بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ وَتَحْلِيَةُ الْمُصْحَفِ وَتَعْشِيرُهُ وَنَقْطُهُ وَدُخُولُ الذِّمِّيِّ مَسْجِدًا وَعِيَادَتُهُ وَعِيَادَةُ فَاسِقٍ وَخِصَاءُ الْبَهَائِمِ وَإِنْزَاءُ الْحَمِيرِ عَلَى الْخَيْلِ وَالْحُقْنَةُ وَرِزْقُ الْقَاضِي
الشروح عليها
(بِخِلَافِ) دَيْنٍ عَلَى (الْمُسْلِمِ) لِبُطْلَانِهِ إلَّا إذَا وَكَّلَ ذِمِّيًّا بِبَيْعِهِ فَيَجُوزُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا وَعَلَى هَذَا لَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ وَتَرَكَ ثَمَنَ خَمْرٍ بَاعَهُ مُسْلِمٌ لَا يَحِلُّ لِوَرَثَتِهِ كَمَا بَسَطَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَفِي الْأَشْبَاهِ الْحُرْمَةُ تَنْتَقِلُ مَعَ الْعِلْمِ إلَّا لِلْوَارِثِ إلَّا إذَا عَلِمَ رَبُّهُ.
قُلْت: وَمَرَّ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لَكِنْ فِي الْمُجْتَبَى مَاتَ وَكَسْبُهُ حَرَامٌ فَالْمِيرَاثُ حَلَالٌ ثُمَّ رَمَزَ وَقَالَ لَا نَأْخُذُ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ حَرَامٌ مُطْلَقًا عَلَى الْوَرَثَةِ فَتَنَبَّهْ. (وَ) جَازَ (تَحْلِيَةُ الْمُصْحَفِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِهِ كَمَا فِي نَقْشِ الْمَسْجِدِ (وَتَعْشِيرُهُ وَنَقْطُهُ) أَيْ إظْهَارُ إعْرَابِهِ وَبِهِ يَحْصُلُ الرِّفْقُ جِدًّا خُصُوصًا لِلْعَجَمِ فَيُسْتَحْسَنُ وَعَلَى هَذَا لَا بَأْسَ بِكِتَابَةِ أَسَامِي السُّوَرِ وَعَدِّ الْآيِ وَعَلَامَاتِ الْوَقْفِ وَنَحْوِهَا فَهِيَ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ دُرَرٌ وَقُنْيَةٌ وَفِيهَا لَا بَأْسَ بِكَوَاغِدِ أَخْبَارٍ وَنَحْوِهَا فِي مُصْحَفٍ وَتَفْسِيرٍ وَفِقْهٍ وَتُكْرَهُ فِي كُتُبِ نُجُومٍ وَأَدَبٍ
وَيُكْرَهُ تَصْغِيرُ مُصْحَفٍ وَكِتَابَتُهُ بِقَلَمٍ دَقِيقٍ يَعْنِي تَنْزِيهًا وَلَا يَجُوزُ لَفُّ شَيْءٍ فِي كَاغِدِ فِقْهٍ وَنَحْوِهِ وَفِي كُتُبِ الطِّبِّ يَجُوزُ. (وَ) جَازَ (دُخُولُ الذِّمِّيِّ مَسْجِدًا) مُطْلَقًا وَكَرِهَهُ مَالِكٌ مُطْلَقًا وَكَرِهَهُ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
قُلْنَا: النَّهْيُ تَكْوِينِيٌّ لَا تَكْلِيفِيٌّ وَقَدْ جَوَّزُوا عُبُورَ عَابِرِ السَّبِيلِ جُنُبًا وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى لَا يَقْرَبُوا لَا يَحُجُّوا وَلَا يَعْتَمِرُوا عُرَاةً بَعْدَ حَجِّ عَامِهِمْ هَذَا عَامِ تِسْعٍ حِينَ أَمَرَ الصِّدِّيقُ وَنَادَى عَلِيٌّ بِهَذِهِ السُّورَةِ قَالَ: أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ عَامِنَا هَذَا مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ عُرْيَانٌ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا فَلْيُحْفَظْ
قُلْت: وَلَا تَنْسَ مَا مَرَّ فِي فَصْلِ الْجِزْيَةِ (وَ) جَازَ (عِيَادَتُهُ) بِالْإِجْمَاعِ وَفِي عِيَادَةِ الْمَجُوسِيِّ قَوْلَانِ (وَ) جَازَ (عِيَادَةُ فَاسِقٍ) عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَالْعِيَادَةُ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ. (وَ) جَازَ (خِصَاءُ الْبَهَائِمِ) حَتَّى الْهِرَّةِ،
وَأَمَّا خِصَاءُ الْآدَمِيِّ فَحَرَامٌ قِيلَ وَالْفَرَسِ وَقَيَّدُوهُ بِالْمَنْفَعَةِ وَإِلَّا فَحَرَامٌ. (وَإِنْزَاءُ الْحَمِيرِ عَلَى الْخَيْلِ) كَعَكْسِهِ قُهُسْتَانِيُّ. (وَالْحُقْنَةُ) لِلتَّدَاوِي وَلَوْ لِلرَّجُلِ بِطَاهِرٍ لَا بِنَجَسٍ
وَكَذَا كُلُّ تَدَاوٍ لَا يَجُوزُ إلَّا بِطَاهِرٍ وَجَوَّزَهُ فِي النِّهَايَةِ بِمُحَرَّمٍ إذَا أَخْبَرَهُ طَبِيبٌ مُسْلِمٌ أَنَّ فِيهِ شِفَاءً وَلَمْ يَجِدْ مُبَاحًا يَقُومُ مَقَامَهُ.
