وَإِنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً وَقَالَ الْقَاضِي إِنْ حَلَفَ: لَا صَلَّيْتُ صَلَاةً، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَفْرَغَ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلَاةِ
الشروح عليها
مسألة: (وإن حَلَف لا يُصَلِّي، لم يَحْنَثْ) حتَّى يَفْرُغَ مِمَّا يَقَعُ عليه اسْمُ الصلاةِ. وفيه رِوايتان؛ إحداهما، يُجْزِئُه رَكعةٌ. نَقَلَها إسماعيلُ بنُ سعيدٍ؛ لأنَّ أقَلَّ الصلاةِ رَكعةٌ،
فإنَّ الوتْرَ صلاةٌ مَشْرُوعَةٌ، وهي رَكعةٌ واحدةٌ. ورُوي عن عمرَ، رَضِي الله عنه، أنَّه تَطَوَّعَ برَكعةٍ واحدةٍ . والثانيةُ، لا يُجْزِئُه إلَّا ركْعَتانِ. وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ أقَلَّ صلاةٍ وَجَبَتْ بالشَّرْعِ رَكْعتان، فوَجَبَ حَمْلُ اليَمِينِ عليه. وقد قيل: إنَّما يَجِبُ رَكْعتان في النَّذْرِ؛ لأنَّه واجِبٌ،
أمَّا الوتْرُ فهو نَفْلٌ. ولأنَّ الرَّكْعَةَ لَا تُجْزِئُ في الفَرْضِ، فلا تُجْزِئُ في النَّفْلِ قياسًا عليه، وكالسَّجْدَةِ. وللشافعيِّ قَوْلان كالرِّوايَتَين (وقال القاضي: إن حَلَف: لا صَلَّيتُ صلاةً. لم يَحْنَثْ حتَّى يَفْرُغَ مما يَقَعُ عليه اسمُ الصلاةِ) على ما ذَكَرْنا
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً) بِسَجْدَتَيْهَا، وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلَاةِ،
وَقِيلَ: بَلَى، إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ،
وَالْمَذْهَبُ كَمَا قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَنَسَبَهُ فِي الْفُرُوعِ إِلَى الْأَصْحَابِ، أَنَّهُ يَحْنَثُ بِالشُّرُوعِ الصَّحِيحِ (وَقَالَ الْقَاضِي إِنْ حَلَفَ: لَا صَلَّيْتُ صَلَاةً، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَفْرَغَ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلَاةِ) لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُصَلٍّ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا هُوَ فِيهِ صَلَاةٌ،
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَيُشْبِهُ هَذَا مَا إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ حِضْتِ حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهَا لَا تُطَلَّقْ حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ،
وَإِنْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، طُلِّقَتْ بِأَوَّلِ الْحَيْضِ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ، فَيَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ،
وَأَمَّا الطَّوَافُ فَقَالَ الْمَجْدُ: لَيْسَ صَلَاةً مُطْلَقَةً وَلَا مُضَافَةً، لَكِنْ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ إِنَّهُ صَلَاةٌ،
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُ فِي الْحَدِيثِ: الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ مِثْلَ الصَّلَاةِ فِي الْأَحْكَامِ كُلِّهَا، إِلَّا فِيمَا اسْتَثْنَاهُ، وَهُوَ النُّطْقُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ حُكْمَ الْحَجِّ،
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ لَا يَحُجُّ حَنِثَ بِإِحْرَامِهِ بِهِ،
وَقِيلَ: بِفَرَاغِ أَرْكَانِهِ، وَيَحْنَثُ بِحَجٍّ فَاسِدٍ،
وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا فَدَامَ فَوَجْهَانِ
وإنْ حلَف لا يُصَلِّي، لم يَحْنَثْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً. يعْنِي، بسَجْدَتَيها. هذا أحدُ الوُجوهِ. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ. قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: هذا أصحُّ.
وقال القاضي: إنْ حلَف لا صَلَّيتُ صلاةً، لم يَحْنَثْ حتَّى يفْرَغَ مما يقَعُ عليه اسْمًا اصلاةِ،
وإنْ حَلَف لا يصَلِّي، حَنِثَ بالتَّكْبيرِ. وهو المذهبُ. جزَم به في «الوَجيزِ». وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «النَّظْمِ».
