وَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ كَالْحَجِّ وَالْأَذَانِ وَنَحْوِهِمَا
الشروح عليها
مسألة: (ولا تجوزُ الإِجارَةُ على عَمَلٍ يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ من أهْلِ القُرْبَةِ؛ كالحَجِّ، والأذانِ، ونحوهما. وعنه، تَصِحُّ) معنى قولِه: يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ مِن أهْلِ القُرْبَةِ. أنَّه يكونُ مُسْلِمًا. وقد اخْتَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في الاسْتِئْجارِ على ما يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ مُسْلِمًا؛ كالإِمامَةِ، والحَجِّ، والأذانِ، وتَعْلِيمِ القُرْآنِ، فرُوِيَ عنه، أنَّها لا تَصِحُّ. وبه قال عَطاءٌ، والضَّحّاكُ بنُ قَيسٍ، وأبو حنيفةَ، والزُّهْرِيُّ. وكَرِهَ إسحاقُ تَعْلِيمَ القُرْآنِ بأجْرٍ.
قال عبدُ اللهِ بنُ شَقِيقٍ: هذه الرُّغْفانُ التي يَأْخُذُها المُعَلِّمُونَ مِنَ السُّحْتِ. وكَرِهَ أجْرَ المُعَلِّمِ مع الشَّرْطِ؛ الحَسَنُ، وابنُ سِيرِينَ، وطاوُسٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ. وعن أحمدَ رِوايةٌ أخرى، أنَّه يجوزُ. حكاهَا أبو الخَطّابِ، ونَقَل أبو طالبٍ عن أحمدَ أنَّه قال: التَّعْلِيمُ أحَبُّ إليَّ مِن أن يتَوَكَّلَ لهؤلاءِ السَّلاطِينِ،
ومِن أن يتَوَكَّلَ لِرَجُلٍ مِن عامَّةِ الناسِ في ضَيعةٍ،
ومِن أن يَسْتَدِينَ ويَتَّجِرَ، لعلَّه لا يَقْدِرُ على الوَفاءِ فيَلْقَى اللهَ بأماناتِ الناسِ، التَّعْلِيمُ أحَبُّ إليَّ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ مَنْعَه منه في مَوْضِعِ مَنْعِه للكَراهةِ لا للتَّحْرِيمِ. ومِمَّنْ أجازَ ذلك مالكٌ، والشافعيُّ. ورَخَّصَ في أُجُورِ المُعَلِّمينَ أبو قِلابَةَ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - زَوَّجَ رَجُلًا بما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ. مُتَّفَقٌ عليه .
فإذا جازَ تَعْلِيمُ القُرآنِ عِوَضًا في النِّكاحِ وقامَ مَقامَ المَهْر، جازَ أخْذُ الأُجْرةِ عليه في الإِجارَةِ.
وقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ علَيهِ أَجْرًا كِتابُ اللهِ». حَديِثٌ صَحِيحٌ.
وفي حَدِيثِ أبي سعيدٍ أنَّ رَجلًا رَقَى رَجُلًا بِفاتِحَةِ الكِتابِ على جُعْلٍ، فَبَرأ، وأخَذَ أصحابُه الجُعْلَ، فأتَوْا به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فأخْبَرُوه وسَألُوه، فقال:«لَعَمْرِي لَمَنْ أكَلَ بِرُقْيَةِ باطِلٍ، لَقَدْ أكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ، كُلُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ». حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وإذا جازَ أخْذُ الجُعْلِ، جازَ أخْذُ الأجْرِ؛ لأنَّه في مَعْناه، ولأنَّه يجوزُ أخْذُ الرِّزْقِ عليه مِن بَيتِ المالِ، فجازَ أخْذُ الأجْرِ عليه، كبِناءِ المَساجِدِ، ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى الاسْتِنابةِ في الحَجِّ عَمَّنْ وَجَب عليه وعَجَز عن فِعْلِه، ولا يَكادُ يُوجَدُ مُتَبَرِّعٌ بذلك، فيُحْتاجُ إلى بَذْلِ الأجْرِ فيه. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، ما رَوَى عُثمانُ بنُ أبي العاصِ، قال: إنَّ آخِرَ ما عَهِدَ إليَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، أنِ اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لا يَأْخُذُ على أذانِه أجْرًا.
