وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَهُوَ طَاهِرٌ إِلَّا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ بَوْلًا أَوْ عَذِرَةً مَائِعَةً فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: لَا يَنْجُسُ وَالْأُخْرَى يَنْجُسُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ لِكَثْرَتِهِ فَلَا يَنْجُسُ
الشروح عليها
١٦ - مسألة؛ قال: (وإن كان كثيرًا، فهو طاهرٌ) ما لم تكُنِ النَّجاسةُ بَوْلًا أو عَذِرَةً مائِعةً ، بغيرِ خِلافٍ في المذهبِ، رُوى ذلك عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ . وهو قولُ الشافعيِّ. ورُوىَ عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا كان الماءُ ذَنُوبَين، لم يَحْمِلِ الخَبَثَ.
وقال عِكْرِمَةُ: ذَنُوبًا، أو ذَنُوبَين. وذهب أبو حنيفةَ، وأصْحابُه إلى أنَّ الماءَ الكثيرَ يَتَنَجَّسُ بالنجاسةِ مِن غيرِ تَغَيُّرٍ ، إلَّا أنْ يَبْلُغَ حدًّا يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّ النجاسةَ لا تَصِلُ إليه، واخْتَلَفُوا في حَدِّه، فقال بعضُهم: ما إذا حُرِّك أحَدُ طَرَفَيه لم يَتَحَرَّكِ الآخَرُ.
وقال بعضُهم: ما بَلَغ عَشَرَةَ أذْرُعٍ في مثلِها، وما دونَ ذلك قليلٌ،
وإن بَلَغ ألفَ قُلَّةٍ، لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِى لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ». مُتَّفَقٌ عليه . نَهَى عن الاغْتِسالِ مِن الماءِ الرَّاكِدِ بعدَ البَوْلِ فيه، ولم يُفَرِّقْ بينَ قليله وكَثيرِه. ولأنَّه ماءٌ حَلَّتْ فيه نجاسةٌ لا يُؤْمَنُ انْتِشارُها إليه، أشْبَهَ اليَسِيرَ. ولَنا، خَبَرُ القُلَّتَين، وبئرِ بُضاعةَ، اللَّذان ذكرْناهُما، معَ أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد أُخْبِرَ أنَّ بِئرَ بُضاعةَ يُلْقَى فيه الحِيَضُ والنَّتَنَ ولحومُ الكلابِ، مع أنَّ بِئْرَ بُضاعَةَ لا يَبْلُغُ الحَدَّ الذي ذَكَرُوه.
قال أبو داودَ: قَدَّرْتُ بئرَ بُضاعةَ فوجَدْتُها سِتَّةَ أذْرُع، وسألْتُ الذي فَتَح لي بابَ البُسْتانِ: هل غُيِّرَ بِناؤُها؟ قال: لا. وسألتُ قَيِّمَها عن عُمْقِها، فقلتُ: أكْثَرُ ما يكون فيها الماءُ؟ فقال: إلى العانَةِ.
قلت: فإذا نَقَص. قال: دُونَ العَوْرَةِ. ولأنَّه ماءٌ يبلغُ القُلَّتَين، فأشْبَهَ الزائدَ على عشرةِ أذْرُعٍ، وحديثُهم عامٌّ، وحديثُنا خاصٌّ، فيَجِبُ تَخْصِيصُه به، وحديثُهم لابُدَّ مِن تَخْصِيصِه بما زادَ على الحدِّ الذي ذَكَرُوه، فيكونُ تخصيصُه بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْلَى مِن تَخْصِيصِه بالرَّأْىِ والتَّحكُّمِ مِن غيرِ أصلٍ، ومَا ذكروه مِن الحَدِّ تقديرٌ مِن غيرِ تَوْقِيفٍ، ولا يُصارُ إليه بغيرِ نصٍّ ولا إجماعٍ،
ثم إنَّ حديثَهم خاصٌّ في البَوْلِ، وهو قَوْلُنا في إحْدَى الرِّوايَتَين، جمعًا بين الحَدِيثَين، فَنَقْصُرُ الحُكْمَ على ما تناولَه النَّصُّ، وهو البولُ؛ لأنَّ له مِن التَّأْكِيدِ والانْتِشارِ ما ليس لغيرِه. ١٧ - مسألة؛ قال: (إلَّا أن تكونَ النَّجاسةُ بَوْلًا، أو عَذِرَةً مائِعةً، ففيه روايَتان؛ إحْداهما، لا يَنْجُسُ) وهو كسائِرِ النَّجاساتِ، وهو اختيارُ أبي الخَطّابِ، وابنِ عَقِيلٍ، ومذهبُ الشافعيِّ، وأكثرِ أهلِ العلمِ، لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَينِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ».