قُلْت: وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ» نَفْيُ الْحُرْمَةِ عِنْدَ الْعِلْمِ بِالشِّفَاءِ دَلَّ عَلَيْهِ جَوَازُ شُرْبِهِ لِإِزَالَةِ الْعَطَشِ اهـ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ (وَ) جَازَ إسَاغَةُ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ.
وَجَازَ (رِزْقُ الْقَاضِي) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَوْ بَيْتُ الْمَالِ حَلَالًا جُمِعَ بِحَقٍّ وَإِلَّا لَمْ يَحِلَّ وَعَبَّرَ بِالرِّزْقِ لِيُفِيدَ تَقْدِيرَهُ بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِ وَأَهْلَهُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَلَوْ غَنِيًّا فِي الْأَصَحِّ وَهَذَا لَوْ بِلَا شَرْطٍ وَلَوْ بِهِ كَالْأُجْرَةِ فَحَرَامٌ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ طَاعَةٌ، فَلَمْ تَجُزْ كَسَائِرِ الطَّاعَاتِ
قُلْت: وَهَلْ يَجْرِي فِيهِ كَلَامُ الْمُتَأَخِّرِينَ يُحَرَّرُ.
(قَوْلُهُ بَاعَهُ مُسْلِمٌ) عَدَلَ عَنْ قَوْلِ الزَّيْلَعِيِّ بَاعَهُ هُوَ لِيَشْمَلَ مَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمُسْلِمَ الْمَيِّتَ أَوْ مُسْلِمٌ غَيْرُهُ بِالْوَكَالَةِ عَنْهُ
(قَوْلُهُ كَمَا بَسَطَهُ الزَّيْلَعِيُّ) حَيْثُ قَالَ لِأَنَّهُ كَالْمَغْصُوبِ
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: كَسْبُ الْمُغَنِّيَةِ كَالْمَغْصُوبِ لَمْ يَحِلَّ أَخْذُهُ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا لَوْ مَاتَ الرَّجُلُ وَكَسْبُهُ مِنْ بَيْعِ الْبَاذَقِ أَوْ الظُّلْمِ أَوْ أَخْذِ الرِّشْوَةِ يَتَوَرَّعُ الْوَرَثَةُ، وَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا وَهُوَ أَوْلَى بِهِمْ وَيَرُدُّونَهَا عَلَى أَرْبَابِهَا إنْ عَرَفُوهُمْ، وَإِلَّا تَصَدَّقُوا بِهَا لِأَنَّ سَبِيلَ الْكَسْبِ الْخَبِيثِ التَّصَدُّقُ إذَا تَعَذَّرَ الرَّدُّ عَلَى صَاحِبِهِ اهـ لَكِنْ فِي الْهِنْدِيَّةِ عَنْ الْمُنْتَقَى عَنْ مُحَمَّدٍ فِي كَسْبِ النَّائِحَةِ، وَصَاحِبُ طَبْلٍ أَوْ مِزْمَارٍ، لَوْ أَخَذَ بِلَا شَرْطٍ، وَدَفَعَهُ الْمَالِكُ بِرِضَاهُ فَهُوَ حَلَالٌ
وَمِثْلُهُ فِي الْمَوَاهِبِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَمَا جَمَعَ السَّائِلُ مِنْ الْمَالِ فَهُوَ خَبِيثٌ
(قَوْلُهُ وَفِي الْأَشْبَاهِ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الشَّعْرَانِيُّ فِي كِتَابِ الْمِنَنِ: وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْحَرَامَ لَا يَتَعَدَّى إلَى ذِمَّتَيْنِ سَأَلْت عَنْهُ الشِّهَابَ ابْنَ الشَّلَبِيِّ فَقَالَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ،
