فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الدر المختارالحصكفي

(وَلَوْ خَطَأً فَ) الْغُرْمُ (عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ) دُرَرٌ وَفِي الْمِنَحِ مَعْزِيًّا لِلسِّرَاجِ قَالَ مُحَمَّدٌ: لَوْ قَالَ تَعَمَّدْت الْجَوْرَ انْعَزَلَ عَنْ الْقَضَاءِ وَفِيهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا غَلَبَ جَوْرُهُ وَرِشْوَتُهُ رُدَّتْ قَضَايَاهُ وَشَهَادَتُهُ [فُرُوعٌ] الْقَضَاءُ مُظْهِرٌ لَا مُثْبِتٌ وَيَتَخَصَّصُ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ وَخُصُومَةٍ حَتَّى لَوْ أَمَرَ السُّلْطَانُ بَعْدَ سَمَاعِ الدَّعْوَى بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ سَنَةً فَسَمِعَهَا لَمْ يَنْفُذْ.

٣٬٦٤٣

قُلْت: فَلَا تُسْمَعُ الْآنَ بَعْدَهَا إلَّا بِأَمْرٍ إلَّا فِي الْوَقْفِ وَالْإِرْثِ وَوُجُودِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ وَبِهِ أَفْتَى الْمُفْتِي أَبُو السُّعُودِ فَلْيُحْفَظْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أَمْرُ السُّلْطَانِ إنَّمَا يَنْفُذُ إذَا وَافَقَ الشَّرْعَ وَإِلَّا فَلَا أَشْبَاهٌ مِنْ الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَفَوَائِدَ شَتَّى،

٣٬٦٤٤

فَلَوْ أَمَرَ قُضَاتَهُ بِتَحْلِيفِ الشُّهُودِ وَجَبَ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَنْ يَنْصَحُوهُ وَيَقُولُوا لَهُ لَا تُكَلِّفْ قُضَاتَك إلَى أَمْرٍ يَلْزَمُ مِنْهُ سُخْطُك أَوْ سُخْطُ الْخَالِقِ تَعَالَى.

قَضَاءُ الْبَاشَا وَكِتَابُهُ إلَى الْقَاضِي جَائِزٌ إنْ لَمْ يَكُنْ قَاضٍ مُوَلًّى مِنْ السُّلْطَانِ. الْحَاكِمُ كَالْقَاضِي إلَّا فِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً ذَكَرْنَاهَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ يَعْنِي فِي الْبَحْرِ.

٣٬٦٤٥

وَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ الْقَاضِي بِتَأْخِيرِ الْحُكْمِ يَأْثَمُ وَيُعَزَّرُ وَيُعْزَلُ وَفِي الْأَشْبَاهِ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي تَأْخِيرُ الْحُكْمِ بَعْدَ وُجُودِ شَرَائِطِهِ إلَّا فِي ثَلَاثٍ: لِرِيبَةٍ، وَلِرَجَاءِ صُلْحِ أَقَارِبَ وَإِذَا اسْتَمْهَلَ الْمُدَّعِيَ. لَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ عَنْ قَضَائِهِ إلَّا فِي ثَلَاثٍ لَوْ بِعِلْمِهِ أَوْ ظَهَرَ خَطَؤُهُ أَوْ

٣٬٦٤٦

بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ.

فِعْلُ الْقَاضِي حُكْمٌ،

٣٬٦٤٧

فَلَوْ زَوَّجَ الْيَتِيمَةَ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ ابْنِهِ لَمْ يَجُزْ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ: إذَا أَذِنَ الْوَلِيُّ لِلْقَاضِي بِتَزْوِيجِهَا كَانَ وَكِيلًا،

٣٬٦٤٨

وَإِذَا أَعْطَى فَقِيرًا مِنْ وَقْفِ الْفُقَرَاءِ كَانَ لَهُ إعْطَاءُ غَيْرِهِ أَمْرُ الْقَاضِي حُكْمٌ إلَّا فِي مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ الْمَذْكُورَةِ فَأَمْرُهُ فَتْوَى

٣٬٦٤٩

فَلَوْ صَرَفَ بِغَيْرِهِ صَحَّ الْقَاضِي يُحَلِّفُ غَرِيمَ الْمَيِّتِ وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ الْمَرِيضُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ أَمِينِ الْقَاضِي أَنَّهُ حَلَّفَ الْمُخَدَّرَةَ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ.

مَنْ اعْتَمَدَ عَلَى أَمْرِ الْقَاضِي الَّذِي لَيْسَ بِشَرْعِيٍّ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعُهْدَةِ اهـ وَقَدَّمْنَا فِي الْوَقْفِ عَنْ الْمَنْظُومَةِ الْمُحِبِّيَّةِ مَعْزِيًّا لِلْمَبْسُوطِ أَنَّ لِلسُّلْطَانِ مُخَالَفَةَ شَرْطِ الْوَاقِفِ لَوْ غَالِبُهُ قُرًى وَمَزَارِعَ، وَأَنَّهُ يَعْمَلُ بِأَمْرِهِ وَإِنْ غَايَرَ الشَّرْطَ فَلْيُحْفَظْ.

٣٬٦٥٠

قُلْت: وَأَجَابَ صُنْعِي أَفَنْدِي بِأَنَّهُ مَتَى كَانَ فِي الْوَقْفِ سَعَةٌ وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي أَدَاءِ خِدْمَتِهِ لَا يُمْنَعُ فَتَنَبَّهْ وَفِي الْوَهْبَانِيَّةِ يُحْبَسُ الْوَلِيُّ بِدَيْنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يُوفِيَهُ أَوْ يَظْهَرَ فَقْرُ الصَّغِيرِ

٣٬٦٥١

قُلْت: لَكِنْ قَدَّمَ شَارِحُهَا عَنْ قَاضِي خَانْ أَنَّ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ وَالْبَالِغَ وَالصَّبَى فِي الْحَبْسِ سَوَاءٌ فَيُتَأَمَّلْ نَفْيُهُ هُنَا قَالَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ، قَالَ: وَلَيْسَ لِلْقَاضِي الْبَيْعُ مَعَ وُجُودِ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ وَهِيَ

٣٬٦٥٢

فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ.

قُلْت: وَفِي الْقُنْيَةِ وَمَتَى بَاعَا فَلِلْقَاضِي نَقْضُهُ لَوْ أَصْلَحَ كَمَا نَظَمَهُ الشَّارِحُ فَضَمَمْته لِلْمَتْنِ مُغَيِّرًا لِبَعْضِهِ

فَقُلْت:

وَيُنْقَضُ بَيْعٌ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيِّهِ ...

٣٬٦٥٣

وَلَوْ مُصْلِحًا وَالْأَصْلَحُ النَّقْضُ يُسْطَرُ وَيُحْبَسُ فِي دَيْنٍ عَلَى الطِّفْلِ وَالِدٌ ... وَصِيٌّ وَلِلتَّأْدِيبِ بَعْضٌ يُصَوَّرُ وَفِي الدَّيْنِ لَمْ يُحْبَسْ أَبٌ وَمُكَاتَبٌ ... وَعَبْدٌ لِمَوْلَاهُ كَعَكْسٍ وَمُعْسِرُ نَعَمْ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ مَدْيُونًا يُحْبَسُ الْمَوْلَى بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لِلْغُرَمَاءِ،

٣٬٦٥٤

وَكَذَا يُحْبَسُ بِدَيْنٍ مُكَاتَبُهُ إلَّا فِيمَا كَانَ مِنْ حَبْسِ الْكِتَابَةِ فَفِي عَتَاقِ الْوَهْبَانِيَّةِ:

وَفِي غَيْرِ جِنْسِ الْحَقِّ يَحْبِسُ سَيِّدًا ... مُكَاتَبُهُ وَالْعَبْدُ فِيهَا مُخَيَّرُ وَفِي حَجْرِهَا يُحْبَسُ ذُو الْكُتُبِ الصِّحَاحِ الْمُحَرِّرِ ... عَلَى الدَّيْنِ إذْ بِالْكُتُبِ مَا هُوَ مُعْسِرُ بَابُ التَّحْكِيمِ

رد المحتارابن عابدين، حاشية على الدر المختار

(قَوْلُهُ: انْعَزَلَ عَنْ الْقَضَاءِ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ مَبْنِيَّانِ عَلَى رِوَايَةِ انْعِزَالِهِ بِالْفِسْقِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بَلْ يَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ.

(قَوْلُهُ: وَفِيهِ) لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي الْمِنَحِ، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ إلَى السِّرَاجِ.

