فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

البحر الرائقابن نجيم

(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَنَسْتَعِينُ عَلَيْهِمْ بِاَللَّهِ تَعَالَى بِنَصْبِ الْمَجَانِيقِ وَحَرْقِهِمْ وَغَرَقِهِمْ وَقَطْعِ أَشْجَارِهِمْ وَإِفْسَادِ زُرُوعِهِمْ وَرَمْيِهِمْ، وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِبَعْضِنَا وَنَقْصِدُهُمْ) أَيْ إنْ لَمْ يَقْبَلُوا الْجِزْيَةَ إلَى آخِرِهِ

١٦٬٧١١

أَمَّا الِاسْتِعَانَةُ فَلِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ النَّاصِرُ لِأَوْلِيَائِهِ، وَالْمُدَمِّرُ عَلَى أَعْدَائِهِ فَيُسْتَعَانُ بِهِ فِي كُلِّ الْأُمُورِ،

١٦٬٧١٢

وَأَمَّا نَصْبُ الْمَجَانِيقِ فَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَصَبَهَا عَلَى الطَّائِفِ،

١٦٬٧١٣

وَأَمَّا التَّحْرِيقُ وَنَحْوُهُ فَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَحْرَقَ الْبُوَيْرَةَ وَأَرْسَلُوا عَلَيْهِمْ الْمَاءَ وَقَطَعُوا أَشْجَارَهُمْ وَأَفْسَدُوا زُرُوعَهُمْ؛ لِأَنَّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلْحَاقَ الْغَيْظِ، وَالْكَبْتِ بِهِمْ وَكَسْرَ شَوْكَتِهِمْ وَتَفْرِيقَ جَمْعِهِمْ فَيَكُونُ مَشْرُوعًا أَطْلَقَ فِي الْأَشْجَارِ فَشَمِلَ الْمُثْمِرَةَ وَغَيْرَهَا كَمَا فِي الْبَدَائِعِ.

وَأَطْلَقَ فِي جَوَازِ فِعْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَقَيَّدَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِمَا إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ مَأْخُوذُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ،

١٦٬٧١٤

فَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مَغْلُوبُونَ وَأَنَّ الْفَتْحَ بَادٍ كُرِهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إفْسَادٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحَاجَةِ وَمَا أُبِيحَ إلَّا لَهَا وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْحَرْبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا مِنْ وَجْهِ الدِّينِ وَلَكِنَّهُ فَشِلَ، وَالْفَشَلُ الْجُبْنُ،

١٦٬٧١٥

فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَتَحْرِيضٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْرَهُونَ الصَّوْتَ عِنْدَ ثَلَاثٍ: الْجَنَائِزُ، وَالْقِتَالُ، وَالذِّكْرُ، وَالْمُرَادُ بِالذِّكْرِ الْوَعْظُ وَقَالَ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ كَرَاهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ، وَالْوَعْظِ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الْوَجْدَ، وَالْمَحَبَّةَ مَكْرُوهٌ وَلَا أَصْلَ لَهُ فِي الدِّينِ وَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّهُ يُمْنَعُ الْمُتَقَشِّفَةُ وَحَمْقَى أَهْلِ التَّصَوُّفِ مِمَّا يَعْتَادُونَهُ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ وَتَمْزِيقِ الثِّيَابِ عِنْدَ السَّمَاعِ؛

لِأَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ فِي الدِّينِ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ، وَالْوَعْظِ فَمَا ظَنُّك عِنْدَ سَمَاعِ الْغِنَاءِ

١٦٬٧١٦

وَيُنْدَبُ لِلْمُجَاهِدِ فِي دَارِ الْحَرْبِ تَوْفِيرُ الْأَظْفَارِ،

١٦٬٧١٧

وَإِنْ كَانَ قَصُّهَا مِنْ الْفِطْرَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ السِّلَاحُ مِنْ يَدِهِ وَدَنَا مِنْهُ الْعَدُوُّ رُبَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ دَفْعِهِ بِأَظَافِيرِهِ وَهُوَ نَظِيرُ قَصِّ الشَّوَارِبِ، فَإِنَّهُ سُنَّةٌ ثُمَّ الْغَازِي فِي دَارِ الْحَرْبِ مَنْدُوبٌ إلَى تَوْفِيرِهَا وَتَطْوِيلِهَا لِيَكُونَ أَهْيَبَ فِي عَيْنِ مَنْ يُبَارِزُهُ.

١٦٬٧١٨

وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا يُعِينُ الْمَرْءَ عَلَى الْجِهَادِ فَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَى اكْتِسَابِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إعْزَازِ الْمُسْلِمِينَ وَقَهْرِ الْمُشْرِكِينَ. اهـ.

