وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الْمُعْتَادِ فِي الْمُتَتَابِعِ وَتَطَاوَلَ خُيِّرَ بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ وَإِتْمَامِهِ مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ
الشروح عليها
مسألة: (وإن خَرَج لغيرِ المُعْتادِ في المُتتابِعِ وتَطاوَلَ، خُيِّرَ بينَ اسْتِئْنافِه وإتْمامِه مع كَفّارَةِ يَمِينٍ، وإن فَعَلَه في مُعَيَّنٍ قَضَى. وفى الكفَّارةِ وَجْهان) إذا خَرَج المُعْتَكِفُ لغيرِ المُعْتادِ؛ كالخُرُوجِ إلى النَّفِيرِ المُتَعَيِّنِ، والشَّهادَةِ الواجِبَةِ، والخَوْفِ مِن الفِتْنَةِ، والمَرَضِ، وعِدَّةِ الوَفاةِ، ونَحْوِ ذلك، ولم يَتَطاوَلْ، فهو على اعْتِكافِه؛ لأنَّه خُرُوجٌ يَسِيرٌ مُباحٌ أو واجِبٌ، فلم يَبْطُلْ به الاعْتِكافُ، كحاجَةِ الإِنْسانِ،
وإن تَطاوَلَ، ثم زال عُذْرُه، وكان الاعْتِكافُ تَطَوُّعًا، فهو مُخَيَّرٌ إن شاء رَجَع إلى مُعْتَكَفِه،
وإن شاء لم يَرْجِعْ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ بالشُّرُوعِ.
وإن كان واجِبًا رَجَع إلى مُعْتَكَفِه، فبَنَى على ما مَضَى مِن اعْتِكافِه، ثم لا يَخْلُو مِن ثَلَاثةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يَكُونَ نَذَر اعْتِكافًا في أيَّامٍ غيرِ مُتَتابِعَةٍ ولا مُعَيَّنَةٍ، فهذا يَلْزَمُه أن يُتِمَّ ما بَقِىَ عليه، لكن يَبْتَدِئُ اليومَ الذى خَرَج فيه مِن أوَّلِه، ليَكُونَ مُتَتابِعًا، ولا كَفّارَةَ عليه؛ لأنَّه أتَى بالمَنْذُورِ على وَجْهِه، فلم تَلْزَمْه كَفّارَةٌ، كما لو لم يَخْرُجْ. الثّانِى، أن يَكُونَ مُعَيَّنًا، كشَهْرِ رمضانَ، فعليه قَضاءُ ما تَرَك، وكَفّارَةُ يَمِينٍ؛
لتَرْكِه النَّذْرَ في وَقْتِه. وفيه وَجْهٌ آخرُ، لا كَفّارَةَ عليه. وقد رُوِىَ ذلك عن أحمدَ. الثّالثُ، نَذَر أيَّامًا مُتَتابِعَةً، فهو مُخيَّرٌ بينَ البِناءِ والقَضاءِ مع التَّكْفِيرِ، وبينَ الاسْتِئْنافِ، ولا كفّارةَ عليه؛ لأنَّه أتَى بالمَنْذُورِ على وَجهِه، فلم تَلْزَمْه كَفّارَةٌ، كما لو أتَى به مِن غيرِ أن يَسْبِقَه الاعْتِكافُ الذى خرَج منه. وذَكَر الخِرَقِىُّ مثلَ هذا، قال: مَن نَذَر أن يَصُومَ شَهْرًا مُتَتابِعًا فلم يُسَمِّه، فمَرِضَ في بَعْضِه،
فإذا عُوفِىَ بَنَى على ما مَضَى مِن صِيامِه، وقَضَى ما تَرَكَه، وكَفَّرَ كفّارةَ يَمِينٍ،
وإن أحَبَّ أتَى بشَهْرٍ مُتَتابعٍ، ولا كَفّارَةَ عليه.
وقال أبو الخَطّابِ في مَن تَرَك الصِّيامَ المَنْذُورَ لعُذْرٍ: فعن أحمدَ فيه رِوايَةٌ أُخْرَى، لا كَفّارَةَ عليه. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّ المَنْذُورَ كالمَشْرُوعِ ابْتِداءً.