(قَوْلُهُ: وَشَهَادَتُهُ) أَيْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ شَهَادَةً عِنْدَ الْقَاضِي الْمُوَلَّى لَا يَقْبَلُهَا لِفِسْقِهِ بِغَلَبَةِ الْجَوْرِ وَالرِّشْوَةِ فَافْهَمْ [فُرُوعٌ الْقَضَاءُ مُظْهِرٌ لَا مُثْبِتٌ وَيَتَخَصَّصُ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ وَخُصُومَةٍ]

(قَوْلُهُ: الْقَضَاءُ مُظْهِرٌ لَا مُثْبِتٌ) لِأَنَّ الْحَقَّ الْمَحْكُومَ بِهِ كَانَ ثَابِتًا وَالْقَضَاءُ أَظْهَرَهُ وَالْمُرَادُ مَا كَانَ ثَابِتًا وَلَوْ تَقْدِيرًا كَالْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي تَعْرِيفِ الْقَضَاءِ عَنْ ابْنِ الْغَرْسِ. مَطْلَبٌ الْقَضَاءُ يَقْبَلُ التَّقْيِيدَ وَالتَّعْلِيقَ

(قَوْلُهُ: وَيُتَخَصَّصُ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ وَخُصُومَةٍ) عَزَاهُ فِي الْأَشْبَاهِ إلَى الْخُلَاصَةِ

٣١٬٠٧٢

وَقَالَ فِي الْفَتْحِ مِنْ أَوَّلِ كِتَابِ الْقَضَاءِ: الْوِلَايَةُ تَقْبَلُ التَّقْيِيدَ وَالتَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ كَقَوْلِهِ: إذَا وَصَلْت إلَى بَلْدَةِ كَذَا فَأَنْتَ قَاضِيهَا وَإِذَا وَصَلْت إلَى مَكَّةَ فَأَنْتَ أَمِيرُ الْمَوْسِمِ، وَالْإِضَافَةَ: كَجَعَلْتُكَ قَاضِيًا فِي رَأْسِ الشَّهْرِ، وَالِاسْتِثْنَاءَ مِنْهَا كَجَعَلْتُكَ قَاضِيًا إلَّا فِي قَضِيَّةِ فُلَانٍ وَلَا تَنْظُرْ فِي قَضِيَّةِ كَذَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيقِ الْإِمَارَةِ وَإِضَافَتِهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ بَعَثَ الْبَعْثَ إلَى مُؤْتَةَ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ «إنْ قُتِلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَجَعْفَرٌ أَمِيرُكُمْ وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» ) وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهَا جَمِيعُ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي اهـ.

مَطْلَبٌ فِي عَدَمِ سَمَاعِ الدَّعْوَى بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.

(قَوْلُهُ: بَعْدَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً) الْمُنَاسِبُ خَمْسَ عَشْرَةَ بِتَذْكِيرِ الْأَوَّلِ وَتَأْنِيثِ الثَّانِي لِكَوْنِ الْمَعْدُودِ مُؤَنَّثًا وَهُوَ سَنَةٌ وَأَجَابَ ط بِأَنَّهُ عَلَى تَأْوِيلِ السَّنَةِ بِالْعَامِ أَوْ الْحَوْلِ.

(قَوْلُهُ: فَلَا تُسْمَعُ الْآنَ بَعْدَهَا) أَيْ لِنَهْيِ السُّلْطَانِ عَنْ سَمَاعِهَا بَعْدَهَا فَقَدْ قَالَ السَّيِّدُ الْحَمَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ: أَخْبَرَنِي أُسْتَاذِي شَيْخُ الْإِسْلَامِ يَحْيَى أَفَنْدِي الشَّهِيرُ بِالْمِنْقِارِيِّ أَنَّ السَّلَاطِينَ الْآنَ يَأْمُرُونَ قُضَاتَهُمْ فِي جَمِيعِ وُلَاتِهِمْ أَنْ لَا يَسْمَعُوا دَعْوَى بَعْدَ مُضِيِّ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً سِوَى الْوَقْفِ وَالْإِرْثِ اهـ. وَنَقَلَ فِي الْحَامِدِيَّةِ فَتَاوَى مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ بِعَدَمِ سَمَاعِهَا بَعْدَ النَّهْيِ الْمَذْكُورِ. مَطْلَبُ هَلْ يَبْقَى النَّهْيُ بَعْدَ مَوْتِ السُّلْطَانِ لَكِنْ هَلْ يَبْقَى النَّهْيُ بَعْدَ مَوْتِ السُّلْطَانِ الَّذِي نَهَى، بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ مَنْ بَعْدَهُ إلَى نَهْيٍ جَدِيدٍ؟

أَفْتَى فِي الْخَيْرِيَّةِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ النَّهْيِ، وَلَا يَسْتَمِرُّ النَّهْيُ بَعْدَهُ، وَبِأَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الْخَصْمَانِ فِي أَنَّهُ مَنْهِيٌّ أَوْ غَيْرُ مَنْهِيٍّ فَالْقَوْلُ لِلْقَاضِي مَا لَمْ يُثْبِتْ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ النَّهْيَ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ وَأَطَابَ فَرَاجِعْهُ.

٣١٬٠٧٣

وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ الْحَمَوِيُّ أَيْضًا مِنْ أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنْ عَادَتِهِمْ يَعْنِي سَلَاطِينَ آلِ عُثْمَانَ نَصَرَهُمْ الرَّحْمَنُ مِنْ أَنَّهُ إذَا تَوَلَّى سُلْطَانٌ عُرِضَ عَلَيْهِ قَانُونُ مَنْ قَبْلَهُ وَأَخَذَ أَمْرَهُ بِاتِّبَاعِهِ فَلَا يُفِيدُ هُنَا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يَلْتَزِمَ قَانُونَ أَسْلَافِهِ بِأَنْ يَأْمُرَ بِمَا أَمَرُوا بِهِ وَيَنْهَى عَمَّا نَهَوْا عَنْهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا وَلَّى قَاضِيًا وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ سَمَاعِ هَذِهِ الدَّعْوَى أَنْ يَصِيرَ قَاضِيهِ مَنْهِيًّا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا وَلَّاهُ يَنْهَاهُ صَرِيحًا لِيَكُونَ عَامِلًا بِمَا الْتَزَمَهُ مِنْ الْقَانُونِ كَمَا اُشْتُهِرَ أَنَّهُ حِينَ يُوَلِّيهِ الْآنَ يَأْمُرُهُ فِي مَنْشُورِهِ بِالْحُكْمِ بِأَصَحِّ أَقْوَالِ الْمَذْهَبِ كَعَادَةِ مَنْ قَبْلَهُ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا تَنْقِيحِ الْحَامِدِيَّةِ فَرَاجِعْهُ وَأَطَلْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي كِتَابِنَا تَنْبِيهِ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ.

(قَوْلُهُ: إلَّا فِي الْوَقْفِ وَالْإِرْثِ وَوُجُودِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ) اسْتِثْنَاءُ الْإِرْثِ مُوَافِقٌ لِمَا مَرَّ عَنْ الْحَمَوِيِّ

تعليق

وَلِمَا فِي الْحَامِدِيَّةِ عَنْ فَتَاوَى أَحْمَدَ أَفَنْدِي المهمنداري مُفْتِي دِمَشْقَ أَنَّهُ كَتَبَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْئِلَةٍ أَنَّهُ تُسْمَعُ دَعْوَى الْإِرْثِ وَلَا يَمْنَعُهَا طُولُ الْمُدَّةِ وَيُخَالِفُهُ مَا فِي الْخَيْرِيَّةِ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى ثَلَاثَةٌ: مَالُ الْيَتِيمِ وَالْوَقْفُ وَالْغَائِبُ

