وَإِنْ حَلَفَ لَا يَصُومُ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَصُومَ يَوْمًا
الشروح عليها
(والأوَّلُ أوْلَى) لأنَّ صُورَةَ البَيعِ وُجِدَتْ.
فصل: وإن حَلَف لا يَتَزَوَّجُ، حَنِثَ بمُجَرَّدِ الإِيجابِ والقَبُولِ الصَّحِيحِ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ ذلك يَحْصُلُ به المُسَمَّى الشَّرْعِيُّ، فتَناوَلَتْه يَمِينُه.
وإن حَلَف ليَتَزَوَّجَنَّ، بَرَّ بذلك، سَواءٌ كانت له امرأةٌ أو لم تَكُنْ، وسَواءٌ تَزوَّجَ نَظِيرَتَها، أو أعْلَى منها، إلَّا أن يَحْتال على حلِّ يَمِينِه بتَزْويجٍ لا يُحَصِّلُ القْصودَ، مثلَ أن يُواطِئَ امرأتَه على نِكاحٍ لا يَغِيظُها به، [ليَبَرَّ بيَمِينِه]، فلا يَبَرُّ. [بهذا. و] قال أصحابُنا: إذا حَلَف ليَتَزَوَّجَنَّ على امرأتِه، لا يَبَرُّ حتَّى يَتَزَوَّجَ نَظِيرَتَها، ويَدْخُلَ بها. وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّه قَصَد غَيظَ زَوْجَتِه، ولا يَحْصُلُ إلَّا بذلك. ولَنا، أنَّه تزَوَّجَ تَزْويجًا صَحِيحًا، فبَرَّ به، كما لو تَزَوَّجَ نَظِيرَتَها، والدُّخُولُ غيرُ مُسَلَّمٍ؛
فإنَّ الغَيظَ يَحْصُلُ بمُجَرَّدِ الخِطْبَةِ،
وإن حَصَل بما ذَكَرُوه زِيادَة في الغَيظِ، فلا تَلْزَمُه الزِّيادَة على الغَيظِ الذي يَحْصُلُ بما تَناوَلَتْه يَمِينُه، كما أنَّه لا يَلْزَمُه نِكاحُ اثْنَتَين ولا ثلاثةٍ، ولا أعْلَى مِن نَظِيرَتِها. والذي تَناوَلَتْه يَمِينُه مُجَرَّدُ التَّزْويجِ، ولذلك لو حَلَف لا يَتَزَوَّجُ على امرأتِه ، حَنِثَ بهذا، فكذلك يَحْصُلُ البِرُّ به؛ لأنَّ المُسَمَّى واحِدٌ، فما تَناوَلَه النَّفْيُ تَناوَلَه في الإثْباتِ، وإنَّما لا يَبَرُّ إذا تَزَوَّجَ تَزْويجًا لا يَحْصُلُ به الغَيظُ، كما ذَكَرْناه مِن الصُّورَةِ ونَظائِرِها؛
لأنَّ مَبْنَى الأيمانِ على المَقاصِدِ والنِّيَّاتِ، ولم يَحْصُلْ مَقْصُودُه، ولأنَّ التَّزْويجَ يَحْصُلُ ههُنا حِيلَةً على التّخَلُّصِ مِن يَمِينِه بما لا يُحَصِّلُ مَقصُودَها، فلم تُقْبَلْ منه حِيلَتُه. وقد نَصَّ أحمدُ على هذا، فقال: إذا حَلَف ليَتَزَوَّجَنَّ على امرأتِه، فتَزَوَّجَ بعَجُوزٍ أو زِنْجِيّةٍ، لا يَبَرُّ؛ لأنَّه أَرادَ أن يَغِيظَها و يُغِيرَها ويَغُمَّها، وبهذا لا تَغارُ ولا تَغْتَمُّ. فعَلَّلَه أحمدُ بما يَغِيظُ به الزَّوْجَةَ، [ولم يَعْتَبِرْ أن تكونَ نَظِيرَتَها]؛ لأنَّ الغَيظَ لا يَتَوقَّفُ على ذلك،
ولو قَدَّرَ أنَّ تَزَوُّجَ العَجُوزِ يَغِيظُها والزِّنْجِيَّةِ، لَبَرَّ به، وإنَّما ذَكَرَه أحمدُ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّه لا يَغِيظُها؛ لأنَّها تَعْلَمُ أنَّه إنَّما فَعَل ذلك حِيلَةً لِئلَّا يَغِيظَها، ويَبَرَّ به.
فصل: وإن حَلَف: لا تَسَرَّيتُ. فوَطِئَ جاريَتَه، حَنِثَ. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وقال القاضِي: لا يَحْنَثُ حتَّى يَطَأَ فيُنْزِلَ، فَحْلًا كان أو خَصِيًّا.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ حتَّى يُحْصِنَها ويَحْجُبَها عن الناسِ؛ لأنَّ التَّسَرِّيَ مَأْخُوذٌ مِن السِّرِّ. [ولأصحابِ الشافعيِّ ثلاثةُ أوْجُهٍ كهذه. ولَنا، أنَّ التَّسَرِّيَ مَأخُوذٌ مِن السِّرِّ]، وهو الوَطْءُ؛ لأنَّه يكونُ في السِّرِّ، قال اللهُ تعالى:{وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا}.
