فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (ويَجُوزُ الكَلامُ قبلَ الخُطْبَةِ وبعدَها. وعنه، يَجُوزُ فيها) يَجُوزُ الكَلامُ قبلَ الخُطْبَةِ، وبعدَ فَراغِه منها، مِن غيرِ كَراهَةٍ. وبهذا قال عَطَاءٌ، وطاوُسٌ، والزُّهْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، ومحمدٌ. ورُوِى عن ابنِ عمرَ، وكَرِهَه الحَكَمُ.

٤٬٧٩٨

وقال أبو حنيفةَ: إذا خَرَج الإِمامُ حَرُم الكَلامُ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ كانا يَكْرَهان الكَلامَ والصلاةَ بعدَ خُروج الإِمامِ، ولا مُخالِفَ لهم في الصحابةِ. ولَنا، ما روَى ثَعْلَبَةُ بنُ مالكٍ، أنَّهم كانُوا يَتَحَدَّثُونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وعمرُ جالِسٌ على المِنْبَرِ،

٤٬٧٩٩

فإذا سَكَت المُؤَذِّنُ، وقام عمرُ، لم يَتَكُلَّمْ أحَدٌ حتى يَقْضِىَ الخُطْبَةَ،

٤٬٨٠٠

فإذا قامَتِ الصلاةُ، ونَزَل عمرُ تَكَلَّمُوا . وهذا يَدُلُّ على شُهْرَةِ الأمْرِ بينَهم، ولأنَّ قولَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أنْصِت، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ». يَدُلُّ على تَخْصِيصِه بوَقْتِ الخُطْبَةِ، ولأنَّ الكَلامَ إنَّما حُرِّمَ لأجْلِ الإِنْصاتِ للخُطْبَةِ، ولا وَجْهَ لتَحْرِيمِه مع عَدَمِها. وقَوْلُهم: لا مُخالِفَ لهما في الصحابةِ. قد ذَكَرْنا عن عُمُومِهم خِلافَ ذلك.

٤٬٨٠١

فصل: فأمَّا الكَلامُ في الجَلْسَةِ بينَ الخُطْبَتَيْن، فيَحْتَمِلُ جَوازُه؛ لِما ذَكْرَنا. وهذا قولُ الحسنِ. ويَحْتَمِلُ المَنْعُ. وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ، والأوْزاعِىِّ، وإسْحاقَ؛ لأنَّه سُكُوتٌ يَسِيرٌ في أثْناءِ الخُطْبَتَيْن، أشْبَهَ السُّكُوتَ للتَّنَفُّسِ.

٤٬٨٠٢

وإذا بَلَغ الخَطِيبُ إلى الدُّعاءِ، فهل يَجُوزُ الكَلامُ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، الجَوازُ؛ لأنَّه فَرَغ مِن الخُطْبَةِ، أشْبَهَ ما لو نَزَل. والثَّانِى، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه تابعٌ للخُطْبَةِ، فيَثْبُتُ له ما ثَبَت لها، كالتَّطْوِيلِ في المَوْعِظَةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان دُعاءً مَشْرُوعًا، كالدُّعاءِ للمُؤْمِنينَ والمُؤْمِناتِ، والإِمامِ العادِلِ أنْصَتَ،

٤٬٨٠٣

وإن كان لغيرِه لم يَلْزَمِ الإِنْصاتُ؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ له.

فصل: ويُكْرَهُ العَبَثُ والإِمامُ يَخْطُبُ،

٤٬٨٠٤

لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَمَنْ مَسَّ الحَصَا فَقَدْ لَغَا» . قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيث صَحِيحٌ. واللَّغْوُ: الإِثْمُ، قال اللَّهُ تعالى:{وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}. ولأنَّ العَبَثَ يَمْنَعُ الخُشُوعَ ويُكْسِبُ الإثْمَ.

٤٬٨٠٥

ويُكْرَهُ أن يَشْرَبَ والإِمامُ يَخْطُبُ، إذا كان يَسْمَعُ. وبه قال مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ. ورَخَّصَ فيه مُجاهِدٌ، وطاوُسٌ، والشافعىُّ؛ لأنَّه لا يَشْغَلُ عن السَّماعِ. ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّه فِعْلٌ يَشْتَغِلُ به، أشْبَهَ مَسَّ الحَصا،

٤٬٨٠٦

فإن كان لا يَسْمَعُ لم يُكْرَه. نَصَّ عليه؛ لأنَّه لا يَسْمَعُ فلا يَشْتَغِلُ به.

