وَلَوْ يَوْمَ حَيْضِهَا لَا التَّرَاوِيحُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَوَقْتُهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ قَبْلَ الْوِتْرِ وَبَعْدَهُ
الشروح عليها
(وَلَوْ) نَذَرَتْهَا (يَوْمَ حَيْضِهَا لَا) لِأَنَّهُ نَذْرٌ بِمَعْصِيَةٍ. (التَّرَاوِيحُ سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ لِمُوَاظَبَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ (لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) إجْمَاعًا (وَوَقْتُهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) إلَى الْفَجْرِ (قَبْلَ الْوِتْرِ وَبَعْدَهُ) فِي الْأَصَحِّ،
فَلَوْ فَاتَهُ بَعْضُهَا وَقَامَ الْإِمَامُ إلَى الْوِتْرِ أَوْتَرَ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّى مَا فَاتَهُ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ نَذْرٌ بِمَعْصِيَةٍ) لِأَنَّ يَوْمَ الْحَيْضِ مُنَافٍ لِلصَّوْمِ الْعِبَادَةِ،
بِخِلَافِ صَوْمِ الْغَدِ فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ قَابِلٌ لِلْأَدَاءِ، وَلَكِنْ صَرَفَ عَنْهُ مَانِعٌ سَمَاوِيٌّ مَنَعَ الْأَدَاءَ فَوَجَبَ الْقَضَاءُ.
مَبْحَثٌ صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ.
(قَوْلُهُ التَّرَاوِيحُ) جَمْعُ تَرْوِيحَةٍ؛ سُمِّيَتْ الْأَرْبَعُ بِهَا لِلِاسْتِرَاحَةِ بَعْدَهَا خَزَائِنُ، وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا عَنْ النَّوَافِلِ لِكَثْرَةِ شُعَبِهَا وَاخْتِصَاصِهَا عَنْهَا بِأَدَائِهَا بِجَمَاعَةٍ وَأَحْكَامٍ أُخَرَ، وَلِذَا أَفْرَدَ لَهَا تَأْلِيفًا خَاصًّا بِأَحْكَامِهَا الْإِمَامُ حُسَامُ الدِّينِ، وَتَبِعَهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ.
(قَوْلُهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَذَكَرَ فِي الِاخْتِيَارِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ سَأَلَ أَبَا حَنِيفَةَ عَنْهَا وَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ، فَقَالَ: التَّرَاوِيحُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَلَمْ يَتَخَرَّجْهُ عُمَرُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مُبْتَدِعًا؛ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ إلَّا عَنْ أَصْلٍ لَدَيْهِ وَعَهْدٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْقُدُورِيِّ إنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ كَمَا فَهِمَهُ فِي الْهِدَايَةِ عَنْهُ، لِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاجْتِمَاعَ مُسْتَحَبٌّ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ التَّرَاوِيحَ مُسْتَحَبَّةٌ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ.
وَفِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي: وَحَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى سُنِّيَّتِهَا، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ لِمُوَاظَبَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ) أَيْ أَكْثَرِهِمْ لِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَيْهَا وَقَعَتْ فِي أَثْنَاءِ خِلَافَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ عَامَّةُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى يَوْمِنَا هَذَا بِلَا نَكِيرٍ، وَكَيْفَ لَا وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بَحْرٌ
(قَوْلُهُ إجْمَاعًا) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِ الْمَتْنِ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ،
وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا اعْتِدَادَ بِقَوْلِ الرَّوَافِضِ إنَّهَا سُنَّةُ الرِّجَالِ فَقَطْ عَلَى مَا فِي الدُّرَرِ وَالْكَافِي أَوْ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ أَصْلًا كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُمْ عَلَى مَا فِي حَاشِيَةِ نُوحٍ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ بِدْعَةٍ يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ لَا يُعَوِّلُونَ عَلَى كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَيُنْكِرُونَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ
(قَوْلُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) قَدَّرَ لَفْظَ صَلَاةٍ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِشَاءِ الصَّلَاةُ لَا وَقْتُهَا وَإِلَى مَا فِي النَّهْرِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ مَا بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْهَا حَتَّى لَوْ بَنَى التَّرَاوِيحَ عَلَيْهَا لَا يَصِحُّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛
وَكَذَا بِنَاؤُهَا عَلَى سُنَّتِهَا كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ. قَالَ: فَكُلُّهُمْ أَلْحَقُوا السُّنَّةَ بِالْفَرْضِ.