أَمَّا مَنْ رَأَى الْمَكَّاسَ يَأْخُذُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا مِنْ الْمَكْسِ، ثُمَّ يُعْطِيهِ آخَرَ ثُمَّ يَأْخُذُهُ مِنْ ذَلِكَ الْآخَرِ فَهُوَ حَرَامٌ اهـ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ: سُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ عَمَّنْ اكْتَسَبَ مَالَهُ مِنْ أَمْرِ السُّلْطَانِ وَالْغَرَامَاتِ الْمُحَرَّمَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ هَلْ يَحِلُّ لِمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ طَعَامِهِ؟ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ فِي دِينِهِ أَنْ لَا يَأْكُلَ وَيَسَعُهُ حُكْمًا إنْ لَمْ يَكُنْ غَصْبًا أَوْ رِشْوَةً اهـ وَفِي الْخَانِيَّةِ: امْرَأَةٌ زَوْجُهَا فِي أَرْضِ الْجَوْرِ إذَا أَكَلَتْ مِنْ طَعَامِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَيْنُهُ غَصْبًا أَوْ اشْتَرَى طَعَامًا أَوْ كِسْوَةً مِنْ مَالٍ أَصْلُهُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ فَهِيَ فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ وَالْإِثْمُ عَلَى الزَّوْجِ اهـ حَمَوِيٌّ
(قَوْلُهُ مَعَ الْعِلْمِ) أَمَّا بِدُونِهِ فَفِي التَّتَارْخَانِيَّة اشْتَرَى جَارِيَةً أَوْ ثَوْبًا، وَهُوَ لِغَيْرِ الْبَائِعِ فَوَطِئَ أَوْ لَبِسَ، ثُمَّ عَلِمَ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْجِمَاعَ وَاللُّبْسَ حَرَامٌ إلَّا أَنَّهُ وَضَعَ عَنْهُ الْإِثْمَ،
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، الْوَطْءُ حَلَالٌ مَأْجُورٌ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْخِلَافِ لَوْ تَزَوَّجَ وَوَطِئَهَا فَبَانَ أَنَّهَا مَنْكُوحَةُ الْغَيْرِ
(قَوْلُهُ إلَّا إذَا عَلِمَ رَبُّهُ) أَيْ رَبُّ الْمَالِ فَيَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ رَدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ
(قَوْلُهُ وَهُوَ حَرَامٌ مُطْلَقًا عَلَى الْوَرَثَةِ) أَيْ سَوَاءٌ عَلِمُوا أَرْبَابَهُ أَوْ لَا فَإِنْ عَلِمُوا أَرْبَابَهُ رَدُّوهُ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا تَصَدَّقُوا بِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ الزَّيْلَعِيِّ.
أَقُولُ: وَلَا يُشْكِلُ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ الذَّخِيرَةِ وَالْخَانِيَّةِ لِأَنَّ الطَّعَامَ أَوْ الْكِسْوَةَ لَيْسَ عَيْنَ الْمَالِ الْحَرَامِ فَإِنَّهُ إذَا اشْتَرَى بِهِ شَيْئًا يَحِلُّ أَكْلُهُ عَلَى تَفْصِيلٍ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ
بِخِلَافِ مَا تَرَكَهُ مِيرَاثًا فَإِنَّهُ عَيْنُ الْمَالِ الْحَرَامِ وَإِنْ مَلَكَهُ بِالْقَبْضِ وَالْخَلْطِ عِنْدَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ أَدَاءُ ضَمَانِهِ،
وَكَذَا لِوَارِثِهِ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ حُرْمَتَهُ عَلَى الْوَرَثَةِ فِي الدِّيَانَةِ لَا الْحُكْمِ فَلَا يَجُوزُ لِوَصِيِّ الْقَاصِرِ التَّصَدُّقُ بِهِ وَيُضَمِّنَهُ الْقَاصِرُ إذَا بَلَغَ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ فَتَنَبَّهْ) أَشَارَ بِهِ إلَى ضَعْفِ مَا فِي الْأَشْبَاهِ ط.
