الإجارة والجعالة
المعاملات
هذه نصوص المتون كما هي، وليست مقارنة.للمقارنة: مسائل الخلاف في هذا الباب
في متون المذاهب الأربعة
-
(الْإِجَارَةُ: عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ)
-
كَاسْتِئْجَارِ الْمُحْتَرِفِينَ لِلْأَعْمَالِ نَحْوِ الْقِصَارَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَنَحْوِهِمَا.
-
وَمِنْ مَحَاسِنِهَا دَفْعُ الْحَاجَةِ بِقَلِيلٍ مِنْ الْبَدَلِ،
-
فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَارٍ يَسْكُنُهَا وَحَمَّامٍ يَغْتَسِلُ فِيهَا وَإِبِلٍ تَحْمِلُ أَثْقَالَهُ إلَى بَلَدٍ لَمْ يَكُنْ يَبْلُغُهُ إلَّا بِمَشَقَّةِ النَّفْسِ. وَسَبَبُهَا مَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنْ تَعَلُّقِ الْبَقَاءِ الْمَقْدُورِ بِتَعَاطِيهَا.
-
وَأَمَّا شَرْطُهَا فَمَعْلُومِيَّةُ الْبَدَلَيْنِ.
-
وَأَمَّا رُكْنُهَا فَالْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ بِلَفْظَيْنِ مَاضِيَيْنِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ لِعَقْدِ الْإِجَارَةِ.
-
وَأَمَّا حُكْمُهَا وَدَلِيلُ شَرْعِيَّتِهَا فَسَيُذْكَرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ (الْإِجَارَةُ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ إلَخْ) بَيْنَ الْمَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ
-
لِأَنَّ الْإِجَارَةَ فِي اللُّغَةِ بَيْعُ الْمَنَافِعِ،
-
قَبْلَ اللُّغَوِيِّ لِأَنَّ اللُّغَوِيَّ هُوَ الشَّرْعِيُّ بِلَا مُخَالَفَةٍ وَهُوَ فِي بَيَانِ شَرْعِيَّتِهَا، فَالشَّرْعِيُّ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ. وَلَمَّا كَانَتْ عِبَارَةً عَنْ تَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ وَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي الْحَالِ لَمْ يَقْتَضِ الْقِيَاسُ جَوَازَهَا، إلَّا أَنَّهَا جُوِّزَتْ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بِالْأَثَرِ لِحَاجَةِ النَّاسِ فَكَانَ اسْتِحْسَانًا بِالْأَثَرِ،
-
وَمِنْ الْآثَارِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّتِهَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» فَإِنَّ الْأَمْرَ بِإِعْطَاءِ الْأَجْرِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ. وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» فِيهِ وَزِيَادَةُ
-
وَالْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ وَهِيَ مَعْدُومَةٌ، وَإِضَافَةُ التَّمْلِيكِ إلَى مَا سَيُوجَدُ لَا يَصِحُّ إلَّا أَنَّا جَوَّزْنَاهُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ، وَقَدْ شَهِدَتْ بِصِحَّتِهَا الْآثَارُ وَهُوَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» وَتَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ الْمَنْفَعَةِ، وَالدَّارُ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ فِي حَقِّ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَيْهَا لِيَرْتَبِطَ الْإِيجَابُ بِالْقَبُولِ،
-
بَيَانِ أَنَّ مَعْلُومِيَّةَ الْأَجْرِ شَرْطُ جَوَازِهَا (وَتَنْعَقِدُ الْإِجَارَةُ سَاعَةً فَسَاعَةً عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ الْمَنَافِعِ) لِأَنَّهَا هِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، فَالْمِلْكُ فِي الْبَدَلَيْنِ أَيْضًا يَقَعُ سَاعَةً فَسَاعَةً لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ تَقْتَضِي التَّسَاوِيَ، وَالْمِلْكُ فِي الْمَنْفَعَةِ يَقَعُ سَاعَةً فَسَاعَةً عَلَى حَسَبِ حُدُوثِهَا فَكَذَا فِي بَدَلِهَا وَهُوَ الْأُجْرَةُ.
-
فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ رُجُوعُ الْمُسْتَأْجِرِ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَنْعَقِدَ الْعَقْدُ فِيهَا،
-
وَإِذَا اسْتَأْجَرَ شَهْرًا مَثَلًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِلَا عُذْرٍ.
-
أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَالدَّارُ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ فِي حَقِّ إضَافَةِ الْعَقْدِ لِيَرْتَبِطَ الْإِيجَابُ بِالْقَبُولِ) إلْزَامًا لِلْعَقْدِ فِي الْمِقْدَارِ الْمُعَيَّنِ،
-
ثُمَّ عَمَلُهُ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمَنْفَعَةِ مِلْكًا وَاسْتِحْقَاقًا حَالَ وُجُودِ الْمَنْفَعَةِ.
-
(وَلَا تَصِحُّ حَتَّى تَكُونَ الْمَنَافِعُ مَعْلُومَةً، وَالْأُجْرَةُ مَعْلُومَةً) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَبَدَلِهِ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ كَجَهَالَةِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ فِي الْبَيْعِ (وَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ جَازَ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةً فِي الْإِجَارَةِ) ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ ثَمَنُ الْمَنْفَعَةِ، فَتُعْتَبَرُ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ.
-
ثُمَّ يَظْهَرُ عَمَلُ الْعَقْدِ وَأَثَرُهُ فِي حَقِّ الْمَنْفَعَةِ) يَعْنِي يَتَرَاخَى حُكْمُ اللَّفْظِ إلَى حِينِ وُجُودِ الْمَنْفَعَةِ (مِلْكًا وَاسْتِحْقَاقًا) يَعْنِي يَثْبُتَانِ مَعًا (حَالَ وُجُودِ الْمَنْفَعَةِ)
-
بِخِلَافِ بَيْعِ الْعَيْنِ، فَإِنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَبِيعِ يَثْبُتُ فِي الْحَالِ وَيَتَأَخَّرُ الِاسْتِحْقَاقُ إلَى نَقْدِ الثَّمَنِ، وَجَازَ أَنْ يَنْفَصِلَ حُكْمُ الْعَقْدِ عَنْهُ كَمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ
-
(وَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ حَتَّى تَكُونَ الْمَنَافِعُ مَعْلُومَةً وَالْأُجْرَةُ مَعْلُومَةً لِمَا رَوَيْنَا) مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» فَإِنَّهُ كَمَا يَدُلُّ بِعِبَارَتِهِ عَلَى كَوْنِ مَعْلُومِيَّةِ الْأُجْرَةِ شَرْطًا يَدُلُّ بِدَلَالَتِهِ عَلَى اشْتِرَاطِ مَعْلُومِيَّةِ الْمَنَافِعِ، لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ هُوَ الْمَنَافِعُ وَهُوَ الْأَصْلُ، وَالْمَعْقُودُ بِهِ وَهُوَ الْأُجْرَةُ كَالتَّبَعِ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ،
-
فَإِذَا كَانَ مَعْلُومِيَّةُ التَّبَعِ شَرْطًا كَانَ مَعْلُومِيَّةُ الْأَصْلِ أَوْلَى بِذَلِكَ (وَلِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَبَدَلِهِ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ كَجَهَالَةِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ فِي الْبَيْعِ) وَهُوَ وَاضِحٌ، وَمَا صَلُحَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ صَلُحَ
-
وَمَا لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا يَصْلُحُ أُجْرَةً أَيْضًا كَالْأَعْيَانِ.
-
أَنْ يَكُونَ أُجْرَةً، لِأَنَّ الْأُجْرَةَ ثَمَنُ الْمَنْفَعَةِ فَتُعْتَبَرُ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ وَلَيْسَ كُلُّ مَا يَصْلُحُ ثَمَنًا لَا يَصْلُحُ أُجْرَةً، لِأَنَّ بَعْضَ مَا لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا كَالْأَعْيَانِ الَّتِي هِيَ لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ مَثَلًا إذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً صَلُحَ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةً، كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا بِثَوْبٍ مُعَيَّنٍ وَإِنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمُقَايَضَةَ بَيْعٌ وَلَيْسَ فِيهَا إلَّا الْعَيْنُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ،
-
فَلَوْ لَمْ تَصْلُحْ الْعَيْنُ ثَمَنًا كَانَتْ بَيْعًا بِلَا ثَمَنٍ وَهُوَ بَاطِلٌ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ النَّظَرَ عَلَى الْمِثَالِ لَيْسَ مِنْ دَأْبِ الْمُنَاظِرِينَ،
-
فَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ صَحِيحًا جَازَ أَنْ يُمَثَّلَ بِمِثَالٍ آخَرَ فَلْيُمَثِّلْ بِالْمَنْفَعَةِ فَإِنَّهَا تَصْلُحُ أُجْرَةً إذَا اخْتَلَفَ جِنْسُ الْمَنَافِعِ، كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ سُكْنَى دَارٍ بِرُكُوبِ دَابَّةٍ وَلَا
-
فَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَنْفِي صَلَاحِيَّةَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مَالِيٌّ (وَالْمَنَافِعُ تَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِالْمُدَّةِ كَاسْتِئْجَارِ الدُّورِ، لِلسُّكْنَى وَالْأَرْضِينَ لِلزِّرَاعَةِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ أَيِّ مُدَّةٍ كَانَتْ) ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ إذَا كَانَتْ مَعْلُومَةً كَانَ قَدْرُ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا مَعْلُومًا إذَا كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ لَا تَتَفَاوَتُ.
-
وَقَوْلُهُ أَيِّ مُدَّةٍ كَانَتْ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ طَالَتْ الْمُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ لِكَوْنِهَا مَعْلُومَةً وَلِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا عَسَى،
-
تَصْلُحُ ثَمَنًا أَصْلًا (قَوْلُهُ فَهَذَا اللَّفْظُ) يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ وَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ إلَخْ (لَا يَنْفِي صَلَاحِيَّةَ غَيْرِهِ) كَمَا ذَكَرْنَا (لِأَنَّهُ عِوَضٌ مَالِيٌّ) فَيَعْتَمِدُ وُجُودَ الْمَالِ وَالْأَعْيَانُ وَالْمَنَافِعُ أَمْوَالٌ فَجَازَ أَنْ تَقَعَ أُجْرَةً. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الثَّمَنُ عِوَضٌ مَالِيٌّ إلَخْ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الثَّمَنَ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ مِمَّا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ فَيَخْتَصُّ بِذَلِكَ كَالنُّقُودِ وَالْمُقَدَّرَاتِ الْمَوْصُوفَةِ الَّتِي تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ بِخِلَافِ الْأُجْرَةِ.
