وَإِنْ حَلَفَ: لَا يَهَبُهُ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، حَنِثَ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَحْنَثُ
الشروح عليها
مسألة: (وإن حَلَف لا يَهَبُه، فتَصَدَّقَ عليه، حَنِثَ)
وكذلك إن أهْدَى له أو أعْمَرَه؛ لأنَّ ذلك مِن أنْواعِ الهِبَةِ،
وإن أعْطاه مِن الصَّدَقَةِ الواجِبَةِ، [أو نَذْرًا أو كَفّارَةً]، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ ذلك حَقٌّ للهِ تعالى عليه، يَجِبُ إخْراجُه، فليس هو هِبَةً منه،
فإن تَصَدَّقَ عليه تَطَوُّعًا، حَنِثَ. قاله القاضي. وهو مذهبُ الشَّافعيِّ (وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَحْنَثُ) وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّهما يَخْتَلِفان اسْمًا وحُكْمًا، بدَليلِ قولِ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم -: «هُوَ عَلَيهَا صَدَقَةٌ، ولَنا هَدِيَّةٌ». وكانتِ الصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةً عليه، والهَدِيَّةُ حَلالٌ له، ويَقْبَلُ الهدِيَّةَ ولا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ ، ومع هذا الاخْتلافِ لا يَحْنَثُ في أحَدِهما بفِعْلِ الآخَرِ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أَنه تَبَرَّعَ بعَينٍ في الحياةِ، فحَنِثَ به، كالهدِيَّةِ، ولأنَّ الصَّدَقَةَ تسَمَّى هِبَةً،
فلو تَصَدَّقَ بدِرْهَمٍ، قيلَ: وَهَب دِرْهَمًا، وتَبَرَّعَ بدِرْهَمٍ. واخْتِلافُ التَّسْمِيَةِ لكَوْنِ الصَّدَقَةِ نَوْعًا مِن الهِبَةِ، فتَخْتَصُّ باسْمٍ دونَها، كاخْتِصاصِ الهدِيَّةِ والعُمْرَى باسْمَين، ولم يُخْرِجْهُما ذلك عن كَوْنِهما هِبَةً،
وكذلك اخْتِلافُ الأحْكام، فإنَّه قد يَثْبُتُ للنَّوْعِ ما لا يَثْبُتُ للجِنْسِ، كما يَثْبُتُ للآدَمِيِّ مِن الأحكامِ ما لا يَثْبُتُ لمُطْلَقِ الحيوانِ.
٤٧٣١ -
(وَإِنْ حَلَفَ: لَا يَهَبُهُ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، حَنِثَ) لِأَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْهِبَةِ، كَمَا لَوْ أَهْدَى إِلَيْهِ، أَوْ أَعْمَرَهُ،
فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْ صَدَقَةٍ وَاجِبَةٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلَّهِ يجب إخراجه، فَلَيْسَ هُوَ هِبَةً مِنْهُ،
فَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ تَطَوُّعًا حَنِثَ، لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ أَحْمَدَ غَيْرَهُ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَحْنَثُ) هَذَا رِوَايَةٌ، لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ اسْمًا وَحُكْمًا، وَجْهُ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ تَبَرَّعَ بِعَيْنٍ فِي الْحَيَاةِ فَيَحْنَثُ بِهِ كَالْهَدِيَّةِ، وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ تُسَمَّى هِبَةً، وَاخْتِلَافُ التَّسْمِيَةِ لِكَوْنِ الصَّدَقَةِ نَوْعًا مِنَ الْهِبَةِ، فَتَخْتَصُّ بِاسْمٍ دُونَهَا، كَاخْتِصَاصِ الْهَدِيَّةِ وَالْعُمْرَى بِاسْمَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجْهُمَا ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِمَا هِبَةً
وإنْ حلَف لا يَهَبُه فتَصَدَّقَ عليه، حَنِثَ. هذا المذهبُ. وعليه أكثرُ الأصحابِ؛ منهم القاضي، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وقدَّماه. وصححه في وَقَال أبو الْخَطَّابِ: لَا يَحْنَثُ.
«الخُلاصةِ». وجزَم به في «الوَجيزِ».
قال في «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ»: هذا المذهبُ.
وقيل: لا يَحْنَثُ. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»،
وقال : هو ظاهرُ كلامِ الأمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في رِوايةِ حَنْبَلٍ. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وجزَم به الأدَمِيُّ في «مُنْتَخَبِه». وأطْلَقَهما في «المُذْهَب»، و «الفُروعِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الرِّعايتَين».
تنبيه: مَحَلُّ الخِلافِ في صدَقَةِ التَّطَوُّعِ.
أمَّا الصَّدَقةُ الواجِبَةُ والنَّذْرُ والكفَّارَةُ والضِّيافَةُ الواجِبَةُ فلا يَحْنَثُ، قوْلًا واحدًا.
وَإِنْ أعَارَهُ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا عِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.