قال التِّرْمِذِيُّ : هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وروَى عُبادَةُ بنُ الصّامِتِ، قال: عَلَّمْتُ أُناسًا مِن أهْلِ الصُّفَّةِ القُرْآنَ والكِتابةَ، فأهْدَى إليَّ رَجُلٌ منهم قَوْسًا،
قال: قلتُ: قَوْسٌ ولَيسَتْ بمالٍ ، أتَقَلَّدُها في سَبِيلِ اللهِ. فذَكَرْتُ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وقَصَّ عليه القِصَّةَ، قال:«إِنْ سَرَّكَ أنْ يُقَلِّدَكَ اللهُ قَوْسًا مِنْ نارٍ فَاقْبَلْها». وعن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، أنَّه عَلَّمَ رجلًا سُورَةً مِن القُرآنِ، فأهْدَى له خَمِيصَةً أو ثَوْبًا. فذَكَرَ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«لَوْ أنَّكَ لَبِسْتَها، أوْ أخَذْتَها، ألْبَسَكَ اللهُ مَكانَها ثَوْبًا مِنْ نَارٍ» وعن أُبَيٍّ، قال: كُنْتُ أَخْتَلِفُ إلى رجلٍ مُسِنٍّ قد أصابَتْه عِلَّةٌ، قد احْتَبَسَ في بَيتِه أُقْرِئُه القُرآنَ، فكان عندَ فَراغِه ممَّا أُقْرِئُه يقولُ لجارِيَةٍ له: هَلُمِّى طَعامَ أخِي.
فيُؤْتَى بطَعامٍ لا آكُلُ مثلَه بالمَدِينةِ، فحاكَ في نَفْسِي منه شيءٌ، فذَكَرْتُه للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«إنْ كَانَ ذَاكَ الطَّعامُ طَعَامَهُ وطَعامَ أهْلِه فَكُلْ مِنْهُ، وإن كان يُتْحِفُكَ به فَلَا تَأْكُلْهُ». وعن عبدِ الرحمنِ بنِ شِبْلٍ الأنْصارِيِّ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:«اقْرَأُوا القُرْآنَ، وَلَا تَغْلُوا فيه، ولا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ». روَى هذه الأحادِيثَ كُلَّها الأثْرَمُ في «سُنَنِه».
ولأنَّ مِن شَرْطِ صِحَّةِ هذه الأفْعالِ كَوْنَها قُرْبةً إلى اللهِ تعالى، فلم يَجُزْ أخْذُ الأجْرِ عليها، كما لو اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يُصَلُّونَ خَلْفَه الجُمُعَةَ أو التَّراويحَ.
فأمَّا الأخْذُ على الرُّقْيَةِ، فإنَّ أحمدَ اخْتارَ جَوازَه،
وقال: لا بَأْسَ. وذَكَرَ حَدِيثَ أبي سعيدٍ. والفَرْقُ بينه وبينَ ما اخْتُلِفَ فيه، أنَّ الرُّقْيَةَ نَوْعُ مُداواةٍ؛ والمَأْخُوذُ عليها جُعْلٌ، والمُداواةُ يُباحُ أخْذُ الأجْرِ عليها، والجَعالةُ أوْسَعُ مِنَ الإِجارَةِ، ولهذا تجوزُ مع جَهالةِ العَمَلِ والمُدَّةِ. وقولُه - عليه السلام -: «أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ». يَعْنِي به الجُعْلَ أيضًا في الرُّقْيَةِ؛ لأنَّه ذَكَر ذلك في سِياقِ خَبَرِ الرُّقْيَةِ.