وقيل: يَحْنَثُ إنْ قُلْنا: حَنِثَ بفِعْلِ بعضِ المَحْلوفِ. وهو احْتِمالٌ للمُصَنِّفِ.
وقيل: لا يَحْنَثُ حتَّى تَفْرَغَ الصلاةُ، كقَوْلِه: صلاةً أو صَوْمًا. وكحَلِفِه ليَفْعَلَنَّه. اخْتارَه في «المُحَررِ».
وقيل: يَحْنَثُ بصَلاةِ رَكْعَتَين. وهو رِوايةٌ في «الشَّرْحِ»؛ لأنَّه أقَلُّ ما يقَعُ عليه اسْمُ الصَّلاةِ على وَقَال الْقَاضِي: إِنْ حَلَفَ: لَا صَلَّيتُ صَلَاةً. لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَفْرُغَ مِمَّا يَقَعُ عَلَيهِ اسْمُ الصَّلَاةِ،
وَإنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي، حَنِثَ بالتَّكْبِيرِ.
رِوايةٍ. وقال في «التَّرْغيبِ»: على الأولِ والثَّاني يُخَرَّجُ إذا أفْسَدَه.
فوائد؛ الأولَى، لو كانَ حال حَلِفِه صائمًا أو حاجًّا، ففي حِنْثِه وَجْهان. وأطْلَقَهما في «الرِّعايةِ».
قال في «الفُروعِ»: وفي حِنْثِه باسْتِدامَةِ الثَّلَاثةِ وَجْهان. يعْنِي الصَّلاةَ والصَّوْمَ والحَجَّ.
الثَّانيةُ، شمِلَ قولُه: لا يُصَلِّي. صَلاةَ الجِنازَةِ. ذكَرَه أبو الخَطَّابِ وغيرُه. واقْتَصَرَ عليه في «الفُروعِ». قال المَجْدُ وغيرُه: والطَّوافُ ليس بصَلاةٍ مُطْلَقَةٍ ولا مُضافَةٍ، فلا يقالُ: صَلاةُ الطَّوافِ.
وفي كلامِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَهُ اللهُ، الطَّوافُ صَلاةٌ.
وقال أبو الحُسَينِ وغيرُه، عن قوْلِه عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ وَإنْ حَلَفَ لَا يَهَبُ زَيدًا شَيئًا، وَلَا يُوصِي لَهُ، وَلَا يَتَصَدَّقُ عَلَيهِ، فَفَعَلَ وَلَمْ يَقْبَلْ زَيدٌ، حَنِثَ.
والسَّلامِ:«الطَّوَافُ بالبَيتِ صَلاةٌ». يُوجِبُ أنْ يكونَ الطَّوافُ بمَنْزِلَةِ الصَّلاةِ في جميعِ الأحْكامِ إلَّا فيما اسْتَثْناه؛ وهو النُّطْقُ.
وقال القاضي وغيرُه: الطَّوافُ ليس بصَلاةٍ في الحقِيقَةِ؛ لأنَّه أُبِيحَ فيه الكَلامُ والأَكْلُ، وهو مَبْنِيٌّ على المَشْي، فهو كالسَّعْي.
الثَّالثةُ، قولُه : وإِنْ حلَف لا يَهَبُ زَيدًا شَيئًا ولا يُوصِي له ولا يتَصَدَّقُ عليه، ففَعَلَ ولم يقْبَلْ زَيدٌ، حَنِثَ. بلا نِزاعٍ أعْلَمُه. لكِنْ
قال في «المُوجَزِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «التَّبْصِرَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ» مثْلَه في البَيعِ. قاله في «الفُروعِ».
والذي رأيتُه في «المُسْتَوْعِبِ»: فإنْ حلَف لا يَبيعُ، فباعَ ولم يَقْبَلِ المُشْتَرِي، لم يَحْنَثْ.