٣١٬٠٧٤

وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْإِرْثَ غَيْرُ مُسْتَثْنًى فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَقَدْ نَقَلَ فِي الْحَامِدِيَّةِ عَنْ الْمِهْمِنْدارِيِّ أَيْضًا أَنَّهُ كَتَبَ عَلَى سُؤَالٍ آخَرَ فِيمَنْ تَرَكَتْ دَعْوَاهَا الْإِرْثَ بَعْدَ بُلُوغِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، بِلَا عُذْرٍ أَنَّ الدَّعْوَى لَا تُسْمَعُ إلَّا بِأَمْرٍ سُلْطَانِيٍّ وَنَقَلَ أَيْضًا مِثْلَهُ فَتْوَى تُرْكِيَّةً عَنْ الْمَوْلَى أَبِي السُّعُودِ، وَتَعْرِيبُهَا إذَا تَرَكَتْ دَعْوَى الْإِرْثِ بِلَا عُذْرٍ شَرْعِيٍّ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَهَلْ لَا تُسْمَعُ؟ الْجَوَابُ: لَا تُسْمَعُ اهـ اعْتَرَفَ الْخَصْمُ بِالْحَقِّ، وَنَقَلَ مِثْلَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا التُّرْكُمَانِيُّ عَنْ فَتَاوَى عَلِيٍّ أَفَنْدِي مُفْتِي الرُّومِ وَنَقَلَ مِثْلَهُ أَيْضًا شَيْخُ مَشَايِخِنَا السَّائِحَانِيُّ عَنْ فَتَاوَى عَبْدِ اللَّهِ أَفَنْدِي مُفْتِي الرُّومِ، وَهَذَا الَّذِي رَأَيْنَا عَلَيْهِ عَمَلَ مَنْ قَبْلَنَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَرَدَ نَهْيٌ جَدِيدٌ بِعَدَمِ سَمَاعِ دَعْوَى الْإِرْثِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[تَنْبِيهَاتٌ] الْأَوَّلُ: قَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ عَدَمَ سَمَاعِ الدَّعْوَى بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ إنَّمَا هُوَ لِلنَّهْيِ عَنْهُ مِنْ السُّلْطَانِ فَيَكُونُ الْقَاضِي مَعْزُولًا عَنْ سَمَاعِهَا لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْقَضَاءَ يَتَخَصَّصُ؛ فَلِذَا قَالَ إلَّا بِأَمْرٍ أَيْ فَإِذَا أَمَرَ بِسَمَاعِهَا بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ تُسْمَعُ، وَسَبَبُ النَّهْيِ قَطْعُ الْحِيَلِ وَالتَّزْوِيرِ، فَلَا يُنَافِي مَا فِي الْأَشْبَاهِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّ الْحَقَّ لَا يَسْقُطُ بِتَقَادُمِ الزَّمَانِ اهـ؛ وَلِذَا

٣١٬٠٧٥

قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ أَيْضًا: وَيَجِبُ عَلَيْهِ سَمَاعُهَا اهـ: أَيْ يَجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ الَّذِي نَهَى قُضَاتَهُ عَنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَنْ يَسْمَعَهَا بِنَفْسِهِ، أَوْ يَأْمُرَ بِسَمَاعِهَا، كَيْ لَا يَضِيعَ حَقُّ الْمُدَّعِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ الْمُدَّعِي أَمَارَةُ التَّزْوِيرِ،

٣١٬٠٧٦

وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَشْبَاهِ: وَيَجِبُ عَلَيْهِ عَدَمُ سَمَاعِهَا وَعَلَيْهِ فَالضَّمِيرُ يَعُودُ لِلْقَاضِي الْمَنْهِيِّ عَنْ سَمَاعِهَا، لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي مُعِينِ الْمُفْتِي.

الثَّانِي: أَنَّ النَّهْيَ حَيْثُ كَانَ لِلْقَاضِي لَا يُنَافِي سَمَاعَهَا مِنْ الْمُحَكَّمِ، بَلْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مُعِينِ الْمُفْتِي: إنَّ الْقَاضِيَ: لَا يَسْمَعُهَا مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ قَاضِيًا

٣١٬٠٧٧

فَلَوْ حَكَّمَهُ الْخَصْمَانِ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ الَّتِي مَضَى عَلَيْهَا الْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ، فَلَهُ أَنْ يَسْمَعَهَا.

الثَّالِثُ: عَدَمُ سَمَاعِ الْقَاضِي لَهَا إنَّمَا هُوَ عِنْدَ إنْكَارِ الْخَصْمِ

٣١٬٠٧٨

فَلَوْ اعْتَرَفَ تُسْمَعُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ مِنْ فَتْوَى الْمَوْلَى أَبِي السُّعُودِ أَفَنْدِي؛ إذْ لَا تَزْوِيرَ مَعَ الْإِقْرَارِ. الرَّابِعُ: عَدَمُ سَمَاعِهَا حَيْثُ تَحَقَّقَ تَرْكُهَا هَذِهِ الْمُدَّةَ

٣١٬٠٧٩

فَلَوْ ادَّعَى فِي أَثْنَائِهَا لَا يَمْنَعُ بَلْ يَسْمَعُ دَعْوَاهُ ثَانِيًا مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الدَّعْوَى الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ هَذِهِ الْمُدَّةُ، وَرَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِ مَشَايِخِنَا التُّرْكُمَانِيِّ فِي مَجْمُوعَتِهِ أَنَّ شَرْطَهَا أَيْ شَرْطَ الدَّعْوَى مَجْلِسُ الْقَاضِي، فَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى فِي مَجْلِسِ غَيْرِهِ كَالشَّهَادَةِ، تَنْوِيرٌ وَبَحْرٌ وَدُرَرٌ قَالَ: وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ جَوَابُ حَادِثَةِ الْفَتْوَى وَهِيَ أَنَّ زَيْدًا تَرَكَ دَعْوَاهُ عَلَى عَمْرٍو مُدَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَمْ يَدَّعِ عِنْدَ الْقَاضِي بَلْ طَالَبَهُ بِحَقِّهِ مِرَارًا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي، فَمُقْتَضَى مَا مَرَّ لَا تُسْمَعُ لِعَدَمِ شَرْطِ الدَّعْوَى، فَلْيَكُنْ عَلَى ذِكْرٍ مِنْك، فَإِنَّهُ تَكَرَّرَ السُّؤَالُ عَنْهَا وَصَرِيحُ فَتْوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَلَيْ أَفَنْدِي: أَنَّهُ إذَا ادَّعَى عِنْدَ الْقَاضِي مِرَارًا، وَلَمْ يَفْصِلْ الْقَاضِي الدَّعْوَى وَمَضَتْ الْمُدَّةُ الْمَزْبُورَةُ تُسْمَعُ؛

لِأَنَّهُ صُدِّقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهَا عِنْدَ الْقَاضِي اهـ مَا فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَبِهِ أَفْتَى فِي الْحَامِدِيَّةِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ تَرْكَ الدَّعْوَى إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ ثُبُوتِ حَقِّ طَلَبِهَا،

٣١٬٠٨٠

فَلَوْ مَاتَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ أَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً مَثَلًا مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ، فَلَهَا طَلَبُ مُؤَخَّرِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ حَقَّ طَلَبِهِ إنَّمَا ثَبَتَ لَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ لَا مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ،

٣١٬٠٨١

وَمِثْلُهُ مَا يَأْتِي فِيمَا لَوْ أَخَّرَ الدَّعْوَى هَذِهِ الْمُدَّةَ لِإِعْسَارِ الْمَدْيُونِ، ثُمَّ ثَبَتَ يَسَارُهُ بَعْدَهَا، وَبِهِ يُعْلَمُ جَوَابُ حَادِثَةِ الْفَتْوَى سُئِلْت عَنْهَا حِينَ كِتَابَتِي لِهَذَا الْمَحَلِّ فِي رَجُلٍ لَهُ كَدَكُ دُكَّانٍ وَقْفٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَنْجُورٍ وَغَيْرِهِ وَضَعَهُ مِنْ مَالِهِ فِي الدُّكَّانِ بِإِذْنِ نَاظِرِ الْوَقْفِ وَمِنْ نَحْوِ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَتَصَرَّفَ فِيهِ هُوَ وَوَرَثَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ. ثُمَّ أَنْكَرَهُ النَّاظِرُ الْآنَ وَأَنْكَرَ وَضْعَهُ بِالْإِذْنِ، وَأَرَادَ الْوَرَثَةُ إثْبَاتَهُ وَإِثْبَاتَ الْإِذْنِ بِوَضْعِهِ، وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي فِي الْجَوَابِ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ فِي ذَلِكَ؛

لِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَ فِي يَدِهِمْ وَيَدِ مُوَرِّثِهِمْ هَذِهِ الْمُدَّةَ بِدُونِ مُعَارِضٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَرْكًا لِلدَّعْوَى. وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا لَوْ ادَّعَى زَيْدٌ عَلَى عَمْرٍو بِدَارٍ فِي يَدِهِ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: كُنْت اشْتَرَيْتهَا مِنْك مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً، وَهِيَ فِي مِلْكِي إلَى الْآنَ وَكَذَّبَهُ زَيْدٌ فِي الشِّرَاءِ فَتُسْمَعُ بَيِّنَةُ عَمْرٍو عَلَى الشِّرَاءِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْآنَ وَقَبْلَهَا كَانَ وَاضِعُ الْيَدِ بِلَا مُعَارِضٍ، فَلَمْ يَكُنْ مُطَالَبًا بِإِثْبَاتِ مِلْكِيَّتِهَا فَلَمْ يَكُنْ تَارِكًا لِلدَّعْوَى

٣١٬٠٨٢

وَمِثْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ أَنَّ مُسْتَأْجِرَ دَارِ الْوَقْفِ يَعْمُرُهَا بِإِذْنِ النَّاظِرِ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهَا مَبْلَغًا مِنْ الدَّرَاهِمِ يَصِيرُ دَيْنًا لَهُ عَلَى الْوَقْفِ، وَيُسَمَّى فِي زَمَانِنَا مَرْصَدًا، وَلَا يُطَالِبُ بِهِ مَا دَامَ فِي الدَّارِ فَإِذَا خَرَجَ مِنْهَا فَلَهُ الدَّعْوَى عَلَى النَّاظِرِ بِمَرْصَدِهِ الْمَذْكُورِ وَإِنْ طَالَتْ مُدَّتُهُ حَيْثُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَقْتَطِعُ بَعْضَهُ مِنْ أُجْرَةِ الدَّارِ فَلْيُتَأَمَّلْ.