-
قَالَ (وَالْمَنَافِعُ تَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِالْمُدَّةِ إلَخْ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً فِي الْإِجَارَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مَا تَكُونُ بِهِ مَعْلُومَةً، فَتَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِالْمُدَّةِ كَاسْتِئْجَارِ الدُّورِ لِلسُّكْنَى وَالْأَرَاضِي لِلزِّرَاعَةِ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَكَائِنَةً مَا كَانَتْ، لِأَنَّ الْمُدَّةَ إذَا كَانَتْ مَعْلُومَةً كَانَ مِقْدَارُ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا مَعْلُومًا فَتَصِحُّ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُتَفَاوِتَةٍ بِأَنْ سَمَّى مَا يَزْرَعُ فِيهَا.
-
فَإِنَّ مَا يُزْرَعُ فِيهَا مُتَفَاوِتٌ،
-
فَإِذَا لَمْ يُعَيِّنْ أَفْضَى إلَى النِّزَاعِ الْمُفْسِدِ لِلْعَقْدِ.
-
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ طَوِيلِ الْمُدَّةِ وَقَصِيرِهَا عِنْدَنَا إذَا كَانَتْ بِحَيْثُ يَعِيشُ إلَيْهَا الْعَاقِدَانِ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ الَّتِي جَوَّزَتْ الْإِجَارَةَ لَهَا قَدْ تَمَسُّ إلَى ذَلِكَ، وَهِيَ مُدَّةٌ مَعْلُومَةٌ يُعْلَمُ بِهَا مِقْدَارُ الْمَنْفَعَةِ فَكَانَتْ صَحِيحَةً كَالْأَجَلِ فِي الْبَيْعِ،
-
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ بِحَيْثُ لَا يَعِيشُ إلَيْهَا أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ الظَّنَّ فِي ذَلِكَ عَدَمُ الْبَقَاءِ إلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ وَالظَّنُّ مِثْلُ التَّيَقُّنِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ فَصَارَتْ الْإِجَارَةُ مُؤَبَّدَةً مَعْنًى وَالتَّأْبِيدُ يُبْطِلُهَا. وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ مِنْهُمْ الْخَصَّافُ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي هَذَا الْبَابِ بِصِيغَةِ كَلَامِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَأَنَّهُ يَقْتَضِي التَّوْقِيتَ،
-
وَلَا مُعْتَبَرَ بِمَوْتِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا قَبْلَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَحَقَّقُ
-
إلَّا أَنَّ فِي الْأَوْقَافِ لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ الطَّوِيلَةُ كَيْ لَا يَدَّعِيَ الْمُسْتَأْجِرُ مِلْكَهَا وَهِيَ مَا زَادَ عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ هُوَ الْمُخْتَارُ. قَالَ: (وَتَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِنَفْسِهِ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا عَلَى صَبْغِ ثَوْبِهِ أَوْ خِيَاطَتِهِ أَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً؛ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مِقْدَارًا مَعْلُومًا أَوْ يَرْكَبَهَا مَسَافَةً سَمَّاهَا) ؛
-
لِأَنَّهُ إذَا بَيَّنَ الثَّوْبَ وَلَوْنَ الصَّبْغِ وَقَدْرَهُ وَجِنْسَ الْخِيَاطَةِ وَالْقَدْرَ الْمَحْمُولَ وَجِنْسَهُ وَالْمَسَافَةَ صَارَتْ الْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً فَيَصِحُّ الْعَقْدُ،
-
فِي مُدَّةٍ يَعِيشُ إلَيْهَا الْإِنْسَانُ غَالِبًا وَلَمْ يُعْتَبَرْ، كَمَا إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً إلَى مِائَةِ سَنَةٍ فَإِنَّهُ مُتْعَةٌ وَلَمْ يُجْعَلْ بِمَنْزِلَةِ التَّأْبِيدِ لِيَصِحَّ النِّكَاحُ وَإِنْ كَانَ لَا يَعِيشُ إلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ غَالِبًا وَجُعِلَ ذَلِكَ نِكَاحًا مُؤَقَّتًا اعْتِبَارًا لِلصِّيغَةِ (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّ فِي الْأَوْقَافِ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ: أَيَّ مُدَّةٍ كَانَتْ، وَإِنَّمَا لَا تَجُوزُ فِي الْأَوْقَافِ الْإِجَارَةُ إلَى مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَهِيَ مَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ هُوَ الْمُخْتَارُ كَيْ لَا يَدَّعِيَ الْمُسْتَأْجِرُ مِلْكَهَا، هَذَا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْوَاقِفُ أَنْ لَا يُؤَاجِرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ،
-
وَأَمَّا إذَا شَرَطَ فَلَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ،
-
فَإِنْ كَانَتْ مَصْلَحَةُ الْوَقْفِ تَقْتَضِي ذَلِكَ يُرْفَعُ إلَى الْحَاكِمِ حَتَّى يَحْكُمَ بِجَوَازِهَا. (وَتَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِنَفْسِهِ) أَيْ بِنَفْسِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا عَلَى صَبْغِ ثَوْبِهِ وَبَيَّنَ الثَّوْبَ وَلَوْنَ الصَّبْغِ وَقَدْرِهِ، أَوْ اسْتَأْجَرَ خَيَّاطًا عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبِهِ وَبَيْنَ الثَّوْبِ وَجِنْسِ الْخِيَاطَةِ، أَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِلْحَمْلِ أَوْ الرُّكُوبِ وَبَيَّنَ جِنْسَ الْمَحْمُولِ وَقَدْرِهِ وَالْمَسَافَةَ وَتَارَةً تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِالتَّعْيِينِ وَالْإِشَارَةِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
-
وَرُبَّمَا يُقَالُ: الْإِجَارَةُ قَدْ تَكُونُ عَقْدًا عَلَى الْعَمَلِ كَاسْتِئْجَارِ الْقَصَّارِ وَالْخَيَّاطِ،
-
وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَعْلُومًا وَذَلِكَ فِي الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ، وَقَدْ تَكُونُ عَقْدًا عَلَى الْمَنْفَعَةِ كَمَا فِي أَجِيرِ الْوَحْدِ،
-
وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْوَقْتِ. قَالَ: (وَتَارَةً تَصِيرُ الْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً بِالتَّعْيِينِ وَالْإِشَارَةِ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا، لِيَنْقُلَ لَهُ هَذَا الطَّعَامَ إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَرَاهُ مَا يَنْقُلُهُ وَالْمَوْضِعَ الَّذِي يَحْمِلُ إلَيْهِ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ مَعْلُومَةً فَيَصِحُّ الْعَقْدُ.
-
(بَابُ الْأَجْرِ مَتَى يُسْتَحَقُّ)
-
لَمَّا كَانَتْ الْإِجَارَةُ تُخَالِفُ غَيْرَهَا فِي تَخَلُّفِ الْمِلْكِ عَنْ الْعَقْدِ بِلَا خِيَارِ شَرْطٍ وَجَبَ إفْرَادُهَا بِبَابٍ عَلَى حِدَةٍ لِبَيَانِ وَقْتِ التَّمَلُّكِ
-
قَالَ: (الْأُجْرَةُ لَا تَجِبُ بِالْعَقْدِ وَتُسْتَحَقُّ بِأَحَدِ مَعَانٍ ثَلَاثَةٍ: إمَّا بِشَرْطِ التَّعْجِيلِ، أَوْ بِالتَّعْجِيلِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ،
-
وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ. قَالَ (الْأُجْرَةُ لَا تَجِبُ بِالْعَقْدِ إلَخْ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: الْأُجْرَةُ لَا تَجِبُ بِالْعَقْدِ؛ مَعْنَاهُ لَا يَجِبُ تَسْلِيمُهَا وَأَدَاؤُهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ لِأَنَّ نَفْيَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ التَّمَلُّكِ كَالْمَبِيعِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَلَا يَجِبُ تَسْلِيمُهُ مَا لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ.
-
وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ لَا تُمْلَكُ لِأَنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ أَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تُمْلَكُ، وَمَا لَا يُمْلَكُ لَا يَجِبُ إيفَاؤُهُ.
-
فَإِنْ قُلْت: فَإِذَا لَمْ يَسْتَلْزِمْ نَفْيُ الْوُجُوبِ نَفْيَ التَّمَلُّكِ كَانَ أَعَمَّ مِنْهُ، وَإِرَادَةُ الْأَخَصِّ لَيْسَ بِمَجَازٍ شَائِعٍ لِعَدَمِ دَلَالَةِ الْأَعَمِّ عَلَيْهِ أَصْلًا. قُلْت: أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ مِمَّا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، وَنَفْيُ الْوُجُوبِ فِيهَا وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ
-
أَوْ بِاسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُمْلَكُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ الْمَعْدُومَةَ صَارَتْ مَوْجُودَةً حُكْمًا ضَرُورَةَ تَصْحِيحِ الْعَقْدِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْبَدَلِ. وَلَنَا أَنَّ الْعَقْدَ يَنْعَقِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ الْمَنَافِعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالْعَقْدُ مُعَاوَضَةٌ،
-
وَمِنْ قَضِيَّتِهَا الْمُسَاوَاةُ، فَمِنْ ضَرُورَةِ التَّرَاخِي فِي جَانِبِ الْمَنْفَعَةِ التَّرَاخِي
-
نَفْيَ التَّمَلُّكِ لَا مَحَالَةَ، وَعَلَى هَذَا كَانَ قَوْلُهُ يُسْتَحَقُّ بِمَعْنَى يَمْلِكُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا كُلِّهِ.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُمْلَكُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مَحَلُّ الْخِلَافِ مُتَّحِدًا، وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ الْمَعْدُومَةَ صَارَتْ مَوْجُودَةً ضَرُورَةَ تَصْحِيحِ الْعَقْدِ وَلِهَذَا صَحَّتْ الْإِجَارَةُ بِأُجْرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ وَلَوْ لَمْ تُجْعَلْ مَوْجُودَةً كَانَ دَيْنًا بِدَيْنٍ وَهُوَ حَرَامٌ لَا مَحَالَةَ،
-
وَإِذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً وَجَبَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ بِالْعَقْدِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْبَدَلِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: الثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ لَا يَتَعَدَّى مَوْضِعَهَا فَلَا يَتَعَدَّى مِنْ صِحَّةِ
-
فِي الْبَدَلِ الْآخَرِ. وَإِذَا اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الْأَجْرِ لِتَحَقُّقِ التَّسْوِيَةِ.
