وَإِذَا ضَرَبَ الْمُسْتَأْجِرُ الدَّابَّةَ بِقَدْرِ الْعَادَةِ أَوْ كَبَحَهَا أَوِ الرَّائِضُ الدَّابَّةَ لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ
الشروح عليها
مسألة: (وإذا ضَرَب المُسْتأجِرُ الدّابَّةَ بقَدرِ العادَةِ، أو كَبَحَها، أو الرائِضُ الدّابَّةَ، لم يَضْمَنْ) وجملةُ ذلك، أنَّ للمُسْتَأجِرِ ضَربَ الدّابَّةِ بما جَرَتْ به العادَةُ، ويَكْبَحُها باللِّجامِ للاسْتِصلاح، ويَحُثُّها على السَّيرِ لِيَلْحَقَ القافِلَةَ، فقد صَحَّ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَخسَ بَعِيرَ جابر وضَرَبَه . وكان أبو بكر، رَضِيَ اللهُ عنه، يَخرِشُ بَعِيرَه بمِحجَنه. وللرّائِضِ ضَربُ الدّابَّةِ للتأدِيبِ وتَرتِيبِ المَشْي والعدو والسَّيرِ .
٢٢١٩ - مسألة: (وكذلك المُعَلِّمُ إذا ضَرَب الصَّبِيَّ) للتَّأدِيبِ. قال الأثْرَمُ: سُئِلَ أحمدُ عن ضَربِ المُعَلِّمِ الصِّبْيانَ. قال: على قَدرِ ذُنوبِهم، ويَتَوَقَّى بجُهدِه الضّربَ،
وإذا كان صَغِيرًا لا يَعقِلُ فلا يَضْرِبْه.
ومَن ضَرَب مِن هؤلاء كُلِّهم الضَّربَ المَأذُونَ فيه، لم يَضْمَنْ ما تَلِفَ. وبهذا في الدّابَّةِ قال مالكٌ، والشافعي، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو يوسُفَ، ومحمد.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: يَضْمَنُ؛ لأنه تَلِفَ بجِنايته، فضَمِنَ، كغيرِ المُسْتأجِرِ.
وكذلك قال الشافعيُّ في المُعَلمِ يَضْرِبُ الصَّبِيَّ؛ لأنَّه يُمكِنُه تَأدِيبُه بغيرِ الضربِ. ولَنا، أنَّه تَلِفَ مِن فِعل مُسْتَحَقٍّ، فلم يَضْمَنْ، كما لو تَلِفَ تحتَ الحملِ، ولأنَّ الضَّربَ مَعنًى تَضَمَّنَه عَقْدُ الإجارَةِ،
فإذا تَلِفَ منه لم يَضْمَنْ، كالرُّكُوبِ. وفارَق غيرَ المُسْتأجِرِ؛ لأنه مُتَعد. وقولُ الشافعيِّ: يُمكِنُ التَّأدِيبُ بغيرِ الضَّربِ. لا يَصِحُّ،
فإنَّ العادَةَ خِلافُه، ولو أمكَنَ التّأدِيبُ بدُونِ الضّربِ، لَما جازَ الضَّربُ، إذْ فيه إيلام لا حاجَةَ إليه.
فإن أسْرَفَ في هذا كلِّه، أو زادَ على ما يَحصُلُ الغِنَى به، أو ضَرَب مَن لا عَقْلَ له مِن الصِّبْيانِ، فعليه الضَّمانُ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ حَصَلَ التَّلَفُ بعُدوانِه. وحُكْمُ ضَربِ الرَّجُلُ (امرأتَه في النُّشُوزِ) على ما ذَكَرنا، قِياسًا على الصَّبِيِّ. ٢٢٢٠ -
(وَإِذَا ضَرَبَ الْمُسْتَأْجِرُ الدَّابَّةَ بِقَدْرِ الْعَادَةِ أَوْ كَبَحَهَا) أَيْ جَذَبَهَا لِتَقِفَ،
وَفِي " الشَّرْحِ " يُحُثُّهَا بِهِ عَلَى السَّيْرِ لِتَلْحَقَ الْقَافِلَةَ، وَيُقَالَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (أَوِ الرَّائِضُ الدَّابَّةَ) أَيْ مُعَلِّمُهَا (لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ) لِأَنَّهُ تَلِفَ مِنْ فِعْلِ مُسْتَحَقٍّ فَلَمْ يَضْمَنَاهُ كَمَا لَوْ تَلِفَتْ تَحْتَ الْحَمْلِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ إِذَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْكَافِي " ; لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ، فَوَجَبَ الضَّمَانُ كَالْغَاصِبِ وَقَدِ اقْتَضَى ذَلِكَ جَوَازَ ضَرْبِ الْمُسْتَأْجِرِ الدَّابَّةَ لِلِاسْتِصْلَاحِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَخَسَ بَعِيرَ جَابِرٍ وَضَرَبَهُ» ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَنْخُسُ بَعِيرَهُ بِمِحْجَنِهِ،
فَلَوِ اكْتَرَاهَا وَتَرَكَهَا فِي اصْطَبْلِهِ فَمَاتَتْ فَهَدَرٌ وَإِنْ سَقَطَ عَلَيْهَا ضَمِنَهَا.
