وتشهّد
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَتَشَهَّدَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ التَّشَهُّدَ وَاجِبٌ وَأَنَّ الصَّلَاةَ سُنَّةٌ وَقَدَّمْنَا دَلِيلَ السُّنِّيَّةِ وَأَنَّ مُوجِبَ الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ الِافْتِرَاضُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ فِي وُجُوبِهَا كُلَّمَا سَمِعَ ذِكْرَهُ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مِنْ نَفْسِهِ الْمُوجِبِ لِلتَّفْسِيقِ بِالتَّرْكِ لَا فِي الِافْتِرَاضِ فَاخْتَارَ الطَّحَاوِيُّ تَكْرَارَ الْوُجُوبِ وَصَحَّحَهُ فِي التُّحْفَةِ وَالْمُحِيطِ وَاخْتَلَفَ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّهُ لَوْ تَكَرَّرَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ هَلْ يَتَدَاخَلُ الْوُجُوبُ فَيَكْفِيه صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ مِنْ غَيْرِ تَدَاخُلٍ؟
صَحَّحَ فِي الْكَافِي مِنْ بَابِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ الْأَوَّلَ وَأَنَّ الزَّائِدَ نَدْبٌ،
وَكَذَا التَّشْمِيتُ وَصَحَّحَ فِي الْمُجْتَبَى الثَّانِيَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَكْرَارِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَجْلِسٍ حَيْثُ يَكْفِي ثَنَاءٌ وَاحِدٌ.
قَالَ وَلَوْ تَرَكَهُ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ دَيْنًا،
بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَصِيرُ دَيْنًا بِأَنَّ كُلَّ وَقْتٍ أَدَاءٌ لِلثَّنَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَجَدُّدِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ الْمُوجِبَةِ لِلثَّنَاءِ فَلَا يَكُونُ وَقْتًا لِلْقَضَاءِ كَالْفَاتِحَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ،
بِخِلَافِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا الْفَرْقُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَوْقَاتِ،
وَإِنْ كَانَتْ وَقْتًا لِلْأَدَاءِ لَكِنْ لَيْسَ مُطَالَبًا بِالْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ رُخِّصَ لَهُ فِي التَّرْكِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَمَاعُهُ لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى سَبَبًا فِي الْوُجُوبِ كَالصَّلَاةِ وَاخْتَارَ الْكَرْخِيُّ اسْتِحْبَابَ التَّكْرَارِ وَرَجَّحَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَقَدَحَ فِي قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ،
فَإِنْ تَمَّ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ تَرَجَّحَ وَإِلَّا فَالْأَوْلَى قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهَا مِنْ الدُّعَاءِ، بِالرَّغْمِ وَالْإِبْعَادِ وَالشَّقَاءِ وَالْوَصْفِ بِالْبُخْلِ وَالْجَفَاءِ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ إذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ فَإِنَّ الْوَعِيدَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى التَّرْكِ مِنْ عَلَامَاتِ الْوُجُوبِ، وَلَعَلَّ السَّرَخْسِيَّ ظَنَّ أَنَّ الطَّحَاوِيَّ قَائِلٌ بِالِافْتِرَاضِ فَرَدَّهُ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ إنَّمَا قَالَ بِالْوُجُوبِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ عِنْدَنَا لِمَا أَنَّ مُسْتَنَدَهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الصَّلَاةَ تَكُونُ فَرْضًا وَوَاجِبًا وَسُنَّةً وَمُسْتَحَبَّةً وَمَكْرُوهَةً، فَالْأَوَّلُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةٌ،
وَالثَّانِي كُلَّمَا ذُكِرَ عَلَى الصَّحِيحِ،
وَالثَّالِثُ فِي الصَّلَاةِ، وَالرَّابِعُ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ وَالْخَامِسُ فِي الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ التَّشَهُّدِ فِي الْقُعُودِ الْأَخِيرِ، وَظَهَرَ بِمَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ قَوْلَ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهَا فَرْضٌ عِنْدَ سَمَاعِ اسْمِهِ كُلَّ مَرَّةٍ وَهَذَا أَصَحُّ اهـ.