-
وَكَذَا إذَا شَرَطَ التَّعْجِيلَ أَوْ عَجَّلَ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ تُثْبِتُ حَقًّا لَهُ وَقَدْ أَبْطَلَهُ.
-
الْعَقْدِ إلَى إفَادَةِ الْمِلْكِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الضَّرُورِيَّ إذَا ثَبَتَ يَسْتَتْبِعُ لَوَازِمَهُ، وَإِفَادَةُ الْمِلْكِ مِنْ لَوَازِمِ الْوُجُودِ عِنْدَ الْعَقْدِ.
-
وَلَنَا أَنَّ الْعَقْدَ يَنْعَقِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ الْمَنَافِعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالْعَقْدُ: أَيْ عَقْدُ الْإِجَارَةِ مُعَاوَضَةً بِلَا خِلَافٍ،
-
وَمِنْ قَضِيَّةِ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ الْمُسَاوَاةُ.
-
فَمِنْ ضَرُورَةِ التَّرَاخِي فِي جَانِبِ الْمَنْفَعَةِ التَّرَاخِي فِي الْبَدَلِ وَهُوَ الْأَجْرُ تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ. وَإِذَا اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ
-
يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الْأَجْرِ لِذَلِكَ.
-
وَكَذَا إذَا شَرَطَ التَّعْجِيلَ أَوْ عَجَّلَ بِلَا شَرْطٍ، لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ تَثْبُتُ حَقًّا لَهُ وَقَدْ أَبْطَلَهُ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ شَرْطَ التَّعْجِيلِ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَفِيهِ نَفْعٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَلَهُ مُطَالِبٌ فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ بِهِ.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ إجَارَةً أَوْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُعَاوَضَةً، وَالْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَلَيْسَ جَوَازُ اشْتِرَاطِ التَّعْجِيلِ بِاعْتِبَارِهِ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ.
-
فَإِنَّ تَعْجِيلَ الْبَدَلِ وَاشْتِرَاطَهُ لَا يُخَالِفُهُ مِنْ حَيْثُ الْمُعَاوَضَةُ. وَعُورِضَ دَلِيلُنَا بِأَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْ الْأُجْرَةِ وَالِارْتِهَانِ عَنْهَا وَالْكَفَالَةُ. بِهَا صَحِيحَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَوْلَا الْمِلْكُ لَمَا صَحَّتْ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّ صِحَّةَ الْإِبْرَاءِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ مَمْنُوعَةٌ، وَجَوَّزَهُ مُحَمَّدٌ لِأَنَّ الْعَقْدَ سَبَبٌ فِي جَانِبِ الْأُجْرَةِ إذْ اللَّفْظُ صَالِحٌ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِهِ، وَعَدَمُ الِانْعِقَادِ فِي جَانِبِ الْمَنْفَعَةِ لِضَرُورَةِ الْعَدَمِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْأُجْرَةِ فَظَهَرَ الِانْعِقَادُ فِي حَقِّهِ،
-
وَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ لِوُجُودِهِ بَعْدَ السَّبَبِ،
-
وَكَذَلِكَ الْكَفَالَةُ كَالْكَفَالَةِ بِمَا يَذُوبُ لَهُ عَلَى فُلَانٍ وَصِحَّةِ الرَّهْنِ، لِأَنَّ مُوجِبَهُ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ، وَاسْتِيفَاءُ الْأَجْرِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ صَحِيحٌ بِالتَّعْجِيلِ أَوْ اشْتِرَاطُهُ فَكَذَا الرَّهْنُ بِهِ.
-
وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ وَلَوْ لَمْ تُجْعَلْ مَوْجُودَةً كَانَ دَيْنًا بِدَيْنٍ وَهُوَ حَرَامٌ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِدَيْنٍ، لِأَنَّ الدَّيْنَ مَا يَكُونُ فِي الذِّمَّةِ وَالْمَنَافِعُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، عَلَى أَنَّهُ أُقِيمَتْ الْعَيْنُ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ فَلَمْ يَكُنْ دَيْنًا بِدَيْنٍ، وَهَذَا طَرِيقٌ سَائِغٌ شَائِعٌ لِكَوْنِهِ إقَامَةَ السَّبَبِ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ، وَأَمَّا جَعْلُ
-
الْمَعْدُومِ مَوْجُودًا فَلَمْ يُعْهَدْ كَذَلِكَ
-
(وَإِذَا قَبَضَ الْمُسْتَأْجِرُ الدَّارَ فَعَلَيْهِ الْأَجْرُ وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْهَا) ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ عَيْنِ الْمَنْفَعَةِ لَا يُتَصَوَّرُ فَأَقَمْنَا تَسْلِيمَ الْمَحَلِّ مَقَامَهُ
-
قَوْلُهُ وَإِذَا قَبَضَ الْمُسْتَأْجِرُ الدَّارَ) لِبَيَانِ أَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ يَقُومُ مَقَامَ الِاسْتِيفَاءِ. لَا يُقَالُ: فَعَلَى هَذَا كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ بِأَحَدِ مَعَانٍ أَرْبَعَةٍ،
-
وَأَنْ يَقُولَ بِاسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ بِالتَّمَكُّنِ مِنْهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الِاسْتِيفَاءُ وَالتَّمَكُّنُ مِنْهُ يَقُومُ مَقَامَهُ أَحْيَانًا، وَبَدَلُ أَحَدِ الْأَقْسَامِ لَا يَكُونُ قِسْمًا بِذَاتِهِ،
-
فَإِذَا قَبَضَ الْمُسْتَأْجِرُ بِإِجَارَةٍ صَحِيحَةٍ مَا اسْتَأْجَرَهُ وَلَمْ يَمْنَعْ عَنْ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ فِي الْمُدَّةِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ فِيهِ مَانِعٌ وَلَمْ يَسْتَوْفِهَا وَجَبَ الْأَجْرُ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْآجِرِ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ الَّتِي تَحْدُثُ مِنْهَا الْمَنْفَعَةُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ لَا تَسْلِيمُ عَيْنِ الْمَنْفَعَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، فَكَانَ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ قَائِمًا مَقَامَ تَسْلِيمِ الْمَنْفَعَةِ،
-
فَإِذَا سَلَّمَ الْعَيْنَ فَارِغَةً عَنْ مَتَاعِهِ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَانِعٌ مِنْهُ أَوْ مِنْ الْغَيْرِ أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ سُلْطَانٌ أَوْ غَاصِبٌ فَقَدْ حَصَلَ التَّمَكُّنُ وَتَرْكُ الِاسْتِيفَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ تَعْطِيلٌ مِنْ جِهَتِهِ وَتَقْصِيرٌ مِنْهُ فَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْأَجْرِ، وَاعْتَبَرَ الْقُيُودَ،
-
فَإِنَّ بِزَوَالِ شَيْءٍ مِنْهَا زَوَالَ التَّمَكُّنِ فَلَا يَجِبُ الْأَجْرُ،
-
فَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ الْعَيْنَ أَوْ سَلَّمَهَا مَشْغُولَةً بِمَتَاعِهِ أَوْ سَلَّمَهَا فَارِغَةً فِي غَيْرِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ مِثْلُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ دَابَّةً إلَى الْكُوفَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَذَهَبَ إلَيْهَا بَعْدَ مُضِيِّ الْيَوْمِ بِالدَّابَّةِ وَلَمْ يَرْكَبْهَا أَوْ سَلَّمَهَا فَارِغَةً فِيهَا فِي غَيْرِ مَكَانِ الْعَقْدِ
-
إذْ التَّمَكُّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ يَثْبُتُ بِهِ. قَالَ:
-
(فَإِنْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ مِنْ يَدِهِ سَقَطَتْ الْأُجْرَةُ) ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ الْمَحَلِّ إنَّمَا أُقِيمَ مَقَامَ تَسْلِيمِ الْمَنْفَعَةِ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ،
-
فَإِذَا فَاتَ التَّمَكُّنُ فَاتَ التَّسْلِيمُ، وَانْفَسَخَ الْعَقْدُ فَسَقَطَ الْأَجْرُ،
-
وَإِنْ وَجَدَ الْغَصْبَ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ سَقَطَ الْأَجْرُ بِقَدْرِهِ. إذْ الِانْفِسَاخُ فِي بَعْضِهَا. قَالَ:
-
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا فَلِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِأُجْرَةِ كُلِّ يَوْمٍ) ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةً مَقْصُودَةً (إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ وَقْتَ الِاسْتِحْقَاقِ بِالْعَقْدِ) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّأْجِيلِ
-
(وَكَذَلِكَ إجَارَةُ الْأَرَاضِيِ) لِمَا بَيَّنَّا.
-
كَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً فِي غَيْرِ بَغْدَادَ إلَى الْكُوفَةِ فَسَلَّمَهَا الْمُؤَجِّرُ وَأَمْسَكَهَا الْمُسْتَأْجِرُ بِبَغْدَادَ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُهُ الْمَسِيرُ فِيهَا إلَى الْكُوفَةِ أَوْ سَلَّمَهَا فَارِغَةً فِيهَا فِي مَكَانِهِ لَكِنْ بِهَا عَرَجٌ فَاحِشٌ يَمْنَعُ الرُّكُوبَ، أَوْ سَلَّمَهَا فَارِغَةً فِيهَا فِي مَكَانِهِ صَحِيحَةً لَا عُذْرَ فِيهَا لَكِنْ مَنَعَهُ السُّلْطَانُ أَوْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا لَكِنَّ الْإِجَارَةَ كَانَتْ فَاسِدَةً فَإِنَّ الْأَجْرَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ مَا لَمْ يَسْتَوْفِ الْمَنْفَعَةَ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِهَتِهِ بَلْ لِفَوَاتِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ سَاكِتٌ عَنْ أَكْثَرِ هَذِهِ الْقُيُودِ فَمَا وَجْهُهُ؟ قُلْت: وَجْهُهُ الِاقْتِصَارُ لِلِاخْتِصَارِ اعْتِمَادًا عَلَى دَلَالَةِ الْحَالِ وَالْعُرْفِ،
-
فَإِنَّ حَالَ الْمُسْلِمِ دَالَّةٌ عَلَى أَنْ يُبَاشِرَ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدُ مِنْهُ يَمْنَعُهُ عَنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الِانْتِفَاعِ، وَعَلَى أَنَّ الْعَاقِدَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ فَارِغًا عَمَّا يَمْنَعُ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَالْعُرْفُ فَاشٍ فِي تَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ الْعَقْدِ وَمَكَانِهِ فَكَانَ مَعْلُومًا عَادَةً، وَعَلَى أَنَّ الْإِكْرَاهَ وَالْغَصْبَ مِمَّا يَمْتَنِعَانِ عَنْ الِانْتِفَاعِ فَاقْتَصَرَ عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ اعْتِمَادًا عَلَيْهِمَا، وَوُجُودُ الْمَانِعِ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ وَالْمَكَانُ يُسْقِطُ الْأَجْرَ بِقَدْرِهِ لِوُجُوبِ الِانْفِسَاخِ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ.