١٦٬٧١٩

وَأَمَّا جَوَازُ رَمْيِهِمْ، وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِبَعْضِنَا فَلِأَنَّ فِي الرَّمْيِ دَفْعَ الضَّرَرِ الْعَامِّ بِالذَّبِّ عَنْ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ وَقَتْلُ الْمُسْلِمِ ضَرَرٌ خَاصٌّ وَلِأَنَّهُ قَلَّ مَا يَخْلُو حِصْنٌ عَنْ مُسْلِمٍ

١٦٬٧٢٠

فَلَوْ امْتَنَعَ عَنْ اعْتِبَارِهِ لَانْسَدَّ بَابُهُ أَطْلَقَ فِي بَعْضِنَا فَشَمِلَ الْأَسِيرَ، وَالتَّاجِرَ، وَالصِّبْيَانَ لَكِنْ نَقْصِدُ الْكُفَّارَ بِالرَّمْيِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ فِعْلًا فَقَدْ أَمْكَنَ قَصْدًا، وَالطَّاعَةُ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ،

١٦٬٧٢١

وَأَمَّا مَا أَصَابُوهُ مِنْهُمْ لَا دِيَةَ عَلَيْهِمْ وَلَا كَفَّارَةَ؛ لِأَنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ، وَالْغَرَامَاتُ لَا تَقْتَرِنُ بِالْفُرُوضِ

١٦٬٧٢٢

بِخِلَافِ حَالَةِ الْمَخْمَصَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مَخَافَةَ الضَّمَانِ لِمَا فِيهِ مِنْ إحْيَاءِ نَفْسِهِ

١٦٬٧٢٣

أَمَّا الْجِهَادُ بُنِيَ عَلَى إتْلَافِ النَّفْسِ فَيَمْتَنِعُ حَذَارِ الضَّمَانِ،

١٦٬٧٢٤

وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ دَمٌ مُفْرَجٌ» أَيْ مُهْدَرٌ فَمَعْنَاهُ لَيْسَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَكَلَا مِنَّا فِي دَارِ الْحَرْبِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ قَيَّدَ بِالتَّتَرُّسِ عِنْدَ الْمُحَارَبَةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا فَتَحَ بَلْدَةً وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِيهَا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا لَا يَحِلُّ قَتْلُ أَحَدٍ مِنْهُمْ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ ذَلِكَ الْمُسْلِمَ أَوْ الذِّمِّيَّ وَلَوْ أَخْرَجَ وَاحِدًا مِنْ عَرْضِ النَّاسِ حَلَّ إذَا قَتَلَ الْبَاقِيَ لِجَوَازِ كَوْنِ الْمُخْرَجِ هُوَ ذَلِكَ فَصَارَ فِي كَوْنِ الْمُسْلِمِ فِي الْبَاقِينَ شَكٌّ

١٦٬٧٢٥

بِخِلَافِ الْحَالَةِ الْأُولَى، فَإِنَّ كَوْنَ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ فِيهِمْ مَعْلُومٌ بِالْفَرْضِ فَوَقَعَ الْفَرْقُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَغَيْرِهَا،

١٦٬٧٢٦

فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي سَفِينَةٍ فَاحْتَرَقَتْ السَّفِينَةُ،

١٦٬٧٢٧

فَإِنْ كَانَ غَلَبَةُ ظَنِّهِمْ أَنَّهُمْ لَوْ أَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ فِي الْبَحْرِ تَخَلَّصُوا بِالسِّبَاحَةِ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَطْرَحُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الْبَحْرِ لِيَتَخَلَّصُوا مِنْ الْهَلَاكِ الْقَطْعِيِّ،

١٦٬٧٢٨

وَإِنْ اسْتَوَى الْجَانِبَانِ إنْ أَقَامُوا احْتَرَقُوا،

١٦٬٧٢٩

وَإِنْ أَوْقَعُوا أَنْفُسَهُمْ غَرِقُوا فَهُمْ بِالْخِيَارِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لِاسْتِوَاءِ الْجَانِبَيْنِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُلْقُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ إهْلَاكًا بِفِعْلِهِمْ اهـ.

منحة الخالقابن عابدين، حاشية على البحر الرائق

(قَوْلُهُ بِخِلَافِ حَالَةِ الْمَخْمَصَةِ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا فِي الْمُضْطَرِّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْلُ مَالِ الْغَيْرِ مَعَ الضَّمَانِ فَلَمْ يَكُنْ فَرْضًا فَهُوَ كَالْمُبَاحِ يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَالْمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ افْتِرَاضِ الْجِهَادِ فِي نَفْيِ الضَّمَانِ. اهـ.