الْخَامِسُ: اسْتِثْنَاءُ الشَّارِحِ الْعُذْرَ الشَّرْعِيَّ أَعَمُّ مِمَّا فِي الْخَيْرِيَّةِ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْوَقْفِ وَمَالِ الْيَتِيمِ وَالْغَائِبِ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ يَشْمَلُ مَا لَوْ كَانَ الْمُدَّعِي حَاكِمًا ظَالِمًا كَمَا يَأْتِي وَمَا لَوْ كَانَ ثَابِتَ الْإِعْسَارِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ ثُمَّ أَيْسَرَ بَعْدَهَا فَتُسْمَعُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْحَامِدِيَّةِ.

السَّادِسُ: اسْتِثْنَاءُ مَالِ الْيَتِيمِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَتْرُكْهَا بَعْدَ بُلُوغِهِ هَذِهِ الْمُدَّةَ وَبِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ يَأْتِي،

٣١٬٠٨٣

وَفِي الْحَامِدِيَّةِ لَوْ كَانَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ قَاصِرًا وَالْبَاقِي بَالِغِينَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِالنَّظَرِ إلَى الْقَاصِرِ بِقَدْرِ مَا يَخُصُّهُ دُونَ الْبَالِغِينَ. مَطْلَبُ إذَا تَرَكَ الدَّعْوَى ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً لَا تُسْمَعُ.

السَّابِعُ: اسْتَثْنَوْا الْغَائِبَ وَالْوَقْفَ وَلَمْ يُبَيِّنُوا لَهُ مُدَّةً فَتُسْمَعُ مِنْ الْغَائِبِ وَلَوْ بَعْدَ خَمْسِينَ سَنَةً وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: فِي الْخَيْرِيَّةِ مِنْ الْمُقَرَّرِ أَنَّ التَّرْكَ لَا يَتَأَتَّى مِنْ الْغَائِبِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَأَتِّي الْجَوَابِ مِنْهُ بِالْغَيْبَةِ، وَالْعِلَّةُ خَشْيَةُ التَّزْوِيرِ وَلَا يَتَأَتَّى بِالْغَيْبَةِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ، فَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ غَيْبَةِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ اهـ.

٣١٬٠٨٤

وَكَذَا الظَّاهِرُ فِي بَاقِي الْأَعْذَارِ أَنَّهُ لَا مُدَّةَ لَهَا؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْعُذْرِ وَإِنْ طَالَتْ مُدَّتُهُ يُؤَكِّدُ عَدَمَ التَّزْوِيرِ

٣١٬٠٨٥

بِخِلَافِ الْوَقْفِ، فَإِنَّهُ لَوْ طَالَتْ مُدَّةُ دَعْوَاهُ بِلَا عُذْرٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً لَا تُسْمَعُ كَمَا أَفْتَى بِهِ فِي الْحَامِدِيَّةِ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى عَنْ ابْنِ الْغَرْسِ عَنْ الْمَبْسُوطِ إذَا تَرَكَ الدَّعْوَى ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَلَمْ يَكُنْ مَانِعٌ مِنْ الدَّعْوَى ثُمَّ ادَّعَى لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الدَّعْوَى مِنْ التَّمَكُّنِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْحَقِّ ظَاهِرًا اهـ وَفِي جَامِعِ الْفَتْوَى عَنْ فَتَاوَى الْعَتَّابِيِّ قَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى: لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى بَعْدَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ سَنَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي غَائِبًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا وَلَيْسَ لَهُمَا وَلِيٌّ أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَمِيرًا جَائِرًا اهـ.

وَنَقَلَ ط عَنْ الْخُلَاصَةِ لَا تُسْمَعُ بَعْدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً اهـ. ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى الْمَنْعِ السُّلْطَانِيِّ بَلْ هُوَ مَنْعٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ فَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى بَعْدَهُ وَإِنْ أَمَرَ السُّلْطَانُ بِسَمَاعِهَا. مَطْلَبُ بَاعَ عَقَارًا وَأَحَدُ أَقَارِبِهِ حَاضِرٌ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ.

الثَّامِنُ: سَمَاعُ الدَّعْوَى قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ الْمَحْدُودَةِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ آخَرُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْحَقِّ ظَاهِرًا، لِمَا سَيَأْتِي فِي مَسَائِلَ شَتَّى آخِرَ الْكِتَابِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ وَامْرَأَتُهُ أَوْ أَحَدُ أَقَارِبِهِ حَاضِرٌ يَعْلَمُ بِهِ، ثُمَّ ادَّعَى ابْنُهُ مَثَلًا أَنَّهُ مِلْكُهُ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَجُعِلَ سُكُوتُهُ كَالْإِفْصَاحِ قَطْعًا لِلتَّزْوِيرِ وَالْحِيَلِ

٣١٬٠٨٦

بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ فَإِنَّ سُكُوتَهُ وَلَوْ جَارًا لَا يَكُونُ رِضًا إلَّا إذَا سَكَتَ الْجَارُ وَقْتَ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ وَتَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي فِيهِ زَرْعًا وَبِنَاءً فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى قَطْعًا لِلْأَطْمَاعِ الْفَاسِدَةِ اهـ. وَأَطَالَ فِي تَحْقِيقِهِ فِي الْخَيْرِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى، فَقَدْ جَعَلُوا مُجَرَّدَ سُكُوتِ الْقَرِيبِ أَوْ الزَّوْجَةِ عِنْدَ الْبَيْعِ مَانِعًا مِنْ دَعْوَاهُ بِلَا تَقْيِيدٍ بِاطِّلَاعِهِ عَلَى تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي كَمَا أَطْلَقَهُ فِي الْكَنْزِ وَالْمُلْتَقَى،

٣١٬٠٨٧

وَأَمَّا دَعْوَى الْأَجْنَبِيِّ وَلَوْ جَارًا فَلَا بُدَّ فِي مَنْعِهَا مِنْ السُّكُوتِ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي، وَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِمُدَّةٍ، وَقَدْ أَجَابَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتَاوَاهُ فِيمَنْ لَهُ بَيْتٌ يَسْكُنُهُ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ هَدْمًا وَعِمَارَةً مَعَ اطِّلَاعِ جَارِهِ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا تُسْمَعُ دَعْوَى الْجَارِ عَلَيْهِ الْبَيْتَ أَوْ بَعْضَهُ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ آخِرَ الْكِتَابِ فِي مَسَائِلَ شَتَّى قُبَيْلَ الْفَرَائِضِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَانْظُرْهُ هُنَاكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ.

[مَطْلَبُ طَاعَةِ الْإِمَامِ وَاجِبَةٌ]

(قَوْلُهُ: أَمْرُ السُّلْطَانِ إنَّمَا يَنْفُذُ) أَيْ يُتَّبَعُ وَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ وَسَيَأْتِي قُبَيْلَ الشَّهَادَاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ أَمَرَك قَاضٍ بِقَطْعٍ أَوْ رَجْمٍ إلَخْ التَّعْلِيلُ بِوُجُوبِ طَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ وَفِي ط عَنْ الْحَمَوِيِّ أَنَّ صَاحِبَ الْبَحْرِ ذَكَرَ نَاقِلًا عَنْ أَئِمَّتِنَا أَنَّ طَاعَةَ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَاجِبَةٌ

٣١٬٠٨٨

فَلَوْ أَمَرَ بِصَوْمٍ وَجَبَ اهـ وَقَدَّمْنَا أَنَّ السُّلْطَانَ لَوْ حَكَمَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ يَنْفُذُ فِي الْأَصَحِّ وَبِهِ يُفْتَى.

(قَوْلُهُ: يَلْزَمُ مِنْهُ سُخْطُك) أَيْ إنْ عَصَوْك وَسُخْطُ الْخَالِقِ أَيْ إنْ أَطَاعُوك اهـ ح عَنْ الْأَشْبَاهِ،

٣١٬٠٨٩

وَفِي سُخْطٍ ضَمُّ الْمُهْمَلَةِ مَعَ سُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِهِمَا، وَنُقِلَ عَنْ الصَّيْرَفِيَّةِ جَوَازُ التَّحْلِيفِ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا رَآهُ الْقَاضِي جَائِزًا أَيْ بِأَنْ كَانَ ذَا رَأْيٍ.