-
قَالَ (مَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا) ذَكَرَ هَذَا لِبَيَانِ وَقْتِ اسْتِحْقَاقِ مُطَالَبَةِ الْأَجْرِ وَالْحَالُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ الِاسْتِحْقَاقِ مُبَيَّنًا بِالْعَقْدِ أَوْ لَا،
-
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ إلَّا إذَا تَحَقَّقَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ شَهْرًا كَانَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّأْجِيلِ، إذْ الِاسْتِحْقَاقُ يَتَحَقَّقُ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ جُزْءٍ مِنْ الْمَنْفَعَةِ تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ، وَالتَّأْجِيلُ يُسْقِطُ اسْتِحْقَاقَ الْمُطَالَبَةِ إلَى انْتِهَاءِ الْأَجَلِ،
-
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلِلْمُؤَجِّرِ
-
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ بَعِيرًا إلَى مَكَّةَ فَلِلْجَمَّالِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِأُجْرَةِ كُلِّ مَرْحَلَةٍ) ؛ لِأَنَّ سَيْرَ كُلِّ مَرْحَلَةٍ مَقْصُودٌ. وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ أَوَّلًا: لَا يَجِبُ الْأَجْرُ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَانْتِهَاءِ السَّفَرِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ جُمْلَةُ الْمَنَافِعِ فِي الْمُدَّةِ فَلَا يَتَوَزَّعُ الْأَجْرُ عَلَى أَجْزَائِهَا، كَمَا إذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْعَمَلَ.
-
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي اسْتِحْقَاقَ الْأَجْرِ سَاعَةً فَسَاعَةً لِتَحَقُّقِ الْمُسَاوَاةِ، إلَّا أَنَّ الْمُطَالَبَةَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ تُفْضِي إلَى أَنْ لَا يَتَفَرَّغَ لِغَيْرِهِ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ،
-
أَنْ يُطَالِبَهُ بِأُجْرَةِ كُلِّ يَوْمٍ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةً مَقْصُودَةً،
-
وَكَذَلِكَ إجَارَةُ الْأَرَاضِي (وَإِنْ اسْتَأْجَرَ بَعِيرًا إلَى مَكَّةَ فَلِلْجَمَّالِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِأُجْرَةِ كُلِّ مَرْحَلَةٍ لِأَنَّ سَيْرَ كُلِّ مَرْحَلَةٍ مَقْصُودٌ) كَسُكْنَى يَوْمٍ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ آخِرًا (وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا لَا يَجِبُ الْأَجْرُ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَانْتِهَاءِ السَّفَرِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ جُمْلَةُ الْمَنَافِعِ فِي الْمُدَّةِ) وَمَا هُوَ جُمْلَةٌ فِي الْمُدَّةِ لَا تَكُونُ مُسَلَّمَةً فِي بَعْضِهَا لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْأَعْوَاضِ مُنْطَبِقَةٌ عَلَى أَجْزَاءِ الزَّمَانِ فَلَا يُسْتَحَقُّ الْمُؤَجَّلُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ جُمْلَةِ الْمَنْفَعَةِ شَيْئًا كَمَا فِي الْمَبِيعِ فَإِنَّهُ مَا لَمْ يُسَلَّمْ جَمِيعُهُ لَا يُسْتَحَقُّ قَبْضُ الثَّمَنِ وَصَارَ كَمَا إذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هُوَ الْعَمَلُ كَالْخِيَاطَةِ،
-
فَإِنَّ الْخَيَّاطَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ وَقَبْلَ الْفَرَاغِ كَمَا سَيَأْتِي.
-
فَإِنْ قِيلَ: قَالَ الْمُصَنِّفُ (فَلَا يَتَوَزَّعُ الْأَجْرُ عَلَى أَجْزَائِهَا) يَعْنِي الْمَنَافِعَ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ،
-
فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ أَجْزَاءَ الْعِوَضِ تَنْقَسِمُ عَلَى أَجْزَاءِ الْمُعَوَّضِ وَقَاسَ الْمَنَافِعَ عَلَى الْعَمَلِ وَهُوَ فَاسِدٌ، لِأَنَّ شَرْطَ الْقِيَاسِ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَهُوَ مُنْتَفٍ، لِأَنَّ فِي الْمَنَافِعِ قَدْ اسْتَوْفَى الْمُسْتَأْجِرُ بَعْضَهَا فَيَلْزَمُهُ الْعِوَضُ بِقَدْرِهِ،
-
وَلَا كَذَلِكَ الْعَمَلُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَلَّمْ مِنْ الْخَيَّاطِ شَيْئًا. فَالْجَوَابُ أَنَّ أَجْزَاءَ الْعِوَضِ قَدْ تَنْقَسِمُ عَلَى أَجْزَاءِ الْمُعَوَّضِ وُجُوبًا، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْقَبْضِ وَفِي ذَلِكَ لَا يَتَوَزَّعُ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمُ فِي الْخَيَّاطِ وُجِدَ تَقْدِيرًا لِأَنَّ عَمَلَ الْخَيَّاطِ لَمَّا اتَّصَلَ بِالثَّوْبِ كَانَ ذَلِكَ تَسْلِيمًا تَقْدِيرًا عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَلْتَزِمْ صِحَّةَ دَلِيلِ الْقَوْلِ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا أَلْبَتَّةَ لَمْ يَكُنْ لِلرُّجُوعِ عَنْهُ وَجْهٌ (وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي اسْتِحْقَاقَ الْأَجْرِ سَاعَةً فَسَاعَةً تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ) بَيْنَ الْبَدَلَيْنِ (إلَّا أَنَّ الْمُطَالَبَةَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ تُفْضِي إلَى أَنْ لَا يَتَفَرَّغَ لِغَيْرِهِ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ) بَلْ الْمُطَالَبَةُ حِينَئِذٍ تُفْضِي إلَى عَدَمِهِ،
-
فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِأَمْرٍ مِنْ جِهَةِ الْمُؤَجِّرِ فَيَمْتَنِعُ
-
فَقَدَّرْنَا بِمَا ذَكَرْنَا.
-
قَالَ: (وَلَيْسَ لِلْقَصَّارِ وَالْخَيَّاطِ أَنْ يُطَالِبَ بِأَجْرِهِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الْعَمَلِ) ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي الْبَعْضِ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ فَلَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ الْأَجْرَ،
-
وَكَذَا إذَا عَمِلَ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ لَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ قَبْلَ الْفَرَاغِ لِمَا بَيَّنَّا. قَالَ: (إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ التَّعْجِيلَ) لِمَا مَرَّ أَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ لَازِمٌ.
-
الِانْتِفَاعُ مِنْ جِهَتِهِ فَتَمْتَنِعُ الْمُطَالَبَةُ، وَمَا أَفْضَى وُجُودُهُ إلَى عَدَمِهِ فَهُوَ مُنْتَفٍ (فَقَدَّرْنَا بِمَا ذَكَرْنَا) مِنْ الْيَوْمِ فِي الدَّارِ وَالْمَرْحَلَةِ فِي الْبَعِيرِ
-
(وَلَيْسَ لِلْقَصَّارِ وَالْخَيَّاطِ أَنْ يُطَالِبَ بِأُجْرَةٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الْعَمَلِ) كُلِّهِ (لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي الْبَعْضِ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ فَلَا يُسْتَوْجَبُ بِهِ الْأَجْرُ) وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَا ثَوْبَيْنِ فَفَرَغَ مِنْ أَحَدِهِمَا جَازَ أَنْ يَطْلُبَ أُجْرَتَهُ لِأَنَّهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ
-
(وَكَذَا إذَا عَمِلَ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ لَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ قَبْلَ الْفَرَاغِ لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ (إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ التَّعْجِيلُ لِمَا مَرَّ أَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ لَازِمٌ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَذَا وَقَعَ مُخَالِفًا لِعَامَّةِ رِوَايَاتِ الْكُتُبِ فِي الْمَبْسُوطِ وَمَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَالذَّخِيرَةِ وَالْمُغْنِي وَشَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَقَاضِي خَانْ والتمرتاشي وَالْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ، وَذُكِرَ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ نَقْلًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ خَيَّاطًا يَخِيطُ لَهُ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَهُ الْأَجْرُ بِقَدْرِ مَا خَاطَهُ.
-
وَنُقِلَ عَنْ الذَّخِيرَةِ: يَجِبُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ إيفَاءُ الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا اسْتَوْفَى مِنْ الْمَنْفَعَةِ إذَا كَانَتْ لَهُ حِصَّةٌ مَعْلُومَةٌ مِنْ الْأَجْرِ كَمَا فِي الْجَمَّالِ.
-
ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنْ نُقِلَ فِي التَّجْرِيدِ أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ ذُكِرَ فِيهِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَبِعَ صَاحِبَ التَّجْرِيدِ أَبَا الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيَّ فِي هَذَا الْحُكْمِ.
