الِاسْتِحْقَاقُ نَوْعَانِ مُبْطِلٌ لِلْمِلْكِ كَالْعِتْقِ وَنَحْوِهِ وَنَاقِلٌ لَهُ كَالِاسْتِحْقَاقِ بِهِ وَالنَّاقِلُ لَا يُوجِبُ فَسْخَ الْعَقْدِ وَالْحُكْمُ بِهِ حُكْمٌ عَلَى ذِي الْيَدِ وَعَلَى مَنْ تَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْهُ
الشروح عليها
بَابُ الِاسْتِحْقَاقِ هُوَ طَلَبُ الْحَقِّ (الِاسْتِحْقَاقُ نَوْعَانِ) أَحَدُهُمَا (مُبْطِلٌ لِلْمِلْكِ) بِالْكُلِّيَّةِ (كَالْعِتْقِ) وَالْحُرِّيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ (وَنَحْوِهِ) كَتَدْبِيرٍ وَكِتَابَةٍ (وَ) ثَانِيهِمَا (نَاقِلٌ لَهُ) مِنْ شَخْصٍ إلَى آخَرَ (كَالِاسْتِحْقَاقِ بِهِ) أَيْ بِالْمِلْكِ بِأَنْ ادَّعَى زَيْدٌ عَلَى بَكْرٍ أَنَّ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْعَبْدِ مِلْكٌ لَهُ وَبَرْهَنَ (وَالنَّاقِلُ لَا يُوجِبُ فَسْخَ الْعَقْدِ) عَلَى الظَّاهِرِ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْمِلْكِ (وَالْحُكْمُ بِهِ حُكْمٌ عَلَى ذِي الْيَدِ وَعَلَى مَنْ تَلَقَّى) ذُو الْيَدِ (الْمِلْكَ مِنْهُ) وَلَوْ مُوَرِّثَهُ فَيَتَعَدَّى إلَى بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ أَشْبَاهٌ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ هُوَ طَلَبُ الْحَقِّ) أَفَادَ أَنَّ السِّينَ وَالتَّاءَ لِلطَّلَبِ، لَكِنْ فِي الْمِصْبَاحِ: اسْتَحَقَّ فُلَانٌ الْأَمْرَ اسْتَوْجَبَهُ قَالَ الْفَارَابِيُّ وَجَمَاعَةٌ فَالْأَمْرُ مُسْتَحَقٌّ بِالْفَتْحِ اسْمُ مَفْعُولٍ، وَمِنْهُ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا اهـ فَأَشَارَ إلَى أَنَّ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيَّ مُوَافِقٌ لِلُّغَوِيِّ، وَهُوَ كَوْنُ الْمُرَادِ بِالِاسْتِحْقَاقِ ظُهُورُ كَوْنِ الشَّيْءِ حَقًّا وَاجِبًا لِلْغَيْرِ
(قَوْلُهُ بِالْكُلِّيَّةِ) أَيْ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لِأَحَدٍ عَلَيْهِ حَقُّ التَّمْلِيكِ مِنَحٌ وَدُرَرٌ، وَالْمُرَادُ بِالْأَحَدِ أَحَدُ الْبَاعَةِ مَثَلًا لَا الْمُدَّعِي فَإِنَّ لَهُ حَقَّ التَّمَلُّكِ فِي الْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَالِاسْتِحْقَاقُ فِيهِمَا مِنْ الْمُبْطِلِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ ط
(قَوْلُهُ وَالنَّاقِلُ لَا يُوجِبُ فَسْخَ الْعَقْدِ) بَلْ يُوجِبُ تَوَقُّفَهُ عَلَى إجَازَةِ الْمُسْتَحِقِّ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَتَبِعَهُ الْجَمَاعَةُ.