مَحْمُولٌ عَلَى الْوَاجِبِ كَمَا قَدَّمْنَا وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ حَرَامًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا فَتَحَ التَّاجِرُ مَتَاعَهُ وَصَلَّى،
وَكَذَا فِي الْفُقَّاعَيْ، وَفِي الْمُجْتَبَى مَعْزِيًّا إلَى خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ فِي كَيْفِيَّتِهَا فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا اخْتِلَافٌ، وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ ضَابِطُ الْمَذْهَبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكَتْ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ» مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ " فِي الْعَالَمِينَ " وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَنُقِلَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ الصَّلَاةُ الْمَذْكُورَةُ مَعَ تَكْرَارِ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَفِي إفْصَاحِ ابْنِ هُبَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ذَكَرَ الصَّلَاةَ الْمَنْقُولَةَ عَنْهُ مَعَ زِيَادَةِ " فِي الْعَالَمِينَ " وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ عِنْدَ مَالِكٍ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِمْ فَمَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى مُنْيَةِ الْمُصَلِّي مِنْ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِهَا ضَعِيفٌ وَمَعْنَى الصَّلَاةِ الرَّحْمَةُ وَإِنَّمَا كَرَّرَ حَرْفَ الْجَرِّ فِي الْآلِ لِلْإِشَارَةِ إلَى تَرَاخِي رُتْبَةِ آلِهِ عَنْهُ، وَاخْتُلِفَ فِيهِمْ: فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُمْ قَرَابَتُهُ الَّذِينَ حَرُمَتْ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُمْ جَمِيعُ الْأُمَّةِ، وَالتَّشْبِيهُ.
فِي قَوْلِهِ كَمَا صَلَّيْت إمَّا رَاجِعٌ لِآلِ مُحَمَّدٍ
وَإِمَّا لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَى مِنْ الْمُشَبَّهِ أَوْ مُسَاوِيًا بَلْ قَدْ يَكُونُ أَدْنَى مِثْلَ قَوْله تَعَالَى {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} وَسَبَبُ وُقُوعِهِ كَوْنُ الْمُشَبَّهِ بِهِ مَشْهُورًا فَهُوَ مِنْ بَابِ إلْحَاقِ غَيْرِ الْمَشْهُورِ بِالْمَشْهُورِ لَا النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ وَالْوَاقِعُ أَنَّ الْقَدْرَ الْحَاصِلَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآلِهِ أَزْيَدُ مِمَّا حَصَلَ لِغَيْرِهِ وَالنُّكْتَةُ فِي تَخْصِيصِ سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ
إمَّا لِسَلَامِهِ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ لِدُعَائِهِ بِقَوْلِهِ: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ، أَوْ لِأَنَّهُ سَمَّانَا الْمُسْلِمِينَ وَسَمَّاهُ اللَّهُ أَبًا لِلْمُسْلِمِينَ وَحَسُنَ الْخَتْمُ بِ " إنَّكَ " حَمِيدٌ مَجِيدٌ؛ لِأَنَّ الدَّاعِيَ يُشْرَعُ لَهُ أَنْ يَخْتِمَ دُعَاءَهُ بِاسْمٍ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى مُنَاسِبٍ لِلْمَطْلُوبِ كَمَا عُلِمَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، وَالصَّلَاةُ وَالتَّبْرِيكُ عَلَيْهِ يَشْتَمِلُ عَلَى الْحَمْدِ وَالْمَجْدِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى ثَنَاءِ اللَّهِ وَتَكْرِيمِهِ وَرَفْعِ الذِّكْرِ لَهُ فَكَأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَطْلُبُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزِيدَهُ فِي حَمْدِهِ وَمَجْدِهِ فَنَاسَبَ أَنْ يَخْتِمَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الْعَبْدَ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُصَلِّيَ وَلَا يُصَلِّيَ بِنَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ: قُصُورُهُ عَنْ الْقِيَامِ بِهَذَا الْحَقِّ كَمَا يَنْبَغِي، فَالْمُرَادُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْآيَةِ سُؤَالُهَا فَالْمُصَلِّي فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَنِسْبَتُهَا إلَى الْعَبْدِ مَجَازٌ،
وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ قَالَ: وَلَا يَقُولُ ارْحَمْ مُحَمَّدًا وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُهُ لِلتَّوَارُثِ اهـ.