-
وَأَقُولُ: كَلَامُ صَاحِبِ الذَّخِيرَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ يَدُلُّ
-
عَلَى أَنَّ اسْتِحْقَاقَ بَعْضِ الْأُجْرَةِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ لَهُ حِصَّةٌ مَعْلُومَةٌ، وَأَرَى أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا عَيَّنَّا لِكُلِّ جُزْءٍ حِصَّةً مَعْلُومَةً، إذَا لَيْسَ لِلْكَمِّ مَثَلًا أَوْ لِلْبَدَنِ أَوْ لِلذَّوَائِلِ حِصَّةٌ مَعْلُومَةٌ مِنْ كُلِّ الثَّوْبِ عَادَةً فَلَمْ تَكُنْ الْحِصَّةُ مَعْلُومَةً إلَّا بِتَعْيِينِهِمَا وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلُّ جُزْءٍ بِمَنْزِلَةِ ثَوْبٍ عَلَى حِدَةٍ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ مِنْ كُلِّ الثَّوْبِ قَدْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ فَيَسْتَوْجِبُ أُجْرَةً كَمَا فِي كُلِّ الثَّوْبِ، وَلَعَلَّ هَذَا مُعْتَمَدُ
-
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ خَبَّازًا لِيَخْبِزَ لَهُ فِي بَيْتِهِ قَفِيزًا مِنْ دَقِيقٍ بِدِرْهَمٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْأَجْرَ حَتَّى يُخْرِجَ الْخُبْزَ مِنْ التَّنُّورِ) ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الْعَمَلِ بِالْإِخْرَاجِ.
-
فَلَوْ احْتَرَقَ أَوْ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ فَلَا أَجْرَ لَهُ لِلْهَلَاكِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ،
-
(فَإِنْ أَخْرَجَهُ ثُمَّ احْتَرَقَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ فَلَهُ الْأَجْرُ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسَلَّمًا إلَيْهِ بِالْوَضْعِ فِي بَيْتِهِ،
-
وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ الْجِنَايَةُ. قَالَ: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ مِثْلَ دَقِيقِهِ وَلَا أَجْرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بَعْدَ حَقِيقَةِ التَّسْلِيمِ،
-
وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ الْخُبْزَ، وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ.
-
الْمُصَنِّفِ رحمه الله قَالَ (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ خَبَّازًا لِيَخْبِزَ لَهُ) ذَكَرَ هَذَا الْبَيَانُ حُكْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ عَمَلِهِ، وَقَدْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ مَسْأَلَةِ الْخَيَّاطِ آنِفًا.
-
وَالثَّانِي أَنَّ فَرَاغَ الْعَمَلِ بِمَاذَا يَكُونُ،
-
فَإِذَا اسْتَأْجَرَ خَبَّازًا لِيَخْبِزَ لَهُ فِي بَيْتِهِ قَفِيزَ دَقِيقٍ بِدِرْهَمٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْأُجْرَةَ حَتَّى يَخْرُجَ الْخُبْزُ مِنْ التَّنُّورِ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأُجْرَةِ بِتَمَامِ الْعَمَلِ وَتَمَامُ الْعَمَلِ بِالْإِخْرَاجِ (فَلَوْ احْتَرَقَ أَوْ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ لَا أَجْرَ لَهُ لِلْهَلَاكِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ) فَإِنْ قِيلَ: خَبَزَهُ فِي بَيْتِهِ يَمْنَعُ أَنْ يَخْبِزَ لِغَيْرِهِ،
-
وَمَنْ عَمِلَ لِوَاحِدٍ فَهُوَ أَجِيرُ وَحْدٍ، وَاسْتِحْقَاقُهُ الْأُجْرَةَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ. أُجِيبَ بِأَنَّ أَجِيرَ الْوَحْدِ مَنْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِي حَقِّهِ عَلَى الْمُدَّةِ كَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ شَهْرًا لِلْخِدْمَةِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مُسْتَأْجَرٌ عَلَى الْعَمَلِ فَكَانَ أَجِيرًا مُشْتَرَكًا تَوَقَّفَ اسْتِحْقَاقُهُ عَلَى فَرَاغِ الْعَمَلِ (فَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ التَّنُّورِ ثُمَّ احْتَرَقَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ فَلَهُ الْأَجْرُ) لِأَنَّ عَمَلَهُ تَمَّ بِالْإِخْرَاجِ وَالتَّسْلِيمُ وُجِدَ بِالْوَضْعِ فِي بَيْتِهِ (وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ جِنَايَةٌ تُوجِبُهُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله (وَهَذَا) أَيْ قَوْلُهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (عِنْد أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ) وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأَمِينِ (وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ) لِأَنَّ الْعَيْنَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ كَالْمَغْصُوبِ عَلَى الْغَاصِبِ (وَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِحَقِيقَةِ التَّسْلِيمِ) وَالْوَضْعُ
-
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ طَبَّاخًا لِيَطْبُخَ لَهُ طَعَامًا لِلْوَلِيمَةِ فَالْعُرْفُ عَلَيْهِ) اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ. قَالَ:
-
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ إنْسَانًا لِيَضْرِبَ لَهُ لَبِنًا اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ إذَا أَقَامَهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَسْتَحِقُّهَا حَتَّى يُشْرِجَهَا) ؛ لِأَنَّ التَّشْرِيجَ مِنْ تَمَامِ عَمَلِهِ، إذْ لَا يُؤْمَنُ مِنْ الْفَسَادِ قَبْلَهُ فَصَارَ كَإِخْرَاجِ الْخُبْزِ مِنْ التَّنُّورِ؛ وَلِأَنَّ الْأَجِيرَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاهُ عُرْفًا وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِيمَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ.
-
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَمَلَ قَدْ تَمَّ بِالْإِقَامَةِ، وَالتَّشْرِيجُ عَمَلٌ زَائِدٌ كَالنَّقْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ قَبْلَ التَّشْرِيجِ بِالنَّقْلِ إلَى مَوْضِعِ الْعَمَلِ،
-
بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهُ طِينٌ مُنْتَشِرٌ، وَبِخِلَافِ الْخُبْزِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ.
-
قَالَ: (وَكُلُّ صَانِعٍ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ كَالْقَصَّارِ وَالصَّبَّاغِ فَلَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْعَيْنَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْأَجْرَ) ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَصْفٌ قَائِمٌ فِي الثَّوْبِ فَلَهُ حَقُّ الْحَبْسِ؛ لِاسْتِيفَاءِ الْبَدَلِ كَمَا فِي الْمَبِيعِ،
-
وَلَوْ حَبَسَهُ فَضَاعَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي الْحَبْسِ فَبَقِيَ أَمَانَةً كَمَا كَانَ عِنْدَهُ،
-
وَلَا أَجْرَ لَهُ لِهَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: الْعَيْنُ كَانَتْ مَضْمُونَةً قَبْلَ الْحَبْسِ فَكَذَا بَعْدَهُ، لَكِنَّهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ وَلَا أَجْرَ لَهُ،
-
وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ مَعْمُولًا وَلَهُ الْأَجْرُ، وَسَيُبَيِّنُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
فِي بَيْتِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ،
-
ثُمَّ إذَا وَجَبَ الضَّمَانُ كَانَ صَاحِبُ الدَّقِيقِ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ مِثْلَ دَقِيقِهِ وَلَا أَجْرَ لَهُ،
-
وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ الْخُبْزَ وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ،
-
وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْحَطَبِ وَالْمِلْحِ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ ذَلِكَ صَارَ مُسْتَهْلَكًا قَبْلَ وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ وَحَالَ وُجُوبِهِ رَمَادًا لَا قِيمَةَ لَهُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ، هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ اخْتِيَارُ الْقُدُورِيِّ،
-
وَأَمَّا عِنْدَ غَيْرِهِ فَهُوَ مُجْرًى عَلَى عُمُومِهِ بِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ بِالِاتِّفَاقِ، أَمَّا عِنْدَهُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَهْلَكْ مِنْ عَمَلِهِ،
-
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَلِأَنَّهُ هَلَكَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، وَهَذَا يَتِمُّ إنْ كَانَ الْوَضْعُ فِي بَيْتِهِ تَسْلِيمًا (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ طَبَّاخًا لِيَطْبُخَ لَهُ طَعَامَ وَلِيمَةٍ فَعَلَيْهِ تَفْرِيغُهُ إلَى الْقِصَاعِ) لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ عَمَلِهِ عُرْفًا،
-
وَإِنْ اُسْتُؤْجِرَ فِي طَبْخِ قِدْرٍ خَاصَّةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْغَرْفُ (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ إنْسَانًا لِيَضْرِبَ لَهُ لَبَنًا اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِإِقَامَتِهَا) فَإِنْ أَفْسَدَهُ الْمَطَرُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ انْكَسَرَ فَلَا أَجْرَ لَهُ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسَلِّمًا مَا لَمْ يَصِرْ لَبَنًا، وَمَا دَامَ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يَصِرْ لَبَنًا (وَقَالَا: لَا يَسْتَحِقُّهُ حَتَّى يُشَرِّجَهُ) أَيْ يُنَضِّدَهُ بِضَمِّ بَعْضِهِ إلَى بَعْضٍ (لِأَنَّ التَّشْرِيجَ مِنْ تَمَامِ عَمَلِهِ) عُرْفًا، وَبَاقِي كَلَامِهِ ظَاهِرٌ.
-
قَالَ (وَكُلُّ صَانِعٍ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ كَالْقَصَّارِ إلَخْ) وَكُلُّ صَانِعٍ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ كَالْقَصَّارِ وَالصَّبَّاغِ فَلَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْعَيْنَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْأَجْرَ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَصْفٌ قَائِمٌ فِي الثَّوْبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ جَازَ حَبْسُهُ لِاسْتِيفَاءِ الْبَدَلِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، فَالْوَصْفُ الْقَائِمُ فِي الثَّوْبِ جَازَ حَبْسُهُ لِاسْتِيفَاءِ الْبَدَلِ، وَالْوَصْفُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْعَيْنِ فَجَازَ حَبْسُهَا لِذَلِكَ.
-
فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ يَكُونُ حَبْسُ الْعَيْنِ ضَرُورِيًّا فَلَا يَتَعَدَّى إلَى عَدَمِ الضَّمَانِ،
-
وَلَوْ حَبَسَهُ فَضَاعَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، فَالْجَوَابُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ: يَعْنِي أَنَّ الضَّمَانَ لَا يَلْزَمُ إلَّا عَلَى الْمُتَعَدِّي وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَلَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، لَكِنَّهُ لَا أَجْرَ لَهُ لِهَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ الْعَيْنُ كَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ قَبْلَ الْحَبْسِ فَكَذَا بَعْدَهُ، لَكِنَّهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ وَلَا أَجْرَ لَهُ،
-
وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ مَعْمُولًا وَلَهُ الْأَجْرُ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ ضَمَانِ الْأَخِيرِ.
