فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٥٥المقنعالحنابلةج ١ ص ٧٠ج ١ ص ٧٠

وَيَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِكُلِّ طَاهِرٍ يُنَقِّي كَالْحَجَرِ وَالْخَشَبِ، وَالْخِرَقِ إِلَّا الرَّوْثَ، وَالْعِظَامَ، وَالطَّعَامَ، وَمَا لَهُ حُرْمَةٌ، وَمَا يَتَّصِلُ بِالْحَيَوَانِ

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

٥٨ - مسألة؛ قال: (ويجوزُ الاسْتِجْمارُ بكلِّ طاهرٍ يُنْقِي، كَالحَجَرِ، ونَحْوه الخَشبُ والْخِرَقُ)

٣٣٢

أمّا الاسْتِجْمارُ بالأحْجارِ، فلا خلافَ فيه، فيما علمنا، وذلك لما رُوى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«إذا ذَهَبَ أحَدُكُم إلى الغَائِطِ، فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلاثةِ أحْجَارٍ، فَإنَّها تُجْزِئ عَنْه». رواه أبو داودَ أ.

٣٣٣

فأمَّا الاسْتِجْمارُ بما سِواها، كالخَشَبِ والخِرَقِ وما في معناها مِمَّا يُنْقِي، فهو جائِزٌ في الصَّحيحِ مِن المذهب، وقولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.

٣٣٤

وعنه، لا يُجْزِئُ إلَّا الأحْجارُ. اخْتارَها أَبو بكرٍ، وهو مذهبُ داودَ؛ لأنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بالأحْجارِ، وأمْرُه يَقْتَضِي الوُجُوبَ. ولأنَّه مَوْضِعُ رُخْصَةٍ، وردَ الشرعُ فيها بآلةٍ مَخصُوصَةٍ، فوَجَبَ الاقْتِصارُ عليها، كالترابِ في التَّيَمُّمِ، وقِياسًا على رَمْي الجِمارِ. ولَنا، ما روَى طاوُسٌ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:«إذا أتى أحَدُكُمُ البَرَازَ، فَلْيُنَزِّه قِبْلَةَ اللهِ، فَلا يَسْتَقْبِلْهَا وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، ولْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أحْجَارٍ، أو ثَلَاثَةِ أَعْوادٍ، أو ثَلَاثِ حَثَياتٍ مِنْ تُرابٍ».

رواه الدَّارَقُطْنِي ، قال: وقد رُوِيَ عن ابن عباس مرفوعًا،

٣٣٥

والصحيحُ أنه مُرسَلٌ. وفي حديثِ سَلْمانَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنَّه لَيَنْهانا أن نَسْتَنْجِيَ بأقلَّ مِن ثَلَاثَةِ أحْجارٍ،

٣٣٦

وأن نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أو عَظْم. رواه مسلمٌ . وتَخْصِيصُ هذين بالنَّهْي يدُلُّ على أنه أرادَ الحِجَارَةَ وما قام مَقامَها، وَإلَّا لم يكنْ بتَخْصِيصِ هذين بالنَّهْي معنًى. ولأنَّه متى وَرَدَ النَّصُّ بشيءٍ لمعنًى معقول، وَجَب تَعْدِيَتُه إلى ما وُجِدَ فيه المعنى، والمعنى ههُنا إزالةُ عينِ النجاسةِ، وهذا يحصُلُ بغيرِ الأحْجارِ كحُصُولِه بها،

٣٣٧

فأمّا التَّيَمُّم فإنَّه غيرُ معقول.

فصل: ويُشتَرطُ فيما يُسْتَجْمَرُ به أن يكونَ طاهِرًا، كما ذكر،

٣٣٨

فإنَّ كان نَجِسًا لم يُجْزِئْه الاسْتِجْمارُ به. وبهذا قال الشَّافعي.