تَنْبِيهٌ: الْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ مُسْتَأْجِرِهَا إِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ،
فَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ رَفَعَ يَدَهُ عَنْهَا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ الرَّدُّ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ ضَمَانُهَا لَوَجَبَ رَدُّهَا كَالْعَارِيَةِ، وَحِينَئِذٍ تَبَقَى فِي يَدِهِ أَمَانَةً كَالْوَدِيعَةِ،
وَقِيلَ: يَجِبُ رَدُّهَا مَعَ الْقُدْرَةِ إِنْ طُلِبَتْ مِنْهُ، قَطَعَ الْقَاضِي بِهِ فِي " الْخِلَافِ "،
وَقِيلَ: مُطْلَقًا، وَيَضْمَنُهُ إِنْ تَلِفَ مَعَ إِمْكَانِ رَدِّهِ كَعَارِيَةٍ، وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى مَالِكِهَا فِي الْأَصَحِّ كَمُودِعٍ،
فَلَوْ شَرَطَ عَلَى مُسْتَأْجِرٍ ضَمَانَهَا لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ فِي الْأَصَحِّ، وَفِي الْعَقْدِ وَجْهَانِ
وإذا ضرَب المُسْتَأجِرُ الدَّابَّةَ بقَدْرِ العادَةِ أو كبَحَها -أي، جذَبَها- لتَقِفَ -أو الرَّائِضُ الدَّابَّةَ- وهو الذي يُعَلمُها السَّيرَ -لم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به. هذا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبُ، نص عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقطَع به في «المُغْنِي»، و «الشّرح»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: يَضْمَنُ. ويأتِي في كلامَ المُصَنفِ، في آخِرِ كتابِ الدِّياتِ: لو أدَّبَ وَلَدَه،
وَإنْ قَال: أذِنْتَ لِي فِي تَفْصِيلهِ قَبَاءً. قَال: بَلْ قَمِيصًا. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْخَيَّاطِ. نَصَّ عَلَيهِ.
أو امرأتَه في النُّشوزِ، أو المُعَلِّمُ صَبِيَّه، أو السُّلْطانُ رَعِيته، ولم يُسْرِفْ، فأفْضَى إلى تَلَفِه.
قال: (وإذا ضرب المستأجر الدابة بقدر العادة، أو كبحها، أو الرائض الدابة لم يضمن ما تلف به. وإن قال: أذنت لي في تفصيله قباء قال: بل قميصاً فالقول قول الخياط. نص عليه) .
أما كون المستأجر والرائض لا يضمنا ما ذكر؛ فلأن ذلك تلف من فعل مستحق فلم يضمناه؛ كما لو تلف تحت الحمل. ودليل استحقاق الضرب «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب جمل جابر حين ساقه».
ولأنه لا يمكنه استيفاء المنفعة إلا به.
وأما تقييد المصنف رحمه الله عدم الضمان بقدر العادة فدليل على أنه يجب عليه الضمان عند عدم ذلك.
وصرح به في الكافي فقال: وإن تلفت بعدوان كضربها من غير حاجة أو لإسرافه فيه ضمن لأنه جناية على ملك الغير فوجب الضمان كالغاصب.
وأما كون القول قول الخياط فيما إذا قال: أذنتَ لي في تفصيله قباء قال: بل قميصاً على المنصوص؛ فلأنهما اتفقا على الإذن واختلفا في صفته فكان القول قول الخياط كالمضارب إذا ادعى الإذن في النسأ.
ولأنهما اتفقا على ملك الخياط القطع، والظاهر أنه فعل ما ملكه، واختلفا في لزوم الغرم له، والأصل عدمه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.