فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (ويَجُوزُ في كلِّ حق للهِ تعالى تَدْخُلُه النِّيابَةُ، مِن العِباداتِ والحُدُودِ، في إثْباتِها واسْتِيفائِها) كحَدِّ الزِّنى والسَّرِقَةِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«اغْدُ يَا أُنَيسُ إلَى امْرَأةِ هَذَا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا». فغدا عليها أُنيسٌ، فاعْتَرفَتْ، فأمَرَ بها فرُجمَتْ. مُتَّفَقٌ عليه . وأمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - برَجْمِ ماعِزٍ، فَرَجَمُوه . ووَكَّلَ عُثْمانُ عليًّا في إقامَةِ حَدِّ الشُّرْبِ على الوَليدِ بنِ عُقْبةَ. رواه مسلم .

ولأن الحاجَةَ تَدْعُو إليه؛ لأنَّ الإِمامَ لا يُمْكِنُه تَوَلِّي ذلك بِنَفْسِه.

١٥٬٦٧٨

ويجوزُ التَّوْكِيلُ في إثْباتِها. وقال أبو الخطّابِ: لا يَجُوزُ. وهو قول الشافعيِّ؛ لأنَّها تَسْقُطُ بالشُّبُهاتِ، وقد أمِرْنا بدَرْئِها بها، والتَّوكيلُ تَوصُّلٌ إلى الإيجابِ. ولنا، حديثُ أُنَيسٍ الذي ذَكَرْناه،

١٥٬٦٧٩

فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَكَّلَه في إثْباتِه واسْتِيفائِه جمِيعًا بقَوْلِه:«فَإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْهَا». وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يَكُنْ ثَبَت، وقد وكَّلَه في إثْباتِه. ولأنَّ الحاكِمَ إذا اسْتَنابَ، دَخَل في ذلك الحُدُودُ،

١٥٬٦٨٠

فإذا دَخَلَتْ في التَّوْكيلِ بطَرِيق العُمُومِ، فبالتَّخْصِيصِ يكونُ دُخُولُها أوْلَى، والوَكِيلُ يَقُومُ مَقامَ المُوَكِّلِ في دَرْئِها بالشُّبُهاتِ.

١٥٬٦٨١

فصل: فأمّا العِباداتُ، فما تَعَلَّقَ منها بالمالِ؛ كالصَّدقاتِ، والزَّكاةِ، والمَنْذُوراتِ، والكَفّاراتِ، جاز التَّوكِيلُ في قَبْضِها وتَفْرِيقِها.

١٥٬٦٨٢

ويَجُوزُ للمُخْرِجِ التَّوْكِيلُ في إخْراجِها ودَفْعِها إلى مُسْتَحِقِّها.

١٥٬٦٨٣

ويَجُوزُ أن يَقُولَ لغيرِه: أخْرِج زَكاةَ مالِي مِن مالِكَ، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَث عُمّاله لقَبْضِ الصَّدَقاتِ وتفْرِيقِها،

١٥٬٦٨٤

وقال لمُعاذٍ حينَ بَعَثَه إلى اليَمَنِ:«أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيهِمْ صَدَقَةً تُؤخَذُ مِن أغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِم». مُتَّفَقٌ عليه .

١٥٬٦٨٥

ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في الحَجِّ إذا أَيِسَ المَحْجُوجُ عنه مِن الحَجِّ بنَفْسِه،

١٥٬٦٨٦

وكذلك العُمْرَةُ. ويَجُوزُ أن يُسْتنابَ مَن يَحُجُّ عنه بعدَ المَوْتِ.

١٥٬٦٨٧

فأمّا العِباداتُ البَدَنِيَّةُ المَحْضَةُ؛ كالصلاةِ، والصِّيامِ، والطهارةِ مِن الحَدَثِ، فلا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فيها؛ فإنَّها تَتَعلَّقُ ببَدَنِ مَن هي عليه، فلا يَقومُ غيرُه مَقامَه، إلَّا أنَّ الصيامَ المَنْذُورَ يُفْعَلُ عن المَيِّتِ، وليس ذلك بتَوْكيل؛ لأنَّه لم يُوَكِّلْ في ذلك، ولا وَكَّلَ فيه يخرُه.