٣٣٩

وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه؛ لأنَّه يُجَفِّفُه كالطاهِرِ. وَلَنا، أنَّ ابنَ مسعودٍ جاء إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بحَجَرَين ورَوْثَةٍ ليَسْتَجْمِرَ بها، فأخذَ الحَجَرَين وألْقَى الرَّوْثَةَ، وقال:«هَذَا رِكْسٌ». يعني نَجِسًا. رواه الترمِذِي . وهذا تعليل مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَجِبُ المصيرُ إليه. ولأنَّه إزالةُ نجاسةٍ، فلا تَحْصُلُ بالنجِس كالغَسْلِ.

٣٤٠

فإنَّ اسْتَجْمَر بنَجِس، احْتَمَل أن لا يُجْزِئَه الاسْتِجْمارُ بعدَه؛ لأنَّها نَجاسة مِن خارجٍ، فلم يَجُز فيها غيرُ الماءِ، كما لو تَنَجَّسَ المَحَلُّ بها ابتداءً، ويَحتَمِلُ أن يُجْزِئَه؛ لأنَّ هذه النجاسةَ تابِعة لنجاسةِ المَحَلِّ، فزالتْ بِزَوالِها.

٣٤١

ويُشترطُ أن يكونَ ممَّا يُنْقِي؛ لأنَّ الإِنْقَاءَ شرط في الاسْتِنْجاءِ،

٣٤٢

فإنَّ كان زَلِجًا، كالزُّجاجِ والفَحْمِ الرِّخْو وشِبْهِهما مِمَّا لا يُنْقِي أو نَدِيًّا ، لم يَجُز في الاسْتِجْمارِ؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ به المقصودُ. ٥٩ - مسألة؛ قال: (إلا الرَّوْثَ والعِظامَ والطُّعامَ، وما له حُرمَةٌ، وما يَتَّصِلُ بحَيَوانٍ) وجملةُ ذلك أنه لا يجُوزُ الاسْتِجْمارُ بالرَّوْثِ ولا العِظامِ ولا يُجْزِئُ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. وبهذا قال الثَّوْرِيّ، والشافعيّ، وإسحاقُ.

٣٤٣

وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ الاسْتِجْمارُ بهما؛ لأنَّهما يُجَفِّفان النَّجاسةَ، ويُنْقِيان المَحَلَّ، فهما كالحَجَرِ. وأباحَ مالكٌ الاستنْجاءَ بالطَّاهِرِ منهما. ولَنا، ما روَى مسلمٌ ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلا بالعِظَام؛ فإنَّه زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ». ورَوَى الدَّارَقُطْنِي أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أنْ يُسْتَنْجَى برَوْثٍ أو عَظْم، وقال:«إنَّهُما لا يُطَهِّرانِ».

٣٤٤

وقال: إسنادٌ صحيح. ورَوَى أبو داوُد ، عنه - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال لرُوَيفِع. بنِ ثابِتٍ:«أخْبِرِ النَّاسَ، أنه مَنِ اسْتَنْجَى برَجِيع أو عَظْم، فهُوَ بَرِئٌ مِنْ مُحَمَّدٍ». وهذا عام في الطَّاهِرِ مِنْهما وغيرِه، والنَّهْيُ يَقْتَضِي الفَسادَ وعَدَمَ الإجْزاء.

٣٤٥

وكذلك الطعامُ يَحْرُمُ الاسْتِنْجاءُ به بطريقِ التنبِيهِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَّلَ النَّهْيَ عن الرَّوْثِ والرِّمَّةِ بكَوْنِه زادَ الجِنِّ، فَزادُنا أولَى، لكوْنِه أعْظَمَ حُرْمَةً.

٣٤٦

فإنَّ قِيل: فقد نَهَى عن الاسْتِجْمارِ باليَمِينِ، كنَهْيِه عن الاستجمارِ بهذينِ، ولم يَمْنَعْ ذلك الإِجْزاءَ. فعنه جوابان؛ أحدُهما، إنّه قد بيَّن في الحديث أنهما لا يُطَهِّران. الثاني، الفرقُ بينَهما، وهو أنَّ النَّهْيَ ههُنا لمعنًى في شَرْطِ الفِعلِ، فمَنَعَ صِحَّتَه، كالنَّهْي عن الوُضوءِ بالماءِ النَّجِس، وثَمَّ لمعنًى في آلةِ الشرط، فلم يَمْنَعْ، كالوُضوءِ مِن إناءٍ مُحَرَّم.

