وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ السَّفَرُ فِي يَوْمِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا يَجُوزُ لمَن تَلْزَمُه الجُمُعَةُ السَّفَرُ في يَوْمِها بعدَ الزّوالِ) وبه قال الشافعىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ. وسُئِلَ الأوْزاعِىُّ عن مُسافِرٍ سَمِع أذانَ الجُمُعَةِ وقد أسْرَجَ دابَّتهَ، فقال: ليَمْضِ في سَفَرِه؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: الجُمُعَةُ لا تَحْبِسُ عن سَفَرٍ . ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«مَنْ سَافَرَ مِنْ دَارِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ دَعَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ أنْ لَا يُصْحَبَ في سَفَرِهِ، وَلَا يُعَانَ عَلَى حَاجَتِهِ». رواه الدّارَقُطْنِىُّ في «الأفْرادِ». ولأنَّ الجُمُعَةَ قد وَجَبَتْ عليه، فلم يَجُزْ له الاشْتِغالُ بما يَمْنعُ منها، كما لو تَرَكَها لتِجارَةٍ، وما رُوِىَ عن عمرَ، فقد رُوِىَ عن ابنِه، وعائشةَ، ما يدُلُّ على كَراهِيَةِ السَّفَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فتُعارِضُ قَوْلَه، ويُمْكِنُ حَمْلُه على السَّفَرِ قبلَ الوَقتِ.
٦٣٣ -
(وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ السَّفَرُ فِي يَوْمِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ) أَيْ: بَعْدَ اللُّزُومِ قَبْلَ فِعْلِهَا رِوَايَةً وَاحِدَةً، لِتَرْكِهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ، كَمَا لَوْ تَرَكَهَا لِتِجَارَةٍ،
بِخِلَافِ غَيْرِهَا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى اسْتِقْرَارِهَا بِأَوَّلِهِ، فَلِهَذَا خَرَجَ الْجَوَازُ مَعَ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ يَحْرُمْ بِهَا لِعَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ،
وَيَجُوزُ إِذَا خَافَ فَوْتَ رُفْقَةِ سَفَرٍ مُبَاحٍ، وَقِيلَ: مَنْدُوبٌ
ولا يَجوزُ لمِنَ تَلْزَمُه الجُمُعَةُ السَّفرُ فى يومِها بعدَ الزَّوال. مُرادُه، إذا لم يخَفْ فوْتَ رُفْقَتِه،
فإنْ خافَ فوْتَهم، جازَ. قالَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والمَجْدُ، وأبو الخَطَّابِ، وغيرُهم مِنَ الأصحابِ. وقد تقدَّم ما يُعذَرُ فيه فى ترْكِ الجُمُعَةِ والجماعةِ.
فإذا لم يكن عُذْرٌ، لم يَجُزِ السَّفَرُ بعدَ الزَّوالِ، حتى يصلِّىَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، بِناءً على اسْتِقْرارِها بأوَّلِ وقْتِ
وَيَجُوزُ قَبْلَهُ. وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ لِلْجِهَادِ خَاصَّةً.
وُجوبِها. قال فى «الفُروعِ»: فلهذا خرَج الجَوازُ مع الكَراهَةِ، ما لم يُحرِمْ، لعدَمِ الاسْتِقْرارِ.
قال: (ولا يجوز لمن تلزمه الجمعة السفر في يومها بعد الزوال. ويجوز قبله. وعنه: لا يجوز. وعنه: يجوز للجهاد خاصة) .
أما كون السفر لمن تلزمه الجمعة بعد الزوال لا يجوز قبل فعلها؛ فلأن ابن عمر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من سافر من دار إقامة يوم الجمعة دعت عليه الملائكة أن لا يُصحب في سفره ولا يعان على حاجته». رواه الدارقطني.
وهذا وعيد وتهديد يدل على التحريم.
ولأن الصلاة تجب بأول الوقت، وفعل الجمعة يجب مع الإمام فالسفر مفض إلى تفويتها
بخلاف بقية الصلوات.
ولأن السفر يشغله عن الجمعة بعد دخول وقتها فلم يجز كالتجارة.
وأما كونه يجوز قبل الزوال على المذهب؛ فلما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه سافر يوم الجمعة».
و«رأى عمر رجلاً بهيئة السفر وهو يقول: لولا الجمعة لسافرت. فقال: اخرج فإن الجمعة لا تمنع عن سفر».
فيجب حمل حديث ابن عمر على ما بعد الزوال. وهذا على ما قبله جمعاً بينهما.
وأما كونه لا يجوز على روايةٍ؛ فلأن هذا وقت يلزم من كان على فرسخ السعي إلى الجمعة فوجب أن لا يجوز لمن في البلد السفر بطريق الأولى.
ولأنه دخل وقت حرمة الجمعة بدليل الاعتداد بالغسل وأنه يسن التبكير فلم يجز التسبب إلى تفويتها.
وأما كونه يجوز للجهاد خاصة على روايةٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم جهز جيش مؤتة يوم الجمعة. ووجه زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبدالله بن رواحة وأذن لهم في الخروج قبل الصلاة. فتخلف عنهم عبدالله بن رواحة لصلاة الجمعة. فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما خلّفك؟ فقال: الجمعة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لَغَدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها. قال: فراح منطلقاً» رواه أحمد.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.