وَإِنْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ رَهَنَهُ، كَانَ رُجُوعًا
الشروح عليها
مسألة: (وإن باعَه، أو وَهَبَه، أو رَهَنَه، كان رُجُوعًا) إذا وَهَب المُوصَى به، أو تَصَدَّقَ به، أو أكَلَه، أو أطْعَمَه، أو أتْلَفَه، أو كان ثَوْبًا ففَصَّلَه ولَبِسَه، أو جارِيَةً فأحْبَلَها، أو ما أشْبَهَ ذلك، فهو رُجُوعٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن أحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ، أنَّه إذا أوْصَى لرجلٍ بطَعامٍ فأكَلَه، أو بشيءٍ فأتْلَفَه، أو وَهَبَه، أو تَصَدَّقَ به، أو بجارِيَةٍ فأحْبَلَها، أو أوْلَدَها، فإنه يكونُ رُجُوعًا،
وكذلك إن باعَها. وحُكِيَ عن أصحابِ الرَّأي، أنَّ بَيعَه ليس برُجُوعٍ؛ لأنَّه أخَذَ بَدَلَه،
بخِلافِ الهِبَةِ. ولَنا، أنَّه أزال مِلْكَه عنه، فكان رُجُوعًا، كما لو وَهَبَه.
وإن عَرَضَه على البَيعِ، أو وَصَّى ببَيعِه، أو أوْجَبَ الهِبَةَ فلم يَقْبَلْها المَوْهُوبُ له، كان رُجُوعًا؛ لأنَّه يَدُلُّ على اخْتِيارِه للرُّجُوعِ، ووَصِيَّتُه بِبَيعِه أو إعْتاقِه رُجُوعٌ، لكونِه وَصَّى بما يُنافِي الوَصِيَّةَ الأُولَى.
وإن رَهَنَه، كان رُجُوعًا؛ لأنَّه عَلَّقَ به حَقًّا يجوزُ بَيعُه، فكان أعْظَمَ مِن عَرْضِه على البَيعِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه ليس برُجُوعٍ. وهو وَجْهٌ لأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه لا يُزِيلُ المِلْكَ، أشْبَهَ إجارَتَه.
٢٦٧٧ -
(وَإِنْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ رَهَنَهُ، كَانَ رُجُوعًا) لِأَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ يُنَافِي الْوَصِيَّةَ، وَالرَّهْنُ يُرَادُ لِلْبَيْعِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَنْقُلُ الْمِلْكَ حِينَ الْمَوْتِ، وَذَلِكَ بِقِيمَةِ الْقَابِلِيَّةِ لَهُ، وَالْقَابِلِيَّةُ لِلنَّقْلِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِيمَا رَهَنَهُ،
وَكَذَا إِنْ كَانَ ثَوْبًا فَفَصَّلَهُ وَلَبِسَهُ، أَوْ جَارِيَةً فَأَحْبَلَهَا أَوْ أَوْلَدَهَا
وإنْ باعَه، أو وهَبَه، أو رهَنَه، كان رُجُوعًا. إذا باعَه، أو وهَبَه، كان رُجُوعًا، بلا نِزاعٍ.
وكذا إنْ رَهَنَه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وقطَع به القاضي، وابنُ عَقِيلٍ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيل: ليس برُجوعٍ.
فوائد؛ إحْداها، لو أوْجَبَه في البَيعِ أو الهِبَةِ، فلم يُقْبَلْ فيهما، أو عَرَضَه لبَيعٍ أو رَهْنٍ، أو وَصَّى ببَيعِه، أو عِتْقِه أو هِبَتِه، كان رُجوعًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «الفُروعِ». واخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والمُصَنِّفُ.
وَإنْ كَاتَبَهُ، أَوْ دَبَّرَهُ، أَوْ جَحَدَ الْوَصِيَّةَ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
نقَلَه الحارِثِيُّ. وصحَّحَه في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، فيما إذا أوْجَبه في البَيعِ، أو وهَبَه، ولم يُقْبَلْ.
وقيل: ليس برُجوعٍ؛ كإيجارِه وتَزْويجِه، ومُجَرَّدِ لُبْسِه وسُكْناه، وكوَصِيَّتِه بثُلُثِ مالِه فيتْلَفُ، أو يبِيعُه، ثم يمْلِكُ مالًا غيرَه، فإنَّه في ذلك لا يكونُ رُجوعًا. وأطْلَقَهَما في «الرِّعايةِ الكُبْرى»، وأطْلَقَهما في «الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، فيما إذا أوْجَبَه في بَيعٍ، أو هِبَةٍ، ورَهْنٍ، فلم يُقْبَلْ. الثَّانيةُ، لو قال: ما أوْصَيتُ به لفُلانٍ فهو حَرامٌ عليه. فرُجوعٌ. ذكَرَه في «الكافِي». واقْتَصَرَ عليه الحارِثِيُّ، ونَصَرَه. الثَّالثةُ، لو وَصَّى بثُلُثِ مالِه، ثم باعَه أو وَهَبَه، لم يكُنْ رُجوعًا؛
لأنَّ المُوصَى به لا ينْحَصِرُ فيما هو حاضِرٌ، بل فيما عندَ الموتِ. قاله الحارِثِيُّ. قلتُ: فيُعايَى بها.
قال: (وإن باعه، أو وهبه، أو رهنه: كان رجوعاً. وإن كاتبه، أو دبّره، أو جحد الوصية: فعلى وجهين) .
أما كون بيع الموصى به وهبته رجوعاً؛ فلأن كل واحدٍ منهما ينقل الملك، وذلك ينافي الوصية. ولأن كونه مملوكاً قابلاً للنقل عند تمليكه شرطٌ للصحة، وذلك غير حاصلٍ فيما بيع أو وهب عند الموت.
وأما كون رهنه رجوعاً؛ فلأن الرهن يراد للبيع. أشبه ما لو باعه.
ولأن الوصية نقلٌ للملك عند الموت، وذلك يعتمد القابلية له، والقابلية للنقل غير موجودة فيما رهنه. بدليل: أنه لو باع المرهون لم يصح.
وأما كون كتابته رجوعاً على وجهٍ؛ فلأنها بيعٌ. أشبهت البيع.
وأما كونها لا تكون رجوعاً على وجهٍ؛ فلأن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم.
وأما كون تدبيره رجوعاً على وجهٍ؛ فلأن تدبيره أقوى من الوصية به؛ لأنه يتنجز بالموت.
بخلاف الوصية فإنها تفتقر إلى القبول. والوصية به في بعض الصور رجوع. فما هو أقوى منها أولى.
وأما كونه لا يكون رجوعاً على وجهٍ؛ فلأنه لا ينقل الملك. أشبه ما لو لم يدبره.
وأما كون جحود الوصية رجوعاً على وجهٍ؛ فلأن الجحود يدل على أنه لا يريد إيصاله إلى الموصى له.
وأما كونه لا يكون رجوعاً؛ فلأن ذلك لا يزيل ملكه. أشبه ما لو أجّره.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.