رَواه الإِمامُ أحمد . ولأنَّ نجاسةَ بَوْلِ الآدَمِيِّ لا تَزِيدُ على نجاسةِ بولِ الكلبِ، وهو لا يُنَجِّسُ القُلَّتَين، فهذا أَوْلَى. وحديثُ النَّهْي عن البولِ في الماءِ الدَّائِمِ لابُدَّ مِن تَخْصِيصِه بما لا يُمْكِن نَزْحُه إجْماعًا، فيكونُ تخصيصُه بخبرِ القُلَّتَين أَوْلَى مِن تخصيصِه بالرَّأْي والتَّحَكُّمِ،
ولو تَعارَضا تَرَجَّحَ حديثُ القُلَّتَين؛ لِمُوافَقَتِه القِياسَ. (والرِّوايةُ الأُخْرَى، يَنْجُسُ) يُرْوى نحوُ ذلك عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، فَرَوَى الخَلَّالُ بإسْنادِه أنَّ عَلِيًّا، رَضِي اللهُ عنه، سُئل عن صَبِيٍّ بال في بِئرٍ، فأَمَرَهم بنَزْحِها. وهو قولُ الحسنِ، لما رَوَى أبو هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في المَاء الدَّائِمِ الَّذِى لَا يَجْرِى، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ». مُتَّفقٌ عليه . وهذا يَتَناوَلُ القليلَ والكثيرَ، وهو خاصٌّ في البولِ، فيُجْمَعُ بينه وبينَ حديثِ القُلَّتَين بحَمْلِ هذا على البولِ، وحملِ حديثِ القُلَّتَين على سائرِ النَّجاساتِ، والعَذِرَةُ المائِعَةُ في معنى البوْلِ؛
لأنَّ أجْزاءَها تَتَفَرَّقُ في الماءِ وتَنْتَشِرُ، فهي في مَعْنى البولِ، وهي أفْحَشُ. منه.
وقال ابنُ أبي مُوسى: حُكمُ الرَّطْبَةِ حكمُ المائعةِ قياسًا عليها، والأوْلَى التَّفْرِيقُ بينَهما، لما ذَكَرْنا مِن المعنى. ١٨ - مسألة؛ قال: (إلَّا أن يكونَ مِمّا لا يُمْكِنُ نَزْحُه لكَثْرتِه، فلا يَنْجُسُ) لا نعلمُ خِلافًا أنَّ الماءَ الذي لا يُمْكِنُ نَزْحُه إلَّا بمَشَقَّةٍ عظيمةٍ، مِثْلَ المصانِعِ التي جُعِلتْ مَوْرِدًا للْحاجِّ، بطريقِ مكةَ، يَصْدُرُون عنها، ولا يَنْفَدُ ما فيها، أنَّها لا تَنْجُسُ إلا بالتَّغْيِيرِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجمعَ كلُّ مَن نحفظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على أنَّ الماءَ الكثيرَ، كالرِّجْلِ مِن البحرِ، ونحوه، إِذا وقعتْ فيه نجاسةٌ، فلم تُغَيِّر له لَوْنًا، ولا طَعْمًا، ولا رِيحًا، أنّه بحاله يُتَطَهَّرُ منه.
فصل: ولا فرقَ بينَ قليلِ البولِ وكثيرِه، قال مُهَنَّا : سألتُ أحمدَ عن بِئْرٍ غَزِيرَةٍ، وقعتْ فيها خِرْقَةٌ أصابَها بولٌ. قال: تُنْزَحُ؛ لأنَّ النَّجاساتِ لا فرقَ بينَ قليلها وكثيرِها، كذلك البولُ.
فصل: إِذا كانتْ بئْرُ الماءِ مُلاصِقَةً لبئرٍ فيها بولٌ، أو غيرُه مِن النَّجاساتِ، وشَكّ في وُصُولِه إلى الماءِ، فالماءُ طَاهِرٌ بالأصلِ.