ولو أفْطَرَ في رِمضانَ لعُذْرٍ لم يَلْزَمْه شئٌ، فكذلك المَنْذُورُ.
وقال القاضِى: إن خرَج لواجِبٍ، كجِهادٍ تَعَيَّنَ، أو شَهادَةٍ واجِبَةٍ، أو عِدَّةِ الوَفاةِ، فلا كَفّارَةَ عليه؛ لأنَّه خُرُوجٌ واجِبٌ لِحَقِّ اللهِ تعالى، فلم يَجِبْ فيه شئٌ، كالمرأةِ تَخْرُجُ لحَيْضِها ونِفاسِها، فيَقْتَضِى قولُه: إنَّ الخُروجَ إذا لم يَكُنْ واجِبًا، بل كان مُباحًا، كخُرُوجٍ مِن خَوْفِ الفِتْنَةِ ونَحْوِه، يُوجِبُ الكَفّارَةَ؛ لأنَّه خَرَج لحاجَةِ نفْسِه خُرُوجًا غيرَ مُعْتادٍ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ وُجُوبُ الكَفّارَةِ؛ لأنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ،
ومَن حَلَف على فِعْلِ شئٍ فحَنِثَ لَزِمَتْه الكَفّارَةُ، سواءٌ كان لعُذْرٍ أو لغيرِه، وسواءٌ كانتِ المُخالَقةُ واجبَةً أو لم تَكُنْ، وفارَقَ صومَ رمضانَ من حيثُ إنَّ الفِطْرَ لا يُوجِبُ كَفَّارَةً، سواءٌ كان لعُذْرٍ أو لغيرِه، وفارَقَ الحَيْضَ، فإنَّه يَتَكَرَّرُ، ويُظَنُّ وُجُودُه في زَمَنِ النَّذْرِ، فيَصِيرُ كالخُرُوجِ لحاجَةِ الإِنْسانِ.
١١٢٦ -
(وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الْمُعْتَادِ) كَالنَّفِيرِ الْمُتَعَيِّنِ وَالشَّهَادَةِ الْوَاجِبَةِ وَنَحْوِهِمَا فَلَهُ أَحْوَالٌ أَحَدُهَا: الْخُرُوجُ (فِي) الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ (الْمُتَتَابِعِ) غَيْرِ الْمُعَيَّنِ كَعَشَرَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ (وَتَطَاوَلَ) أَيْ: زَمَنُهُ (خُيِّرَ) إِذَا زَالَ عُذْرُهُ (بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ) وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَشَرَعَ ثُمَّ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ (وَإِتْمَامِهِ) أَيْ: يَبْنِي، وَيَقْضِي (مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ) ؛ لِأَنَّهَا تَجْبُرُ مَا حَصَلَ مِنْ فَوَاتِ التَّتَابُعِ، وَقَدْ نَبَّهَ الْخِرَقِيُّ عَلَى هَذَا فِي النَّذْرِ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أَنَّهُ إِذ تَرَكَ الصِّيَامَ الْمَنْذُورَ لِعُذْرٍ: أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ، كَمَا لَوْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ لَعُذْرٍ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُجَرَّدِ " أَنَّ كُلَّ خُرُوجٍ لِوَاجِبٍ كَشَهَادَةٍ وَجِهَادٍ مُتَعَيِّنَيْنِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ فَمُقْتَضَاهُ: أَنَّ مَا كَانَ مُبَاحًا كَخَوْفٍ مِنْ فِتْنَةٍ وَنَحْوِهِ أَنَّهَا تَجِبُ؛
لِأَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ خُرُوجًا غَيْرَ مُعْتَادٍ،
وَفِي " الْمُغْنِي " تَجِبُ الْكَفَّارَةَ إِلَّا لِعُذْرِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَضَعَّفَهُمَا الْمَجْدُ: بِأَنَّا سَوَّيْنَا فِي نَذْرِ الصَّوْمِ بَيْنَ الْأَعْذَارِ، وَبِأَنَّ زَمَنَ الْحَيْضِ يَجِبُ قَضَاؤُهُ لَا زَمَنَ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَظَاهِرُ " الْمُغْنِي ": لَا يَقْضِي، وَهُوَ أَظْهَرُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَطَاوَلْ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى اعْتِكَافِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْضِي صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ. وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَقْضِي، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، كَمَا لَوْ طَالَتْ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى الْحَالِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ،
وإنْ خرَج لغيرِ المعْتَادِ فى المتَتابعِ وتَطاوَلَ، خُيِّرَ بينَ اسْتِئْنافِه وإتْمامِه مع كَفَّارَةِ يَمِينٍ. مُرادُه بالتَّتابُعِ، غيرُ المُعَيَّنِ. ومُرادُه بالخُروجِ غيرِ المُعْتادِ، خُيِّرَ بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ وإِتْمَامِهِ مَعَ كَفارَةِ يَمِين،
وَإنْ فَعَلَهُ فِى مُتَعَيِّنٍ, قَضَى. وَفِى الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ.