-
وَكُلُّ صَانِعٍ لَيْسَ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ كَالْحَمَّالِ بِالْحَاءِ وَالْجِيمِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ، لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ نَفْسُ الْعَمَلِ وَهُوَ غَيْرُ قَائِمٍ فِي الْعَيْنِ، بَلْ إنَّمَا هُوَ قَائِمٌ بِالْعَامِلِ أَوْ بِعَيْنٍ لَهُ، وَالْحَبْسُ فِيهِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ،
-
قَالَ: (وَكُلُّ صَانِعٍ لَيْسَ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْعَيْنَ لِلْأَجْرِ كَالْحَمَّالِ وَالْمَلَّاحِ) ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ نَفْسُ الْعَمَلِ وَهُوَ غَيْرُ قَائِمٍ فِي الْعَيْنِ فَلَا يُتَصَوَّرُ حَبْسُهُ فَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْحَبْسِ وَغَسْلُ الثَّوْبِ نَظِيرُ الْحَمْلِ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الْآبِقِ حَيْثُ يَكُونُ لِلرَّادِّ حَقُّ حَبْسِهِ لِاسْتِيفَاءِ الْجُعْلِ،
-
وَلَا أَثَرَ لِعَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى شَرَفِ الْهَلَاكِ وَقَدْ أَحْيَاهُ فَكَأَنَّهُ بَاعَهُ مِنْهُ فَلَهُ حَقُّ الْحَبْسِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مَذْهَبُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ. وَقَالَ زُفَرُ: لَيْسَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ التَّسْلِيمُ بِاتِّصَالِ الْمَبِيعِ بِمِلْكِهِ فَيَسْقُطَ حَقُّ الْحَبْسِ. وَلَنَا أَنَّ الِاتِّصَالَ بِالْمَحَلِّ ضَرُورَةُ إقَامَةِ تَسْلِيمِ الْعَمَلِ فَلَمْ يَكُنْ هُوَ رَاضِيًا بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَسْلِيمٌ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْحَبْسِ كَمَا إذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي بِغَيْرِ رِضَا الْبَائِعِ.
-
قَالَ: (وَإِذَا شَرَطَ عَلَى الصَّانِعِ أَنْ يَعْمَلَ بِنَفْسِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ غَيْرَهُ) ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي مَحَلٍّ بِعَيْنِهِ فَيَسْتَحِقُّ عَيْنَهُ كَالْمَنْفَعَةِ فِي مَحَلٍّ بِعَيْنِهِ (وَإِنْ أَطْلَقَ لَهُ الْعَمَلَ فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَعْمَلُهُ) ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَمَلٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَيُمْكِنُ إيفَاؤُهُ بِنَفْسِهِ وَبِالِاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِهِ بِمَنْزِلَةِ إيفَاءِ الدَّيْنِ.
-
وَغَسْلُ الثَّوْبِ نَظِيرُ الْحَمْلِ: يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مِنْ النَّشَا وَغَيْرِهِ سِوَى إزَالَةِ الْوَسَخِ بِالْمَاءِ،
-
وَأَمَّا إذَا كَانَ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْقَصَّارِ وَهَذَا مُخْتَارُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ. وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله . وَذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَجَامِعِ قَاضِي خَانْ أَنَّ إحْدَاثَ الْبَيَاضِ فِي الثَّوْبِ بِإِزَالَةِ الدَّرَنِ بِمَنْزِلَةِ عَمَلٍ لَهُ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ. قِيلَ وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّ الْبَيَاضَ كَانَ مُسْتَتِرًا وَقَدْ ظَهَرَ بِفِعْلِهِ (قَوْلُهُ وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الْآبِقِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْآبِقُ إذَا رَدَّهُ إنْسَانٌ كَانَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ قَائِمٌ.
-
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْآبِقَ كَانَ عَلَى شَرَفِ الْهَلَاكِ وَقَدْ أَحْيَاهُ بِرَدِّهِ فَكَأَنَّهُ بَاعَهُ مِنْهُ فَلَهُ حَقُّ الْحَبْسِ (وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا) يَعْنِي حَقَّ الْحَبْسِ لِلصَّانِعِ بِالْأَجْرِ فِيمَا إذَا كَانَ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ هُوَ (مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ.
-
وَقَالَ زُفَرُ) قِيلَ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (لَيْسَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ فِي الْوَجْهَيْنِ) يَعْنِي فِي الَّذِي لِعَمَلِهِ فِيهِ أَثَرٌ وَفِيمَا لَمْ يَكُنْ (لِأَنَّهُ وَقَعَ التَّسْلِيمُ بِاتِّصَالِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِمِلْكِهِ) وَالْمُسَلِّمُ إلَى صَاحِبِهِ لَا يُتَصَوَّرُ حَبْسُهُ كَمَا لَوْ عَمِلَ فِي بَيْتِ الصَّاحِبِ.
-
وَالْجَوَابُ (أَنَّ الِاتِّصَالَ بِالْمَحَلِّ ضَرُورَةُ إقَامَةِ الْعَمَلِ) وَذَلِكَ جِهَةُ غَيْرِ التَّسْلِيمِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الرِّضَا بِالِاتِّصَالِ مِنْ حَيْثُ التَّسْلِيمُ (فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْحَبْسِ) وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْوَكِيلُ إذَا نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ وَقَبَضَ الْمَبِيعَ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ وَقَدْ تَقَدَّمَ، فَصَارَ كَقَبْضِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِغَيْرِ رِضَا الْبَائِعِ،
-
فَإِنَّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَحْبِسَ وَأَنْ يُسَلِّمَهُ الْمُشْتَرَى لِكَوْنِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ.
-
قَالَ (وَإِذَا شُرِطَ عَلَى الصَّانِعِ أَنْ يَعْمَلَ بِنَفْسِهِ إلَخْ) وَإِذَا شُرِطَ عَلَى الصَّانِعِ أَنْ يَعْمَلَ بِنَفْسِهِ نُقِلَ عَنْ حُمَيْدِ الدِّينِ الضَّرِيرِ رحمه الله هُوَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَنْ تَعْمَلَ بِنَفْسِك أَوْ بِيَدِك مَثَلًا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله بِقَوْلِهِ أَنْ يَعْمَلَ بِنَفْسِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ غَيْرَهُ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ مِنْ مَحَلٍّ بِعَيْنِهِ فَيَسْتَحِقُّ عَيْنَهُ كَالْمَنْفَعَةِ فِي مَحَلٍّ بِعَيْنِهِ، كَأَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً بِعَيْنِهَا لِلْحَمْلِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يُسَلِّمَ غَيْرَهَا، وَفِيهِ تَأَمَّلْ لِأَنَّهُ إنْ خَالَفَهُ إلَى خَيْرٍ بِأَنْ اسْتَعْمَلَ مَنْ هُوَ أَصْنَعُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْفَنِّ أَوْ سَلَّمَ دَابَّةً أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ،
-
وَإِنْ أَطْلَقَ الْعَمَلَ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَعْمَلُهُ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ الْعَمَلُ وَيُمْكِنُ إيفَاؤُهُ بِنَفْسِهِ، وَبِالِاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِهِ بِمَنْزِلَةِ إيفَاءِ الدَّيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
(فَصْلٌ)
-
لَمَّا ذَكَرَ اسْتِحْقَاقَ تَمَامِ الْأَجْرِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ عَدَمَ اسْتِحْقَاقِ تَمَامِ الْأَجْرِ أَوْ بَعْضِهِ، وَعَقَّبَهُ لِأَصْلِ الْبَابِ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ
-
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَذْهَبَ إلَى الْبَصْرَةِ فَيَجِيءَ بِعِيَالِهِ فَذَهَبَ فَوَجَدَ بَعْضُهُمْ قَدْ مَاتَ فَجَاءَ بِمَنْ بَقِيَ فَلَهُ الْأَجْرُ بِحِسَابِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَيَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ بِقَدْرِهِ، وَمُرَادُهُ إذَا كَانُوا مَعْلُومِينَ (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَذْهَبَ بِكِتَابِهِ إلَى فُلَانٍ بِالْبَصْرَةِ وَيَجِيءَ بِجَوَابِهِ فَذَهَبَ فَوَجَدَ فُلَانًا مَيِّتًا فَرَدَّهُ فَلَا أَجْرَ لَهُ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
-
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهُ الْأَجْرُ فِي الذَّهَابِ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى بَعْضَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَطْعُ الْمَسَافَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْأَجْرَ مُقَابَلٌ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ دُونَ حَمْلِ الْكِتَابِ لِخِفَّةِ مُؤْنَتِهِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ نَقْلُ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ أَوْ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ وَهُوَ الْعِلْمُ بِمَا فِي الْكِتَابِ وَلَكِنَّ الْحُكْمَ مُعَلَّقٌ بِهِ وَقَدْ نَقَضَهُ فَيَسْقُطُ الْأَجْرُ كَمَا فِي الطَّعَامِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَلِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ (وَإِنْ تَرَكَ الْكِتَابَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَعَادَ يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِالذَّهَابِ بِالْإِجْمَاعِ) ؛
-
لِأَنَّ الْحَمْلَ لَمْ يُنْتَقَضْ.
-
(وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَذْهَبَ بِطَعَامٍ إلَى فُلَانٍ بِالْبَصْرَةِ فَذَهَبَ فَوَجَدَ فُلَانًا مَيِّتًا فَرَدَّهُ فَلَا أَجْرَ لَهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) ؛ لِأَنَّهُ نَقَضَ تَسْلِيمَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهُوَ حَمْلُ الطَّعَامِ،
-
بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُنَاكَ قَطْعُ الْمَسَافَةِ عَلَى مَا مَرَّ.