وإن أحبَّ عِلْمَ حقيقةِ ذلك، فَلْيَطرحْ في البِئْرِ النَّجِسَةِ نِفْطًا،
فإن وَجَد رائِحَتَه في الماءِ عَلِمَ وُصُولَه إليه، وإلا فَلا،
وإن وَجَده مُتَغَيِّرًا تغيُّرًا يَصْلُحُ أن يكونَ منها، ولم يعلمْ له سَبَبًا آخَرَ فهو نَجِس؛ لأنَّ المُلاصَقَةَ سببٌ، فيُحالُ الحُكْمُ عليه، والأصلُ عَدَمُ ما سِواه.
ولو وَجَد ماءً مُتَغَيِّرًا في غيرِ هذه الصُّورَةِ، ولم يعلمْ سببَ تَغَيُّرِه، فهو طاهرٌ وإن غلبَ على ظَنِّه نجاستُه؛ لأنَّ الأصلَ الطهارةُ.
وإن وقعتْ في الماءِ نجاسةٌ، فوجدَه متغيِّرًا تغيُّرًا يصلُحُ أن يكونَ منها، فهو نَجِسٌ؛ لأنَّ الظَّاهرَ كَوْنُه منها، والأصلُ عدمُ ما سِواه، فيُحالُ الحكمُ عليه،
وإن كان التَّغَيُّرُ لا يصلحُ أن يكونَ منها، لكَثْرَةِ الماءِ وقِلَّتِها، أو لمُخالفَتِه لونَها، أو طعْمَها، فهو طاهِرٌ؛ لأنَّ النجاسةَ لا تصلُحُ أن تكونَ سببًا ها هنا، أشْبَهَ ما لو لم يقعْ فيه شيءٌ.
فصل: فإن توضَّأ مِن الماءِ القليلِ وصلَّى، ثم وجدَ فيه نجاسةً، أو توضَّأَ مِن ماءٍ كثيرٍ، ثم وجدَه مُتغيِّرَا بنجاسَةٍ، و شَكَّ هل كان قبلَ وُضُوئِه، أو بعدَه، فالأصلُ صحَّةُ طهارتِه وصلاتِه،
وإن عَلِم أنَّ ذلك قبلَ وُضوئِه بأمارَةٍ، أعادَ،
وإن عَلِم أنَّ النجاسةَ قبلَ وُضوئِه، ولم يَعلمْ أكان دونَ القُلَّتَين، أو كان قُلَّتَين فنَقَص بالاسْتِعْمالِ، أعادَ؛ لأنَّ الأصلَ نَقْصُ الماء.
فصل: إذا وَقَعتْ في الماءِ نجاسةٌ، فغَيَّرتْ بعضَه، فالمُتَغيَرُ نَجِسٌ، وما لم يَتَغَيَّرْ إن بَلَغ قُلَّتَين، فهو طاهرٌ، وإلَّا فهو نَجِسٌ؛ لأنَّ الماءَ اليَسِيرَ يَنْجُسُ بمُجَرَّدِ المُلاقاةِ، لما ذكرْنا.
وقال ابنُ عَقِيلٍ، وبعضُ الشافعيَّةِ: يكونُ نَجِسًا وإنْ كَثُرَ، كما لو كان يسيرًا، ولأنّ المُتَغَيِّر نَجِسٌ، فينجسُ ما يُلاقِيه، وما يُلاقِي ما يُلاقيه، حتى يَنْجُسَ جميعُه،
فإنِ اضْطَرَب فزال تَغَيُّرُه، طَهُرَ لزَوالِ عِلَّةِ النجاسةِ، وهي التَّغيُّرُ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا بلَغَ المَاءُ قُلَّتَين لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ». وغيرُ المُتغيِّرِ كثيرٌ، فيَدخلُ في عُمُومِ الحديثِ، ولأنَّه ماءٌ كثيرٌ لم يَتَغَيَّر بالنجاسةِ الواقعةِ فيه، فلم يَنْجُسْ، كما لو لم يتغيَّرْ مِنه شيءٌ،
ولا يصحُّ القياسُ على اليَسيرِ؛ لأنَّه لا يَدْفعُ النجاسةَ عن نفسِه. وقولهم: إنَّ المُلاصِقَ للمُتَغيِّرِ يَنْجُسُ. مَمْنوعٌ، كالمُلاصِقِ للنجاسةِ الجامدةِ، وعلى قولهم يَنْبغِي أن يَنْجُسَ البحرُ إذا تَغَيَّر جانِبُه، والماءُ الجارِي، ولا قائلَ به.