١٥٬٦٨٨

ولا يَجُوزُ في الصلاةِ إلَّا في رَكْعَتَي الطَّوافِ تَبَعًا للحَجِّ. ولا تَجُوزُ الاسْتِنابةُ في الطهارَةِ إلَّا في صَبِّ الماءِ وإيصالِه إلى الأعْضاءِ،

١٥٬٦٨٩

وفي تَطْهِيرِ النَّجاسَةِ عن البَدَنِ والثَّوْبِ وغيرِهما. ١٩٩٢ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَيَصِحُّ فِي كُلِّ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ مِنَ الْعِبَادَاتِ) كَتَفْرِقَةِ صَدَقَةٍ، وَزَكَاةٍ، وَنَذْرٍ، وَكَفَّارَةٍ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَبْعَثُ عُمَّالَهُ لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ وَتَفْرِيقِهَا، وَحَدِيثُ مُعَاذٍ شَاهِدٌ بِذَلِكَ،

١١٬٤٢٤

وَكَذَا الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَفْعَلُهُ بِشَرْطِهِ

١١٬٤٢٥

وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لِغَيْرِهِ: أَخْرِجْ زَكَاةَ مَالِي مِنْ مَالِكَ،

١١٬٤٢٦

فَأَمَّا الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ الْمَحْضَةُ كَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالطَّهَارَةِ مِنَ الْحَدَثِ، فَلَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهَا، فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِبَدَنِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ،

١١٬٤٢٧

وَكَذَا الصِّيَامُ الْمَنْذُورُ، فَإِنَّهُ يُفْعَلُ عَنِ الْمَيِّتِ، وَلَيْسَ بِتَوْكِيلٍ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنَ الصَّلَاةِ رَكَعَتَا الطَّوَافِ، فَإِنَّهَا تَبَعٌ لِلْحَجِّ وَمِنَ الطَّهَارَةِ صَبُّ الْمَاءِ وَإِيصَالُهُ إِلَى الْأَعْضَاءِ وَتَطْهِيرُ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ مِنَ النَّجَاسَةِ (وَالْحُدُودِ فِي إِثْبَاتِهَا وَاسْتِيفَائِهَا) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَقَدْ وَكَّلَهُ فِي الْإِثْبَاتِ، وَالِاسْتِيفَاءِ جَمِيعًا.

١١٬٤٢٨

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَجُوزُ فِي إِثْبَاتِهَا، لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِالشُّبَهَاتِ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِدَرْئِهَا، وَالتَّوْكِيلُ يُوصِلُ إِلَى الْإِيجَابِ، وَجَوَابُهُ الْخَبَرُ، وَبِأَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا اسْتَنَابَ دَخَلَ فِيهَا الْحُدُودُ،

١١٬٤٢٩

فَإِذَا دَخَلَتْ فِي التَّوْكِيلِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ فَالتَّخْصِيصُ بِدُخُولِهَا أَوْلَى، وَالْوَكِيلُ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي دَرْئِهَا بِالشُّبَهَاتِ.

الإنصافالمرداوي

ويَصِحُّ في كلِّ حَقٍّ للهِ تَعالى، تَدْخُلُه النِّيابَةُ مِنَ العِباداتِ. كالصَّدَقاتِ والزَّكَوَاتِ والمَنْذُورَاتِ والكفَّاراتِ. بلا نِزاعٍ أعْلَمُه.

٢٠٬٨٤٤

وأمَّا العِباداتُ البدَنِيَّةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المَحْضَةُ؛ كالصّلاةِ، والصَّوْمِ، والطهارَةِ مِنَ الحدَثِ، فلا يجوزُ التَّوْكِيلُ فيها، إلَّا الصَّوْمَ المَنْذُورَ، يُفْعَلُ عنِ المَيِّتِ، على ما تقدَّم في بابِه، وليس ذلك بوَكالةٍ.