-
تَمَامِ الْأَجْرِ وَهُوَ الْأَصْلُ وَالنُّقْصَانُ لِعَارِضٍ (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَذْهَبَ إلَى الْبَصْرَةِ فَيَجِيءُ بِعِيَالِهِ فَذَهَبَ فَوَجَدَ بَعْضَهُمْ مَيِّتًا فَجَاءَ بِالْبَاقِي) فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى جَمَاعَةٍ مَعْلُومِي الْعَدَدِ أَوْ لَا،
-
فَإِنْ كَانَ الثَّانِي اسْتَحَقَّ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ (فَلَهُ الْأَجْرُ بِحِسَابِهِ لِأَنَّهُ أَوْفَى بَعْضَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَيُسْتَحَقُّ الْعِوَضُ بِقَدْرِهِ) وَهُوَ اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَمُرَادُهُ) يَعْنِي الْقُدُورِيَّ رحمه الله (إذَا كَانُوا مَعْلُومِينَ،
-
وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَذْهَبَ بِكِتَابِهِ إلَى فُلَانٍ بِالْبَصْرَةِ وَيَأْتِيَ بِالْجَوَابِ فَذَهَبَ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا) فَإِمَّا أَنْ يَرُدَّ الْكِتَابَ أَوْ لَا،
-
فَإِنْ كَانَ الثَّانِي اسْتَحَقَّ أَجْرَ الذَّهَابِ بِالْإِجْمَاعِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ (فَلَا أَجْرَ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
-
وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله : لَهُ أَجْرُ الذَّهَابِ) وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ قَطَعَ الْمَسَافَةَ أَوْ نَقَلَ الْكِتَابَ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّهُ قَطَعَ الْمَسَافَةَ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِيهِ دُونَ نَقْلِ الْكِتَابِ، وَقَدْ أَوْفَى بَعْضَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِذَهَابِهِ فَيَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ الْمُقَابِلَ لَهُ، وَوَقَعَ عِنْدَهُمَا أَنَّهُ نَقَلَ الْكِتَابَ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ أَوْ وَسِيلَةٌ إلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ عَلِمَ مَا فِي الْكِتَابِ وَقَدْ نَقَضَهُ بِرَدِّهِ فَيَسْقُطُ الْأَجْرُ
-
، كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيَذْهَبَ بِطَعَامٍ إلَى فُلَانٍ بِالْبَصْرَةِ فَذَهَبَ بِهِ وَوَجَدَهُ مَيِّتًا فَرَدَّهُ فَإِنَّهُ لَا أَجْرَ لَهُ بِالِاتِّفَاقِ لِنَقْضِهِ تَسْلِيمَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ حَمْلُ الطَّعَامِ، وَلَيْسَ بِنَاهِضٍ عَلَى مُحَمَّدٍ، لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ عِنْدَهُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ وَلَمْ يَنْقَضِ مَا قَطَعَهُ مِنْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
-
(بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ الْإِجَارَةِ وَمَا يَكُونُ خِلَافًا فِيهَا)
-
لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ الْإِجَارَةِ وَشَرْطِهَا وَوَقْتِ اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ ذَكَرَ هُنَا مَا يَجُوزُ مِنْ الْإِجَارَةِ بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ وَتَقْيِيدِهِ، وَذَكَرَ
-
قَالَ: (وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ لِلسُّكْنَى وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ مَا يَعْمَلُ فِيهَا) ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَعَارَفَ فِيهَا السُّكْنَى فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ،
-
أَيْضًا مِنْ الْأَفْعَالِ مَا يُعَدُّ خِلَافًا مِنْ الْأَجِيرِ لِلْمُؤَجِّرِ وَمَا لَا يُعَدُّ خِلَافًا. قَالَ (وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ لِلسُّكْنَى إلَخْ) قِيلَ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ: اسْتَأْجَرْت هَذِهِ الدَّارَ شَهْرًا بِكَذَا وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا يَعْمَلُ فِيهِ مِنْ السُّكْنَى وَغَيْرِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَيَنْصَرِفُ إلَى السُّكْنَى وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ، لِأَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَعَارَفَ فِيهَا هُوَ السُّكْنَى وَبِهِ يُسَمَّى مَسْكَنًا.
-
وَفِي الْقِيَاسِ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الدُّورِ
-
وَأَنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ فَصَحَّ الْعَقْدُ (وَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ كُلَّ شَيْءٍ) لِلْإِطْلَاقِ (إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْكِنُ حَدَّادًا وَلَا قَصَّارًا وَلَا طَحَّانًا؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا ظَاهِرًا) ؛ لِأَنَّهُ يُوهِنُ الْبِنَاءَ فَيَتَقَيَّدُ الْعَقْدُ بِمَا وَرَاءَهَا دَلَالَةً.
-
وَالْحَوَانِيتِ الِانْتِفَاعُ وَهُوَ مُتَنَوِّعٌ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ مَا لَمْ يُبَيِّنْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمَعْرُوفَ كَالْمَشْرُوطِ نَصًّا فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ) جَوَابٌ عَمَّا عَسَى أَنْ يُقَالَ سَلَّمْنَا أَنَّ السُّكْنَى مُتَعَارَفٌ لَكِنْ قَدْ تَتَفَاوَتُ السُّكَّانُ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ.
-
وَوَجْهُهُ أَنَّ السُّكْنَى لَا تَتَفَاوَتُ، وَمَا لَا يَتَفَاوَتُ لَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ فَيَصِحُّ (وَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ كُلَّ شَيْءٍ) مِنْ السُّكْنَى وَالْإِسْكَانِ وَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَغَسْلِ الثِّيَابِ وَكَسْرِ الْحَطَبِ لِلْوَقِيدِ وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ مِنْ تَوَابِعِ السُّكْنَى (لِلْإِطْلَاقِ) أَيْ لِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ (إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْكِنُ حَدَّادًا وَلَا قَصَّارًا وَلَا طَحَّانًا) بِالْمَاءِ أَوْ الدَّابَّةِ دُونَ الْيَدِ إنْ لَمْ يُوهِنْ الْبِنَاءَ، وَفِي الْجُمْلَةِ كُلُّ مَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ الْبِنَاءُ جَازَ أَنْ يَعْمَلَهُ فِيهِ وَيَتَقَيَّدَ بِهِ.
-
وَقَوْلُهُ لَا يَسْكُنُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ. وَقَوْلُهُ حَدَّادًا يَكُونُ نَصْبًا عَلَى الْحَالِ، وَيَنْتَفِي بِهِ الْإِسْكَانُ دَلَالَةً لِاتِّحَادِ الْمَنَاطِ وَهُوَ الضَّرَرُ بِالْبِنَاءِ،
-
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ
-
قَالَ: (وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْأَرَاضِي لِلزِّرَاعَةِ) ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ مَعْهُودَةٌ فِيهَا (وَلِلْمُسْتَأْجِرِ الشُّرْبُ وَالطَّرِيقُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ) لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تُعْقَدُ لِلِانْتِفَاعِ،
-
وَلَا انْتِفَاعَ فِي الْحَالِ إلَّا بِهِمَا فَيَدْخُلَانِ فِي مُطْلَقِ الْعُقَدِ،
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ مِلْكُ الرَّقَبَةِ لَا الِانْتِفَاعُ فِي الْحَالِ، حَتَّى يَجُوزَ بَيْعُ الْجَحْشِ وَالْأَرْضِ السَّبْخَةِ دُونَ الْإِجَارَةِ فَلَا يَدْخُلَانِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْحُقُوقِ وَقَدْ مَرَّ فِي الْبُيُوعِ (وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ حَتَّى يُسَمِّيَ مَا يَزْرَعُ فِيهَا) ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُسْتَأْجَرُ لِلزِّرَاعَةِ وَلِغَيْرِهَا وَمَا يُزْرَعُ فِيهَا مُتَفَاوِتٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ كَيْ لَا تَقَعَ الْمُنَازَعَةُ (أَوْ يَقُولَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا مَا شَاءَ) ؛
-
لِأَنَّهُ لَمَّا فَوَّضَ الْخِيَرَةَ إلَيْهِ ارْتَفَعَتْ الْجَهَالَةُ الْمُفْضِيَةُ إلَى الْمُنَازَعَةِ.
-
قَالَ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ السَّاحَةُ؛ لِيَبْنِيَ فِيهَا أَوْ؛ لِيَغْرِسَ فِيهَا نَخْلًا أَوْ شَجَرًا) ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ تُقْصَدُ بِالْأَرَاضِيِ (ثُمَّ إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ لَزِمَهُ أَنْ يَقْلَعَ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ وَيُسْلِمَهَا إلَيْهِ فَارِغَةً) ؛ لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهُمَا وَفِي إبْقَائِهِمَا إضْرَارًا بِصَاحِبِ الْأَرْضِ،
-
وَالْمَنْصُوبَاتُ مَفْعُولٌ بِهِ، وَيَنْتَفِي بِهِ سُكْنَاهُ دَلَالَةً لِاتِّحَادِ الْمَنَاطِ وَهُوَ الضَّرَرُ بِالْبِنَاءِ.
-
(وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْأَرَاضِي لِلزِّرَاعَةِ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ مَعْهُودَةٌ فِيهَا) وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ يَسْتَأْجِرُهَا لِلزِّرَاعَةِ لِأَنَّهَا تُسْتَأْجَرُ لِغَيْرِهَا أَيْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ نَفْيًا لِلْجَهَالَةِ،
-
وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مَا يُزْرَعُ فِيهَا لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ فِي الضَّرَرِ بِالْأَرْضِ وَعَدَمِهِ،
-
فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ، أَوْ يَقُولَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا مَا شَاءَ، لِأَنَّهُ لَمَّا فَوَّضَ الِاخْتِيَارَ إلَيْهِ ارْتَفَعَتْ الْجَهَالَةُ الْمُفْضِيَةُ إلَى النِّزَاعِ (وَيَدْخُلُ الشِّرْبُ وَالطَّرِيقُ فِي الْعَقْدِ بِلَا تَنْصِيصٍ، لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تُعْقَدُ لِلِانْتِفَاعِ وَلَا انْتِفَاعَ إلَّا بِهِمَا فَيَدْخُلَانِ فِي مُطْلَقِ الْعَقْدِ،
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ مِلْكُ الرَّقَبَةِ) وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ الْحُقُوقِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ
-
(وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ السَّاحَةَ) وَهِيَ الْأَرْضُ الْخَالِيَةُ مِنْ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ (لِيَبْنِيَ فِيهَا أَوْ يَغْرِسَ لِأَنَّ ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ بِالْأَرَاضِيِ) فَيَصِحُّ بِهَا الْعَقْدُ (فَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ لَزِمَ الْمُسْتَأْجِرَ قَلْعُهُمَا وَتَسْلِيمُهَا فَارِغَةً لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهُمَا، فَفِي إبْقَائِهِمَا ضَرَرٌ بِصَاحِبِ الْأَرْضِ) هَذَا مِنْ جَانِبِ الْمُسْتَأْجِرِ،
-
وَأَمَّا مِنْ جَانِبِ الْمُؤَجِّرِ فَلِأَنَّ الْأَرْضَ إمَّا أَنْ تَنْقُصَ بِالْقَلْعِ أَوْ لَا،
-
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَإِنْ شَاءَ يَغْرَمُ لَهُ قِيمَةَ ذَلِكَ مَقْلُوعًا وَيَتَمَلَّكُهُ رَضِيَ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ لَا،
-
وَإِنْ شَاءَ رَضِيَ بِتَرْكِهَا عَلَى حَالِهَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ حَيْثُ يُتْرَكُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ إلَى زَمَانِ الْإِدْرَاكِ؛ لِأَنَّ لَهُ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ فَأَمْكَنَ رِعَايَةُ الْجَانِبَيْنِ. قَالَ: (إلَّا أَنْ يَخْتَارَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنْ يَغْرَمَ لَهُ قِيمَةَ ذَلِكَ مَقْلُوعًا وَيَتَمَلَّكَهُ فَلَهُ ذَلِكَ) وَهَذَا بِرِضَا صَاحِبِ الْغَرْسِ وَالشَّجَرِ، إلَّا أَنْ تَنْقُصَ الْأَرْضُ بِقَلْعِهِمَا فَحِينَئِذٍ يَتَمَلَّكُهُمَا بِغَيْرِ رِضَاهُ.
