وَإِذَا انْكَشَفَ مِنَ الْعَوْرَةِ يَسِيرٌ لَا يَفْحُشُ فِي النَّظَرِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ
الشروح عليها
مسألة: (وإذا انْكشَفَ مِن العَوْرَةِ يَسِيرٌ لا يَفْحْشُ في النَّظَرِ، لم تَبْطُلْ صَلاتُه) نَصَّ عليه أحمدُ، وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: تبْطُلُ؛ لأنَّه حُكْمٌ يَتَعَلَّق بالعَوْرَةِ، فاسْتَوَى قَلِيلُه وكَثِيرُه، كالنَّظَرِ. ولَنا، ما رُوِيَ عن عَمْرِو بنِ سَلِمَةَ الجَرْمِيِّ، قال: انْطَلَقَ أبي وافِدًا إلى رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في نَفرٍ مِن قَوْمِه، فعَلَّمَهم الصلاةَ، وقال:«يَؤُمُّكُمْ أقْرَؤُكُمْ». فكنت أقْرَأهم، فقَدَّمُونِي، فكُنْتُ أؤُمُّهم وعليَّ بُرْدَةٌ لى صَفْراءُ صغيرةٌ، فكنتُ إذا سَجَدْتُ انْكَشَفَتْ عنَّى، فقالتِ امرأةٌ مِن النَّساءِ: وارُوا عنّا عَوْرَةَ قارِئِكم. فاشْتَرَوْا لى قَمِيصًا عُمانِيًّا، فما فَرِحْتُ بعدَ الإِسلامِ فَرَحِي به.
وفي لَفْظٍ: فكنتُ أؤُمُّهم في بُرْدَةٍ مُوَصَّلَةٍ فيها فَتْقٌ، فكنتُ إذا سَجَدْتُ فيها خَرَجَتِ اسْتِي. رَواه أبو داودَ والنَّسائِيُّ . وهذا يَنْتَشِرُ ولم يُنْكَرْ، ولم يَبْلُغْنا أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنْكَرَه ولا أحدٌ مِن أصحابِه، ولأنَّ ما صَحَّتِ الصلاةُ مع كَثِيرِه حالَ العُذْرِ، فُرِّقَ بينَ قَلِيلِه وكَثِيرِه في غيرِ حالِ العُذْرِ، كالمَشْيِ، ولأنَّ اليَسِيرَ يَشُقُّ الاحْتِرازُ منه، فعُفِيَ عنه كيَسِيرِ الدَّمِ. وحَدُّ اليَسِير ما لا يَفْحُشُ في النَّظرَ عادَةً، ولا فَرْق في ذلك بينَ الفَرْجَيْن وغيرِهما، إلَّا أنَّ العَوْرَةَ المُغَلَّظَةَ يَفْحُشُ منها ما لا يَفحُشُ مِن غيرِها، فيُعْتَبَرُ ذلك، وسَواءٌ في ذلك الرجلُ والمرأةُ.
وقال أبو حنيفةَ: إنِ انْكَشَفَ مِن المُغلَّظَةِ قَدْرُ الدِّرْهَمِ، أو مِن غيرِها أقَلُّ مِن رُبْعِها، لم تَبْطُلِ الصلاةُ،
وإن كان أكْثَرَ، بَطَلَتْ. ولَنا، أنَّ هذا تَقْدِيرٌ لم يَردِ الشَّرْعُ به، فلا يَجُوزُ المَصِيرُ إليه، وما لم يَرِدِ الشَّرْعُ فيه بالتَّقْدِيرِ، يُرَدُّ إلى العُرْفِ، كالكثِيرِ مِن العَمَلِ في الصلاةِ، والتَّفَرقِ والاحْتِرازِ .
فإنِ انْكشَفَتْ عَوْرَتُه مِن غيرِ عَمْدٍ، فسَتَرَها في الحالِ، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّه يسِيرٌ في الزَّمَنِ، أشْبَهَ اليَسِيرَ في القَدْرِ.