٣٤٧

وكذلك ما لَهُ حُرْمَةٌ؛ مِثْلُ كُتُبِ الفِقْهِ والحدِيثِ؛ لما فيه مِن هَتْكِ الشَّريعةِ والاسْتِخْفافِ بِحُرْمَتِها، فهو في الحُرْمَةِ أعْظَمُ مِن الرَّوْثِ والرِّمَّةِ،

٣٤٨

وكذلك ما يَتَّصِلُ بحيوانٍ كعَقِبِه ويَدِه وذَنَبِ البَهِيمةِ وصُوفِها المُتَّصِلِ بها؛ لأنَّ له حُرْمَةً، فهو كالطَّعامِ [وقد يُنَجِّس الغَيرَ]. ٦٠ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَيَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِكُلِّ طَاهِرٍ يُنَقِّي كَالْحَجَرِ) إِجْمَاعًا، (وَالْخَشَبِ، وَالْخِرَقِ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ،

٤٣٣

وَقَالَ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ، فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» .

وَالثَّانِيَةُ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَهِيَ قَوْلُ دَاوُدَ: لَا يُجْزِئُ إِلَّا الْأَحْجَارُ، لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهَا، وَعَلَّقَ الْإِجْزَاءَ بِهَا. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْجَارِ كُلُّ مُسْتَجْمَرٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْجَامِدَاتِ، وَلِقَوْلِ سَلْمَانَ:«أَمَرَنَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ لَا نَكْتَفِيَ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ، وَلَا عَظْمٌ» فَلَوْلَا أَنَّهُ يَعُمُّ الْجَمِيعَ لَمْ يَكُنْ لِاسْتِثْنَاءِ الرَّجِيعِ وَالْعَظْمِ مَعْنًى.

وَإِنَّمَا خَصَّ الْحَجَرَ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُ أَعَمُّ الْجَامِدَاتِ وُجُودًا، وَأَشْمَلُهَا تَنَاوُلًا، لَا يُقَالُ: الْمُرَادُ بِالرَّجِيعِ الْحَجَرُ الْمُسْتَجْمَرُ بِهِ مَرَّةً، لِأَنَّهُ فِي اللُّغَةِ اسْمُ الرَّوْثِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ رَجَعَهُ بَعْدَ أَنْ أَكَلَهُ، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا:«مَنِ اسْتَجْمَرَ بِرَجِيعِ دَابَّةٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ» . (إِلَّا الرَّوْثَ، وَالْعِظَامَ، وَالطَّعَامَ، وَمَا لَهُ حُرْمَةٌ، وَمَا يَتَّصِلُ بِالْحَيَوَانِ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ، وَلَا بِالْعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ،

٤٣٤

وَفِي رِوَايَةٍ:«أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ عَظْمٍ، وَقَالَ: إِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ،

٤٣٥

وَقَالَ: إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي طَعَامِ الْجِنِّ، فَفِي طَعَامِ الْآدَمِيِّ أَوْلَى،

وَبِالْجُمْلَةِ فَيُشْتَرَطُ فِي الْمُسْتَجْمَرِ بِهِ شُرُوطٌ:

الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ جَامِدًا، لِأَنَّ الْمَائِعَ إِنْ كَانَ مَاءً، فَهُوَ اسْتِنْجَاءٌ،

٤٣٦

وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ امْتَزَجَ بِالْخَارِجِ، فَيَزِيدُ الْمَحَلَّ نَجَاسَةً، وَيُؤْخَذُ هَذَا مِنْ تَمْثِيلِهِ بِالْحَجَرِ وَالْخِرَقِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ:«أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: إِنَّهَا لَرِكْسٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالرِّكْسُ النَّجِسُ.

الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُنَقِّيًا، فَلَا يَجُوزُ بِالْفَحْمِ الرَّخْوِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، وَلَا بِالزُّجَاجِ، وَلَا الْحَجَرِ الْأَمْلَسِ وَالْبِلَّوْرِ، إِذِ الْمَقْصُودُ الْإِنْقَاءُ، وَلَمْ يَحْصُلْ.

الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ مُحْتَرَمًا، فَلَا يَجُوزُ بِطَعَامِنَا، وَلَا بِطَعَامِ دَوَابِّنَا،

٤٣٧

وَكَذَا طَعَامُ الْجِنِّ، وَدَوَابِّهِمْ، وَكَذَلِكَ كُتُبُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، وَمَا فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ الشَّرِيعَةِ، وَالِاسْتِخْفَافِ بِحُرْمَتِهَا،

٤٣٨

وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الطَّعَامِ بِحُرْمَةِ الْأَكْلِ فَهَاهُنَا أَوْلَى،

٤٣٩

وَكَذَلِكَ مَا يَتَّصِلُ بِحَيَوَانٍ، كَيَدِهِ، وَذَنَبِهِ، وَصُوفِهِ الْمُتَّصِلِ بِهِ، لِأَنَّ لَهُ حُرْمَةً فَهُوَ كَالطَّعَامِ، وَقَدْ يُنَجِّسُ الْغَيْرَ، فَقَوْلُهُ: وَمَا لُهُ حُرْمَةٌ يَدْخُلُ فِيهِ الطَّعَامُ، وَمَا يَتَّصِلُ بِحَيَوَانٍ فَذِكْرُهُ كَافٍ عَنْهُمَا، وَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " عَلَيْهِ.

الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ مُحَرَّمًا، فَلَا يَجُوزُ بِمَغْصُوبٍ، وَلَا ذَهَبٍ، وَلَا فِضَّةٍ، ذَكَرَهُ فِي " النِّهَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ،

٤٤٠

وَقِيلَ: يَجُوزُ بِالْمَغْصُوبِ، وَهُوَ مُخَرَّجٌ مِنْ رِوَايَةِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي بُقْعَةِ غَصْبٍ، وَرُدَّ بِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ رُخْصَةٌ، وَالرُّخَصُ لَا تُسْتَبَاحُ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْإِجْزَاءَ فِي ذَلِكَ، وَبِمَا نُهِيَ عَنْهُ، قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ لِكَوْنِهِ لَا يُنَقِّي، بَلْ لِإِفْسَادِهِ،

٤٤١

وَمِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ النَّجَاسَةَ تُزَالُ بِغَيْرِ الْمَاءِ، وَهِيَ مِنْ بَابِ التُّرُوكِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِزَوَالِهَا قَصْدٌ، وَجَوَابُهُ رِوَايَةُ الدَّارَقُطْنِيِّ السَّابِقَةِ، وَحَيْثُ قِيلَ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ فِي الشَّرْطِ الْأَوَّلِ،

٤٤٢

وَكَذَا فِي الثَّانِي عَلَى مَا قَطَعَ بِهِ الْمَجْدُ، وَالْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي "،

٤٤٣

وَفِي " الْمُغْنِي " احْتِمَالٌ بِإِجْزَاءِ الْحَجَرِ، وَهُوَ وَهْمٌ،

٤٤٤

وَفِي الثَّالِثِ يَعْدِلُ إِلَى طَاهِرٍ مُنَقٍّ،

٤٤٥

وَفِي الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ: هَلْ يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ جَعْلًا لِوُجُودِ آلَةِ النَّهْيِ، كَعَدَمِهَا أَوْ يَعْدِلُ إِلَى الْمَاءِ لِعَدَمِ

٤٤٦

فَائِدَةِ الْحَجَرِ إِذَنْ لِنَقَاءِ الْمَحَلِّ؛ فِيهِ وَجْهَانِ.

الإنصافالمرداوي

ويجوزُ الاسْتِجْمارُ بكلِّ طاهرٍ يُنْقِي، كالحجرِ والخَشَبِ والخِرَقِ. وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثير منهم.

٨٢١

وعنه، يَخْتَصُّ الاسْتِجْمارُ بالأحْجار. واخْتارَها أبو بكر. وهو من المُفْرَداتِ.