٢٠٬٨٤٥

ويصِحُّ التَّوْكِيلُ في الحَجِّ، ورَكْعَتَي الطَّوافِ فيه تدْخُلُ تَبَعًا له. والحُدودِ في إثْباتِها واسْتِيفائِها. هذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحاب. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «النَّظْمِ». واخْتارَه القاضي في «المُجَرَّدِ»، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِين»، ونَصَرُوه. وقدَّمه ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه».

٢٠٬٨٤٦

وقال أبو الخَطَّابِ: لا تصِحُّ الوَكالةُ في إثْباتِه، وتصِحُّ في اسْتِيفائِه. جزَم به في «الهِدايةِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصَةِ». وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ». قال ابنُ رَزِين في «شَرْحِه»: وليس بشيءٍ. وأطْلَقهما في «الرِّعايتَين»، و «الحاويَيْن»، و «الفائقِ».

٢٠٬٨٤٧

وَيَجُوزُ الاسْتِيفَاءُ فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ وَغَيبَتِهِ، إلا الْقِصَاصَ وَحَدَّ الْقَذْفِ عِنْدَ بَعْضِ أصْحَابِنَا، لَا يَجُوزُ فِي غَيبَتِهِ.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (ويصح في كل حق لله تدخله النيابة من العبادات والحدود في إثباتها واستيفائها، ويجوز الاستيفاء في حضرة الموكِّل وغيبته إلا القصاص وحد القذف عند (٢) بعض أصحابنا لا يجوز في غيبته).

٧٬٣٩٩

أما كون التوكيل في العبادات التي تدخلها النيابة كالزكوات والمنذورات والكفارات ونحو ذلك يصح؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أناساً لقبض الصدقات وتفريقها».

٧٬٤٠٠

وقال في حديث معاذ حين بعثه إلى اليمن:«أعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ... مختصر» متفق عليه.

فيثبت الحكم فيما ذكر لما ذكر،

٧٬٤٠١

وفي باقي الصور لأنه في معناه.

٧٬٤٠٢

وأما كونه يصح في الحدود في إثباتها واستيفائها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«واغدُ يا أُنيسُ إلى امرأةِ هذا فإن اعترفتْ فارجمْهَا». وكّله في الإثبات والاستيفاء.

٧٬٤٠٣

وقال أبو الخطاب في الهداية: لا يجوز التوكيل في إثباتها لأنها تسقط بالشبهات. ونصر المصنف في المغني الأول للحديث. ولأن الحاكم إذا استناب دخل في ذلك إثبات الحدود،

٧٬٤٠٤

وإذا دخل ذلك في التوكيل بطريق العموم؛ فلأن يدخل بطريق الخصوص بطريق الأولى.

٧٬٤٠٥

وأما كون الاستيفاء يجوز في حضرة الموكل؛ فكسائر الحقوق.

٧٬٤٠٦

وأما في غيبته فينظر فيه فإن كان ذلك في زنا وشبهه جاز؛ لأنه لا يحتمل العفو حتى يدرأ بالشبهة،

٧٬٤٠٧

وإن كان في قصاص أو حد قذف فالمذهب جوازه أيضاً؛ لأن ما جاز للوكيل استيفاؤه في حضرة الموكِّل جاز في غيبته. دليله حد الزنا وسائر الحقوق.

٧٬٤٠٨

وقال بعض الأصحاب: لا يجوز؛ لأنه يحتمل أن يعفو عنه حال غيبته فيسقط، وهذه شبهة تمنع من استيفائه.

ولأن العفو مندوب إليه فإذا حضر جاز أن يرحمه فيعفو عنه.

قال المصنف رحمه الله في المغني: ظاهر المذهب جواز الاستيفاء لما ذكر. وأجاب عن احتمال العفو بأن الأصل عدمه. وهو بعيد فلا يؤثر. ألا ترى أن قُضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يحكمون في البلاد بالحدود مع احتمال النسخ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.