وَاعْتَرَضَهُ شَارِحٌ بِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ بَيْعُ فُضُولِيٍّ، وَفِيهِ إذَا وُجِدَ عَدَمُ الرِّضَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، وَإِثْبَاتُ الِاسْتِحْقَاقِ دَلِيلُ عَدَمِ الرِّضَا، وَالْمَفْسُوخُ لَا تَلْحَقُهُ إجَازَةٌ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَمَا فِي النِّهَايَةِ هُوَ الْمَنْصُورُ وَقَوْلُهُ إثْبَاتُ الِاسْتِحْقَاقِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الرِّضَا أَيْ بِالْبَيْعِ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ عَدَمِ الرِّضَا بِأَنْ يَذْهَبَ مِنْ يَدِهِ مَجَّانًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدَّعِ الِاسْتِحْقَاقَ وَيُثْبِتْهُ اسْتَمَرَّ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ عَيْنُهُ وَلَا بُدَّ لَهُ فَإِثْبَاتُهُ لِيَحْصُلَ أَحَدُهُمَا
إمَّا الْعَيْنُ أَوْ الْبَدَلُ بِأَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ الْبَيْعَ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الْبَيْعِ مَتَى يَنْفَسِخُ؟ فَقِيلَ إذَا قَبَضَ الْمُسْتَحِقُّ
وَقِيلَ بِنَفْسِ الْقَضَاءِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ مَا لَمْ يَرْجِعْ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ، حَتَّى لَوْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ بَعْدَ مَا قُضِيَ لَهُ أَوْ بَعْدَمَا قَبَضَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ يَصِحُّ.
وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ: الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْقَضَاءَ لِلْمُسْتَحِقِّ لَا يَكُونُ فَسْخًا لَلْبَيَّاعَات مَا لَمْ يَرْجِعْ كُلٌّ عَلَى بَائِعِهِ بِالْقَضَاءِ،
وَفِي الزِّيَادَاتِ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ مَا لَمْ يَأْخُذْ الْعَيْنَ، بِحُكْمِ الْقَضَاءِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَنْفَسِخُ مَا لَمْ يُفْسَخْ وَهُوَ الْأَصْلُ اهـ وَمَعْنَى هَذَا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى الْفَسْخِ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيهَا أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الْفَسْخُ بِلَا قَضَاءٍ أَوْ رِضَا الْبَائِعِ لِأَنَّ احْتِمَالَ إقَامَةِ الْبَائِعِ الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ ثَابِتٌ إلَّا إذَا قَضَى الْقَاضِي فَيَلْزَمُ فَيُفْسَخُ، وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ. فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِيمَا يَنْفَسِخُ بِهِ الْعُقُودُ، وَيَأْتِي قَرِيبًا عَنْ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَا لَمْ يُقْضَ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ بِمُجَرَّدِ الْقَضَاءِ بِالِاسْتِحْقَاقِ، بَلْ يَبْقَى الْعَقْدُ مَوْقُوفًا بَعْدَهُ عَلَى إجَازَةِ الْمُسْتَحِقِّ، أَوْ فَسْخِهِ عَلَى الصَّحِيحِ،
فَإِذَا فَسَخَهُ صَرِيحًا فَلَا شَكَّ فِيهِ،
وَكَذَا لَوْ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ، لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْفَسْخِ،
وَكَذَا لَوْ طَلَبَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ عَلَى الْبَائِعِ بِدَفْعِ الثَّمَنِ، فَحَكَمَ لَهُ بِذَلِكَ أَوْ تَرَاضَيَا عَلَى الْفَسْخِ، فَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ حَصْرَ الْفَسْخِ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ، بَلْ أَيُّهَا وُجِدَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِالِاسْتِحْقَاقِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ.