قَالَ السَّرَخْسِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ وَرَدَ بِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلِأَنَّ أَحَدًا وَإِنْ جَلَّ قَدْرُهُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَحَّحَهُ الشَّارِحُ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يُقَالُ مَضْمُومًا إلَى الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ كَمَا أَفَادَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ فَلِذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ ابْتِدَاءً رَحْمَةُ اللَّهِ،
وَمِنْ الْعَجِيبِ مَا وَقَعَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ فِي آخِرِ بَابِ الْوِتْرِ وَالتَّرَاوِيحِ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقُنُوتِ قَالُوا لَا يُصَلِّي فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ،
وَكَذَا لَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى سَاهِيًا لَا يُصَلِّي فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ اهـ.
وَكَانَ وَجْهُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ لَا تَتَكَرَّرُ فَإِذَا أَتَى بِهَا مَرَّةً،
وَلَوْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا لَا تُعَادُ لَكِنَّ هَذَا فِي الثَّانِي مُمْكِنٌ،
وَأَمَّا فِي الْقُنُوتِ فَالصَّلَاةُ آخِرَهُ مَشْرُوعَةٌ كَمَا سَيَأْتِي فَالْحَقُّ خِلَافُهُ، وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا مَا فِي الْمُجْتَبَى: مِنْ أَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِي التَّشَهُّدِ وَلَمْ يُتِمَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فَرْضًا عَلَيْهِ بِالشُّرُوعِ،
وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الصِّحَّةَ وَعِنْدِي فِي صِحَّتِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ بُعْدٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي كُلِّ وَاجِبٍ شَرَعَ فِيهِ وَلَمْ يُتِمَّهُ كَالْفَاتِحَةِ، وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ التَّشَهُّدَ وَالصَّلَاةَ فَشَمِلَ الْمَسْبُوقَ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ فِي التَّشَهُّدِ كَغَيْرِهِ
وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ فَاخْتَلَفُوا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ اخْتَارَ ابْنُ شُجَاعٍ تَكْرَارَ التَّشَهُّدِ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ السُّكُوتَ وَصَحَّحَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ يَتَرَسَّلُ فِي التَّشَهُّدِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ عِنْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَصَحَّحَ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ يَأْتِي بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ مُتَابَعَةً لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَشْتَغِلُ بِالدُّعَاءِ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْأَرْكَانِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُومَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَيَنْبَغِي الْإِفْتَاءُ بِمَا فِي الْفَتَاوَى كَمَا لَا يَخْفَى،
وَفِي عُمْدَةِ الْفَتَاوَى لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ الْإِمَامُ إذَا تَكَلَّمَ وَالْمُقْتَدِي بَعْدُ لَمْ يَقْرَأْ التَّشَهُّدَ قَرَأَ،
وَإِنْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ لَمْ يَقْرَأْ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ بِمَنْزِلَةِ السَّلَامِ وَالْإِمَامُ إذَا سَلَّمَ وَالْمُقْتَدِي لَمْ يَقْرَأْ التَّشَهُّدَ يَقْرَأُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى الْمُقْتَدِي فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ حَدَثِ الْإِمَامِ عَمْدًا.
(قَوْلُهُ فَاخْتَارَ الطَّحَاوِيُّ تَكْرَارَ الْوُجُوبِ) أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَنْ الْقَرْمَانِيِّ وَعِبَارَتُهُ اعْلَمْ أَنَّ تَكَرُّرَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عِنْدَ تَكَرُّرِ الذِّكْرِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الطَّحَاوِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى وُجُوبِ الْكِفَايَةِ لَا وُجُوبِ الْعَيْنِيِّ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْقَرْمَانِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مُقَدِّمَةِ أَبِي اللَّيْثِ لَمَّا عَدَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَقَالَ
ثُمَّ إنَّ كَوْنَهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ يُخْرَجُ عَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ يَعْنِي إذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفْتَرَضُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا فَإِذَا صَلَّى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ يَسْقُطُ عَنْ الْبَاقِينَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ تَعْظِيمُهُ وَإِظْهَارُ شَرَفِهِ عِنْدَ ذِكْرِ اسْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ.
فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مُرَادَ أَبِي اللَّيْثِ بِالِافْتِرَاضِ الْوُجُوبُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الطَّحَاوِيَّ لَمْ يَقُلْ بِالِافْتِرَاضِ وَإِنَّمَا قَالَ بِالْوُجُوبِ الْمُصْطَلَحِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَهَذَا الْفَرْقُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ)
قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ الْفَتْحِ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَقْتٍ مَحَلًّا إلَّا أَنَّ مَحَلِّيَّتَهُ فِي تَفْرِيغِ ذِمَّتِهِ بِالْقَضَاءِ أَوْلَى مِنْهُ بِغَيْرِهِ (وَقَوْلُهُ وَرَجَّحَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ)
قَالَ فِي النَّهْرِ قَالَ السَّرَخْسِيُّ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى وَجَعَلَهُ فِي الْمَجْمَعِ قَوْلَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(تَنْبِيهٌ) يَنْبَغِي أَنْ يَخُصَّ مِنْ قَوْلِ الطَّحَاوِيَّ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ كُلَّمَا سَمِعَ اسْمَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ اسْمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَحْرِيمًا عَلَى مَا مَرَّ فَضْلًا عَنْ الْوُجُوبِ
وَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي قُعُودِ التَّشَهُّدِ الثَّانِي وَاجِبَةٌ وَلَا يُنَافِيه مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ إلَى " عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ " لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ التَّشَهُّدُ وَهَذَا مِنْ حَيْثُ الصَّلَاةُ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ. اهـ.
وَقَدْ يُجَابُ عَنْ اللُّزُومِ بِأَنَّ الْوُجُوبَ مُخَصَّصٌ بِغَيْرِ الذَّاكِرِ لِحَدِيثِ «مَنْ ذُكِرْت عِنْدَهُ» كَمَا فِي دُرَرِ الْبِحَارِ مُشِيرًا إلَى الْجَوَابِ عَمَّا أَوْرَدَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ عَلَى الطَّحَاوِيِّ بِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَخْلُو عَنْ ذِكْرِهِ
فَلَوْ وَجَبَتْ كُلَّمَا ذُكِرَ، لَمْ يُوجَدْ فَرَاغٌ مِنْهَا مُدَّةً مِنْ الْعُمُرِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ لَكِنْ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ إنَّ مَا فِي دُرَرِ الْبِحَارِ غَرِيبٌ مُصَادِمٌ لِسَائِرِ عِبَارَاتِهِمْ، وَيُجَابُ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ بِأَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ مُسَاوٍ لِلْمَنْطُوقِ وَهَذَا لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ التَّعْظِيمَ لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ الذِّكْرِ مِنْهُ وَالذِّكْرِ عِنْدَهُ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ مُلْحَقًا بِالثَّانِي دَلَالَةً نَحْوُ {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى} اهـ.
وَالْجَوَابُ عَمَّا أَوْرَدَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّ ذَلِكَ مُخَصَّصٌ عَقْلًا لِأَنَّ التَّسَلْسُلَ مُحَالٌ لِذَاتِهِ وَالتَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا إجْمَاعًا،
وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ، وَقَدْ وَافَقَ الطَّحَاوِيَّ فِي الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ الْحَلِيمِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَاللَّخْمِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَابْنُ بَطَّةَ مِنْ الْحَنَابِلَةِ ذَكَرَ الْفَاكِهِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفَجْرِ الْمُنِيرِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ حَدِيثَ «الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْت عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» ثُمَّ قَالَ وَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ كُلَّمَا ذُكِرَ، وَهُوَ الَّذِي إلَيْهِ أَمِيلُ.
