وَعَنْهُ: لِلْعَبْدِ وَإِذَا أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ مُعَيَّنًا أَوْ مُشَاعًا عَتَقَ كُلُّهُ عَلَيْهِ
الشروح عليها
(وعنه) رِواية أُخْرَى (أنَّه للعَبْدِ) وبه قال الحسنُ، وعطاء، [والشَّعْبِيُّ]، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، وأهلُ المدينةِ: يَتْبَعُهُ؛ لِما روَى نافِعٌ، عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«مَنْ أعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَالْمَالُ لِلْعَبْدِ». رَواه الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه ، وغيرُه . وروَى حمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن أيُّوبَ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ، [أنَّه كان إذا أعْتَقَ عبدًا لم يَعْرِضْ لمالِه ولَنا، ما روَى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن ابنِ مسعودٍ] ، أنَّه قال لغُلامِه عُمَيرٍ: يا عُمَيرُ، إنِّي أُريدُ أنَّ أُعْتِقَكَ عِتْقًا هَنِيئًا ، فأخْبِرْني بمالِك، فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:«أَيُّما رَجُل أعْتَقَ عَبْدَهُ أَوْ غُلَامَهُ فَلَمْ يُخْبِرْهُ بمَالِه فمَالُه لِسَيِّدِه».
ولأنَّ العبدَ وماله كانا للسَّيِّدِ، فأزال مِلْكَه عن أحدِهما، فبَقِيَ مِلْكُه في الآخَرِ، كما لو باعَه، وقد دَلَّ عليه حديثُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا ولَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ».
فأمّا حديثُ ابنِ عُمَرَ، فقال أحمدُ: يَرْويه عبدُ الله بِنُ أبي جَعْفَرٍ مِن أهلِ مِصْرَ، وهو ضَعِيفٌ في الحديثِ، كان صاحِبَ فِقْهٍ،
فأمّا في إلحديثِ فليس هو فيه بالقَويِّ.
وقال أبو الوليدِ : هذا الحديثُ خَطَأٌ،
فأمّا فِعْلُ ابنِ عُمَرَ، فهو تَفَضُّلٌ منه على مُعْتَقِه. قِيلَ لأحمدَ: كان هذا عندَك على التَّفَضُّلِ؛ فقال: إي لَعَمْرِي على التَّفَضُّلِ. قِيلَ له: فكأنَّه عندَك للسَّيِّدِ ؟ فقال: نعم، للسَّيِّدِ، مثلُ البَيعِ سَواءً. فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ الله عنه: (وإذَا أعْتَقَ جُزْءًا مِن عَبْدِه مُعَيَّنًا أو كلُ مُشَاعًا عَتَق كُلُّه)
أمّا إذا أعْتَقَ عَبْدَه وهو صحيحٌ جائزُ التَّصَرُّفِ، فإنَّه يَصِحُّ عِتقُه بإجْماعِ أهلِ العلمِ،
فإنْ أعْتَقَ بَعْضَه عَتَق كُلُّه في قولِ جمهورِ العلماءِ. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وابْنِه، رَضِيَ الله عنهما . وبه قال الحسنُ، والحَكَمُ، والأوْزَاعِي، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ : عامَّةُ العلماءِ بالحجازِ والعراقِ قالوا: يَعْتِقُ كُلُّه إذا أعتَقَ نِصْفَه.
وقال طاوُسٌ: يَعْتِقُ في عِتْقِه، ويَرِقّ في رِقِّه.
وقال حمادٌ، وأبو حنيفةَ: يَعْتِقُ منه ما أُعْتِقَ، ويَسْعَى في باقِيهِ. وخالفَ أبا حنيفةَ أصحابُه، فلم يَرَوْا عليه سِعايَةً. ورُوِيَ عن مالكٍ في رجلٍ أعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ، ثم غَفَل عنه حتَّى مات، فقال: أرى نِصْفَه حُرًّا ونِصْفَه رقيقًا؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في بَعْضِه، فلم يَسْرِ إلى باقِيه، كالبَيعِ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَه في عَبْدٍ فَكَانَ مَعَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَه ، قُومَ عَلَيهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ، وَعَتَقَ عَلَيهِ جَمِيعُ الْعَبْدِ» .