٣١٬٠٩٠

أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ فَلَا ط عَنْ أَبِي السُّعُودِ، وَالْمُرَادُ بِالرَّأْيِ الِاجْتِهَادُ.

(وَقَوْلُهُ: قَضَاءُ الْبَاشَا إلَخْ) قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا يُقْضَى عَلَى غَائِبٍ وَلَا لَهُ.

(قَوْلُهُ: الْحَاكِمُ كَالْقَاضِي) فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُحَكَّمُ وَهُوَ الَّذِي فِي الْبَحْرِ وَالْأَشْبَاهِ.

(قَوْلُهُ: إلَّا فِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً) سَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ التَّحْكِيمِ أَنَّهُ فِي الْبَحْرِ عَدَّهَا سَبْعَةَ عَشَرَ، وَيَأْتِي بَيَانُهُ هُنَاكَ مَعَ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا.

(قَوْلُهُ: ذَكَرْنَاهَا) مِنْ كَلَامِ الْأَشْبَاهِ

(قَوْلُهُ: وَيُعْزَلُ) أَيْ يَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ.

(قَوْلُهُ: لِرِيبَةٍ) أَيْ إذَا كَانَ لَهُ رِيبَةٌ فِي الشُّهُودِ وَمِنْهَا ثَلَاثَةٌ شَهِدُوا عِنْدَهُ ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ الْقَضَاءِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كَذَبْت فِي شَهَادَتِي فَسَمِعَهُ الْقَاضِي بِلَا تَعْيِينِ شَخْصِهِ، فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا كُلُّنَا عَلَى شَهَادَتِنَا فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمْ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ بِيرِيٌّ.

(قَوْلُهُ: وَلِرَجَاءِ صُلْحِ أَقَارِبَ) وَكَذَا الْأَجَانِبُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يُورِثُ الضَّغِينَةَ فَيُحْتَرَزُ عَنْهُ مَهْمَا أَمْكَنَ ط عَنْ الشَّيْخِ صَالِحٍ وَفِي الْبِيرِيِّ عَنْ خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ إذَا طَمَعَ الْقَاضِي فِي إرْضَاءِ الْخَصْمَيْنِ لَا بَأْسَ بِرَدِّهِمْ، وَلَا يُنْفِذُ الْقَضَاءَ بَيْنَهُمَا لَعَلَّهُمَا يَصْطَلِحَانِ وَلَا يَرُدُّهُمَا أَكْثَرَ مِنْ مَرَّتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ أَنْفَذَ الْقَضَاءَ اهـ.

(قَوْلُهُ: وَإِذَا اسْتَمْهَلَ الْمُدَّعِي) أَرَادَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا اسْتَمْهَلَ مِنْ الْقَاضِي حَتَّى يُحْضِرَ بَيِّنَةً فَإِنَّهُ يُمْهِلُهُ،

٣١٬٠٩١

وَكَذَا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ ثُمَّ إنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اسْتَمْهَلَ مِنْ الْقَاضِي، حَتَّى يَأْتِيَ بِالدَّفْعِ فَإِنَّهُ يُجِيبُهُ، وَلَا يَعْجَلُ بِالْحُكْمِ اهـ وَهَذَا بَعْدَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ الدَّفْعِ وَكَانَ صَحِيحًا

٣١٬٠٩٢

فَلَوْ فَاسِدًا لَا يُمْهِلُهُ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ كَمَا فِي قَاضِي خَانْ بِيرِيٌّ.

٣١٬٠٩٣

قُلْت: وَسَيَأْتِي قُبَيْلَ بَابِ دَعْوَى الرَّجُلَيْنِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِي دَفْعٌ يُمْهَلُ إلَى الْمَجْلِسِ الثَّانِي، وَزَادَ الْبِيرِيُّ عَنْ الْخُلَاصَةِ مَسْأَلَةً أُخْرَى يُؤَخَّرُ فِيهَا إذَا لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى فَتْوَى أَهْلِ مِصْرِهِ فَبَعَثَ الْفَتْوَى إلَى مِصْرٍ آخَرَ لَا يَأْثَمُ بِتَأْخِيرِ الْقَضَاءِ مَطْلَبٌ لَا يَصِحُّ رُجُوعُ الْقَاضِي عَنْ قَضَائِهِ إلَّا فِي ثَلَاثٍ.

(قَوْلُهُ: لَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ عَنْ قَضَائِهِ)

تعليق

فَلَوْ قَالَ رَجَعْت عَنْ قَضَائِي أَوْ وَقَعْت فِي تَلْبِيسِ الشُّهُودِ أَوْ أَبْطَلْت حُكْمِي لَمْ يَصِحَّ وَالْقَضَاءُ مَاضٍ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ أَشْبَاهٌ قَيَّدَ بِالرُّجُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ الْقَضَاءَ وَقَالَ الشُّهُودُ قَضَى فَالْقَوْلُ لَهُ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْغَرْسِ وَقَدَّمْنَا أَوَّلَ الْقَضَاءِ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ اعْتِمَادُ خِلَافِهِ فِي زَمَانِنَا مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ

(قَوْلُهُ: وَلَوْ بِعِلْمِهِ) كَمَا إذَا اعْتَرَفَ عِنْدَهُ شَخْصٌ لِآخَرَ بِمَبْلَغٍ وَغَابَا عَنْهُ، ثُمَّ تَدَاعَى عِنْدَهُ اثْنَانِ فَحَكَمَ عَلَى أَحَدِهِمَا ظَانًّا أَنَّهُ ذَلِكَ الْمُعْتَرِفُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ غَيْرُهُ لَهُ نَقْضُهُ وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي الْعَمَلَ بِعِلْمِهِ وَالْفَتْوَى عَلَى عَدَمِهِ فِي زَمَانِنَا كَمَا نَقَلَهُ فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ، وَقَيَّدَ بِزَمَانِنَا لِفَسَادِ الْقُضَاةِ فِيهِ، وَأَصْلُ الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي بَابِ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي.

(قَوْلُهُ: أَوْ ظَهَرَ خَطَؤُهُ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَوْ قَضَى بِالْجَوْرِ.

(قَوْلُهُ: أَوْ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ قَضَى فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ

٣١٬٠٩٤

بِخِلَافِ رَأْيِهِ.

[مَطْلَبُ فِعْلِ الْقَاضِي حُكْمٌ]

(قَوْلُهُ: فِعْلُ الْقَاضِي حُكْمٌ إلَخْ) كَذَا فِي الْأَشْبَاهِ تَفْرِيعًا وَاسْتِثْنَاءً وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ أَوَّلَ كِتَابِ الْقَضَاءِ، فِعْلُ الْقَاضِي عَلَى وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: مَا لَا يَكُونُ مَوْضِعًا لِلْحُكْمِ كَمَا لَوْ أَذِنَتْهُ مُكَلَّفَةٌ بِتَزْوِيجِهَا فَزَوَّجَهَا فَإِنَّهُ وَكِيلٌ عَنْهَا فَفِعْلُهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ كَمَا فِي الْقَاسِمِيَّةِ الثَّانِي: مَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْحُكْمِ كَتَزْوِيجِ صَغِيرَةٍ لَا وَلِيَّ لَهَا وَشِرَائِهِ وَبَيْعِهِ مَالَ الْيَتِيمِ وَقِسْمَتِهِ الْعَقَارَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَجَزَمَ فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّهُ حُكْمٌ

٣١٬٠٩٥

وَكَذَا تَزْوِيجُهُ الْيَتِيمَةَ مِنْ ابْنِهِ. وَرَدَّهُ فِي نِكَاحٍ الْفَتْحُ بِأَنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ أَيْ مِنْ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ، وَبِأَنَّ إلْحَاقَهُ بِالْوَكِيلِ يَكْفِي لِلْمَنْعِ، يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ بِالنِّكَاحِ لَا يَمْلِكُ التَّزْوِيجَ مِنْ ابْنِهِ فَالْقَاضِي بِمَنْزِلَتِهِ، فَيُغْنِي ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ حُكْمًا.

وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُمْ شِرَاءُ الْقَاضِي مَالَ الْيَتِيمِ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ لِنَفْسِهِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ لِنَفْسِهِ خِلَافَ الْأَوْجَهِ؛ لِأَنَّ إلْحَاقَهُ بِالْوَكِيلِ مُغْنٍ عَنْ كَوْنِهِ حُكْمًا؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْوَكِيلِ لِنَفْسِهِ بَاطِلٌ لَكِنْ لَمَّا كَثُرَ فِي كَلَامِهِمْ كَوْنُ فِعْلِهِ حُكْمًا. مَطْلَبٌ الْقَضَاءُ الْقَوْلِيُّ يَحْتَاجُ لِلدَّعْوَى

٣١٬٠٩٦

بِخِلَافِ الْفِعْلِيِّ وَالضِّمْنِيِّ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِمْ إنَّ الْحُكْمَ الْقَوْلِيَّ يَحْتَاجُ إلَى الدَّعْوَى وَالْفِعْلِيَّ لَا كَالْقَضَاءِ الضِّمْنِيِّ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا وَإِنَّمَا يَحْتَاجُهَا الْقَصْدِيُّ، وَيَدْخُلُ الضِّمْنِيُّ تَبَعًا.

٣١٬٠٩٧

وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ لَوْ طَلَبَ الْوَرَثَةُ الْقِسْمَةَ لِلْعَقَارِ وَفِيهِمْ غَائِبٌ أَوْ صَغِيرٌ قَالَ الْإِمَامُ لَا أَقْسِمُ مَا لَمْ يُبَرْهِنُوا عَلَى الْمَوْتِ وَالْمَوَارِيثِ، وَلَا أَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ بِقَوْلِهِمْ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْقَاضِي قَضَاءٌ مِنْهُ وَقَالَا يَقْسِمُ اهـ، وَهَذَا قَاطِعٌ لِلشُّبْهَةِ فَتَعَيَّنَ الرُّجُوعُ إلَى الْحَقِّ اهـ مَا فِي الْبَحْرِ مُلَخَّصًا.

٣١٬٠٩٨

وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا فِي الْأَصْلِ لَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِالْوَكِيلِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْقِسْمَةِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْعِلَّةَ مَا نَصَّ عَلَيْهَا مِنْ كَوْنِ فِعْلِهِ حُكْمًا، وَتَعَيَّنَ التَّوْفِيقُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الْقَضَاءَ الْفِعْلِيَّ لَا يَحْتَاجُ إلَى الدَّعْوَى كَالضِّمْنِيِّ

٣١٬٠٩٩

بِخِلَافِ الْقَوْلِيِّ الْقَصْدِيِّ. وَبِهِ انْدَفَعَ مَا مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ مِنْ قَوْلِهِ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ وَانْدَفَعَ أَيْضًا قَوْلُ ابْنِ الْغَرْسِ: إنَّ الصَّوَابَ أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَكُونُ حُكْمًا نَعَمْ

٣١٬١٠٠

قَالَ فِي النَّهْرِ: مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ إثْبَاتُهُمْ خِيَارَ الْبُلُوغِ لِلصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ بِتَزْوِيجِ الْقَاضِي عَلَى الْأَصَحِّ إذْ لَوْ كَانَ تَزْوِيجُهُ حُكْمًا لَزِمَ نَقْضُهُ اهـ.

٣١٬١٠١

قُلْت: وَقَدْ يُقَالُ إنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ حُكْمًا أَنَّهُ إذَا زَوَّجَ الْيَتِيمَةَ لَيْسَ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ نُجَيْمٍ أَيْ لَوْ رُفِعَ إلَى حَاكِمٍ آخَرَ لَا يَرَاهُ لَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ بَلْ عَلَيْهِ تَنْفِيذُهُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَرْفَعُ الْخِلَافَ،

٣١٬١٠٢

وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا خِيَارُ الْبُلُوغِ كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا عَصَبَةٌ غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَحَكَمَ بِهِ الْقَاضِي،

٣١٬١٠٣

فَإِنَّ حُكْمَهُ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ لَا يُنَافِي ثُبُوتَ خِيَارِ الْبُلُوغِ كَمَا لَا يَخْفَى فَكَذَا هُنَا بِالْأَوْلَى مَطْلَبٌ فِي الْقَضَاءِ الضِّمْنِيِّ

٣١٬١٠٤

[تَتِمَّةٌ] قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: الْقَضَاءُ الضِّمْنِيُّ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ الدَّعْوَى، وَالْخُصُومَةُ فَإِذَا شَهِدَ عَلَى خَصْمٍ بِحَقٍّ وَذَكَرَا اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ، وَقَضَى بِذَلِكَ الْحَقِّ كَانَ قَضَاءً بِنَسَبِهِ ضِمْنًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَادِثَةِ النَّسَبِ اهـ أَيْ إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ غَيْرَ مُشَارٍ إلَيْهِ،

٣١٬١٠٥

فَلَوْ مُشَارًا إلَيْهِ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ كَمَا أَوْضَحَهُ الْحَمَوِيُّ ثُمَّ

٣١٬١٠٦

قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: وَعَلَى هَذَا لَوْ شَهِدَا بِأَنَّ فُلَانَةَ زَوْجَةُ فُلَانٍ، وَكَّلَتْ زَوْجَهَا فُلَانًا فِي كَذَا عَلَى خَصْمٍ مُنْكِرٍ، وَقَضَى بِتَوْكِيلِهَا كَانَ قَضَاءً بِالزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا: وَهِيَ حَادِثَةُ الْفَتْوَى، وَنَظِيرُهُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ بِثُبُوتِ الرَّمَضَانِيَّةِ أَنْ يُعَلِّقَ رَجُلٌ وَكَالَةَ فُلَانٍ بِدُخُولِ رَمَضَانَ، وَيَدَّعِيَ بِحَقٍّ عَلَى آخَرَ وَيَتَنَازَعَا فِي دُخُولِهِ فَتُقَامُ الْبَيِّنَةُ عَلَى رُؤْيَاهُ، فَيَثْبُتُ رَمَضَانُ ضِمْنَ ثُبُوتِ التَّوْكِيلِ وَأَصْلُ الْقَضَاءِ الضِّمْنِيِّ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْمُتُونِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى كَفَالَةً عَلَى رَجُلٍ بِمَالٍ بِإِذْنِهِ فَأَقَرَّ بِهَا، وَأَنْكَرَ الدَّيْنَ فَبَرْهَنَ عَلَى الْكَفِيلِ بِالدَّيْنِ وَقَضَى عَلَيْهِ بِهَا كَانَ قَضَاءً عَلَيْهِ قَصْدًا وَعَلَى الْأَصِيلِ الْغَائِبِ ضِمْنًا وَلَهُ فُرُوعٌ وَتَفَاصِيلُ ذَكَرْنَاهَا فِي الشَّرْحِ اهـ.

(قَوْلُهُ: إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ إلَخْ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ فِعْلُ الْقَاضِي حُكْمٌ، وَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّ فِعْلَهُ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ، وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ أَنَّ فِعْلَهُ كَفِعْلِ الْوَاقِفِ فَلِقَاضٍ آخَرَ نَقْضُهُ كَمَا فِي مُنْتَخَبِ الْمُحِيطِ الرَّضَوِيِّ،

٣١٬١٠٧

وَقَيَّدَ ذَلِكَ فِيهِ بِقَيْدَيْنِ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ أَعْطَى الْقَاضِي بَعْضَ الْقَرَابَةِ أَيْ فَقِيرًا مِنْ قَرَابَةِ الْوَاقِفِ، وَلَمْ يَقْضِ لَهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَجْعَلْهُ رَاتِبَةً فِي الْوَقْفِ كَانَ لِقَاضٍ آخَرَ نَقْضُهُ لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ أَنَّ تَقْرِيرَ الْقَاضِي الْمَرْتَبَاتِ غَيْرُ لَازِمٍ إلَّا إذَا حَكَمَ بِعَدَمِ تَقْرِيرِ غَيْرِهِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ وَهِيَ فِي الْخَصَّافِ أَفَادَهُ الْبِيرِيُّ [مَطْلَبُ أَمْرِ الْقَاضِي حُكْمٌ]

(قَوْلُهُ: أَمْرُ الْقَاضِي حُكْمٌ) قَدَّمْنَا أَوَّلَ الْقَضَاءِ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ بِحَبْسِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْحَقِّ كَأَمْرِهِ بِالْأَخْذِ مِنْهُ وَعَلَى أَنَّ أَمْرَهُ بِصَرْفِ كَذَا مِنْ وَقْفِ الْفُقَرَاءِ إلَى فَقِيرٍ مِنْ قَرَابَةِ الْوَاقِفِ لَيْسَ بِحُكْمٍ حَتَّى لَوْ صَرَفَهُ إلَى فَقِيرٍ آخَرَ صَحَّ وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِمْ: سَلِّمْ الدَّارَ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ هُنَاكَ مَطْلَبُ يُحَلِّفُ الْقَاضِي غَرِيمَ الْمَيِّتِ.