الخُروجُ للنَّفِيرِ، والخَوْفِ، والمرَضِ، ونحوِ ذلك. وهذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقال فى «الرَّعايَةِ»: يُتِمُّه، وفى الكفَّارَةِ الخِلافُ.
وقيل: أو يسْتَأْنِفُ إنْ شاءَ. قال فى «الفروعِ»: كذا قال.
وقال: ويتخَرَّجُ، يَلْزَمُ الاسْتِئْنافُ فى مرَضٍ يُباحُ الفِطْرُ به،
ولا يجِبُ، بِناءً على أحَدِ الوَجْهَيْن فى انْقِطاعِ صَوْمِ الكفَّارَةِ بما يُبيحُ الفِطْرَ ولا يُوجِبُه. واخْتارَ القاضى فى «المُجَرَّدِ»، أنَّ كلَّ خُروجٍ لواجِبٍ، كمرَضٍ لا يُؤْمَنُ معه تَلْوِيثُ المَسْجِدِ، لا كفَّارَةَ فيه، وإلَّا كان فيه الكفَّارَةُ. واخْتارَ المُصَنِّفُ وُجوبَ الكفَّارَةِ، إلَّا لعُذْرِ حَيْضٍ أو نِفاسٍ؛ لأنَّه مُعْتادٌ، كحاجَةِ الإِنْسانِ. وضعَّفَ المَجْدُ كلامَ القاضى والمُصَنِّفِ. قال فى «الفُروعِ»: كذا قال المَجْدُ. قال فى «الفروعِ»: وظاهِرُ كلامِ الشَّيْخِ، يَعْنِى به المُصَنِّفَ، .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا يَقْضِى، ولعَلَّه أظْهَرُ. قال: ويتَوجَّهُ مِن قوْلِ القاضى هنا فى الصَّوْمِ، ولا فَرْقَ.
فائدة: تَقْيِيدُ المُصَنِّفِ الخُروجَ لغيرِ المُعتادِ، يدُلُّ على أنَّه يوجَدُ خُروجٌ لمُعْتادٍ، وهو صحيحٌ، فالمُعْتادُ مِن هذه الأعْذارِ؛ حاجَةُ الإِنْسانِ إجْماعًا، والطَّهارَةُ مِنَ الحَدَثِ إجْماعًا، والطَّعامُ والشَّرابُ إجْماعًا، والجُمُعَةُ. وقد تقدَّم شُروطُ ذلك. وغيرُ المُعْتادِ، بقِيَّةُ الأعْذارِ المُتقَدِّمَةِ.
ثم إنَّ غيرَ المُعْتادِ إذا خرجَ له، فلا يخْلُو؛
إمَّا أنْ يتَطاوَلَ أوْ لا،
فإنْ تَطاوَلَ، فهو كلامُ المُصَنِّفِ المُتقَدِّمُ،
وإنْ لم يتَطاوَلْ، فذكَر المُصَنِّفُ والشَّارِحُ وغيرُهما، أنَّه لا يَقْضِى الوَقتَ الفائتَ بذلك؛ لكَوْنِه يسيرًا مُباحًا، أو واجِبًا. ويُوافِقُه كلامُ القاضى فى النَّاسِى. قال فى «الفُروعِ»: وعلى هذا يتَوجَّهُ، لو خرَج بنَفْسِه مُكْرَهًا، أنْ يُخَرَّجَ بُطْلانُه على الصَّوْمِ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ وغيرِه، أنَّه يَقْضِى. واخْتارَه المَجْدُ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.