وقال التَّمِيمِيُّ: إن بَدَتْ عوْرَتُه وَقْتًا واسْتَتَرَتْ وَقْتًا، لم يُعِدْ، لحديثِ عَمْرِو بنِ سَلِمَةَ، فلم يَشْتَرِطِ اليَسِيرَ. قال شيخُنا : ولابُدَّ مِن اشْتِراطِه؛ لأنَّه يَفْحُشُ، ويُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ الكَثِيرَ في القَدْرِ. ٣١٠ -
(وَإِذَا انْكَشَفَ مِنَ الْعَوْرَةِ يَسِيرٌ لَا يَفْحُشُ فِي النَّظَرِ) عُرْفًا (لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ) نُصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ السَّامِرِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " و " الْمُحَرَّرِ " لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ، قَالَ عَمْرٌو: وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَيِّ: أَلَا تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّ ثِيَابَ الْفُقَرَاءِ لَا تَخْلُو مِنْ خَرْقٍ، وَثِيَابَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْ فَتْقٍ، وَالِاحْتِرَازُ مِنْ ذَلِكَ يَشُقُّ فَعُفِيَ عَنْهُ كَيَسِيرِ الدَّمِ،
وَعَنْهُ: تَبْطُلُ مُطْلَقًا، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُعَلَّقٌ بِالْعَوْرَةِ، فَاسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ كَالنَّظَرِ،
وَلَوْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: يَسِيرٌ وَهُوَ مَا لَا يَفْحُشُ كَأَبِي الْخَطَّابِ وَالْمَجْدِ لَكَانَ أَوْلَى
وإذا انْكشفَ مِنَ العَوْرَةِ يسيرٌ لا يَفحُشُ في النَّظَرِ، لم تَبْطُلْ صلاتُه. وهو المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ، منهم صاحبُ «الهِدايَةِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المسْتَوْعِبِ»، و «الوَجيزِ»، و «إدْرَاكِ الغايَةِ»، و «الإِفاداتِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «المُنْتَخبِ». وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، ونصَراه، و «المُحَرَّرِ»، و «ابنِ تَميمٍ». قال الزَّرْكَشِيُّ: هو المشْهورُ
والمُخْتارُ للأصحاب. وعنه، يبْطُلُ. اخْتارها الآجُريُّ. ويقْتَضِيه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كلامُ الخِرَقِيِّ. وأطْلقَهما في «الرِّعايتيْن»، و «الفائقِ»، و «الحاوِيَيْن».
وعنه، يبْطُلُ في المُغَلَّظَةِ فقط. وقالَه ابنُ عَقِيل. وجزم به في «الرِّعايَةِ الكُبْرى» أَيضًا. وقدَّر ابنُ أبِي موسى العَفْوَ بظُهورِ العَوْرَةِ في الرُّكوع فقط. وغيرُه أطْلقَ.
تنبيه: ظاهرُ قوله: إذا انْكشَفَ. أنَّه إذا انْكشَفَ من غير قَصْدٍ. وهو محَلُّ الخِلافِ.
أمَّا لو كُشِفَ يسير مِنَ العَوْرةِ قَصْدًا، فإنَّه يُبْطِلُها، على الصَّحيحِ منَ المذهبِ. قدَّمه في «الفُروعِ». وقالَه القاضي. وقدَّمه في «الرِّعايتَيْن».
وقيل: لا يُبْطل. وقدَّمه ابنُ تَميمٍ في «مُختصَرِه».
فائدتان، إحْدَاهما، قدْرُ اليَسيرِ ما عُدَّ يسِيرًا عُرْفًا، على الصَّحيحِ منَ المذهبِ.