وقال الشاعرُ :
فلَنْ تَطْلُبوا سِرَّها لِلْغِنَى ... ولَنْ تُسْلِمُوها لإِزْهادِهَا وقال الآخَرُ :
لقد زَعَمَتْ بَسْباسَةُ القَوْمِ أنَّنِي ... كَبِرْتُ وأنْ لا يُحْسِنَ السِّرَّ أمْثالي ولأنَّ ذلك حُكْمٌ تَعَلَّقَ بالوَطْءِ، فلم يُعْتَبَرْ فيه الإِنْزالُ ولا التَّحْصِينُ، كسائِرِ الأحْكامِ.
٤٧٢٧ - مسألة.: (إذا حَلَف لا يَصُومُ، لم يَحْنَثْ حتَّى يَصُومَ يَوْمًا) هذا إذا لم يُسَمِّ عَدَدًا، ولم ينْوه، وأقَلُّ ذلك صَوْمُ يَوْم، لا خِلافَ فيه؛ لأنَّه ليس في الشَّرْعِ صَوْمٌ مُفْرَدٌ أقَلَّ مِن يَوْم، فلَزِمَه؛ لأنَّه اليَقِينُ. ٤٧٢٨ -
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَصُومُ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَصُومَ يَوْمًا) لِأَنَّ إِمْسَاكَ بَعْضِ يَوْمٍ لَيْسَ بِصَوْمٍ شَرْعِيٍّ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَنْوِ عَدَدًا، وَأَقَلُّ ذَلِكَ يَوْمٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ صَوْمٌ مُفْرَدٌ أَقَلُّ مِنْ يَوْمِ، فَلَزِمَهُ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ،
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِشُرُوعٍ صَحِيحٍ،
وَقِيلَ: إِنْ حَنِثَ بِفِعْلٍ بعض المحلوف، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، حَكَاهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ قَوْلًا، كَقَوْلِهِ: صَوْمًا، وَكَحَلِفِهِ لَيَفْعَلَنَّهُ،
وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَدَامَ فَوَجْهَانِ
وإِنْ حلَف لا يَصُومُ، لم يَحْنَثْ حَتَّى يَصُومَ يَوْمًا. هذا أحدُ الوُجوهِ. وهو ظاهرُ ما جزَم به في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى». وقدَّمه في «الرِّعايتَين». واخْتارَه المَجْدُ في «مُحَررِه». وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «الخُلاصَةِ».
وقيل: يَحْنَثُ بالشُّروعِ الصَّحيحِ. وهو المذهبُ. اخْتارَه القاضي وغيرُه. وجنرَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»،
وقال: قاله الأصحابُ. وقيل: يَحْنَثُ بالشُّروعِ وَإنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً.
الصَّحيحِ إنْ قُلْنا: يَحْنَثُ بفِعْلِ بعضِ المَحْلُوفِ.
فائدتان؛ إحْداهما، لو حلَف لا يصُومُ صَوْمًا، لم يَحْنَثْ حتَّى يصُومَ يَوْمًا. بلا نِزاعٍ.
الثَّانيةُ، لو حلَف لا يحُجُّ، حَنِثَ بإحْرامِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: لا يَحْنَثُ إلَّا بفَراغِه مِن أرْكانِه.
قال: (وإن حلف لا يصوم لم يحنث حتى يصوم يوماً. وإن حلف لا يُصلي لم يحنث حتى يُصلي ركعة.
وقال القاضي: إن حلف لا صليتُ صلاة لم يحنث حتى يفرغ مما يقع عليه اسم الصلاة.
وإن حلف لا يُصلي حنث بالتكبير).
أما كون من حلف لا يصوم لا يحنث حتى يصوم يوماً؛
فإن إمساك بعض يوم ليس بصوم شرعي. ضرورة أنه لا يصح صوم بعض يوم.
وأما كون من حلف لا يصلي لا يحنث حتى يُصلي ركعة على قول غير القاضي؛ فلأن أقل ما ينطلق عليه اسم الصلاة ركعة.
وأما كونه يحنث بالتكبير على قول القاضي؛ فلأنه يدخل في الصلاة بذلك ويُطلق عليه أنه مصلٍ. فيجب أن يكون ما هو فيه صلاة.
والأول أصح؛ لأن ما ذكر ثانياً موجود فيمن شرع.
وأما كون من حلف لا صليتُ صلاةً لا يحنث حتى يفرغ مما يقع عليه اسم الصلاة؛ فلأنه لم يصل صلاة. فلم يكن فاعلاً لما حلف على تركه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.