وَالْقَوْلُ لَهُ فِي الْبَيَانِ لَا يُجْبَرُ عَلَى إعْطَاءِ الْكَفِيلِ بِالنَّفْسِ حَدٍّ وَقَوَدٍ
الشروح عليها
(وَالْقَوْلُ لَهُ) أَيْ لِلْكَفِيلِ (فِي الْبَيَانِ) لِأَنَّهُ يَدَّعِي صِحَّةَ الْكَفَالَةِ، وَكَلَامُ السِّرَاجِ يُفِيدُ اشْتِرَاطَ إقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْمَالِ فَلْيُحَرَّرْ. (لَا يُجْبَرُ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (عَلَى إعْطَاءِ الْكَفِيلِ بِالنَّفْسِ فِي) دَعْوَى (حَدٍّ وَقَوَدٍ) مُطْلَقًا.
وَقَالَا: يُجْبَرُ فِي قَوَدٍ وَحَدِّ قَذْفٍ وَسَرِقَةٍ كَتَعْزِيرٍ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ، وَالْمُرَادُ بِالْجَبْرِ الْمُلَازَمَةُ لَا الْحَبْسُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَالْقَوْلُ لَهُ أَيْ الْكَفِيلِ) عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمِنَحِ: أَيْ لِلْمَكْفُولِ لَهُ وَهِيَ الصَّوَابُ، وَقَدْ تَبِعَ الشَّارِحُ الدُّرَرَ.
وَاعْتَرَضَهُ فِي الْعَزْمِيَّةِ بِقَوْلِهِ هَذَا سَهْوٌ ظَاهِرٌ وَالصَّوَابُ لِلْمُدَّعِي.
أَمَّا دِرَايَةً فَلِأَنَّ قَوْلَهُمْ: لِأَنَّهُ يَدَّعِي الصِّحَّةَ يَشْهَدُ بِذَلِكَ،
فَإِنَّ ادِّعَاءَ الصِّحَّةِ لَا يُوَافِقُ مُدَّعَاهُ.
وَأَمَّا رِوَايَةً فَلِقَوْلِهِ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ فِي هَذَا الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الصِّحَّةَ، وَالْكَفِيلُ يَدَّعِي الْفَسَادَ ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ اهـ.
وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ: وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ عِنْدَ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الصِّحَّةَ اهـ مَا فِي الْعَزْمِيَّةِ.
وَفِي النِّهَايَةِ: فَإِذَا بَيَّنَ الْمُدَّعِي ذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي يَنْصَرِفُ بَيَانُهُ إلَى ابْتِدَاءِ الدَّعْوَى وَالْمُلَازَمَةِ، فَتَظْهَرُ صِحَّةُ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ جَمِيعًا وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي هَذَا الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي صِحَّةَ الْكَفَالَةِ اهـ
وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانَ، فَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ صَرِيحَةٌ فِي الْمُرَادِ، وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَاتِ الْمُتُونِ وَالْهِدَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَكَلَامُ السِّرَاجِ يُفِيدُ إلَخْ)
وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَلْفًا فَأَنْكَرَهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ إنْ لَمْ أُوَافِك بِهِ غَدًا فَهِيَ عَلَيَّ فَلَمْ يُوَافِهِ بِهِ غَدًا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمَكْفُولَ عَنْهُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِوُجُودِ الْمَالِ وَلَا اعْتَرَفَ الْكَفِيلُ بِهَا أَيْضًا، فَصَارَ هَذَا مَالًا مُعَلَّقًا بِخَطَرٍ فَلَا يَجُوزُ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَلْيُحَرَّرْ) لَا يَخْفَى أَنَّ مَا فِي السِّرَاجِ لَا يُعَارِضُ مَا فِي مَشَاهِيرِ كُتُبِ الْمَذْهَبِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
وَقَالَ السَّائِحَانِيُّ: الَّذِي تَحَرَّرَ لِي أَنْ يُحْمَلَ مَا فِي السِّرَاجِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ثَانِيًا اهـ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَلَا يُقَالُ إنْ قَالَ السِّرَاجُ فَأَنْكَرَهُ يُفِيدُ التَّوْفِيقَ بِحَمْلِ كَلَامِهِمْ عَلَى الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا فَرَضَ بِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كَافِي الْحَاكِمِ مِنْ كَوْنِ الْكَفِيلِ وَالْمَطْلُوبِ مُنْكِرَيْنِ لِلْمَالِ
(قَوْلُهُ: فِي دَعْوَى حَدٍّ وَقَوَدٍ) قَيَّدَ بِالدَّعْوَى؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِنَفْسِ الْحَدِّ وَالْقَوَدِ لَا تَجُوزُ إجْمَاعًا كَمَا يَأْتِي إذْ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُمَا مِنْ الْكَفِيلِ، وَقَيَّدَ بِالْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْقَتْلِ وَالْجِرَاحَةِ خَطَأٌ يُجْبَرُ عَلَيْهِ الْكَفِيلُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ الْمَالُ نَهْرٌ.
