّدُّ أَلْيَقُ بِالْعَبْدِ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ لَا بَأْسَ) أَيْ أَوْ أَحْسَنْت أَوْ أَصَبْت اهـ. فَتْحٌ وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ لَوْ قَالَ: أَنَا كَارِهٌ أَوْ لَا أَرْضَى لَا يَكُونُ إجَازَةً وَيَكُونُ رَدًّا،
أَمَّا لَوْ وَصَلَ فَقَالَ: أَنَا كَارِهٌ، وَلَكِنْ أَجَزْته أَوْ قَالَ لَا أَرْضَى، وَلَكِنْ رَضِيت جَازَ اسْتِحْسَانًا اهـ. ع
(قَوْلُهُ: أَوْ شَيْئًا مِنْهُ) أَيْ وَسُكُوتُهُ لَا يَكُونُ إجَازَةً اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْهِدَايَةِ) أَيْ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ إجَازَةً اهـ.
(قَوْلُهُ: قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو الْقَاسِمِ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ) يَعْنِي قَوْلَهُ هَذَا حَسَنٌ وَمَا ذَكَرَ مَعَهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ إجَازَةٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ لَا يَكُونُ إجَازَةً) أَيْ لِلنِّكَاحِ الصَّادِرِ قَبْلَ الْإِذْنِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَجَازَ الْعَبْدُ إلَخْ)
اُنْظُرْ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بَعْدَ الْوَرَقَةِ الْآتِيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَلَوْ نَكَحَتْ بِلَا إذْنٍ بِقَوْلِهِ
وَكَذَا لَا يَلْزَمُ مَا إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ إلَخْ فَفِيهِ إيضَاحٌ لِهَذَا اهـ.
قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَوْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ بَعْدَ مَا تَزَوَّجَ لَا يَكُونُ إجَازَةً فَإِنْ أَجَازَ الْعَبْدُ مَا صَنَعَ جَازَ اسْتِحْسَانًا كَالْفُضُولِيِّ إذَا وَكَّلَ فَأَجَازَ مَا صَنَعَهُ قَبْلَ الْوَكَالَةِ اهـ. قَوْلُهُ: وَكَالْعَبْدِ إذَا زَوَّجَهُ فُضُولِيٌّ إلَخْ)،
وَلَوْ بَاعَ السَّيِّدُ الْعَبْدَ بَعْدَ أَنْ بَاشَرَ بِلَا إذْنٍ فَلِلْمُشْتَرِي الْإِجَازَةُ،
وَقَالَ زُفَرُ يَبْطُلُ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ السَّيِّدُ فَوَرِثَ الْعَبْدُ تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ الْوَارِثِ،
أَمَّا إنْ كَانَتْ أَمَةً فَتَزَوَّجَتْ بِلَا إذْنٍ، ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى فَوَرِثَهَا مَنْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بَطَلَ لِطَرَيَانِ الْحِلِّ النَّافِذِ عَلَى الْمَوْقُوفِ وَإِنْ وَرِثَهَا مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ كَأَنْ وَرِثَهَا جَمَاعَةٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ ابْنُ الْمَوْلَى، وَقَدْ كَانَ الْأَبُ وَطِئَهَا تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ الْوَارِثِ وَعَلَى هَذَا قَالُوا فِي أَمَةٍ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ فَبَاعَهَا الْمَوْلَى، لِلْمُشْتَرِي الْإِجَازَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّ وَطْءَ الرَّجُلِ يُحَرِّمُهَا فَإِذَا حَاضَتْ بَطَلَ الْعَقْدُ لِحِلِّهَا لِلْمُشْتَرِي،
وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ لَمْ يَطَأْهَا بَطَلَ الْعَقْدُ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ لِطَرَيَانِ الْحِلِّ الْبَاتِّ عَلَى الْمَوْقُوفِ.
وَقَالَ زُفَرُ: يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَبِالْبَيْعِ وَأَصْلُهُ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَى إجَازَةِ إنْسَانٍ يَحْتَمِلُ الْإِجَازَةَ مِنْ غَيْرِهِ، وَعِنْدَهُ لَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى الْأَوَّلِ فَلَا يُفِيدُ مِنْ الثَّانِي قُلْنَا إنَّمَا تَوَقَّفَ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ لَا لِأَنَّهُ هُوَ وَالثَّانِي مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ دَائِرٌ مَعَ الْمِلْكِ فَيَنْتَقِلُ بِانْتِقَالِهِ. اهـ. فَتْحٌ .
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَالْإِذْنِ بِالنِّكَاحِ) أَيْ كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ تَزَوَّجْ امْرَأَةً اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.