وأمَّا جَعْلُ تَعْلِيمِ القُرْآنِ صَداقًا، فعنه فيه اخْتِلافٌ، وليس في الخَبَرِ تَصْرِيحٌ بأنَّ التَّعْلِيمَ صَداقٌ، إنَّما قال: «زَوَّجْتُكهَا [على ما] مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ». فيَحْتَمِلُ أنَّه [زَوَّجه إياها] بغيرِ صَداقٍ إكْرامًا له، كما زَوَّجَ أبا طَلْحةَ أُمَّ سُلَيمٍ على إسْلامِه ، ونُقِلَ عنه جوازُه. والفَرْقُ بين المَهْرِ والأجْرِ، أنَّ المَهْرَ ليس بعِوَضٍ مَحْضٍ وإنَّما وَجَب نِحْلَةً ووُصْلَةً، ولهذا جاز خُلُوُّ العَقْدِ عن تَسْمِيَتِه، وصَحَّ مع فَسادِه،
بخِلافِ الأجْرِ في غيرِه.
فصل: فأمَّا الرِّزْقُ مِن بَيتِ المالِ، فيجوزُ على ما يَتَعَدَّى نَفْعُه مِن هذه الأُمُورِ؛ لأنَّ بَيتَ المالِ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِين،
فإذا كان بَذْلُه لمن يَتَعَدَّى نَفْعُه إلى المُسْلِمِين مُحْتاجًا إليه، كان مِنَ المَصالِحِ، وكان له أخْذُه؛ لأنَّه مِن أهْلِه، وجَرَى مَجْرَى الوَقْفِ على مَن يَقُومُ بهذه المَصالِحِ،
بخِلافِ الأجْرِ.
فصل: فإن أُعْطِيَ المُعَلِّمُ شَيئًا مِن غيرِ شَرْطٍ، جازَ، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ، فإنَّه
قال، في رِوايةِ أيُّوبَ ابنِ سافرى: لا يَطْلُبُ، ولا يُشارِطُ،
فإن أُعْطِيَ شيئًا أخَذَه. وقال، في رِوايةِ أحمدَ بنِ سعيدٍ: أكْرَهُ أجْرَ المُعَلِّمِ إذا شَرَط.
وقال: إذا كان المُعَلِّمُ لا يُشارِطُ، ولا يَطْلُبُ مِن أحَدٍ شيئًا، إن أتاهُ شيءٌ قَبِلَه. كأنَّه يَراه أهْوَنَ. وكَرِهَهُ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ لِما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ القَوْسِ والخَمِيصَةِ التي أُعْطِيَهما أُبَيٌّ وعُبادَةُ مِن غيرِ شَرْطٍ. ولأنَّ ذلك قُرْبةٌ، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنه بِشَرْطٍ ولا بغيرِه، كالصَّلاةِ والصِّيامِ. ووَجْهُ الأوَّلِ، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أتَاكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ مِنْ غَيرِ مسألةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ فَخُذْهُ وتَمَوَّلْهُ، فَإنَّه رِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ إِلَيكَ».
وقد أرْخَصَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لأُبَيٍّ في أكْلِ طَعامِ الذي كان يُعَلِّمُه إذا كان طَعامَه وطَعامَ أهْلِه. ولأنَّه إذا كان بغيرِ شَرْطٍ كان هِبَةً مُجَرَّدَةً، فجازَ، كما لو لم يُعَلِّمْه شيئًا.
فأمَّا حَدِيثُ القَوْسِ والخَمِيصَةِ فقَضِيَّتان في عَينٍ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلِمَ أنَّهما فَعَلا ذلك خالِصًا، فكَرِهَ أخْذَ العِوَضِ عنه مِن غيرِ اللهِ تعالى، ويَحْتَمِلُ غيرَ ذلك.