[تَتِمَّةٌ] تَقَدَّمَ فِي بَحْثِ النِّيَّةِ الِاخْتِلَافُ فِي أَنَّ السُّنَنَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ التَّعْيِينِ أَوْ يَكْفِي لَهَا مُطْلَقُ النِّيَّةِ
وَالْأَصَحُّ الثَّانِي وَالْأَحْوَطُ الْأَوَّلُ وَتَقَدَّمَ تَمَامُ الْكَلَامِ فِيهِ فَرَاجِعْهُ.
هَذَا وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُجَدِّدَ فِي التَّرَاوِيحِ لِكُلِّ شَفْعٍ نِيَّةً؟ فَفِي الْخُلَاصَةِ: الصَّحِيحُ نَعَمْ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ وَفِي الْخَانِيَّةِ: الْأَصَحُّ لَا، عَيَّنَ الْكُلَّ بِمَنْزِلَةِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ وَيَظْهَرُ لِي التَّصْحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ بِالسَّلَامِ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ حَقِيقَةً فَلَا بُدَّ فِي دُخُولِهِ فِيهَا مِنْ النِّيَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ الْأَحْوَطُ؛ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، نَعَمْ رَجَّحَ فِي الْحِلْيَةِ الثَّانِيَ إنْ نَوَى التَّرَاوِيحَ كُلَّهَا عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ صَلَاةَ الْفَرْضِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَلَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ لِمَا انْتَهَى إلَى الْإِمَامِ.
(قَوْلُهُ إلَى الْفَجْرِ) هَذَا آخِرُ وَقْتِهَا، وَلَا خِلَافَ فِيهِ كَمَا فِي النَّهْرِ.
(قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ) أَيْ مِنْ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ وَقْتَهَا اللَّيْلُ كُلُّهُ، قَبْلَ الْعِشَاءِ، وَبَعْدَهُ، وَقَبْلَ الْوِتْرِ وَبَعْدَهُ لِأَنَّهَا قِيَامُ اللَّيْلِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَمْ أَرَ مَنْ صَحَّحَهُ. اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَدْخُلُ وَقْتُهَا مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ وَصَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَرَجَّحَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّهُ الْمَأْثُورُ الْمُتَوَارَثُ.
الثَّالِثُ: مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْكَنْزِ، وَعَزَاهُ فِي الْكَافِي إلَى الْجُمْهُورِ وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْخَانِيَّةِ وَالْمُحِيطِ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ فَلَوْ فَاتَهُ بَعْضُهَا إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى الْأَصَحِّ، لَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الْوِتْرِ الْجَمَاعَةُ لَا الْمَنْزِلُ، وَفِيهِ خِلَافٌ سَيَأْتِي، فَقَوْلُهُ أَوْتَرَ مَعَهُ: أَيْ عَلَى وَجْهِ الْأَفْضَلِيَّةِ،
وَكَذَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَارَّةِ،
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي مِنْهَا فَإِنَّهُ يَأْتِي بِمَا فَاتَهُ وَعَلَّلَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بَعْدَ الْوِتْرِ، وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ أَنَّ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ جَعْلِهِ التَّفْرِيعَ عَلَى الثَّالِثِ كَالثَّانِي صَوَابُهُ كَالْأَوَّلِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ هُنَا. وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ أَيْضًا فِيمَا لَوْ صَلَّاهَا بَعْدَ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَ بَعْضَهَا وَتَذَكَّرَ بَعْدَ الْوِتْرِ فَصَلَّى الْبَاقِيَ صَحَّ عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ دُونَ الثَّانِي
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.