فصل: قال الإِمامُ أحمدُ: لا يَتَصَدَّقُ على السُّؤَّالِ والإِمامُ يَخْطُبُ؛ لأنَّهم فَعَلُوا ما لا يَجُوزُ، فلا يُعِينُهُم عليه.

٤٬٨٠٧

قال الإِمامُ أحمدُ: وإن حَصَبَه كان أعْجَبَ إلىَّ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ رَأى سائِلًا يَسْأَلُ والإِمامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فحَصَبَه.

٤٬٨٠٨

قِيلَ للإِمامِ أحمدَ: فإن تَصَدَّقَ عليه إنْسانٌ، فناوَلَه والإِمامُ يَخْطُبُ؟ قال: لا.

٤٬٨٠٩

قِيلَ: فإن سَأَل قبلَ خُطْبَةِ الإِمامِ ثم جَلَس، فأعْطانِى رجلٌ صَدَقَةً أُناوِلُه إيّاها؟ قال: نعم، هذا لم يَسْأَلْ والإِمامُ يَخْطُبُ.

فصل: ولا بَأْسَ بالاحْتِباءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ والإِمامُ يَخْطُبُ، رُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وجماعةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإليه ذَهَب عامَّةُ أهلِ العِلْمِ؛ منهم، مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأى.

٤٬٨١٠

وقال أبو داودَ: لم يَبْلُغْنِى أنَّ أحَدًا كَرِهَه إلَّا عُبادَةَ بنَ نُسَىٍّ ؛ لأنَّ سَهْلَ ابنَ مُعاذٍ روَى، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الْحَبْوَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ والإِمامُ يَخْطُبُ. رَواه أبو داودَ . ولَنا، ما روَى يَعْلَى بنُ شَدَّادِ بنِ أوْسٍ، قال: شَهِدْتُ مع مُعَاوِيَةَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، فجَمَّعَ بنا، فنَظَرْتُ فإذا جُلُّ مَن في المَسْجِدِ أصحابُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فرَأَيْتُهُم مُحْتَبِينَ والإِمامُ يَخْطُبُ . وفَعَلَه ابنُ عمرَ، وأنَسٌ، ولا نَعْرِفُ لهما مُخالِفًا، فكان إجْماعًا، والحَدِيثُ في إسْنادِه مَقَالٌ.

قالَه ابنُ المُنْذِرِ: والأَوْلَى تَرْكُه لأجْلِ الحديثِ،

٤٬٨١١

وإن كان ضَعِيفًا، لأنَّه يَصِيرُ به مُتَهَيِّئًا للنَّوْمِ والسُّقُوطِ وإسْقاطِ الوُضُوءِ، ويُحمَلُ النَّهْىُ في الخَبَرِ على الكَراهَةِ، وأحْوالُ الصحابةِ الذين فَعَلُوه على أنَّه لم يَبْلُغْهُم الخَبَرُ.

فصل: قال الإِمامُ أحمدُ: إذا كان يَقْرَءُونَ الكِتابَ يَوْمَ الجُمُعَةِ على النَّاسِ بعدَ الصَّلاةِ، أعْجَبُ إلىَّ أن يَسْمَعَ إذا كان فَتْحًا مِن فُتُوحِ المُسْلمين، أو كان فيه شئٌ مِن أُمُورِ المسلمينَ،

٤٬٨١٢

وإن كان شئٌ إنَّما فيه ذِكْرُهُم فلا يَسْتَمِعْ.

٤٬٨١٣

وقال في الذين يُصَلُّونَ في الطُّرُقَاتِ: إذا لم يَكُنْ بينَهم بابٌ مُغْلَقٌ فلا بَأْسَ. وسُئِلَ عمَّن صَلَّى خارجَ المَسْجِدِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، والأبْوابُ مُغْلَقَةٌ، قال: أرْجُو أن لا يكُونَ به بَأْسٌ. وسُئِلَ عن الرجلِ يُصَلِّى يَوْمَ الجُمُعَةِ، وبينَه وبينَ الإِمامِ سُتْرَةٌ. قال: إذا لم يَقدِرْ على غيرِ ذلك. يَعْنِى يُجْزِئُه.

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَيَجُوزُ الْكَلَامُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَبَعْدَهَا) مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، لِمَا رَوَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَعُمَرُ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ،

٤٬٧٨٩

فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ عُمَرُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، حَتَّى يَقْضِيَ الْخُطْبَتَيْنِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ،

الإنصافالمرداوي

ويَجوزُ الكَلامُ قبلَ الخُطْبَةِ وبعدَها. يعْنِى، مِن غيرِ كراهَةٍ. وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، ونصَّ عليه.