(قَوْلُهُ وَجَازَ تَحْلِيَةٌ الْمُصْحَفِ) أَيْ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ
(قَوْلُهُ كَمَا فِي نَقْشِ الْمَسْجِدِ) أَيْ مَا خَلَا مِحْرَابَهُ أَيْ بِالْجِصِّ وَمَاءِ الذَّهَبِ لَا مِنْ مَالِ الْوَقْفِ وَضَمِنَ مُتَوَلِّيهِ لَوْ فَعَلَ إلَّا إذَا فَعَلَ الْوَاقِفُ مِثْلَهُ كَمَا مَرَّ قُبَيْلَ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ نَقْشَ حَائِطِ الْقِبْلَةِ،
وَيَجُوزُ حَفْرُ بِئْرٍ فِي مَسْجِدٍ لَوْلَا ضَرَرٍ فِيهِ أَصْلًا وَفِيهِ نَفْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَا يَضْمَنُ فِيهِ الْحَافِرُ لِمَا حَفَرَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا أَفَادَهُ ط عَنْ الْهِنْدِيَّةِ
(قَوْلُهُ وَتَعْشِيرُهُ) هُوَ جَعْلُ الْعَوَاشِرَ فِي الْمُصْحَفِ وَهُوَ كِتَابَةُ الْعَلَامَةِ عِنْدَ مُنْتَهَى عَشْرِ آيَاتٍ عِنَايَةٌ
(قَوْلُهُ أَيْ إظْهَارُ إعْرَابِهِ) تَفْسِيرٌ لِلنَّقْطِ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: نَقَطَ الْحَرْفَ أَعْجَمَهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِعْجَامَ لَا يَظْهَرُ بِهِ الْإِعْرَابُ إنَّمَا يَظْهَرُ بِالشَّكْلِ فَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا مَا يَعُمُّهُ أَفَادَهُ ط
(قَوْلُهُ وَبِهِ يَحْصُلُ الرِّفْقُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ جَوِّدُوا الْقُرْآنَ كَانَ فِي زَمَنِهِمْ وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ كَمَا بَسَطَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ
(قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى اعْتِبَارِ حُصُولِ الرِّفْقِ
(قَوْلُهُ وَنَحْوِهَا) كَالسَّجْدَةِ وَرُمُوزِ التَّجْوِيدِ
(قَوْلُهُ لَا بَأْسَ بِكَوَاغِدِ أَخْبَارٍ) أَيْ بِجَعْلِهَا غِلَافًا لِمُصْحَفٍ وَنَحْوِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَخْبَارِ التَّوَارِيخُ دُونَ الْأَحَادِيثِ
(قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ تَصْغِيرُ مُصْحَفٍ) أَيْ تَصْغِيرُ حَجْمِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَهُ بِأَحْسَنِ خَطٍّ وَأَبْيَنِهِ عَلَى أَحْسَنِ وَرَقٍ وَأَبْيَضِهِ بِأَفْخَمِ قَلَمٍ وَأَبْرَقِ مِدَادٍ وَيُفَرِّجُ السُّطُورِ وَيُفَخِّمُ الْحُرُوفَ وَيُضَخِّمُ الْمُصْحَفَ اهـ قُنْيَةٌ
(قَوْلُهُ وَنَحْوِهِ) الَّذِي فِي الْمِنَحِ وَنَحْوُهُ فِي الْهِنْدِيَّةِ،
وَلَا يَجُوزُ لَفُّ شَيْءٍ فِي كَاغَدٍ فِيهِ مَكْتُوبٌ مِنْ الْفِقْهِ،
وَفِي الْكَلَامِ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ وَفِي كِتَابِ الطِّبِّ يَجُوزُ،
وَلَوْ كَانَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ اسْمُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَجُوزُ مَحْوُهُ لِيُلَفَّ فِيهِ شَيْءٌ وَمَحْوُ بَعْضِ الْكِتَابَةِ بِالرِّيقِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ مَحْوِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْبُصَاقِ، وَلَمْ يُبَيَّنْ مَحْوُ كِتَابَةِ الْقُرْآنِ بِالرِّيقِ هَلْ هُوَ كَاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ كَغَيْرِهِ ط.