٨٢٢

تنبيه: ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ جوازُ الاسْتِجْمارِ بالمغْصُوبِ ونحوه. وهو قولٌ في «الرِّعايَة»، ورواية مُخَرجَة. واخْتارَ الشيخُ تَقِيُّ الدِّين في «قواعِدِه»، على الصَّحيحِ من المذهب، وعليه الأصحابُ، اشْتِراطَ إباحَةِ المُسْتَجْمَرِ به. وهو مِن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المُفْرَداتِ:

تنبيه: حَدُّ الإنْقاءِ بالأحْجارِ بقاءُ أثَرٍ لا يُزِيلُه إلَّا الماءُ. جَزمَ به في «التَّلْخيص»، و «الرِّعاية»، و «الزَّرْكَشِيِّ». وقدَّمه في «الفُروع».

٨٢٣

وقال المُصَنِّفُ، والشارِح، وابنُ عُبَيدان، وغيرُهم: هو إزالةُ عَينِ النجاسة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وبِلَّتِها، بحيثُ يخْرُجُ الحجَرُ نَقِيًّا ليسَ عليه أثر إلَّا شيئًا يسيرًا،

٨٢٤

فلو بَقِيَ ما يزُولُ بالخِرَقِ لا بالحَجَرِ، أُزيلَ على ظاهرِ الأوَّلِ، لا الثَّانى. والإِنْقاءُ بالماءِ خُشُونةُ المَحَل كما كان. قال الشَّارِحُ، وغيرُه: هو ذَهابُ لُزوجَةِ النَّجاسة وآثارِها. وهو مَعْنى الأوَّل.

٨٢٥

فائدة: لو أتى بالعدَدِ المُعْتَبَرِ اكْتَفَى في زَوالِها بغَلَبَةِ الظنِّ. ذكره ابنُ الجَوْزِي، في «المُذْهَبِ». وجزَمَ به جماعة مِن الأصحاب. وقدَّمه في «القَواعدِ الأصُولِيَّة».

٨٢٦

وقال في «النِّهايَة»: لابُدَّ مِن العِلْمِ في ذلك. إلا الرَّوْثَ، وَالْعِظَامَ، وَالطَّعَامَ، وَمَالهُ حُرْمَةٌ، وَمَا يَتَّصِلُ بِحَيَوَانٍ. إلَّا الرَّوْثَ والعِظامَ. وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. واخْتارَ الشيخُ تَقِيُّ الدِّين الإجْزاءَ بهما.

٨٢٧

قال في «الفُروعِ»: وظاهرُ كلامِ الشيخ تَقِي الدِّين؛ وبما نُهِيَ عنه. قال: لأنه لم يُنْهَ عنه لكَونِه لا يُنْقِي، بل لإفْسادِه.

٨٢٨

فإذا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قيل: يزولُ بطعامِنا مع التَّحْريمِ. فهذا أوْلَى. والطعامَ. دخل في عُمومِه طعامُ الآدَمِي وطعامُ البَهيمَة؛

٨٢٩

أمَّا طعامُ الآدَمِيِّ فصَرَّحَ بالمَنْع منه الأصحابُ،

٨٣٠

وأمّا طعامُ البَهِيمَة فصرَّحَ جماعة أنَّه كطَعامِ الآدَمِيِّ؛ منهم أبو الفَرَج، وابنُ حَمْدان في «رِعايته»، والزَّرْكَشِيُّ، وغيرُهم. واخْتارَ الشيخُ تَقِيُّ الدِّين، في «قَواعِدِه» الإجْزاءَ بالمطْعومِ ونحوه. ذكَرَه الزرْكَشِيُّ. وما له حُرْمة. كما فيه ذكْرُ اللهِ تعالى. قال جماعة كثيرة من الأصحابِ: وكتُبِ حَديثٍ وفِقْهٍ.

٨٣١

قلتُ: وهذا لاشَكَّ فيه، ولا نَعْلمُ ما يُخالِفُه.

٨٣٢

قال في «الرعاية»: وكتُبٍ مباحةٍ.

٨٣٣

وقال في «النِّهايةِ»: وذَهب وفِضَّةٍ.