وقال بعضُ الأصحابِ: اليَسيرُ مِنَ العَوَّرةِ ما كان قدْرَ رأْسِ الخِنْصَرِ. وجزَم به في «المُبْهِجَ»، ثم قال ابنُ تَميمٍ: ولا وَجْهَ له، وهو كما قال. الثَّانية،
وَإِنْ فَحُشَ بَطَلَتْ. وَمَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ حَرِيرٍ، أَوْ مَغْصُوُبٍ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
وَعَنْهُ، تَصِحُّ مَعَ التَّحْرِيمِ.
كشْفُ الكثيرِ مِنَ العَوْرةِ في الزَّمَن القَصيرِ، كالكشْفِ اليسيرِ في الزَّمَنِ الطويلِ، على ما تقدَّم على الصحيح مِنَ المذهبِ.
وقيل: لا يصِحُّ هنا، وإنْ صَحَّحْناه هناك.
وقيل: إنِ احْتاجَ عمَلًا كثيرًا في أخْذِها، فوَجْهان. وأطْلَقَ في «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيين» الخِلافَ في كشْفِ اليَسيرِ مِنَ العوْرَةِ. وجزَم به في «الرِّعايتين الصُّغْرى»، و «الحاوِييْن». وقدَّمه في «الكبْرى»، بالعَفْوِ عنِ الكَشْفِ الكثير في الزَّمَن اليَسير.
قال: (وإذا انكشف من العورة يسير لا يفحش في النظر لم تبطل صلاته. وإن فحش بطلت) .
أما كون من انكشف من عورته يسير لا يفحش في النظر لا تبطل صلاته؛ فلما روى أيوب عن عمرو بن سلمة قال:«انطلق أبي وافداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قومه. فعلمهم الصلاة. وقال: يؤمكم أقرؤكم. فكنت أقرأهم. فقدموني فكنت أؤمهم وعليّ بردة لي صفراء صغيرة. فكنت إذا سجدت انكشفت عني. فقالت امرأة من النساء: واروا عنا عورة قارئكم. فاشتروا لي قميصاً عمانياً. فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي به» رواه أبو داود.
وفي لفظ آخر:«فكنت أؤمهم في بردة موصلة فيها فتق. وكنت إذا سجدت خرجت منها إستي».
ومثل هذا الظاهر أنه اشتهر ولم ينكر ولا بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكره.
ولو كان مبطلاً للصلاة لأنكره ولبلغنا ذلك.
ولأن ثياب الفقراء لا تخلو من خرق، وثياب الأغنياء لا تخلو [من] فتق. والاحتراز من ذلك يشق ويعسر فعفي عنه كيسير الدم.
وأما كونها تبطل إذا انكشف ما يفحش؛ فلأن مقتضى الدليل بطلان الصلاة بكشف شيء من العورة ضرورة كون سترها شرطاً لصحة الصلاة. تُرك العمل به في اليسير غير الفاحش للحديث، وللمشقة. فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
فإن قيل: ما الفاحش وغير الفاحش؟
قيل: المرجع في ذلك إلى العرف. والعرف يختلف بالعورة المخففة والمغلظة. فقد لا يفحش قدر من الفخذين لو انكشف، ويفحش مثله في الفرجين.
ولا فرق بين الفرجين وغيرهما لأن ذلك في الحديث المحتج به على ذلك وهو قوله:«خرجت منها إستي».
ولأن المشقة المتقدمة موجودة في الفرجين فوجب أن يعفى عن اليسير منهما دفعاً للمشقة.
واليسير المعفو عنه هو ما لا يفحش. صرح به المصنف رحمه الله في المغني وغيره من الأصحاب.
وظاهر كلامه هاهنا أن الذي لا يبطل يسير موصوف بعدم الفحش. وليس الأمر كذلك لأن ذلك يقتضي أن لنا يسيراً موصوفاً بالفحش. ووصف الشيء بصفة يقتضي تجدد فائدة لولاها.
وكان الجيد أن يقال: وإذا انكشف من العورة يسير وهو ما لا يفحش كما قال أبو الخطاب. أو يقتصر على يسير كما قال الخرقي. ثم الشارح يبين ما لا يفحش كما فعل المصنف رحمه الله في المغني.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.