(قَوْلُهُ وَجَازَ دُخُولُ الذِّمِّيِّ مَسْجِدًا) وَلَوْ جُنُبًا كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ،
وَفِي الْهِنْدِيَّةِ عَنْ التَّتِمَّةِ يُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ الدُّخُولُ فِي الْبِيعَةِ وَالْكَنِيسَةِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَجْمَعُ الشَّيَاطِينِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الدُّخُولِ اهـ وَانْظُرْ هَلْ الْمُسْتَأْمَنُ وَرَسُولُ أَهْلِ الْحَرْبِ مِثْلُهُ وَمُقْتَضَى اسْتِدْلَالِهِمْ عَلَى الْجَوَازِ بِإِنْزَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ جَوَازُهُ وَيُحَرَّرُ ط
(قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَغَيْرُهُ
(قَوْلُهُ قُلْنَا) أَيْ فِي الْجَوَابِ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمَانِعُونَ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى - {فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ}- وَمَا ذَكَرَهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ
(قَوْلُهُ تَكْوِينِيٌّ) نِسْبَةً إلَى التَّكْوِينِ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ تَرْجِعُ إلَيْهَا صِفَاتُ الْأَفْعَالِ عِنْدَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ، فَمَعْنَى لَا يَقْرَبُوا: لَا يَخْلُقُ اللَّهُ فِيهِمْ الْقُرْبَانَ، وَمِثَالُ الْأَمْرِ التَّكْوِينِيِّ:{ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} : وَمِثَالُ الْأَمْرِ التَّكْلِيفِيِّ وَيُقَالُ التَّدْوِينِيُّ أَيْضًا: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ: وَالْفَرْقُ أَنَّ الِامْتِثَالَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ الْأَوَّلِ عَقْلًا
بِخِلَافِ الثَّانِي اهـ ح وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ خَبَرٌ مَنْفِيٌّ فِي صُورَةِ النَّهْيِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ لَا تَكْلِيفِيٌّ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ بِالْفُرُوعِ
(قَوْلُهُ وَقَدْ جَوَّزُوا إلَخْ) هَذَا إنَّمَا يَحْسُنُ لَوْ ذُكِرَ دَلِيلُ الشَّافِعِيِّ الَّذِي مِنْ جُمْلَتِهِ، وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَخْلُو عَنْ الْجَنَابَةِ فَوَجَبَ تَنْزِيهُ الْمَسْجِدِ عَنْهُ وَحَاصِلُ كَلَامِهِ: أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ لَا يَتِمُّ لِأَنَّهُ قَدْ جَوَّزَ إلَخْ ط
(قَوْلُهُ فَمَعْنَى لَا يَقْرَبُوا إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَكْوِينِيٌّ وَهُوَ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَجُّوا وَاعْتَمَرُوا عُرَاةً كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَافْهَمْ.
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنْزَلَ وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي مَسْجِدِهِ وَهُمْ كُفَّارٌ» ، وَلِأَنَّ الْخُبْثَ فِي اعْتِقَادِهِمْ فَلَا يُؤَدِّي إلَى تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْحُضُورِ اسْتِيلَاءً وَاسْتِغْلَاءً أَوْ طَائِفِينَ عُرَاةً كَمَا كَانَتْ عَادَتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ اهـ أَيْ فَلَيْسَ الْمَمْنُوعُ نَفْسَ الدُّخُولِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِإِسْنَادِهِ إلَى أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَرَهُ فِيهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ أَلَا لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» ، إتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ عَامِ تِسْعٍ) بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ عَامِهِمْ ط
(قَوْلُهُ وَنَادَى عَلِيٌّ بِهَذِهِ السُّورَةِ) كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ الَّتِي رَأَيْتهَا وَفِي نُسْخَةٍ وَنَادَى عَلَى بَعِيرِهِ بِسُورَةِ بَرَاءَةَ، وَهِيَ الَّتِي كَتَبَ عَلَيْهَا ط وَقَالَ إنَّ الْمُنَادِيَ عَلَى الْبَعِيرِ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ بَرَاءَةَ هُوَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَقَدْ أَرْسَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَقِبَ الصِّدِّيقِ، فَلَحِقَهُ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ لِيَكُونَ الْآمِرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اهـ
(قَوْلُهُ وَلَا تَنْسَ مَا مَرَّ فِي فَصْلِ الْجِزْيَةِ)
حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ الْمَنْعَ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَدَمَهُ وَالسِّيَرُ الْكَبِيرُ آخِرُ تَصْنِيفِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَوْرَدَ فِيهِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَالُ اهـ.
أَقُولُ: غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مَا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُهُ وَلِذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ آنِفًا مَعَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْمُتُونِ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ، لِأَنَّ شَأْنَ الْمُتُونِ ذَلِكَ غَالِبًا تَأَمَّلْ هَذَا.
وَذَكَرَ الشَّارِحُ فِي الْجِزْيَةِ أَيْضًا أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ اسْتِيطَانِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَجْتَمِعُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ دِينَانِ» وَلَوْ دَخَلَ لِتِجَارَةٍ جَازَ وَلَا يُطِيلُ اهـ
(قَوْلُهُ وَجَازَ عِيَادَتُهُ) أَيْ عِيَادَةُ مُسْلِمٍ ذِمِّيًّا نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا، لِأَنَّهُ نَوْعُ بِرٍّ فِي حَقِّهِمْ وَمَا نُهِينَا عَنْ ذَلِكَ، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ اللَّهُ «عَادَ يَهُودِيًّا مَرِضَ بِجِوَارِهِ» هِدَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَفِي عِيَادَةِ الْمَجُوسِيِّ قَوْلَانِ)
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ فِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِهِ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُمْ أَبْعَدُ عَنْ الْإِسْلَامِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا تُبَاحُ ذَبِيحَةُ الْمَجُوسِ وَنِكَاحُهُمْ اهـ.