٨٣٤

قال في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

«الفُروع»: ولعلَّه مُرادُ غيرِه؛ لتَحْريمِ اسْتِعْمالِه.

٨٣٥

وقال في «النهايةِ» أيضًا: وحِجارَةِ الحَرَمِ.

٨٣٦

قال في «الفُروعِ»: وهو سَهْو. انتهى. ولعله أرادَ حرمَ المسْجِد، وإلَّا فالإِجْماعُ خِلافُه. وما يَتَّصِلُ بحيوانٍ. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطعوا به، وجوَّزَ الأزَجِيُّ الاسْتِجْمارَ بذلك.

فوائد؛ إحْداها، لو اسْتَجْمَرَ بما لا يجوزُ الاستِجْمارُ به لم يُجْزِهِ، على الصَّحيح مِن المذهب. وتقدّم الخِلافُ في المغْصوبِ ونحوه. وتقدَّم اخْتِيارُ الشيخِ تَقِي الدين في غيرِ المُباحِ والروْثِ والعِظامِ والطَّعامِ. فعلى هذا المذهبِ، إنِ اسْتَنْجَى بعدَه بالماءِ، أجزأ بلا نِزاعٍ،

٨٣٧

وإنِ اسْتَجْمَرَ بعدَه بمُباح، فقال في «الفُروع»: فقيل: لا يُجزِيء.

٨٣٨

وقيل: يُجزِيء إنْ أزال شيئًا. وأطْلَق الإجْزاءَ وعدَمَه ابنُ تميم، و «مَجْمَع البَحْرَين»، وابنُ عُبَيدان، واخْتارَ في «الرِّعايَة الكُبْرى» الثَّالثَ.

٨٣٩

قلتُ: الصوابُ عَدَمُ الإِجْزاءِ مُطْلقًا، وهو ظاهِرُ ما قدَّمه في «الرعايَة الكُبْرى»، وإطْلاقُ الوَجْهَين حَكاهُ طريقَةً.

٨٤٠

وقال الزَّرْكَشِيُّ: إذا اسْتَنْجَى بمائع غيرِ الماءِ تعَيَّنَ الاسْتِنْجاءُ بالماء الطَّهورِ،

٨٤١

وإنِ اسْتَجْمَرَ بغيرِ الطَّاهرِ؛ فقطَع المَجْدُ، والمُصَنفُ في «الكافي» بتَعيُّنِ الاسْتِنْجاءِ بالماءِ،

٨٤٢

وفي «المُغْنِي» احْتِمالْ بإجْزاءِ الحجَرِ، وهو وَهَمٌ.

٨٤٣

وإنِ اسْتَجْمَرَ بغيرِ المُنْقِي، جازَ الاسْتِجْمارُ بعدَه بمُنْقٍ،

٨٤٤

وإنِ اسْتَجْمَرَ بمُحَرَّم أو مُحْترَم، فهل يُجْزِئ الحجَرُ أو يتَعيَّنُ الماءُ؟ على وَجْهَين. وتقدَّمَ، إذا تنَجَّسَ المَخْرجان أو أحَدُهما بغيرِ الخارجِ. الثَّانيةُ، يَحْرُمُ الاسْتِجْمارُ بجِلْدِ السمَكِ، وجلْدِ الحيوانِ المُذَكَّى مُطْلقًا. على الصحيحِ مِن المذهبِ. صححَه في «الفُروعِ»، وغيرِه، وقطَع به ابنُ أبي موسى، وغيرُه.

٨٤٥

وقيل: يحْرُمُ بالمَدْبوغِ منها. وقيل: لا يَحْرُمُ مُطْلقًا.

٨٤٦

ويَحْرُمُ الاسْتِجْمارُ بحَشيش رَطْبٍ. على الصَّحيحِ من المذهب.

٨٤٧

وقال القاضي في «شَرْحِ المُذْهَبِ»: يجوزُ. وأطْلَقَ في «الرِّعايَة» وَلَا يُجْزِيء أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ،

٨٤٨

إِمَّا بِحَجَرٍ ذِى شُعَبٍ، أَوْ بِثَلَاثَةٍ.