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ فِي حَقِّهِ تَعَالَى أَوْ حَقِّ عَبْدٍ، وَهَذَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ حَدٌّ، وَالْأَوْلَى ذِكْرُهُ عَقِبَهُ.
(قَوْلُهُ: وَسَرِقَةٍ) هَذَا أَلْحَقَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ وَجَعَلَهُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لِكَوْنِ الدَّعْوَى فِيهِ شَرْطًا،
بِخِلَافِ غَيْرِهِ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهَا بَحْرٌ.
قُلْت: قَدْ صَرَّحَ بِهِ الْحَاكِمُ فِي الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ قِبَلَ رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مِنْهُ وَقَالَ بَيِّنَتِي حَاضِرَةٌ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ لَهُ كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ،
وَلَوْ قَالَ قَدْ قَبَضْت مِنْهُ السَّرِقَةَ وَلَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُقِيمَ الْحَدَّ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ كَفِيلٌ ثُمَّ
قَالَ: وَإِذَا أَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى السَّارِقِ وَعَلَى السَّرِقَةِ، وَهِيَ بِعَيْنِهَا فِي يَدَيْهِ، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ كَفِيلٌ وَلَكِنْ يُحْبَسُ وَتُوضَعُ السَّرِقَةُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ حَتَّى يُزَكَّى الشُّهُودُ اهـ.
قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُحْبَسُ وَلَا يُكْفَلُ فِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُتَّهَمًا بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ التَّزْكِيَةِ، وَالْمُتَّهَمُ يُحْبَسُ كَمَا يَأْتِي،
وَفِي الْأُولَى لَمْ يُحْبَسْ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ عُقُوبَةٌ فَلَا يَفْعَلُهَا قَبْلَ الشَّهَادَةِ.
(قَوْلُهُ: كَتَعْزِيرٍ) قَالَ فِي الْكَافِي: لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ قِبَلَ رَجُلٍ شَتِيمَةً فِيهَا تَعْزِيرٌ وَقَالَ بَيِّنَتِي حَاضِرَةٌ أَخَذَ لَهُ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدٍّ وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ،
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عَفَا عَنْهُ وَتَرَكَهُ جَازَ ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ أَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ بِالشَّتِيمَةِ لَمْ يُحْبَسْ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ،
فَإِنْ زُكُّوا عَزَّرَهُ الْقَاضِي أَسْوَاطًا،
وَإِنْ رَأَى أَنْ لَا يَضْرِبَهُ وَأَنْ يَحْبِسَهُ أَيَّامًا عُقُوبَةً فَعَلَ،
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ رَجُلًا لَهُ مُرُوءَةٌ وَخَطَرٌ اسْتَحْسَنْت أَنْ لَا أَحْبِسَهُ وَلَا أُعَزِّرَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا فَعَلَ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ) ظَاهِرُهُ أَنَّ مَا كَانَ أَيْ مِنْ التَّعْزِيرِ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ بِهِ التَّكْفِيلُ كَالْحَدِّ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْجَبْرِ) أَيْ عَلَى قَوْلِهِمَا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: الْمُلَازَمَةِ) أَيْ بِأَنْ يَدُورَ مَعَهُ الطَّالِبُ حَيْثُ دَارَ كَيْ لَا يَتَغَيَّبَ عَنْهُ.
وَإِذَا أَرَادَ دُخُولَ دَارِهِ، فَإِنْ شَاءَ الْمَطْلُوبُ أَدْخَلَهُ مَعَهُ وَإِلَّا مَنَعَهُ الطَّالِبُ عَنْهُ، نَهْرٌ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.