(قَوْلُهُ فَالْأَوَّلُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً)
قَالَ فِي النَّهْرِ وَعَلَى هَذَا لَوْ صَلَّى فِي أَوَّلِ بُلُوغِهِ صَلَاةً أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ فِي تَشَهُّدِهِ عَنْ الْفَرْضِ وَوَقَعَتْ فَرْضًا وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا، وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ فِي الِابْتِدَاءِ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ اهـ.
أَقُولُ: نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَنَصُّهُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً إنْ شَاءَ جَعَلَهَا فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا
(قَوْلُهُ مَعَ زِيَادَةِ فِي الْعَالَمِينَ) أَيْ بَعْدَ قَوْلِهِ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ،
ثُمَّ قَالَ: وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ الْإِفْصَاحِ أَيْ إفْصَاحِ ابْنِ هُبَيْرَةَ زِيَادَةُ " فِي الْعَالَمِينَ " بَعْدَ " كَمَا صَلَّيْت " أَيْضًا وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ لَكِنْ لَا يَحْضُرُنِي الْآنَ مَنْ رَوَاهَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مَنْ خَرَّجَهَا مِنْ الْحُفَّاظِ وَلَا ثُبُوتُهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَالتَّشْبِيهُ فِي قَوْلِهِ كَمَا صَلَّيْت إلَى قَوْلِهِ وَسَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى أَبًا لِلْمُسْلِمِينَ) قَالَ الشَّيْخُ خَيْرُ الدِّينِ قَالَ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ الشِّفَاءِ قَدْ اشْتَهَرَ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ سُؤَالٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُشَبَّهَ دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ فَكَيْفَ تَطْلُبُ صَلَاةً عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُشْبِهُ الصَّلَاةَ عَلَى إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَذُكِرَ فِي ذَلِكَ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ: قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ إبْرَاهِيمَ
وَقِيلَ: سَأَلَ صَلَاةً يَتَّخِذُهُ بِهَا خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا
وَقِيلَ: أَرَادَ الْمُشَابَهَةَ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ لَا فِي قَدْرِهَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ} الْآيَةَ
وَقِيلَ: عَلَى ظَاهِرِهِ وَالْمُرَادُ اجْعَلْ لِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ صَلَاةً بِمِقْدَارِ الصَّلَاةِ لِإِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ فَالْمَسْئُولُ مُقَابَلَةُ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ لِأَنَّ الْمُخْتَارَ مِنْ الْقَوْلِ فِي الْآلِ أَنَّهُمْ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ فَيَدْخُلُ فِي آلِ إبْرَاهِيمَ خَلَائِقُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا يَدْخُلُ فِي آلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيٌّ فَطَلَبَ إلْحَاقَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الَّتِي فِيهَا نَبِيٌّ وَاحِدٌ بِتِلْكَ الْجُمْلَةِ الَّتِي فِيهَا خَلَائِقُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ،
وَقِيلَ: إنَّ التَّشْبِيهَ وَقَعَ عَلَى الْآلِ لَا عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَكَانَ قَوْلُهُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ مَقْطُوعًا مِنْ التَّشْبِيهِ وَتَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَهُ وَقَوْلُهُ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ اهـ.