في الحشِيش الوَجْهَين. الثالثةُ، قوله: لا يُجْزِئُ أقل من ثَلَاثِ مَسَحاتٍ. بِلا نِزاع، وكيفما حصَلَ الإنْقاءُ في الاسْتِجْمارِ أجْزأ.

٨٤٩

وقال القاضي، وغيرُه: المُسْتحَبُّ أنْ يُمِر الحجَرَ الأوَّلَ مِن مقَدمِ صَفْحَتِه اليُمْنى إلى مُؤخرِها، ثم يُدِيرَه على اليُسْرى حتَّى يرْجِعَ به إلى الموضع الذي بَدَأ منه، ثم يُمرَّ الثَّاني مِن مُقَدَّمِ صَفْحَتِه اليُسْرَى كذلك، ثم يُمِرَّ الثَّالِثَ على المسْرَبَةِ والصفْحتَين، فيَسْتَوْعِبَ المَحَل في كُلِّ مرَّةٍ. وجزَم به في «المُذْهَبِ» وغيرِه. الرابعةُ، لو أفرَدَ كل جِهَةٍ بحَجَرٍ لم يجْزِه، على الصحيحِ مِن المذهب. اخْتارَه الشريفُ أبو جَعْفَرٍ، وابنُ . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

عَقِيل. وجزَمَ به في «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذهَبِ»، و «الحاوي الكبير». وقدمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «ابنِ عُبَيدان».

٨٥٠

وقيل: يُجزِئ. قال المُصَنِّفُ: ويَحْتَمِلُ أنْ يُجْزِئَه لكلِّ جِهَةٍ مَسْحَة؛ لظاهرِ الخبَرِ. وذكره ابنُ الزاغُونِيِّ روايةً عن أحمدَ.

٨٥١

وقال في «الرِّعايَة»: ويُسَنُّ أنْ يعُم المَحَل بكُل مَسْحَةٍ بحَجَرٍ مَرَّة.

٨٥٢

وعنه، بل كل جانبٍ منه بحجَر مرةً، والوسَطَ بحجَرٍ مرةً.

٨٥٣

وقيل: يكْفِي كلَّ جِهَةٍ مَسحُها ثلاثًا بحَجَرٍ، والوَسَطَ مَسْحُه ثلاثًا بحَجَرٍ. انتهى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (ويجوز الاستجمار بكل طاهر يُنَقّي؛ كالحجر والخشب والخرق، إلا الروث والطعام والعظام وما له حرمة وما يتصل بحيوان) .

٢٢١

أما كون الاستجمار يجوز بكل طاهر يُنَقّي غير المستثنى؛ فلأن في بعض ألفاظ الحديث:«فليذهب بثلاثة أحجار أو بثلاث أعواد أو ثلاث حثيات من تراب» رواه الدارقطني،

٢٢٢

وقال: روي مرفوعًا والصحيح أنه مرسل.

و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الاستطابة فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع».

فلولا أنه أراد الحجر وما في معناه لم يستثن الرجيع.

وعن الإمام أحمد أنه يختص الحجر لقوله:«فليذهب بثلاثة أحجار».

٢٢٣

والصحيح الأول لمشاركة غير الحجر في الإزالة.

٢٢٤

وأما كونه لا يجوز بالروث والعظام فلقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن» رواه مسلم. و «نهى أن يستنجى بروث أو بعظم وقال: إنهما لا يطهران» رواه الدارقطني.

٢٢٥

وقال: إسناده صحيح.

وأما كونه لا يجوز بالطعام؛ فلأنه - صلى الله عليه وسلم - علل المنع من العظم بأنه زاد الجن فزادنا أولى.

٢٢٦

وأما كونه لا يجوز بما له حرمة -والمراد ما فيه ذكر الله ونحوه- فلما فيه من هتك الحرمة.

ولأنه نُهي عن تلويث المساجد بالنجاسة لأنها مواضع الذكر فنفس الذكر أولى.

٢٢٧

وأما كونه لا يجوز بما يتصل بحيوان كيده ورجله وصوفه ونحو ذلك؛ فلأن الحيوان له حرمة ولهذا منعنا مالكه من إطعامه النجاسة.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.