(قَوْلُهُ: الْقَاضِي يُحَلِّفُ غَرِيمَ الْمَيِّتِ) لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ هَذَا التَّحْلِيفَ وَاجِبٌ أَمْ لَا، وَتَوَقَّفَ فِيهِ الْمَقْدِسِيَّ، لَكِنْ

٣١٬١٠٨

قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ ادَّعَى دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ يُحَلِّفُ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ الْوَصِيِّ وَالْوَارِثِ بِاَللَّهِ مَا اسْتَوْفَيْتَ دَيْنَك مِنْ الْمَدْيُونِ، وَلَا مِنْ أَحَدٍ أَدَّاهُ إلَيْك عَنْهُ وَلَا قَبَضَهُ قَابِضٌ وَلَا أَبْرَأْته وَلَا شَيْئًا مِنْهُ وَلَا أَحَلْت بِذَلِكَ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ عَلَى أَحَدٍ وَلَا عِنْدَك بِهِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ رَهْنٌ اهـ. وَعَلَّلَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ بِأَنَّ الْيَمِينَ لَيْسَتْ لِلْوَارِثِ هَا هُنَا، وَإِنَّمَا هِيَ لِلتَّرِكَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرِيمٌ آخَرُ أَوْ مُوصًى لَهُ فَالْحَقُّ فِي هَذَا فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ فَعَلَى الْقَاضِي الِاحْتِيَاطُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ قَبْلَهُ.

وَلَا يَدْفَعُ لَهُ شَيْئًا حَتَّى يَسْتَحْلِفَهُ اهـ فَحَيْثُ أَجْمَعُوا عَلَى تَحْلِيفِهِ وَذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالَ، حَتَّى يَسْتَحْلِفَ،

٣١٬١٠٩

وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَوْفِ الدَّعْوَى شَرْطَهَا فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ بِالدَّفْعِ وَالْقَبْضِ وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ، بِالْحُكْمِ بِأَصَحِّ أَقْوَالِ الْإِمَامِ،

٣١٬١١٠

فَإِذَا حَكَمَ بِغَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ فَكَيْفَ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى التَّحْلِيفِ، وَتَمَامُهُ فِي الْحَامِدِيَّةِ

٣١٬١١١

قَالَ فِي الْبَحْرِ مِنْ الدَّعْوَى: وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلدَّيْنِ بَلْ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَدَّعِي حَقًّا فِي التَّرِكَةِ، وَأَثْبَتَهُ بِالْبَيِّنَةِ وَعَزَاهُ إلَى الْوَلْوَالِجيَّةِ ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَ لِلْمَيِّتِ دَيْنَهُ وَبَرْهَنَ هَلْ يَحْلِفُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ احْتِيَاطًا اهـ قَالَ مُحَشِّيهِ الرَّمْلِيُّ: قَدْ يُقَالُ إنَّمَا يَحْلِفُ فِي مَسْأَلَةِ مُدَّعِي الدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَقَدْ اسْتَوْفَاهُ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ،

٣١٬١١٢

وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ دَفْعِ الدَّيْنِ فَقَدْ شَهِدُوا عَلَى حَقِيقَةِ الدَّفْعِ فَانْتَفَى الِاحْتِمَالُ الْمَذْكُورُ اهـ. وَهَذَا وَجِيهٌ كَمَا لَا يَخْفَى.

٣١٬١١٣

[تَنْبِيهٌ] قَيَّدَ بِالْقَاضِي؛ لِأَنَّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ لِلْمُقَرِّ لَهُ إذَا أَقَرَّ بِهِ الْمَيِّتُ عِنْدَهُ كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ وَتَمَامُهُ فِي الْبِيرِيِّ.

(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ الْمَرِيضُ) أَيْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ

٣١٬١١٤

قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ: عَرَفْنَا أَنَّ الدَّيْنَ إذَا تَقَادَمَ وُجُوبُهُ حَتَّى يُتَوَهَّمَ سُقُوطُهُ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ فَغَرِيمُ الْمَيِّتِ يُسْتَحْلَفُ، وَكُنَّا نَظُنُّ أَنَّ الدَّيْنَ إذَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْمَرِيضِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَنَّ الْغَرِيمَ لَا يُسْتَحْلَفُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي مَوَاضِعَ أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِالدُّيُونِ لِلْغُرَمَاءِ، فَإِنَّهُمْ يُعْطُونَ ذَلِكَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْيَمِينَ وَالْخَصَّافُ ذَكَرَ الْيَمِينَ هُنَا وَهَذَا الشَّيْءُ اُسْتُفِيدَ مِنْ جِهَتِهِ اهـ، بِيرِيٌّ.

(قَوْلُهُ: إنَّهُ حَلَّفَ الْمُخَدَّرَةَ) هِيَ الَّتِي لَا تُخَالِطُ الرِّجَالَ وَإِنْ خَرَجَتْ لِحَاجَةٍ وَحَمَّامٍ كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْقُنْيَةِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.

(قَوْلُهُ: إلَّا بِشَاهِدَيْنِ) هَذِهِ عِبَارَةُ الْأَشْبَاهِ، وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ غَيْرِ الْأَمِينِ، وَقَدَّمَ عَنْ الصُّغْرَى أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ شَاهِدٍ مَعَهُ قَالَ شَيْخُ صَالِحٌ: وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ ط.

(قَوْلُهُ: وَقَدَّمْنَا فِي الْوَقْفِ إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ أَمْرُ السُّلْطَانِ إنَّمَا يَنْفُذُ إلَخْ.

(قَوْلُهُ: أَنَّ لِلسُّلْطَانِ مُخَالَفَةَ شَرْطِ الْوَاقِفِ) فَيَجُوزُ لَهُ إحْدَاثُ وَظِيفَةٍ أَوْ مُرَتَّبٍ إذَا كَانَ الْمُقَرَّرُ فِي ذَلِكَ مِنْ مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَالِ ط.

(قَوْلُهُ: لَوْ غَالِبُهُ قُرًى وَمَزَارِعَ) بِأَنْ كَانَ الْوَاقِفُ لَهُ سُلْطَانًا أَوْ وَاحِدًا مِنْ الْأُمَرَاءِ، وَلَمْ يُعْلَمْ تَمَلُّكُهُ لَهَا بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ؛ وَلِذَا عَلَّلَهُ الشَّارِحُ هُنَاكَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهَا لِبَيْتِ الْمَالِ، وَأَفْتَى الْمُفْتِي أَبُو السُّعُودِ أَفَنْدِي بِأَنَّ أَوْقَافَ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ لَا يُرَاعَى شُرُوطُهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ تَرْجِعُ إلَيْهِ اهـ. وَقَدَّمْنَا تَمَامَ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي الْوَقْفِ.

(قَوْلُهُ: وَأَجَابَ صُنْعِي أَفَنْدِي) أَيْ عَنْ سُؤَالٍ سُئِلَ عَنْهُ.

(قَوْلُهُ: مَتَى كَانَ فِي الْوَقْفِ سَعَةٌ) بِفَتْحِ السِّينِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ بِأَنْ كَانَتْ غَلَّتُهُ وَافِرَةً.

(قَوْلُهُ: وَلَمْ يُقَصِّرْ) أَيْ ذُو الْوَظِيفَةِ الَّتِي أَحْدَثَهَا السُّلْطَانُ.

(قَوْلُهُ: لَا يُمْنَعُ) أَيْ مِنْ تَنَاوُلِ مَا قَرَّرَهُ لَهُ [مَطْلَبٌ فِي حَبْسِ الصَّبِيِّ]

(قَوْلُهُ: يُحْبَسُ الْوَلِيُّ إلَخْ) فِي الْبَحْرِ لَا يُحْبَسُ صَبِيٌّ عَلَى دَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ وَلَوْ لَهُ مَالٌ مِنْ عُرُوضٍ وَعَقَارٍ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ، وَالرَّأْيُ فِيهِ لِلْقَاضِي، فَيَأْذَنُ فِي بَيْعِ بَعْضِ مَالِهِ لِلْإِيفَاءِ،

٣١٬١١٥

وَلَوْ لَهُ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ يُحْبَسُ إنْ امْتَنَعَ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ مِنْ مَالِهِ أَيْ مَالِ الصَّبِيِّ، وَلَا يُحْبَسُ الصَّبِيُّ إلَّا بِطَرِيقِ التَّأْدِيبِ؛ لِئَلَّا يَتَجَاسَرَ إلَى مِثْلِهِ إذَا بَاشَرَ شَيْئًا مِنْ أَسْبَابِ التَّعَدِّي قَصْدًا

٣١٬١١٦

فَلَوْ خَطَأً فَلَا كَذَا فِي كَفَالَةِ الْمَبْسُوطِ وَفِي الْمُحِيطِ لِلْقَاضِي حَبْسُ الصَّبِيِّ التَّاجِرِ تَأْدِيبًا لَا عُقُوبَةً؛ لِئَلَّا يُمَاطِلَ حُقُوقَ الْعِبَادِ فَإِنَّ الصَّبِيَّ يُؤَدَّبُ لِيَنْزَجِرَ عَنْ الْأَفْعَالِ الذَّمِيمَةِ اهـ.