فأمَّا إن أُعْطِيَ المُعَلِّمُ أجْرًا على تَعْلِيمِ الخَطِّ وحِفْظِه، جازَ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إن كان المُعْطِي يَنْوي أنَّه يُعْطِيه لحِفْظِ الصَّبِيِّ وتَعْلِيمِه، فأرْجُو إذا كان كذا. ولأنَّ هذا ممَّا يجوزُ أخْذُ الأجْرِ عليه مُفْرَدًا، فجازَ مع غيرِه، كسائِرِ ما يجوزُ الاسْتِئْجارُ عليه. وهكذا لو كان إمامُ المَسْجِدِ [قَيِّمًا يَكْنُسُه]، ويُسْرِجُ قَنادِيلَه، ويُغْلِقُ بابَه ويَفْتَحُه، فأخَذَ أجْرًا على خِدْمَتِه، أو كان النائِبُ في الحَجِّ يَخْدِمُ المُسْتَنِيبَ له في طَرِيقِ الحَجِّ، ويَشُدُّ له، ويَحُجُّ عن قَرِيبِه، فدَفَعَ إليه أجْرًا لخِدْمَتِه، جازَ ذلك، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: فأمَّا ما لا يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ مِن أهْلِ القُرْبَةِ، كتَعْلِيمِ الخَطِّ والحِسابِ والشِّعْرِ المُباحِ وشِبْهِه، وبناءِ المَساجِدِ والقَناطِرِ، فيجوزُ أخْذُ الأجْرِ عليه؛ لأنَّه يَقَعُ تارَةً قُرْبةً، وتارَةً غيرَ قُرْبةٍ، فلم يُمْنَعْ مِن الاسْتِئْجارِ لِفِعْلِه، كغَرْسِ الأشْجارِ، وبناءِ البُيُوتِ.
وكذلك في تَعْلِيمِ الفِقْهِ والحَدِيثِ. ذَكَرَه شَيخُنا . وذَكَر القاضِي في «الخِلافِ» أنَّهما مِن القِسْمِ الأوَّلِ. والأوْلَى، إن شاء اللهُ، ما ذَكَرَه شَيخُنا؛ لكَوْنِ فاعِلِها لا يَخْتَصُّ أن يكونَ مِن أهْلِ القُرْبَةِ، واللهُ أعلمُ.
وأمَّا ما لا يَتَعَدَّى نَفْعُه فاعِلَه مِن العِباداتِ المَحْضَةِ، كالصِّيامِ، وصَلاةِ الإِنْسانِ لِنَفْسِه، وحَجِّه عن نَفْسِه، وأداءِ زَكاةِ نَفْسِه، فلا يجوزُ أخْذُ الأجْرِ عليه بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الأجْرَ عِوَضٌ للانْتِفاعِ، ولم يَحْصُلْ لغيرِه ههُنا انْتِفاعٌ، فأشْبَهَ إجارَةَ الأعْيانِ التي لا نَفْعَ فيها.
٢١٨٩ -
(وَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ) أَيْ مُسْلِمًا (كَالْحَجِّ) أَيِ النِّيَابَةِ فِيهِ (وَالْأَذَانِ وَنَحْوِهِمَا) كَإِمَامَةِ صَلَاةٍ، وَتَعْلِيمِ قُرْآنٍ فِي الْمَشْهُورِ لِمَا «رَوَى عُبَادَةُ قَالَ: عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْقُرْآنَ، فَأَهْدَى لِي رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إِنْ سَرَّكَ أَنْ يُقَلِّدَكَ اللَّهُ قَوْسًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا» ، «وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ عَلَّمَ رَجُلًا سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ فَأَهْدَى لَهُ خَمِيصَةً أَوْ ثَوْبًا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ، إِنَّكَ لَوْ لَبِسْتَهَا أَلْبَسَكَ اللَّهُ مَكَانَهَا ثَوْبًا مِنْ نَارٍ» ، رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ، وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ كَوْنَهَا قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْأُجْرَةِ كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يُصَلُّونَ خَلْفَهُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ولا تَصِحُّ الإِجَارَةُ على عَمَلٍ يَخْتَصُّ فاعِلُه أَنْ يكونَ مِن أَهْلِ القُربَةِ -يعْنِي، بكَوْنِه مُسْلِمًا، ولا يقَعُ إلَّا قُرْبَةً لفاعِلِه- كالحَجِّ -أي النِّيابَةِ فيه- والأَذانِ ونحوهما. كالإِقامَةِ، وإمامَةِ صَلاةٍ، وتَعْليمِ القُرْآنِ.
قال في «الرِّعايةِ»: والقَضاءِ. وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال ابنُ مُنَجَّى وغيرُه: هذا أصحُّ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وعنه، يصِحُّ كأَخْذِه بلا شَرْطٍ. نصَّ عليه.