وإذا أُعْتِقَ عليه نَصِيبُ شَرِيكِه، كان تَنْبِيهًا على عِتْقِ جَميعِه إذا كان كُلُّه مِلْكًا له.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِهِ». ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ عن بَعْضِ مَمْلُوكِه الآدَمِيِّ، فزال عنه جَميعُه، كالطَّلاقِ. ويفارِقُ البَيعَ؛ فإنَّه لا يحتاجُ إلى السِّعايَةِ، ولا يُبْنَى على التَّغْليبِ والسِّرايةِ. إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْق بينَ أنَّ يُعْتِقَ جُزءًا كَبيرًا، كنِصْفِه، أو ثُلُثِه، أو صغيرًا، كعُشْرِه، أو عُشْرِ عُشْرِه. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا بينَ القَائِلين بسِرايَةِ العِتْقِ إذا كان مُشاعًا.
فصل: فإن أعْتَقَ جُزْءًا مُعَيَّنًا ؛ كرَأْسِه، أو يَدِه، أو إصْبَعِه، عَتَق كُلُّه أيضًا. وبهذا قال قتادةُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: إن أعْتَقَ رَأْسَه، أو ظَهْرَه، أو بَدَنَه، أو بَطْنَه، أو جَسَدَه، أو نَفْسَه، أو فَرْجَه، عَتَق كُلُّه؛ لأنَّ حَياتَه لا تَبْقَى بدُونِ ذلك،
وإن أعْتَقَ يَدَه، أو عُضوًا تَبْقَى حياتُه بدُونِها لم يَعْتِق؛ لأنَّه يُمْكِنُ إزالةُ ذلك مع بَقائِه، فلم يَعْتِقْ، كإعْتاقِه شَعَرَه [وسِنَّه]. ولَنا، أنَّه أعْتَقَ عُضوًا مِن أعْضائِه، فعَتَقَ جَميعُه، كرأْسِه.
فأمّا إذا أعْتَقَ شَعَرَه، أو سِنَّه، أو ظُفْرَه، لم يَعْتِقْ.
وقال قتادةُ، واللَّيثُ، في الرَّجُلِ يُعْتِقُ ظُفْرَ عَبْدِه: يَعْتِقُ كُلُّه؛ لأنَّه مِن أجْزائِه، أشْبَهَ إصْبَعَه. ولَنا، أنَّ هذه الأشْياءَ تَزُولُ، ويَخْرُجُ غيرُها، فأشْبَهَتِ الشَّعَرَ، والرِّيقَ. وسَنذْكُرُ ذلك في الطَّلاقِ، والعِتْقُ مِثْلُه.
٢٩٢١ -
(وَعَنْهُ: لِلْعَبْدِ) وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، لِمَا رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ السَّيِّدُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: يَرْوِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ، وَكَانَ صَاحِبَ فَقْهٍ، وَحُكْمُ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ إِذَا مَاتَ سَيِّدُهَا وَالْمُكَاتَبِ وَلَهُمْ أَمْوَالٌ، حُكْمُ الْعَبْدِ. (وَإِذَا أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ) غَيْرَ شَعْرٍ وَسِنٍّ وَظُفْرٍ (مُعَيَّنًا) كَرَأْسِهِ، وَإِصْبَعِهِ (أَوْ مُشَاعًا) كَعُشْرِهِ أَوْ نِصْفِهِ (عَتَقَ كُلُّهُ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِهِ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَعْنَاهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ عَنْ بَعْضِ رَقِيقِهِ، فَزَالَ جَمِيعُهُ كَالطَّلَاقِ، وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى السِّعَايَةِ، وَلَا يَنْبَنِي عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا حَفَرَ بِئْرًا عُدْوَانًا، أَوْ نَصَبَ سِكِّينًا، فَتَلَفَ عَبْدُهُ أَوْ بَعْضُهُ، أَوْ دَاوَاهُ وَهُوَ غَيْرُ صَادِقٍ، أَوْ حَدَّهُ وَزَادَ سَوْطًا، أَوْ ضَرَبَهَا عَلَى غُسْلٍ مِنْ حَيْضٍ لِيَطَأَهَا، فَهَلْ تُعْتَقُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا قَالَ لِحُرٍّ: اشْتَرِنِي مِنْ سَيِّدِي بِهَذَا الْمَالِ، وَأَعْتَقَنِي فَفَعَلَ، عَتَقَ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي لِسَيِّدِهِ مِثْلُ ثَمَنِهِ الْمُسَمَّى، وَلَهُ وَلَاؤُهُ،
وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ، بَطُلَ الْعِتْقُ وَالشِّرَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا قَالَ لِأَمَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا حُرَّةٌ، وَلَمْ يَنْوِ، حَرُمَ وَطْؤُهُمَا مَعًا بِدُونِ قُرْعَةٍ،
فَإِنْ وَطِئَ إِحْدَاهُمَا، لَمْ تُعْتَقِ الْأُخْرَى، كَمَا لَوْ عَيَّنَهَا، ثُمَّ نَسِيَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: إِنْ صَلَّيْتِ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ، فَأَنْتِ حُرَّةً قَبْلَهُ، فَصَلَّتْ كَذَلِكَ، عُتِقَتْ،
وَقِيلَ: لَا، جَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي ; لِبُطْلَانِ الصِّفَةِ بِتَقْدِيمِ الْمَشْرُوطِ،
وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَقْرَرْتُ بِكِ لِزَيْدٍ، فَأَنْتِ حُرَّةٌ قَبْلَهُ، فَأَقَرَّ لَهُ بِهِ، صَحَّ إِقْرَارُهُ فَقَطْ،
وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَقْرَرْتُ بِكِ لَهُ، فَأَنْتِ حُرَّةٌ سَاعَةَ إِقْرَارِي، لَمْ يَصِحَّا.
الْخَامِسَةُ: إِذَا قَالَ: عَبْدِي حُرٌّ، أَوْ أَمَتِي، وَلَمْ يَنْوِ الْبَعْضَ، عَتَقَ الْكُلُّ،
وَقِيلَ: أَحَدُهُمْ بِقُرْعَةٍ، وَفِي الْمُغْنِي: إِذَا قَالَ: امْرَأَتِي طَالِقٌ، وَأَمَتِي حُرَّةٌ، وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تُطَلَّقُ الْكُلُّ وَيُعْتَقْنَ ; لِأَنَّ الْوَاحِدَ الْمُضَافَ يَعُمُّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} الْآيَةَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: يَقَعُ عَلَى وَاحِدَةٍ مُبْهَمَةٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِحْدَاكُنَّ طَالِقٌ أَوْ حُرَّةٌ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَهُوَ أَصَحُّ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
لا يتكلم على هذه المسألة.
فصل [إذا أعتق جزءاً من عبده] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإذا أعتق جزءاً من عبده معيناً أو مشاعاً عتق كله. وإن أعتق شركاً له في عبد وهو موسر بقيمة باقيه عتق كله، وعليه قيمة باقيه يوم العتق لشريكه. وإن أعتقه شريكه بعد ذلك لم يثبت له فيه عتق. وإن كان معسراً لم يعتق إلا نصيبه وبقي حق شريكه فيه. وعنه: يعتق كله ويُستسعى العبد في قيمة باقيه غير مَشقوق عليه) .
أما كون من أعتق جزءاً من عبده معيناً كان الجزء أو مشاعاً يعتق عليه كله؛ فلأن العتق يسري في عبد الغير لما يأتي. فلأن يسري في عبدٍ له خاصة بطريق الأولى.
وأما كون من أعتق شركاً له في عبد وهو موسر بقيمة باقيه يعتق كله، وعلى المعتق قيمة باقيه لشريكه؛ فلما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من أعتقَ شِركاً له في عبدٍ، فكان معه ما يبلغُ قيمةَ العبد، قوّم عليه قيمةَ عدل، وعَتَقَ عليه جميعَ العبد».
وأما كون القيمة يوم العتق؛ فلأنه يوم التلف.
وأما كون الشريك إذا أعتقه بعد ذلك لا يثبت له فيه عتق؛ فلأن عتق المعتَق لا يصح.
وأما كون المعتِق لا يعتق إلا نصيبه إذا كان معسراً على المذهب؛ فلأن مقتضى الدليل أن لا يعتق على أحدٍ نصيب شريكه. خولف ذلك في اليسار للحديث. فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
وأما كون حق شريكه يبقى فيه؛ فلأن العتق لم يسر إليه.
وأما كون العبد يعتق كله ويُستسعى في قيمة باقيه غير مشقوق عليه على رواية؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أعتقَ شِقْصاً له في مملوكٍ فعليه أن يعتقه كله إن كانَ له مال، وإلا استُسْعَي العبدُ غيرَ مَشْقُوق عليه». رواه أبو داود.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.