قُلْت: وَظَاهِرُ الْمَتْنِ كَالْمُلْتَقَى وَغَيْرِهِ اخْتِيَارُ الْأَوَّلِ لِإِرْجَاعِهِ الضَّمِيرَ فِي عِيَادَتِهِ إلَى الذِّمِّيِّ وَلَمْ يَقُلْ عِيَادَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، كَمَا قَالَ الْقُدُورِيُّ وَفِي النَّوَادِرِ جَارٌ يَهُودِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ مَاتَ ابْنٌ لَهُ أَوْ قَرِيبٌ يَنْبَغِي أَنْ يُعَزِّيَهُ، وَيَقُولَ أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْك خَيْرًا مِنْهُ، وَأَصْلَحَك وَكَانَ مَعْنَاهُ أَصْلَحَك اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ يَعْنِي رَزَقَك الْإِسْلَامَ وَرَزَقَك وَلَدًا مُسْلِمًا كِفَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَجَازَ عِيَادَةُ فَاسِقٍ) وَهَذَا غَيْرُ حُكْمِ الْمُخَالَطَةِ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُلْتَقَطِ يُكْرَهُ لِلْمَشْهُورِ الْمُقْتَدَى بِهِ الِاخْتِلَاطُ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَاطِلِ وَالشَّرِّ إلَّا بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، لِأَنَّهُ يَعْظُمُ أَمْرُهُ بَيْنَ النَّاسِ،
وَلَوْ كَانَ رَجُلًا لَا يَعْرِفُ يُدَارِيهِ لِيَدْفَعَ الظُّلْمَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إثْمٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ اهـ.
[تَنْبِيهٌ] مِنْ الْعِيَادَةِ الْمَكْرُوهَةِ إذَا عُلِمَ أَنَّك تُثْقِلُ عَلَى الْمَرِيضِ: فَلَا تَعُدْهُ فَقَدْ قِيلَ مُجَالَسَةُ الثَّقِيلِ حُمَّى الرُّوحِ، وَلَا تُهَوِّلْ عَلَى الْمَرِيضِ، وَلَا تُحَرِّكْ رَأْسَك وَلَا تَقُلْ مَا عَلِمْت أَنَّك عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ الشَّدِيدَةِ، بَلْ هَوِّنْ عَلَيْهِ الْمَرَضَ وَطَيِّبِ قَلْبَهُ، وَقُلْ لَهُ أَرَاك فِي خَيْرٍ بِتَأْوِيلٍ وَاذْكُرْ لَهُ مَا يُزِيدُ رَجَاءَهُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَشُوبًا بِشَيْءٍ مِنْ التَّخْوِيفِ وَلَا تَضَعْ يَدَك عَلَى رَأْسِهِ فَرُبَّمَا يُؤْذِيهِ إلَّا إذَا طَلَبَهُ وَقُلْ لَهُ إذَا دَخَلْت عَلَيْهِ، كَيْف تَجِدُك هَكَذَا جَاءَ عَنْ السَّلَفِ وَلَا تَقُلْ لَهُ أَوْصِ فَإِنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْجُهَّالِ اهـ مُجْتَبًى ط.
[فَائِدَةٌ] يَتَشَاءَمُ النَّاسُ فِي زَمَانِنَا مِنْ الْعِيَادَةِ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ، فَيَنْبَغِي تَرْكُهَا إذَا كَانَ يَحْصُلُ لِلْمَرِيضِ بِذَلِكَ ضَرَرٌ وَرَأَيْت فِي تَارِيخِ الْمُحِبِّي فِي تَرْجَمَةِ الشَّيْخِ فَتْحِ اللَّهِ الْبَيْلُونِيِّ أَنَّهُ
قَالَ:
السَّبْتُ وَالِاثْنَيْنِ وَالْأَرْبَعَا ... تَجَنَّبْ الْمَرْضَى بِهَا أَنْ تُزَارَ فِي طَيْبَةَ يُعْرَفُ هَذَا فَلَا ... تَغْفُلْ فَإِنَّ الْعُرْفَ عَالِي الْمَنَارِ قَالَ الْمُحِبِّيُّ
قُلْت: هَذَا عُرْفٌ مَشْهُورٌ لَكِنْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ مَا يَرُدُّ السَّبْتَ مِنْهُ فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَفْقِدُ أَهْلَ قَبَاءٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَيَسْأَلُ عَنْ الْمَفْقُودِ فَيُقَالُ لَهُ إنَّهُ مَرِيضٌ، فَيَذْهَبُ يَوْمَ السَّبْتِ لِزِيَارَتِهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَجَازَ خِصَاءُ الْبَهَائِمِ) عَبَّرَ فِي الْهِدَايَةِ بِالْإِخْصَاءِ، وَالصَّوَابُ مَا هُنَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَهُوَ نَزْعُ الْخُصْيَةِ، وَيُقَالُ: خَصِيٌّ وَمَخْصِيٌّ
(قَوْلُهُ قِيلَ وَالْفَرَسُ) ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ حَرَامٌ ط
(قَوْلُهُ وَقَيَّدُوهُ) أَيْ جَوَازُ خِصَاءِ الْبَهَائِمِ بِالْمَنْفَعَةِ وَهِيَ إرَادَةُ سِمَنِهَا أَوْ مَنْعُهَا عَنْ الْعَضِّ
بِخِلَافِ بَنِي آدَمَ فَإِنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْمَعَاصِي فَيَحْرُمُ أَفَادَهُ الأتقاني عَنْ الطَّحَاوِيِّ.