وقال القاضي مثْلَ قولِ صاحبِ «المُوجَزِ»، و «التَّبصِرَةِ» في: إنْ بِعْتُكَ فأَنْتَ حُرٌّ.
وقال في «التَّرْغيبِ»: إنْ قال الآخَرُ: إنِ اشْتَرَيتُه فهو حُرٌّ. فاشْتَراه، عَتَقَ مِن بائِعِه سابِقًا للقَبُولِ. وجزَم في «النَّظْم» وغيرِه، أنَّه إذا حلَف لا يبيعُ ولا يُؤْجِرُ ولا يُزَوِّجُ، فأوْجَبَ ولم يقْبَلِ الآخَرُ، أنَّه لا يَحْنَثُ.
وَإنْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيهِ، فَوَهَبَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَإنْ حَلَفَ لَاَ هَبُهُ، فَتَصَدَّقَ عَلَيهِ، حَنِثَ.
قال: (وإن حلف لا يهبُ زيداً شيئاً ولا يُوصي له ولا يتصدق عليه ففعل ولم يقبل زيد حنث. وإن حلف لا يتصدقُ عليه فوهبه لم يحنث. وإن حلف لا يهبهُ فتصدق عليه حنث. وإن أعارَه لم يحنث إلا عند أبي الخطاب فيهما. وإن وقفَ عليه حنث. وإن وصّى له لم يحنث. وإن باعه وحاباه حنث. ويحتمل أن لا يحنث) .
أما كون من حلف لا يهبُ زيداً شيئاً ولا يُوصي له ولا يتصدق عليه ففعل ولم يقبل زيد حنث؛ فلأنه حلف على فعل نفسه، وقد فعل ما حلف على تركه. بدليل أنه يقال: وهبه ولم يقبل هبته، ووصى له ولم يقبل وصيته، وتصدَّق عليه ولم يقبل صدقته.
وأما كون من حلف لا يتصدق عليه فوهبه لا يحنث؛ فلأنه لا يلزم من المنع من الصدقة المنع من الهبة. بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم ممنوع من الصدقة غير ممنوع من الهبة له.
وأما كون من حلف لا يهبه فتصدَّق عليه يحنث عند غير أبي الخطاب؛ فلأنه يلزمه من المنع من الهبة المنع من الصدقة.
ولأن المتصدق بشيء يقال: وهب ذلك الشيء.
وأما كونه لا يحنث عند أبي الخطاب فكما لو حلف لا يتصدق عليه فوهبه.
فإن قيل: في أي موضع قال أبو الخطاب ذلك؟
قيل: هنا في قوله بعد: إلا عند أبي الخطاب فيهما أي في العارية والهبة.
وأما كون من حلف لا يهبه فأعاره لا يحنث؛ فلأن الهبة تمليك والعارية إباحة.
وأما كونه يحنث عنده؛ فلأن العارية هبة المنفعة، وهي قائمة مقام هبة العين. بدليل صحة مقابلة المنفعة بالعوض؛ كالعين.
وأما كون من حلف لا يهبه فوقف عليه يحنث؛ فلأن الوقف على المعين في العُرف هبة.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: ويحتمل أن يخرّج ذلك على ملك الوقف: فإن قيل: يملكه حنث لمساواته الهبة، وإلا فلا؛ لعدم مساواته لها.
ولقائل أن يقول: لا يحنث وإن قيل يملكه؛ لأن الإنسان ممنوع من هبة أولاده الذكور والإناث بالسّوية وليس بممنوع من الوقف عليهم بالسوية على المنصوص. فلم يلزم من المنع من الهبة المنع من الوقف.
وأما كون من حلف لا يهبه فوصّى له لا يحنث؛ فلأن الموصُى له لا يملك إلا بالقبول بعد الموت، وبالموت تنحل اليمين.
وأما كون من حلف لا يهبه فباعه وحاباه يحنث على الأول وهو قول أبي الخطاب؛ فلأن المحاباة حكمها حكم الهبة. بدليل اعتبارها من الثلث إذا وقعت في مرض الموت.
وأما كونه يحتمل أن لا يحنث؛ فلأنها وقعت في ضمن العقد بعوض ومثل ذلك لا يعد هبة عُرفاً.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.