٨٬٦٨٧

وقيل: يُكْرَهُ.

فوائد؛ منها، يَحْرُمُ ابْتِداءُ النَّافِلَةِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.

٨٬٦٨٨

وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَحْرُمُ على مَن لم يَسْمَعْها. وجزَم به فى «المُذْهَبِ» وغيرِه.

٨٬٦٨٩

وقيل: يُكْرَهُ. فعلى المذهبِ، قال فى «الفُروعِ»: فى كلامِ بعضِ الأصحابِ، يتَعلَّقُ التَّحْريمُ بجُلوسِه على المِنْبَرِ.

٨٬٦٩٠

قلتُ: جزَم به فى «الكافِى»، و «النَّظْمِ»، و «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، و «ابنِ حَمْدانَ»، و «ابنِ تَميمٍ». وفى كلامِ بعضِهم، يتَعَلَّقُ بخروجِه. وقطَع به أبو المَعالِى. قالَه فى «الفُروعِ». وهو الأشْهَرُ فى الأخْبارِ،

٨٬٦٩١

ولو لم يشْرَعْ فى الخُطْبَةِ. وظاهرُ كلامِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بعضِهم، لا. وفى «الخِلافِ» للقاضى وغيرِه،

٨٬٦٩٢

ويُكْرَهُ ابْتداءُ التَّطَوُّعِ بخُروجِه. قال فى «الفُروعِ»، وظاهرُ كلامِهم، لا تحْريمَ إنْ لم يَحْرُمِ الكَلامُ فيها. قال: وهو مُتَّجَهٌ،

٨٬٦٩٣

فلو كان فى الصَّلاةِ وخرَج الإِمامُ، خفَّفَه.

٨٬٦٩٤

فلو نوَى أرْبعًا صلَّى رَكْعَتَيْن. قال المَجْدُ: يتَعَيَّنُ ذلك،

٨٬٦٩٥

بخِلافِ السُّنَّةِ. ومنها، يجوزُ لمَن بَعُدَ عنِ الخَطيبِ ولم يَسْمَعْه، الاشْتِغالُ بالقِراءةِ والذِّكْرِ خُفْيَةً، وفِعْلُه أفْضَلُ. نصَّ عليه؛ فيَسْجُدُ للتِّلاوَةِ.

٨٬٦٩٦

وقال ابنُ عَقِيلٍ فى «الفُصولِ»: إنْ بعُدوا فلم يسْمَعوا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

صوْتَه، جازَ لهم إقْراءُ القُرْآنِ والمُذاكَرَةُ فى العِلْمِ.

٨٬٦٩٧

وقيل: لا. ومنها، يُكْرَهُ العَبَثُ حالَةَ الخُطْبَةِ.

٨٬٦٩٨

وكذا شُرْبُ الماءِ إنْ سَمِعَها.

٨٬٦٩٩

وقالَ المَجْدُ: يُكْرَهُ ما لم يشْتَدَّ عطَشُه. وجزَم أبو المَعالِى بأنَّ شُرْبَه إذا اشْتَدَّ عطَشُه أوْلَى.

٨٬٧٠٠

وقال فى «النَّصيحَةِ»: إنْ عَطِشَ فشَرِبَ، فلا بأْسَ. قال فى «الفُصولِ»: وكَرِهَ جماعةٌ مِنَ العُلَماءِ شُرْبَه بِقِطْعَةٍ بعدَ الأَذانِ؛ لأنَّه بَيْعٌ مَنهىٌّ عنه، وأكْلُ مالٍ بالباطِلِ.

٨٬٧٠١

قال: وكذا شُرْبُه على أنْ يُعْطِيَه الثَّمَنَ بعدَ الصَّلاةِ؛ لأنَّه بَيْعٌ. قال فى «الفُروعِ»: فأطْلقَ. قال: ويتَوجَّهُ يجوزُ للحاجَةِ، دَفْعًا للضَّرورَةِ، وتحْصيلًا لاسْتِماعِ الخُطْبَةِ. انتهى.

٨٬٧٠٢

وقال ابنُ تَميمٍ: ولا بأْسَ بشِراءِ ماء للطَّهارَةِ بعدَ أذانِ الجُمُعَةِ. وقالَه فى «الرِّعايَةِ» وغيرِه. وزادَ،

٨٬٧٠٣

وكذا شِراءُ السُّتْرَةِ. ويأْتِى أحْكامُ البَيْعِ بعدَ النِّداءِ، فى كتابِ البَيْعِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالَى.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

كلامه على هذه المسألة مع المسألة ٧٤٧ قبلها

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.