(قَوْلُهُ: وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُلْقُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَاءِ)

٦٬١١٣

قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة هَذَا إذَا لَمْ تُصِبْ النَّارُ بَدَنَهُمْ

٦٬١١٤

أَمَّا إذَا أَصَابَتْ، فَإِنَّهُمْ يُلْقُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَاءِ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَدْنَى رَاحَةً.

[إخْرَاجِ مُصْحَفٍ وَامْرَأَةٍ فِي سَرِيَّةٍ يُخَافُ عَلَيْهَا]

النهر الفائقعمر ابن نجيم

(وإلا) أي: وإن لم يقبلوا الجزية (نستعين بالله) عليهم لأنه الناصر لأوليائه القاهر لأعدائه وبه يستعان على كل حال (ونحاربهم بنصب المجانيق) على حصونهم لأنه عليه الصلاة والسلام (نصبها على الطائف) رواه الترمذي (وحرقهم) أراد حرق دورهم وأمتعتهم قاله العيني، والظاهر أن المراد حرق ذاتهم بالمجانيق وإذا جازت محاربتهم بحرقهم فمالهم أولى لأنه عليه الصلاة والسلام أحرق نخل بني النضير وقطعة وهي البويرة (وغرقهم) وغرق دورهم أيضا بانسياب الماء وقطع أشجارهم وإفساد زروعهم ورميهم وإن تترسوا ببعضنا ونقصدهم ونهينا عن إخراج مصحف وامرأة في سرية يخاف عليها.

عليهم (وقطع أشجارهم) ولو مثمرة (وإفساد زروعهم) بإطلاق النار والدواب فيها لأن المقصود كبت أعدائه وكسر شوكتهم وهو حاصل بذلك، هذا إذا لم يغلب على الظن أنهم يؤخذون بغيره فإن كان الظاهر أنهم مغلوبون وأن الفتح باد كره ذلك كذا في (الفتح) (ورميهم) بالنبال ونحوها

لا زيادة له على هذه المسألة.

تبيين الحقائقالزيلعي

(وَإِلَّا نَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَنُحَارِبُهُمْ بِنَصْبِ الْمَجَانِيقِ وَحَرْقِهِمْ وَغَرْقِهِمْ وَقَطْعِ أَشْجَارِهِمْ وَإِفْسَادِ زُرُوعِهِمْ وَرَمْيِهِمْ وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِبَعْضِنَا وَنَقْصِدُهُمْ) أَيْ إنْ لَمْ يَقْبَلُوا الْجِزْيَةَ نَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَنُحَارِبُهُمْ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَبِكُلٍّ مِمَّنْ فِيهِ كَسْرُ شَوْكَتِهِمْ وَإِلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهِمْ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ «- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَقُولُ فِي وَصِيَّةِ أَمِيرِ الْجَيْشِ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُمْ الْجِزْيَةَ فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ عَلَيْهِمْ وَقَاتِلْهُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ النَّاصِرُ لِأَوْلِيَائِهِ وَالْمُدَمِّرُ عَلَى أَعْدَائِهِ فَيُسْتَعَانُ بِهِ فِي كُلِّ الْأُمُورِ وَيُقَاتِلُ بِكُلِّ مَا يُمْكِنُ لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ وَأَحْرَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُوَيْرَةَ وَكَانَ فِيهَا نَخْلٌ» حَتَّى قَالَ الشَّاعِرُ وَهُوَ حَسَّانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهَانَ عَلَى سُرَاةِ، بَنِي لُؤَيٍّ ...

حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ وَصَحَّ أَنَّهُ «- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَطَعَ النَّخْلَ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [الحشر: ٥] » رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ كُلُّهُ إلْحَاقُ الْغَيْظِ بِهِمْ وَكَبْتِهِمْ وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ وَتَفْرِيقِ شَمْلِهِمْ فَيَكُونُ مَشْرُوعًا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ}.