وقال في «الرِّعايةِ»، قُبَيلَ صلاةِ المَريضِ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويُكْرَهُ أخْذُ الأُجْرَةِ على الإِمامَةِ بالنَّاسِ.
وعنه، يَحْرُمُ. انتهى. واخْتارَ ابنُ شَاقْلَا الصِّحَّةَ في الحَجِّ؛ لأنَّه لا يجِبُ على أجِيرٍ،
بخِلافِ أذانٍ ونحوه. وذكَر في «الوَسِيلَةِ» الصِّحَّةَ عنه، وعن الخِرَقِيِّ، لكِنَّ أحمدَ منَع في الإِمامَةِ بلا شَرْطٍ أيضًا.
وقيل: يصِحُّ للحاجَةِ. ذكَرَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، واخْتارَه.
وقال: لا يصِحُّ الاسْتِئْجارُ على القِراءَةِ، وإهْداؤُها إلى المَيِّتِ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ عن أحدٍ مِن الأئمَّةِ الإِذْنُ في ذلك. وقد قال العُلَماءُ: إنَّ القارِئَ إذا قرَأَ لأَجْلِ المالِ، فلا ثَوابَ له. فأيُّ شيءٍ يُهْدَى إلى المَيِّتِ؟ وإنَّما يصِلُ إلى المَيِّتِ العَمَلُ الصَّالِحُ، والاسْتِئْجارُ على مُجَرَّدِ التِّلاوَةِ لم يَقُلْ به أحدٌ مِنَ الأئمَّةِ، وإنَّما تَنازَعُوا في الاسْتِئْجارِ على . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التَّعْليمِ. والمُسْتَحَبُّ أنْ يأْخُذَ الحاجُّ عن غيرِه ليَحُجَّ،
لا أنْ يَحُجَّ ليَأْخُذَ، فمَن أحبَّ إبْراءَ ذِمَّةِ المَيِّتِ أو رُؤْيَةَ المَشاعِرِ، يأْخُذُ ليَحُجَّ.
ومِثْلُه كلُّ رِزْقٍ أُخِذَ على عَمَلٍ صالحٍ، يُفَرَّقُ بينَ مَن يقْصِدُ الدِّينَ فقط، والدُّنْيا وَسِيلَةٌ، وعَكْسِه، فالأَشْبَهُ أنَّ عَكْسَه ليس له في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ. قال: وحَجُّه عن غيرِه ليَسْتَفْضِلَ ما يُوَفِّي دَينَه، الأَفْضَلُ ترْكُه، لم يَفْعَلْه السَّلَفُ، ويتَوجَّهُ فِعْلُه لحاجَةٍ. قاله صاحِبُ «الفُروعِ»، ونصَرَه المُصَنِّفُ بأدِلَّةٍ. ونقَل ابنُ هانِئٍ، في مَن عليه دَينٌ، وليس له ما يحُجُّ، أَيَحُجُّ عن غيرِه ليَقْضِيَ دَينَه؟ قال: نعم. . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ الأُولَى، تَعْلِيمُ الفِقْهِ والحديثِ مُلْحَقٌ بما تقدَّم. على الصَّحيحِ. اخْتارَه القاضي، في «الخِلافِ»، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وقيل: يصِحُّ هنا، وإنْ منَعْنا فيما تقدَّم. جزَم به في «الوَجيزِ»، و «شَرْحِ ابنِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَزِينٍ». واخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. وهو المذهبُ علي المُصْطَلَحِ. وأطْلَقهما في «الفُروعِ». الثَّانيةُ، لا بأْسَ بأَخْذِ الأُجْرَةِ على الرُّقْيَةِ. نصَّ عليه. قاله الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ وغيرُه.
الثَّالثةُ، يجوزُ أخْذُ الجَعالةِ على ذلك كلِّه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وقطَع به جماعَةٌ. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُصَنِّفُ: فيه وَجْهان. وهو ظاهِرُ «التَّرْغيبِ» وغيرِه.