بَقِيَ شَيْءٌ: وَهُوَ أَنَّهُ يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ،
وَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْمُشْتَرِي بِلَا إلْزَامِ الْقَاضِي إيَّاهُ وَهَذَا مَذْهَبُ مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي الْحَامِدِيَّةِ وَنُورِ الْعَيْنِ عَنْ جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْمِلْكِ) أَيْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ أَظْهَرَ تَوَقُّفَ الْعَقْدِ عَلَى إجَازَةِ الْمُسْتَحِقِّ أَوْ فَسْخِهِ كَمَا عَلِمْت
(قَوْلُهُ حُكْمٌ عَلَى ذِي الْيَدِ) حَتَّى يُؤْخَذَ الْمُدَّعَى مِنْ يَدِهِ دُرَرٌ، وَهَذَا إذَا كَانَ خَصْمًا فَلَا يُحْكَمُ عَلَى مُسْتَأْجِرٍ وَنَحْوِهِ
(قَوْلُهُ وَعَلَى مَنْ تَلَقَّى ذُو الْيَدِ الْمِلْكَ مِنْهُ) هَذَا مَشْرُوطٌ بِمَا إذَا ادَّعَى ذُو الْيَدِ الشِّرَاءَ مِنْهُ. فَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ: إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي فِي جَوَابِ دَعْوَى الْمِلْكِ هَذَا مِلْكِي لِأَنِّي شَرَيْته مِنْ فُلَانٍ صَارَ الْبَائِعُ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ:
أَمَّا إنْ قَالَ فِي الْجَوَابِ مِلْكِي وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ لَا يَصِيرُ الْبَائِعُ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ وَالْإِرْثُ كَالشِّرَاءِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ. وَصُورَتُهُ: دَارٌ بِيَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي أَنَّهَا لَهُ فَجَاءَ آخَرُ وَادَّعَى أَنَّهَا لَهُ وَقُضِيَ لَهُ بِهَا فَجَاءَ أَخُو الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، وَادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ لِأَبِيهِ تَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ وَلِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ يُقْضَى لِلْأَخِ الْمُدَّعِي بِنِصْفِهَا لِأَنَّ ذَاكَ لَمْ يَقُلْ مِلْكِي لِأَنِّي وَرِثْتهَا مِنْ أَبِي لِيَصِيرَ الْأَخُ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ،
وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ الْأَخُ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ بَعْدَ إنْكَارِهِ وَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَلَوْ أَقَرَّ بِالْإِرْثِ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَى الْأَخِ اهـ قَالَ: وَذَكَرَ قَبْلَهُ إذَا صَارَ الْمُوَرِّثُ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ فِي مَحْدُودٍ فَمَاتَ فَادَّعَى وَارِثُهُ ذَلِكَ الْمَحْدُودَ إنْ ادَّعَى الْإِرْثَ مِنْ هَذَا الْمُوَرِّثِ لَا تُسْمَعُ،
وَإِنْ ادَّعَى مُطْلَقًا تُسْمَعُ وَإِنْ كَانَ الْمُوَرِّثُ مُدَّعِيًا وَقُضِيَ لَهُ ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِهِ ادَّعَى وَارِثُ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ عَلَى وَارِثِ الْمَقْضِيِّ لَهُ هَذَا الْمَحْدُودَ مُطْلَقًا لَا تُسْمَعُ اهـ.
[فَرْعٌ] فِي الْبَزَّازِيَّةِ: مُسْلِمٌ بَاعَ عَبْدًا مِنْ نَصْرَانِيٍّ فَاسْتَحَقَّهُ نَصْرَانِيٌّ بِشَهَادَةِ نَصْرَانِيَّيْنِ لَا يُقْضَى لَهُ، لِأَنَّهُ لَوْ قُضِيَ لَهُ لَرَجَعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُسْلِمِ (قَوْلُهُ وَلَوْ مُوَرِّثَهُ) الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى مَنْ فِي قَوْلِهِ وَعَلَى مَنْ تَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْهُ: أَيْ لَوْ اشْتَرَاهُ ذُو الْيَدِ مِنْ مُوَرِّثِهِ، فَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِحْقَاقِ حُكْمٌ عَلَى الْمُوَرِّثِ، فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ بِالْإِرْثِ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.