وَقَوْلُهُ: وَرَمْيِهِمْ وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِبَعْضِنَا وَنَقْصِدُهُمْ يَعْنِي نُحَارِبُهُمْ بِرَمْيِهِمْ وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِالْمُسْلِمِينَ وَنَقْصِدُهُمْ بِالرَّمْيِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ إذَا عُلِمَ أَنَّ فِيهِمْ مُسْلِمًا وَأَنَّهُ يُتْلَفُ بِذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ وَتَرْكُ قَتْلِ الْكَافِرِ جَائِزٌ أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يَقْتُلَ الْأَسَارَى لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ مُرَاعَاةَ جَانِبِ الْمُسْلِمِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ وَنَحْنُ نَقُولُ أُمِرْنَا بِقِتَالِهِمْ

٥٬٧٧٣

فَلَوْ اعْتَبَرْنَا هَذَا الْمَعْنَى أَدَّى إلَى سَدِّ بَابِ الْجِهَادِ لِأَنَّ حُصُونَهُمْ وَمَدَائِنَهُمْ لَا تَخْلُو عَنْ مُسْلِمٍ وَلِأَنَّ فِي الرَّمْيِ دَفْعَ الضَّرَرِ الْعَامِّ بِإِلْحَاقِ ضَرَرٍ خَاصٍّ فَكَانَ أَوْلَى أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَفْعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَجُوزُ لَنَا قَتْلُهُمْ كَنِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ وَالرُّهْبَانِ وَالشُّيُوخِ وَنَقْصِدُ بِالرَّمْيِ الْكُفَّارَ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ بِالنِّيَّةِ مُمْكِنٌ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فِعْلًا وَالتَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ وَإِنْ أَصَابُوا مِنْهُمْ فَلَا دِيَةَ عَلَيْهِمْ وَلَا كَفَّارَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ قَتَلَ مُسْلِمًا خَطَأً فَيَجِبُ مُوجِبُهُ وَلِأَنَّ الْإِطْلَاقَ لِلضَّرُورَةِ لَا يُنَافِي الضَّمَانَ كَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ حَالَةَ الْمَخْمَصَةِ وَلَنَا أَنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ فَلَا تُجَامِعُهُ الْغَرَامَةُ كَتَعْزِيرِ الْإِمَامِ وَحَدِّهِ وَكَالْبَزَّاغِ وَالْفِصَادِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ

٥٬٧٧٤

بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ لِأَنَّ أَكْلَ مَالِ الْغَيْرِ حَالَةَ الْمَخْمَصَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَإِنَّمَا هُوَ رُخْصَةٌ حَتَّى كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَخْذًا بِالْعَزِيمَةِ وَبِخِلَافِ الْمُرُورِ عَلَى الطَّرِيقِ وَضَرْبِ الزَّوْجَةِ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ لَوْ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَيْهِ كَانَ مُقَيَّدًا بِشَرْطِ السَّلَامَةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

حاشية الشلبيالشلبي، حاشية على تبيين الحقائق

(قَوْلُهُ وَإِنْ تَتَرَّسُوا) يُقَالُ تَتَرَّسَ بِالتُّرْسِ إذَا تَوَقَّى بِهِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ قَوْلُهُ فِي الشِّعْرِ مُسْتَطِيرُ) الْمُسْتَطِيرُ الْمُنْتَشِرُ اهـ

(قَوْلُهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ فِيهِمْ مُسْلِمًا وَأَنَّهُ يَتْلَفُ بِذَلِكَ لَا يَحِلُّ) أَيْ وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ. اهـ. كَاكِيٌّ

(قَوْلُهُ وَإِنْ أَصَابُوا مِنْهُمْ فَلَا دِيَةَ عَلَيْهِمْ وَلَا كَفَّارَةَ) فَإِنْ قُلْت يَرُدُّ عَلَيْكُمْ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ دَمٌ مُفْرَجٌ» أَيْ مُهْدَرٌ قُلْت لَا نُسَلِّمُ لِأَنَّهُ عَامٌّ خَصَّ مِنْهُ الْبُغَاةَ وَقُطَّاعَ الطَّرِيقِ فَيَخُصُّ التَّنَازُعَ بِمَا قُلْنَاهُ اهـ أَتْقَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ كَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ

(قَوْلُهُ فَيَجِبُ مُوجِبُهُ) وَلَنَا أَنَّهُ عَالِمٌ بِالْمَرْمِيِّ وَلَا خَطَأَ مَعَ الْعِلْمِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ

(قَوْلُهُ فَلَا تُجَامِعُهُ الْغَرَامَةُ) أَيْ وَلِأَنَّ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ سَدُّ، بَابِ الْجِهَادِ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّ النَّاسَ إذَا عَلِمُوا أَنَّ فِيهِ ضَمَانًا يَمْتَنِعُونَ عَنْهُ خَوْفًا مِنْ الضَّمَانِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ

(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا هُوَ رُخْصَةٌ) أَيْ بَلْ إذَا صَبَرَ حَتَّى مَاتَ كَانَ مُثَابًا. اهـ. كَيْ

لا زيادة له على هذه المسألة.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.