وقال في «المُنْتَخَبِ»: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجُعْلُ في الحَجِّ كالأُجْرَةِ. الرَّابعةُ، يَحْرُمُ أخْذُ أُجْرَةٍ وجَعالةٍ على ما لا يتَعَدَّى نَفْعُه؛ كصَوْمٍ، وصَلاةٍ خلْفَه، ونحوهما. الخامسةُ، يجوزُ أخْذُ الرِّزْقِ على ما يتَعَدَّى نَفْعُه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ، في «التَّذْكِرَةِ»: لا يجوزُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أخْذُ الرِّزْقِ على الحَجِّ، والغَزْو، والصَّلاةِ، والصِّيامِ. وذكَر نحوَه القاضي في «الخِصالِ»، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، وذكَرَه في «التَّعْليقِ». ونقَل صالِحٌ، وحَنْبَلٌ، لا يُعْجِبُني أنْ يأْخُذَ ما يَحُجُّ به، إلَّا أنْ يَتَبَرَّعَ. وتقدَّم كلامُ الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ في مَن أخَذ ليَحُجَّ، قَرِيبًا.
فَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْجُمَهُ، صَحَّ، وَيُكْرَهُ لِلْحُرِّ أَكْلُ أُجْرَتِهِ، وَيُطْعِمُهُ الرَّقِيقَ وَالْبَهَائِمَ.
وَقَال الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ.
قال: (ولا تصح الإجارة على عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة (١) ؛ كالحج والأذان ونحوهما.
وعنه: تصح).
أما كون الإجارة على ما ذكر لا تصح على المذهب؛ فلأن من شرط صحة هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى فلم يصح أخذ الأجرة عليها؛ كما لو استأجر قوماً يصلون خلفه الجمعة والتراويح.
وأما كونها تصح على روايةٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم زوج رجلاً بما معه من القرآن» متفق عليه.
وإذا صح كون تعليم القرآن عوضاً في باب النكاح وقام مقام المهر صح أخذ الأجرة عليه في الإجارة.
وثبت «أن أبا سعيد رقَى رجلاً بفاتحة الكتابِ على جُعل فبرَأ، وأخذَ الصحابةُ الجعلَ، وأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه وسألوه. فقال: لَعمرِي! لَمنْ أكلَ برقيةٍ باطلٍ. لقدْ أكلتَ برقيةٍ حقٍ. كلوا واضربوا لي معكمْ بِسهم».
ولأنه يصح أخذ الرزق عليه من بيت المال فصح أخذ الأجرة عليه كبناء المساجد والقناطر.
والأول أصح؛ لما روى عثمان بن أبي العاص قال: «آخرُ ما عهدَ إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اتخذْ مُؤذناً لا يأخذُ على أذانِهِ أَجْراً» قال الترمذي: هذا حديث حسن. وروى عبادة بن الصامت قال: «علّمتُ ناساً من أهل الصُّفَّةِ القرآنَ والكتابةَ. فأهدَى إليّ رجلٌ منهم قَوساً. فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن سَرَّكَ أن يُقلدَكَ اللهُ قَوساً من نارٍ فاقبلها» .
وعن أبي بن كعب «أنه علم رجلاً سورة من القرآن فأهدى له خميصة أو ثوباً. فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: لو أنك لبستها أو أخذتها ألبسك الله مكانها ثوباً من نار».
وعن عبدالرحمن بن شبل الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرأوا القرآنَ ولا تَغْلُوا فيهِ ولا تَجْفُوا عنه ولا تَأكلُوا بهِ ولا تَسْتَكْثِرُوا بِه». روى هذه الأحاديث كلها الأثرم في سننه.
وأما الأخذ على الرقية فإن الإمام أحمد اختار جوازه.
وأما جعل التعليم صداقاً فعن أحمد فيه خلاف، وذكر الخبر ليس فيه تصريح بأن التعليم صداق إنما قال:«زوجتكها على ما معك من القرآن» فيحتمل أنه زوجه إياها بغير صداق إكراماً له لما معه من القرآن. ونُقِل عنه جوازه. والفرق بينه وبين الأجرة أن الصداق ليس عوضاً محضاً وإنما وجب وصلة ونحلة. ولهذا جاز خلو العقد عن تسميته وصح مع فساده.
بخلاف الأجرة في غيره.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.