[تَنْبِيهٌ] لَا بَأْسَ بِكَيِّ الْبَهَائِمِ لِلْعَلَامَةِ وَثَقْبِ أُذُنِ الطِّفْلِ مِنْ الْبَنَاتِ لِأَنَّهُمْ «كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ» ، وَلَا بَأْسَ بِكَيِّ الصِّبْيَانِ لِدَاءٍ إتْقَانِيٌّ وَالْهِرَّةُ الْمُؤْذِيَةُ لَا تُضْرَبُ، وَلَا تُعْرَكُ أُذُنُهَا بَلْ تُذْبَحُ بِسِكِّينٍ حَادٍّ،
وَلَوْ مَاتَتْ حَامِلٌ وَأَكْبَرُ رَأْيِهِمْ أَنَّ الْوَلَدَ حَيٌّ شُقَّ بَطْنُهَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، وَبِالْعَكْسِ قُطِعَ الْوَلَدُ إرْبًا إرْبًا تَتَارْخَانِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ لِلتَّدَاوِي) أَيْ مِنْ مَرَضٍ أَوْ هُزَالٍ مُؤَدٍّ إلَيْهِ لَا لِنَفْعٍ ظَاهِرٍ كَالتَّقَوِّي عَلَى الْجِمَاعِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَا لِلسِّمَنِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ لِلرَّجُلِ) الْأَوْلَى وَلَوْ لِلْمَرْأَةِ
(قَوْلُهُ وَجَوَّزَهُ فِي النِّهَايَةِ إلَخْ) وَنَصُّهُ وَفِي التَّهْذِيبِ: يَجُوزُ لِلْعَلِيلِ شُرْبُ الْبَوْلِ وَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ لِلتَّدَاوِي إذَا أَخْبَرَهُ طَبِيبٌ مُسْلِمٌ أَنَّ شِفَاءَهُ فِيهِ، وَلَمْ يَجِدْ مِنْ الْمُبَاحِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ،
وَإِنْ قَالَ الطَّبِيبُ يَتَعَجَّلُ شِفَاؤُك بِهِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَهَلْ يَجُوزُ شُرْبُ الْقَلِيلِ مِنْ الْخَمْرِ لِلتَّدَاوِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ اهـ
قَالَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى بَعْدَ نَقْلِهِ مَا فِي النِّهَايَةِ: وَأَقَرَّهُ فِي الْمِنَحِ وَغَيْرِهَا وَقَدَّمْنَاهُ فِي الطَّهَارَةِ وَالرَّضَاعِ أَنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ اهـ
(قَوْلُهُ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ إلَخْ) ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ عَنْ الذَّخِيرَةِ أَيْضًا
(قَوْلُهُ نَفْيُ الْحُرْمَةِ عِنْدَ الْعِلْمِ بِالشِّفَاءِ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ كَمَا مَرَّ.
وَحَاصِلُ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذِنَ لَكُمْ بِالتَّدَاوِي، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً،
فَإِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ الدَّوَاءِ شَيْءٌ مُحَرَّمٌ وَعَلِمْتُمْ بِهِ الشِّفَاءَ، فَقَدْ زَالَتْ حُرْمَةُ اسْتِعْمَالِهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
(قَوْلُهُ دَلَّ عَلَيْهِ إلَخْ) أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ إسَاغَةَ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ وَشُرْبَهُ لِإِزَالَةِ الْعَطَشِ إحْيَاءٌ لِنَفْسِهِ مُتَحَقِّقُ النَّفْعِ، وَلِذَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ كَمَا يَأْثَمُ بِتَرْكِ الْأَكْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ
بِخِلَافِ التَّدَاوِي وَلَوْ بِغَيْرِ مُحَرَّمٍ فَإِنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ لَا يَأْثَمُ كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ) أَيْ أَوَّلَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ حَيْثُ قَالَ الْأَكْلُ لِلْغِذَاءِ وَالشُّرْبُ لِلْعَطَشِ وَلَوْ مِنْ حَرَامٍ أَوْ مَيْتَةٍ أَوْ مَالِ غَيْرٍ وَإِنْ ضَمِنَهُ فَرْضٌ اهـ.