فصل: قال ابنُ عَقِيل: مَن ضَرَب حيوانًا مأكُولًا، فوَقَع في ماءٍ، ثم وجَدَه مَيَتًّا، ولم يَعْلَمْ، هل مات مِن الجِراحَةِ، أو بالماءِ، فالماءُ على أصلِه في الطهارةِ، والحيوانُ على أصلِه في الحَظرِ، إلّا أن تكونَ الجراحةُ مُوجِبةً، فيكونَ الحيوانُ أيضًا مُباحًا؛ لأنّ الظاهِرَ مَوْتُه بالجَرْحِ، والماءُ طاهِر، إلّا أن يقعَ فيه دمٌ. فصل: إذا كان الماءُ قُلَّتَين، وفيه نجاسةٌ، فغَرَف منه بإنَاءٍ، فالذي في الإِناء طاهرٌ، والباقي نَجِسٌ إن قُلْنا: القُلَّتان تَحديدٌ.
لأنَّه ماءٌ يسيرٌ، فيه نجاسَةٌ،
وإن قلنا بالتَّقْريبِ، لم يَنْجُسْ، إلَّا أن يكونَ الإِناءُ كبيرًا يُخْرِجُه عن التَّقْرِيبِ.
وإنِ ارْتَفعتِ النجاسةُ في الدَّلْو، فالماءُ الذي في الإِناءِ نَجِسٌ، والباقي طاهرٌ. ذكرها ابنُ عَقِيلٍ.
فصل: وإذا اجتمعَ ماءٌ نَجِسٌ إلى ماءٍ نجسٍ، ولم يَبْلُغِ القُلَّتَين، فالجميعُ نَجِسٌ،
وإن بَلَغ القُلَّتَين، فكذلك؛ لأنَّه كان نَجِسًا قبلَ الاتّصالِ، والأصلُ بقاءُ النجاسةِ. ولأنَّ اجتماعَ النَّجِس إلى النجسِ لا يُولِّدُ بينَهما طاهرًا، كما في سائرِ المَواضِعِ. ويَتَخَرَّجُ أن يَطْهُرَ إذا بَلَغ قُلَّتَين، وزال تَغَيُّرُه، وهو مذهبُ الشافعيِّ، لزوالِ علَّةِ التَّنْجِيسِ. والغَدِيران إذا كانت بينهما ساقِيَةٌ فيها ماء مُتَّصِلٌ بهما، فهما كالغدير الواحدِ، قَلَّ الماءُ أو كَثُر، فمتى تَنَجَّسَ أحدُهما، ولم يَبْلُغا القُلتَين [تنجَّسَ الآخَرُ،
وإنْ بَلَغَا القُلَّتَينِ]، لم يَتَنَجَّسْ واحدٌ منهما، إلّا أن يَتغَيَر بالنجاسةِ، كما قُلْنا في الواحدِ.
(وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا) وَلَمْ يُغَيَّرْ بِالنَّجَاسَةِ (فَهُوَ طَاهِرٌ) بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ مَا لَمْ يَكُنْ بَوْلَ آدَمِيٍّ أَوْ عَذِرَتَهُ لِخَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ، وَبِئْرِ بُضَاعَةَ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ إِلَى نَجَاسَتِهِ إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ حَدًّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: مَا إِذَا حُرِّكَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ لَمْ يَتَحَرَّكِ الْآخَرُ،
وَقِيلَ: عَشَرَةُ أَذْرُعٍ فِي مِثْلِهَا، وَمَا دُونَ ذَلِكَ فَهُوَ قَلِيلٌ،
وَإِنْ بَلَغَ أَلْفَ قُلَّةٍ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ بَوْلًا) أَيْ: بَوْلَ آدَمِيٍّ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الْعَذِرَةِ، فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَخُصَّ فِي " التَّلْخِيصِ " الْخِلَافُ بِهِ فَقَطْ، وَقَالَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ (أَوْ عَذِرَةً مَائِعَةً) لِأَنَّ أَجْزَاءَهَا تَتَفَرَّقُ فِي الْمَاءِ وَتَنْتَشِرُ، فَهِيَ كَالْبَوْلِ بَلْ أَفْحَشُ،
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ حُكْمَ الرَّطْبَةِ وَالْيَابِسَةِ إِذَا ذَابَتْ كَذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ،
قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَالْأَوْلَى التَّفْرِيقُ بَيْنَ الرَّطْبَةِ وَالْمَائِعَةِ (فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: لَا يَنْجُسُ) اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَقَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ،
وَفِي " الْمُحَرَّرِ " لِخَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ، وَلِأَنَّ نَجَاسَةَ الْآدَمِيِّ لَا تَزِيدُ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ الْكَلْبِ، وَهُوَ لَا يُنَجِّسُهَا، فَهَذَا أَوْلَى (وَالْأُخْرَى يَنْجُسُ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَالْمَرُّوذِيِّ، وَأَبِي طَالِبٍ اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَالشَّرِيفُ، وَالْقَاضِي، وَابْنُ عَبْدُوسٍ، وَأَكْثَرُ شُيُوخِ أَصْحَابِنَا، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» .
لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ مُسْلِمٌ: ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، وَهُوَ خَاصٌّ فِي الْبَوْلِ. وَخَبَرُ الْقُلَّتَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى بَقِيَّةِ النَّجَاسَاتِ فَحَصَلَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ لِكَثْرَتِهِ فَلَا يَنْجُسُ) هَذَا مُسْتَثْنًى مِمَّا سَبَقَ، وَهُوَ الْمَاءُ إِذَا كَانَ كَثِيرًا، وَوَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ بَوْلًا أَوْ عَذِرَةً مَائِعَةً، فَإِنَّهُ يَنْجُسُ عَلَى الْمَذْهَبِ،
وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ مَا لَمْ يَبْلُغِ الْمَاءُ حَدًّا يَشُقُّ نَزْحُهُ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَا نَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ، مِثْلُ الْمَصَانِعِ الَّتِي جُعِلَتْ مَوْرِدًا لِلْحَاجِّ بِطَرِيقِ مَكَّةَ يَصْدُرُونَ عَنْهَا وَلَا يَنْفُذُ مَا فِيهَا أَنَّهَا لَا تَنْجُسُ إِلَّا بِالتَّغْيِيرِ،
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": لَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ تَقْدِيرَ ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْمَصَانِعِ الَّتِي بِطَرِيقِ مَكَّةَ،
وَقَالَ الشِّيرَازِيُّ: الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا يُقَدِّرُونَهُ بِبِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ سِتَّةُ أَشْبَارٍ فِي مِثْلِهَا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدَّرْتُهَا فَوَجَدْتُهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ، وَسَأَلْتُ الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا؛ قَالَ: لَا،
وَقَالَ: سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: سَأَلْتُ قَيِّمَ بِئْرِ بُضَاعَةَ عَنْ عُمْقِهَا، فَقَالَ: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا الْمَاءُ إِلَى الْعَانَةِ
قُلْتُ: فَإِذَا نَقَصَ، قَالَ: دُونَ الْعَوْرَةِ.
تَنْبِيهَاتٌ - الْأَوَّلُ: أَنَّ كُلَّ مَائِعٍ كَزَيْتٍ وَسَمْنٍ يَنْجُسُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ فِي رِوَايَةٍ صَحَّحَهَا فِي " الشَّرْحِ "، وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " لِأَنَّهُ لَا يُطَهِّرُ غَيْرَهُ فَلَمْ يَرْفَعِ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ كَالْيَسِيرِ،
وَفِي أُخْرَى: كَالْمَاءِ يَنْجُسُ إِنْ قَلَّ أَوْ تَغَيَّرَ، وَإِلَّا فَلَا،
وَفِي ثَالِثَةٍ: مَا أَصْلُهُ الْمَاءُ كَالْخَلِّ التَّمْرِيِّ، فَهُوَ كَالْمَاءِ، وَغَيْرِهِ يَنْجُسُ مُطْلَقًا،
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَبَنٌ كَزَيْتٍ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ نَجَاسَةَ الْمَاءِ النَّجِسِ عَيْنِيَّةٌ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا، لِأَنَّهُ يُطَهِّرُ غَيْرَهُ، فَنَفْسُهُ أَوْلَى، وَأَنَّهُ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
الثَّالِثُ: إِذَا غَيَّرَتْ نَجَاسَةٌ بَعْضَ الطَّهُورِ الْكَثِيرِ، فَفِي نَجَاسَتِهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ مَعَ كَثْرَتِهِ وَجْهَانِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ طَهُورٌ.