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ لِتَتِمَّ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِهِ
وَقِيلَ سَأَلَ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ وَقِيلَ بَلْ لِيَبْقَى ذَلِكَ لَهُ دَائِمًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَجْعَلَ لَهُ بِهِ لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ كَإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -،
وَفِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنْيَّةِ بَعْدَ أَنْ أَسْهَبَ فِي الْأَجْوِبَةِ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ بَعْدَ أَنْ زَيَّفَ أَكْثَرَ الْأَجْوِبَةِ إلَّا تَشْبِيهَ الْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ: وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ آلِ إبْرَاهِيمَ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} قَالَ: مُحَمَّدٌ مِنْ آلِ إبْرَاهِيمَ فَكَأَنَّهُ أَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ خُصُوصًا بِقَدْرِ مَا صَلَّيْنَا عَلَيْهِ مَعَ إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ عُمُومًا، فَيَحْصُلُ لِآلِهِ مَا يَلِيقُ بِهِمْ وَيَبْقَى الْبَاقِي كُلُّهُ لَهُ وَذَلِكَ الْقَدْرُ أَزْيَدُ مِمَّا لِغَيْرِهِ مِنْ آلِ إبْرَاهِيمَ وَتَظْهَرُ حِينَئِذٍ
فَائِدَةُ التَّشْبِيهِ وَأَنَّ الْمَطْلُوبَ لَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَطْلُوبِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ اهـ وَإِذَا أَرَدْت الْمَزِيدَ مِنْ ذَلِكَ فَرَاجِعِ الْمَوَاهِبَ الْمَذْكُورَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ إنَّمَا هُوَ إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ: عِبَارَةُ الشَّارِحِ فِي آخِرِ الْكِتَابِ تَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْكُلِّ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: اخْتَلَفُوا فِي التَّرَحُّمِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّدًا قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ كَالصَّلَاةِ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ مِنْ أَشْوَقِ الْعِبَادِ إلَى مَزِيدٍ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ لِوُرُودِهِ فِي الْأَثَرِ وَلَا عَتَبَ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ،
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَنَا أَقُولُ: ارْحَمْ مُحَمَّدًا لِلتَّوَارُثِ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِتَفْسِيرِهِمْ الصَّلَاةَ بِالرَّحْمَةِ وَاللَّفْظَانِ إذَا اسْتَوَيَا فِي الدَّلَالَةِ صَحَّ قِيَامُ أَحَدِهِمَا مَقَامَ الْآخَرِ وَلِذَا أَقَرَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْأَعْرَابِيَّ عَلَى قَوْلِهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا.
(وَتَشَهَّدَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَنَا،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَرْضٌ. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي بَيَانِ السُّنَنِ وَسُئِلَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّدًا؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ تَقْصِيرَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إذْ الرَّحْمَةُ تَكُونُ بِإِتْيَانِ مَا يُلَامُ عَلَيْهِ وَقَدْ أُمِرْنَا بِتَعْظِيمِهِمْ
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُتَكَلِّمِينَ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ مِنْ أَشْوَقِ الْعِبَادِ إلَى مَدِيدِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَسْتَغْنِي أَحَدٌ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُصَلِّي عَلَى أَحَدٍ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - تَوْقِيرًا لِلْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ: وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَقُولَ) أَيْ الْمُصَلِّي. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ أُمِرْنَا بِتَعْظِيمِهِمْ) وَلِهَذَا لَوْ ذُكِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُقَالُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ بَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ. اهـ. كَاكِيٌّ،
وَكَذَا إذَا ذُكِرَ الصَّحَابِيَّ لَا يُقَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَلْ يُقَالُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. اهـ. ذَخِيرَةٌ
(قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ) وَفِي مَبْسُوطِ السَّرَخْسِيِّ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ وَرَدَ بِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَا عَتْبَ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْأَثَرَ. اهـ. كَاكِيٌّ وَهَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ الرُّسْتُغْفَنِيُّ وَقَالَ مَعْنَى وَارْحَمْ مُحَمَّدًا رَاجِعٌ إلَى أُمَّتِهِ
إمَّا بِطَرِيقِ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ أَوْ بِطَرِيقِ الِاسْتِعْطَافِ بِوَاسِطَةٍ كَشَخْصٍ جَنَى وَأَبُوهُ شَيْخٌ يُقَالُ لِلْمُعَاقِبِ ارْحَمْ هَذَا الشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَالرَّحْمَةُ رَاجِعَةٌ إلَى الِابْنِ فِي الْحَقِيقَةِ فَكَذَا هُنَا. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ إلَى آخِرِهِ) قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُصَلِّي عَلَى أَحَدٍ غَيْرَ نَبِيٍّ إلَّا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى آلِ النَّبِيِّ عَلَى إثْرِ ذِكْرِهِ. اهـ. غَايَةٌ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.