[تَتِمَّةٌ] لَا بَأْسَ بِشُرْبِ مَا يَذْهَبُ بِالْعَقْلِ فَيَقْطَعُ الْأَكْلَةَ وَنَحْوَهُ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ آخِرَ كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ.
(قَوْلُهُ وَجَازَ رِزْقُ الْقَاضِي) الرِّزْقُ بِالْكَسْرِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَبِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ قَامُوسٌ
(قَوْلُهُ وَإِلَّا لَمْ يَحِلَّ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ
وَأَمَّا إذَا كَانَ حَرَامًا جُمِعَ بِبَاطِلٍ لَمْ يَحِلَّ أَخْذُهُ لِأَنَّ سَبِيلَ الْحَرَامِ وَالْغَصْبِ رَدُّهُ عَلَى أَهْلِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَالِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ اهـ.
أَقُولُ: ظَاهِرُ الْعِلَّةِ أَنَّ أَهْلَهُ مَعْلُومُونَ فَحُرْمَةُ الْأَخْذِ مِنْهُ ظَاهِرَةٌ،
فَإِنْ لَمْ يُعْلَمُوا فَهُوَ كَاللُّقَطَةِ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَيُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ اللُّقَطَةِ فَقَدْ صَرَّحُوا فِي الْهَدِيَّةِ وَالرِّشْوَةِ لِلْقُضَاةِ وَنَحْوِهِمْ أَنَّهَا تُرَدُّ عَلَى أَرْبَابِهَا إنْ عُلِمُوا وَإِلَّا أَوْ كَانُوا بَعِيدًا حَتَّى تَعَذَّرَ الرَّدُّ فَفِي بَيْتِ الْمَالِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ اللُّقَطَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ فِي كُلِّ زَمَانٍ) مُتَعَلِّقٌ بِتَقْدِيرٍ أَوْ بِيَكْفِيهِ أَيْ يُقَدَّرُ بِقَدْرِ كِفَايَتِهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ غَنِيًّا فِي الْأَصَحِّ) عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ ثَمَّ الْقَاضِي إذَا كَانَ فَقِيرًا، فَالْأَفْضَلُ بَلْ الْوَاجِبُ الْأَخْذُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إقَامَةُ فَرْضِ الْقَضَاءِ إلَّا بِهِ إذْ الِاشْتِغَالُ بِالْكَسْبِ يُقْعِدُهُ عَنْ إقَامَتِهِ،
وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فَالْأَفْضَلُ الِامْتِنَاعُ عَلَى مَا قِيلَ رِفْقًا بِبَيْتِ الْمَالِ،
وَقِيلَ الْأَخْذُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ صِيَانَةً لِلْقَضَاءِ عَنْ الْهَوَانِ، وَنَظَرًا لِمَنْ تَوَلَّى بَعْدَهُ مِنْ الْمُحْتَاجِينَ، لِأَنَّهُ إذَا انْقَطَعَ زَمَانًا تَعَذَّرَ إعَادَتُهُ اهـ
(قَوْلُهُ وَهَذَا لَوْ بِلَا شَرْطٍ إلَخْ) بِأَنْ تَقَلَّدَ الْقَضَاءَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، ثُمَّ رَزَقَهُ الْوَالِي كِفَايَتَهُ،
أَمَّا إنْ قَالَ ابْتِدَاءً إنَّمَا أَقْبَلُ الْقَضَاءَ إنْ رَزَقَنِي الْوَالِي كَذَا بِمُقَابَلَةِ قَضَائِي، وَإِلَّا فَلَا أَقْبَلُ فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ عَلَى الطَّاعَةِ اهـ كِفَايَةٌ
(قَوْلُهُ فَلَمْ تَجُزْ) أَيْ الْأُجْرَةُ عَلَيْهِ أَيْ لَمْ يَجُزْ أَخْذُهَا
(قَوْلُهُ يُحَرَّرُ) أَقُولُ: قَدَّمْنَا تَحْرِيرَهُ فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ كَلَامَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَيْسَ عَامًّا فِي كُلِّ طَاعَةٍ بَلْ فِيمَا فِيهِ ضَرُورَةٌ كَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ وَالْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.