وإنْ كان كثيرًا فهو طاهرٌ، إلَّا أنْ تكُونَ النَّجاسَةُ بَوْلًا أوْ عَذِرَةً مائعةً، ففيه رِوَايَتَان. وأطلَقَهما في «الإِرْشادِ»، و «المُغْني»، و «الشَّرْحِ»، و «التَّلْخِيص»، و «البُلْغَةِ»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «ابنِ رَزينٍ»، في «شَرْحِه»، و «الفائقِ»، و «الفُروعِ»، و «المَذْهَبِ الأحْمَدِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . .
إحداهما، لا يَنْجُسُ. وعليه جماهيرُ المُتَأخِّرين، وهو المذهبُ عندَهم، وهو ظاهرُ «الإِيضاحِ»، و «العُمْدَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «إدْرَاكِ الغايَة»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، و «المُنَوِّرِ»، و «التَّسْهِيلِ»، و «المُنْتَخَبِ»، وغيرهم، لعدَمِ ذكْرِهم لهما. وقدَّمَه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «المحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَينِ»، و «الحاويَين». قال الشيخُ تَقِيّ الدِّينِ، وتَبِعَه في «الفُروعِ»: اختارَه أكثَرُ المُتَأَخِّرين. قال ناظِمُ «المُفْردَاتِ»: هذا قولُ الجمهورِ. قاله في «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّفْريعِ» عليه.
قال في «المُذْهَبِ»: لم يَنْجُسْ، في أصَحِّ الرِّوايتَين. قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: عدَمُ النجاسةِ أصَحُّ. واختارَه أبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ، والمَجْدُ، والنَّاظِمُ، وغيرُهم.
قلتُ: وهذا المذهبُ على ما اصْطَلَحْناه في الخُطْبَةِ. والأُخرى، يَنْجُسُ، إلا أنْ يكونَ ممَّا لا يمكِنُ نَزْحُه لكَثرتِه، فلا يَنْجُسُ. وهذا المذهبُ عندَ أكثَرِ المُتَقَدِّمين.
قال في «الكافِي»: أكثَرُ الرِّواياتِ أنَّ البَوْلَ والغائطَ يُنَجِّسُ الماءَ الكثيرَ.
قال في «المُغْنِي»: أشهَرُهما أنَّه ينجِّسُ.
وقال ابنُ عُبَيدان: أشهَرُهما أَنَّه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ينجِّسُ. اختارهَا الشَّريفُ، وابنُ البَنَّا، والقاضي،
وقال: اختارَها الخِرَقِيُّ وشُيوخُ أصحابِنا.
قال في «تَجْريدِ العِناية»: هذه الرِّوايةُ أظهَرُ عنه. قال الزَّرْكَشِيُّ: هي أشْهَرُ الرِّوايتَين عند أحمدَ، اخْتارَها الأكْثَرون. قال ناظِمُ «المُفْرَداتِ»: هي الأشْهَرُ. قال الشيخُ تَقِيُّ الدِّين: اخْتارَها أكثَرُ المُتَقَدِّمِين. قال الزَّرْكَشِيُّ: والمُتوسِّطِين أيضًا، كالقاضي، والشَّريفِ، وابنِ البَنَّا، وابنِ عَبْدُوسٍ، وغيرِهم. وقدَّمَه في «الفُصولِ». وهو مِن مُفْرداتِ المذهبِ. ولم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . .
يَسْتَثْنِ في «التَّلْخِيصِ» إلَّا بَوْلَ الآدَمِيِّ فقط. وروَى صالحٌ عن أحمدَ مِثْلَه.
تنبيه: مُرادُه بقَوْلِه: إلَّا أنْ تكونَ النَّجاسةُ بَوْلًا. بَوْلُ الآدَميِّ بلا رَيبٍ، بقَرينةِ ذِكرِ العَذِرةِ، فإنَّها خاصَّةٌ بالآدَميِّ. وهو المذهبُ، وقطَع به الجمهورُ مُصَرِّحين به، منهم صاحبُ «المُذْهَبِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحرَّرِ»، و «البُلْغَةِ»، وابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»، وابنُ عُبَيدان، و «الرِّعايةِ الصُّغْرَى»، و «الفُرُوعِ»، وغيرهم. وقَدَّمه في «الفائقِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «ابنِ تَميمٍ»، وغيرهم. وذكَر القاضي أنَّ كُلَّ بَولٍ نجِسٍ حُكْمُه حكْمُ بَوْلِ الآدَمِيِّ. نقَله عنه ابنُ تَميمٍ وغيرُه.