(قَوْلُهُ: فَيُتَأَمَّلُ نَفْيُهُ هُنَا) قَدْ عَلِمْت مِنْ عِبَارَتَيْ الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ أَنَّ نَفْيَهُ عَلَى وَجْهِ الْعُقُوبَةِ وَإِثْبَاتَهُ عَلَى وَجْهِ التَّأْدِيبِ وَهُوَ شَامِلٌ أَيْضًا لِلْمَأْذُونِ وَالْمَحْجُورِ فَافْهَمْ.

(قَوْلُهُ: قَالَ) أَيْ الشُّرُنْبُلَالِيُّ وَقَدْ عَزَاهُ فِي النَّهْرِ لِلطَّرَسُوسِيِّ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْمَبْسُوطِ وَلَوْ لَهُ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ إلَخْ.

(قَوْلُهُ: فَلِلْقَاضِي نَقْضُهُ) أَيْ نَقْضُ بَيْعِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ لَوْ النَّقْضُ أَصْلَحَ لِلصَّغِيرِ.

(قَوْلُهُ: كَمَا نَظَمَهُ الشَّارِحُ) أَيْ شَارِحُ الْوَهْبَانِيَّةِ الْقَاضِي عَبْدُ الْبَرِّ بْنُ الشِّحْنَةِ.

(قَوْلُهُ: وَلَوْ مُصْلِحًا) إنَّمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ شَرْطَ بَيْعِ الْأَبِ عَقَارَ الصَّغِيرِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ كَوْنُهُ مَحْمُودًا أَوْ مَسْتُورًا،

٣١٬١١٧

فَلَوْ كَانَ مُفْسِدًا لَا يَجُوزُ إلَّا بِضِعْفِ الْقِيمَةِ.

(قَوْلُهُ: وَالْأَصْلَحُ النَّقْضُ) الْوَاوُ لِلْحَالِ وَقَوْلُهُ: يُسْطَرُ بِسُكُونِ السِّينِ جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ.

(قَوْلُهُ: وَيُحْبَسُ إلَخْ) أَيْ يُحْبَسُ الْوَالِدُ وَالْوَصِيُّ فِي دَيْنٍ عَلَى الطِّفْلِ لِأَجْنَبِيٍّ إذَا كَانَ لِلطِّفْلِ مَالٌ وَامْتَنَعَا مِنْ أَدَائِهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ.

(قَوْلُهُ: وَصِيٌّ) عَلَى تَقْدِيرِ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ.

(قَوْلُهُ: وَلِلتَّأْدِيبِ إلَخْ) أَيْ وَحَبَسَ الصَّبِيَّ لِلتَّأْدِيبِ بَعْضُ الْمَشَايِخِ تَصَوَّرُوا.

(قَوْلُهُ: وَفِي الدَّيْنِ لَمْ يُحْبَسْ أَبٌ) تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي قَوْلِهِ لَا يُحْبَسُ أَصْلٌ وَإِنْ عَلَا فِي دَيْنِ فَرْعِهِ بَلْ يَقْضِي الْقَاضِي دَيْنَهُ مِنْ عَيْنِ مَالِهِ أَوْ قِيمَتِهِ إلَخْ، وَاحْتُرِزَ بِالدَّيْنِ عَنْ النَّفَقَةِ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ بِهَا كَمَا مَرَّ هُنَاكَ.

(قَوْلُهُ: وَمُكَاتَبٌ) بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ لَا يُحْبَسُ الْمُكَاتَبُ بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ،

٣١٬١١٨

فَإِنْ كَانَ دَيْنًا آخَرَ يُحْبَسُ بِهِ لِلْمَوْلَى وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إسْقَاطِهِ بِالتَّعْجِيزِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى بَحْرٌ عَنْ أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ.

(قَوْلُهُ: وَعَبْدٌ لِمَوْلَاهُ) أَيْ لِدَيْنِ مَوْلَاهُ أَطْلَقَهُ الزَّيْلَعِيُّ فَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مَدْيُونًا بَحْرٌ.

(قَوْلُهُ: كَعَكْسٍ) أَيْ عَكْسِ الْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدِ فَلَا يُحْبَسُ الْمَوْلَى بِدَيْنِ مُكَاتَبِهِ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ لِوُقُوعِ الْمُقَاصَّةِ، وَإِلَّا يُحْبَسُ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى الرِّضَا، وَلَا يُحْبَسُ الْمَوْلَى بِدَيْنِ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ غَيْرِ الْمَدْيُونِ،

٣١٬١١٩

وَإِنْ مَدْيُونًا يُحْبَسُ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ بَحْرٌ، وَذَكَرَهُ الشَّارِحُ بَعْدُ. مَطْلَبٌ جُمْلَةٌ مَنْ لَا يُحْبَسُ عَشَرَةٌ.

(قَوْلُهُ: وَمُعْسِرٌ) أَيْ مَنْ ظَهَرَ إعْسَارُهُ بَعْدَ حَبْسِهِ الْمُدَّةَ الَّتِي يَرَاهَا الْقَاضِي فَلَا يُحْبَسُ بَعْدَهَا وَبِهَذَا بَلَغَ عَدَدُ مَنْ لَا يُحْبَسُ سَبْعَةً أَوَّلُهَا الصَّبِيُّ أَوْ كُلُّهَا فِي النَّظْمِ قَدْ عَدَّهَا فِي الْبَحْرِ كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ أَسْقَطَ الْمُعْسِرَ وَذَكَرَ بَدَلَهُ الْعَاقِلَةَ إنْ كَانَ لَهُمْ عَطَاءٌ فَلَا يُحْبَسُونَ فِي دِيَةٍ وَأَرْشٍ، وَيُؤْخَذُ مِنْ الْعَطَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَطَاءٌ يُحْبَسُونَ، ثُمَّ قَالَ: وَيُزَادُ مَسْأَلَتَانِ لَا يُحْبَسُ الْمَدْيُونُ إذَا عَلِمَ الْقَاضِي أَنَّ لَهُ مَالًا غَائِبًا أَوْ مَحْبُوسًا مُوسِرًا فَصَارَتْ تِسْعًا اهـ.

٣١٬١٢٠

قُلْت: وَبِالْمُعْسِرِ صَارَتْ عَشْرًا.

(قَوْلُهُ: نَعَمْ إلَخْ) تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ كَعَكْسٍ.

(قَوْلُهُ: إلَّا فِيمَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْكِتَابَةِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ تَقْيِيدٌ أَيْضًا لِقَوْلِهِ كَعَكْسٍ كَمَا عُلِمَ مِنْ عِبَارَةِ الْبَحْرِ الْمَارَّةِ آنِفًا.

(قَوْلُهُ: سَيِّدًا) مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ عَلَى فَاعِلِهِ وَهُوَ مُكَاتَبُهُ.

(قَوْلُهُ: الْعَبْدُ فِيهَا) أَيْ فِي الْكِتَابَةِ مُخَيَّرٌ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ فِي جَانِبِهِ فَلَهُ فَسْخُهَا.

(قَوْلُهُ: الْمُحَرِّرِ) اسْمُ فَاعِلٍ أَيْ الَّذِي حَرَّرَ الْكُتُبَ وَصَحَّحَهَا وَاحْتَاجَ إلَيْهَا لِاعْتِمَادِهِ عَلَيْهَا.

(قَوْلُهُ: إذْ بِالْكُتُبِ مَا هُوَ مُعْسِرُ) إذْ قَضَاءُ الدَّيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَاجَتِهِ إلَيْهَا وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فِي حَقِّ أَخْذِ الصَّدَقَةِ وَعَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ قُوتُ شَهْرٍ فَإِنَّهُ يُبَاعُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُوسِرٌ وَلَا يُبَاعُ عَلَيْهِ قُوتُ يَوْمِهِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ [بَابُ التَّحْكِيمِ] لَمَّا كَانَ مِنْ فُرُوعِ الْقَضَاءِ وَكَانَ أَحَطَّ رُتْبَةً مِنْ الْقَضَاءِ أَخَّرَهُ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ وَإِضَافَتُهُ إلَى وَقْتٍ،

٣١٬١٢١

بِخِلَافِ الْقَضَاءِ لِكَوْنِهِ صُلْحًا مِنْ وَجْهٍ بَحْرٌ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.