وحَكاه في «الرِّعايَةِ» قَوْلًا. وقال في «الفائقِ»: قال ابنُ أبي موسى: أو كلُّ نجاسةٍ. يعني كالبَوْل والغائطِ، فأدْخَل غَيرَهما،
وظاهرُه مُشْكِلٌ.
تنبيه: قطَع المصنِّفُ هنا بأن تكونَ العَذِرَةُ مائعةً، وهو أحَدُ الوجْهين. قطَع به الشَّارِحُ، وابنُ منَجَّى في «شَرْحِه لابنِ عُبَيدان»، وابنُ تَميم، والخِرَقِيُّ، و «الكافِي» و «الفُصُولِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «المُذْهَبِ»، و «التَّلْخِيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «النَّظْمِ»، و «ناظِمِ المُفْرَداتِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . .
و «المَذْهَبِ الأَحْمَد». وقدَّمَه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». والوَجْهُ الثَّاني، يُشْتَرطُ أنْ تكونَ مائعةً أو رَطْبةً. وهو المذهبُ. جزَم به في «الإِرْشادِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الحاويَين»، و «الفائقِ»، و «تَجْرِيدِ العِنايَةِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ». وقدَّمه في «الفُروعِ».
فائدة: وكذا الحكْمُ لو كانت يابسةً وذابتْ، على الصَّحيحِ مِن المذهب. نصَّ عليه.
وعنه، الحُكْمُ كذلك ولو لم تَذُبْ. إلا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ لِكَثْرَتِهِ، فَلَا يَنْجُسُ. إلَّا أن يكونَ مِمَّا لا يُمْكنُ نَزْحُه. اخْتلَف الأصحابُ في مِقْدارِ الذي لا يُمْكِنُ نَزْحُه،
والصَّحيحُ مِن المذهبِ أنَّه مُقدَّرٌ بالمصانعِ التي بطريقِ مكَّةَ. صرَّح به الخِرَقِيُّ، وصاحبُ «المُسْتَوْعِبِ»، و «الفُروعِ»، وابنُ رَزِينِ، وغيرُهم. قال المُصَنِّف في «المُغْنِي»: ولم أجِدْ عن إِمامِنا ولا عن أحدٍ من أصحابِنا تحديدَ ما لا يُمْكِنُ نَزْحُه بأكْثَرَ مِن تَشبِيهِه بمصانعِ مكَّةَ.
وقال في «المُبْهِجِ»: ما لا يُمْكِنُ نَزْحُه في الزَّمَنِ اليسير. قال: والمُحقِّقون مِن أصحابِنا يُقَدِّرُونه ببئرِ بُضَاعَةَ . وقَدَّرهُ سائرُ الأصحابِ بالمصانع الكِبارِ، كالتي بطريقِ مكَّةَ. وجزَم في «الرعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاويَين»، بأنَّه الذي لا يُمْكِنُ نَزْحُه عُرْفًا. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
وقال: كمصانعِ طريقِ مكَّةَ.
فوائد، إحداها، لو تَغيَّر بعضُ الكثيرِ بنجاسةٍ، فباقِيه طَهورٌ، إن كان كثيرًا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على الصَّحيحِ من المذهبِ. جزَم به في «المُسْتَوْعِبِ». وقدَّمَه في «الرعايَتَين»، و «الحاوي الصَّغِير»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرحِ»، ونَصَراه. وصَحَّحه في «الحاوي الكبير»، و «ابنِ عُبَيدان»، وابنُ نَصْرِ اللهِ في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«حَواشِيهِ». وقال ابنُ عَقِيلٍ: الجميعُ نَجِسٌ. وقدَّمَه ابنُ رَزِين في «شَرْحِه». وأطلَقَهُما في «الفُروعِ»، و «ابنِ تَميم».
وقيل: الباقي طَهورٌ، وإنْ قلَّ. ذكَره في «الرِّعايَةِ».
قلت: اختارَه القاضي. ذكَره في «المُسْتَوْعِبِ».
ولو كان التَّغَيُّرُ بطاهرٍ، فما لم يَتَغيَّرْ طَهورٌ، وَجْهًا واحدًا. والمُتَغَيِّرُ طاهرٌ،
فإنْ زال فطَهُورٌ. الثَّانيةُ، يجوزُ
ويَصِحُّ اسْتِعمالُ الماءِ الطَّهورِ في كُلِّ شيءٍ،
ويجوزُ اسْتِعمْالُ الطَّاهرِ مِن الماءِ والمائعِ في كلِّ شيءٍ، لكنْ لا يصِحُّ اسْتِعْمالُه في رَفْعِ الأحداثِ وإزالةِ الأنْجاسِ، ولا في طهارةٍ مَنْدوبةٍ.
قال في «الرِّعايَةِ»: على المذهبِ. قال ابنُ تَميمٍ: يَنتفِعُ به في غيرِ التَّطْهيرِ.
وقال القاضي: غَسْلُ النجاسةِ بالمائعِ والماءِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُسْتَعْمَلِ مباحٌ، وإنْ لم يَطهُرْ به.
قال في «الفُروعِ»، فيما إذا غَمَس يدَه، وقُلْنا: إنَّه طاهر غيرُ مُطَهِّرٍ: يجوزُ اسْتِعْمالُه في شربٍ وغيرِه.
وقيل: يُكْرَهُ. وقيل: يَحْرُمُ. صحَّحَه الأزَجِيُّ، للأمْرِ بإرَاقَتِه كما تقَدَّمَ. انتهى. والنَّجِسُ لا يجوزُ اسْتِعْمالُه بحالٍ، إلَّا لضرورةِ دفْع لُقْمَةٍ غُصَّ بها، وليس عندَه طَهورٌ ولا طاهرٌ، أو لعَطَش معْصومٍ آدَمِيٍّ أو بَهيمةٍ، سواءٌ كانت تؤْكلُ أوْ لا، ولكنْ لا تُحْلَبُ قريبًا، أو لطَفءِ حريقٍ مُتْلِفٍ.
ويجوزُ بَلُّ التُّرابِ به وجعْلُه طِينًا يُطَيَّنُ به ما لا يُصَلَّى عليه. قاله في «الرِّعَايةِ» وغيرِها.
وقال في «الفُروعِ»: وحَرَّم الحَلْوانِيُّ اسْتِعْماله إلَّا لضرورةٍ. وذكَر جماعةٌ، أنَّ سَقْيَه للبهائمِ كالطَّعامِ النَّجِسِ.
وقال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأزَجِيُّ في «نهايَتِه»: لا يجوزُ قُرْبانُه بحالٍ، بل يُراقُ. وقاله القاضي في «التَّعْليقِ» في المُتَغَيِّرِ وأنَّه في حُكْمِ عَينٍ نَجِسَةٍ،
بخلافِ قليلٍ نجِس لم يَتَغَيَّر. الثَّالثةُ،
قال في «الفُروعِ»: وظاهِرُ كلامِهم، أنَّ نجاسةَ الماءِ عَينِييَّةٌ.
قلتُ: وفيه بعدٌ، وهو كالصَّريحِ في كلام أبي بَكْرٍ في «التَّنْبِيهِ»، وقد تقَدَّم أنّ النَّجاسةَ لا يمكنُ تطْهِيرُها، وهذا يمْكنُ تَطهيرُه، فظاهرُ كلامِهم إذَنْ، أنَّها حُكْمِيَّة، وهو الصَّوابُ. قال الشيخُ تَقِي الدِّين في «شَرْحِ العُمْدَةِ»: ليستْ نجاستُه عَينِيَّةً؛
وَإذَا انْضَمَّ إِلَى الْمَاءِ النَّجِسِ مَاءٌ طَاهِرٌ كَثِيرٌ طَهَّرَهُ، إِنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ تَغَيُّرٌ.
وَإنْ كَانَ الْمَاءُ النَّجِسُ كَثِيرًا، فَزَال تَغَيرهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِنَزْحٍ، بَقِيَ بَعْدَهُ كَثِيرٌ، طَهُرَ، لأنَّه يُطَهِّرُ غيرَه، فنَفْسُه أَوْلَى، وأنَّه كالثَّوْبِ النَّجِسِ. وذكر بعضُ الأصحابِ في كتُبِ الخِلافِ أنَّ نجاستَه مُجاورةٌ سريعةُ الإِزالةِ لا عَينِيَّةٌ، ولهذا يجوزُ بَيعُه. وذكَر الأَزَجِيُّ، أنَّ نجاسةَ الماءِ المُتَغَيِّرِ بالنجاسةِ نجاسةُ مُجاوَرَةٍ. ذكَره عنه في «الفروعِ» في باب إزالةِ النجاسة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.