-
قَالَ: (أَوْ يَرْضَى بِتَرْكِهِ عَلَى حَالِهِ فَيَكُونَ الْبِنَاءُ لِهَذَا وَالْأَرْضُ لِهَذَا) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَلَهُ أَنْ لَا يَسْتَوْفِيَهُ. قَالَ: (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ، وَفِي الْأَرْضِ رُطَبَةٌ فَإِنَّهَا تُقْلَعُ) ؛ لِأَنَّ الرِّطَابَ لَا نِهَايَةَ لَهَا فَأَشْبَهَ الشَّجَرَ.
-
قَالَ: (وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الدَّوَابِّ لِلرُّكُوبِ وَالْحَمْلِ) ؛ لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ مَعْلُومَةٌ مَعْهُودَةٌ (فَإِنْ أَطْلَقَ الرُّكُوبَ جَازَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ مَنْ شَاءَ) عَمَلًا بِالْإِطْلَاقِ. وَلَكِنْ إذَا رَكِبَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَرْكَبَ وَاحِدًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ مُرَادًا مِنْ الْأَصْلِ، وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي الرُّكُوبِ فَصَارَ كَأَنَّهُ نَصَّ عَلَى رُكُوبِهِ
-
(وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْجَرَ ثَوْبًا لِلُّبْسِ وَأَطْلَقَ جَازَ فِيمَا ذَكَرْنَا) لِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ وَتَفَاوُتِ
-
فَيَكُونُ الْبِنَاءُ لِهَذَا وَالْأَرْضُ لِذَاكَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ،
-
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَهُ أَنْ يَغْرَمَ قِيمَةَ ذَلِكَ مَقْلُوعًا لَكِنْ بِرِضَا الْمُسْتَأْجِرِ (وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الزَّرْعِ إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَهُوَ بَقْلٌ حَيْثُ يُتْرَكُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ إلَى أَنْ يُدْرِكَ لِأَنَّ لَهُ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ فَأَمْكَنَ رِعَايَةُ الْجَانِبَيْنِ) وَذَلِكَ لِأَنَّا لَوْ قَلَعْنَاهُ تَضَرَّرَ الْمُسْتَأْجِرُ،
-
وَلَوْ تَرَكْنَا الْأَرْضَ بِيَدِهِ بِلَا أَجْرٍ تَضَرَّرَ الْمُؤَجِّرُ، وَفِي تَرْكِهِ بِأَجْرٍ رِعَايَةُ الْجَانِبَيْنِ فَصَيَّرَ إلَيْهِ. وَأَوْرَدَ مَسْأَلَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِبَيَانِ أَنَّ الرُّطَبَةَ كَالشَّجَرَةِ.
-
قَالَ (وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الدَّوَابِّ لِلرُّكُوبِ وَالْحَمْلِ إلَخْ) إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِلرُّكُوبِ،
-
فَإِمَّا أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْعَقْدِ اسْتَأْجَرْت لِلرُّكُوبِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، أَوْ زَادَ فَقَالَ عَلَى أَنْ يَرْكَبَ مَنْ شَاءَ، أَوْ عَلَى أَنْ يَرْكَبَ فُلَانٌ فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ،
-
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا فَاحِشًا،
-
فَإِنْ أَرْكَبَ شَخْصًا وَمَضَتْ الْمُدَّةُ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَلَا يَنْقَلِبُ إلَى الْجَوَازِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجِبُ الْمُسَمَّى وَيَنْقَلِبُ جَائِزًا لِأَنَّ الْفَسَادَ كَانَ لِلْجَهَالَةِ وَقَدْ ارْتَفَعَتْ حَالَةُ الِاسْتِعْمَالِ فَكَأَنَّهَا ارْتَفَعَتْ مِنْ الِابْتِدَاءِ لِأَنَّهَا عَقْدٌ يَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً فَكُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ ابْتِدَاءً،
-
وَإِذَا ارْتَفَعَتْ الْجَهَالَةُ مِنْ الِابْتِدَاءِ صَحَّ الْعَقْدُ، فَكَذَا هَاهُنَا.
-
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي صَحَّ الْعَقْدُ وَيَجِبُ الْمُسَمَّى، وَيَتَعَيَّنُ أَوَّلُ مَنْ رَكِبَ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَأْجِرَ أَوْ غَيْرَهُ، لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ مُرَادًا مِنْ الْأَصْلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا،
-
فَإِنْ أَرْكَبَ غَيْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَعَطِبَتْ ضَمِنَ، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ أَوَّلًا، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ أَطْلَقَ الرُّكُوبَ هُوَ أَنْ يَقُولَ عَلَى أَنْ يُرْكِبَ مَنْ شَاءَ،
-
وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّاهُ لِأَنَّهُ تَعْيِينٌ مُفِيدٌ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ،
-
فَإِنْ تَعَدَّاهُ كَانَ ضَامِنًا، وَكَذَلِكَ
-
النَّاسِ فِي اللُّبْسِ (وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا فُلَانٌ أَوْ يَلْبَسَ الثَّوْبَ فُلَانٌ فَأَرْكَبَهَا غَيْرَهُ أَوْ أَلْبَسَهُ غَيْرَهُ فَعَطِبَ كَانَ ضَامِنًا) ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ فَصَحَّ التَّعْيِينُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّاهُ،
-
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِ لِمَا ذَكَرْنَا.
-
فَأَمَّا الْعَقَارُ وَمَا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِ إذَا شَرَطَ سُكْنَى وَاحِدٍ فَلَهُ أَنْ يُسْكِنَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ غَيْرُ مُفِيدٍ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ الَّذِي يَضُرُّ بِالْبِنَاءِ، وَاَلَّذِي يَضُرُّ بِالْبِنَاءِ خَارِجٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. قَالَ:
-
(وَإِنْ سَمَّى نَوْعًا وَقَدْرًا مَعْلُومًا يَحْمِلُهُ عَلَى الدَّابَّةِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ خَمْسَةُ أَقْفِزَةِ حِنْطَةٍ فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَا هُوَ مِثْلُ الْحِنْطَةِ فِي الضَّرَرِ أَوْ أَقَلُّ كَالشَّعِيرِ وَالسِّمْسِمِ) ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ الْإِذْنِ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ، أَوْ لِكَوْنِهِ خَيْرًا مِنْ الْأَوَّلِ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْ الْحِنْطَةِ كَالْمِلْحِ وَالْحَدِيدِ)
-
كُلُّ مَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمَلِينَ كَالثَّوْبِ وَالْخَيْمَةِ، وَحُكْمُ الْحَمْلِ كَحُكْمِ الرُّكُوبِ،
-
بِخِلَافِ الْعَقَارِ فَإِنَّهُ إذَا شَرَطَ سُكْنَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ جَازَ إسْكَانُ غَيْرِهِ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ غَيْرُ مُفِيدٍ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ.
-
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَتَفَاوَتُ السُّكَّانُ أَيْضًا،
-
فَإِنَّ سُكْنَى بَعْضٍ قَدْ يَتَضَرَّرُ بِهِ كَالْحَدَّادِ وَنَحْوِهِ.
-
أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَاَلَّذِي يَضُرُّ بِالْبِنَاءِ خَارِجٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا) وَاعْتَبِرْ مَا ذَكَرْت لَك تَسْتَغْنِ عَمَّا فِي النِّهَايَةِ مِنْ التَّطْوِيلِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الدَّوَابِّ لِلرُّكُوبِ مَعْنَاهُ لِرُكُوبٍ مُعَيَّنٍ، إمَّا نَصًّا حَقِيقَةً وَتَقْدِيرًا (وَإِنْ سَمَّى نَوْعًا وَمِقْدَارًا مِنْ شَيْءٍ يَحْمِلُهُ عَلَى الدَّابَّةِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ خَمْسَةُ أَقْفِزَةِ حِنْطَةٍ بِعَيْنِهَا فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَا هُوَ مِثْلُهُ فِي الضَّرَرِ) كَحِنْطَةٍ أُخْرَى غَيْرَهَا (أَوْ) مَا هُوَ (أَقَلُّ) ضَرَرًا (كَالشَّعِيرِ وَالسِّمْسِمِ) فَإِنَّهُمَا إذَا كَانَا خَمْسَةَ أَقْفِزَةٍ كَانَ أَقَلَّ وَزْنًا فَكَانَ أَقَلَّ ضَرَرًا.
-
وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ فِي الْكَلَامِ لَفًّا وَنَشْرًا،
-
فَإِنَّ الشَّعِيرَ يَنْصَرِفُ إلَى الْمِثْلِ وَالسِّمْسِمُ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَقَلِّ إذَا كَانَ التَّقْدِيرُ مِنْ حَيْثُ الْكَيْلُ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ فَإِنَّ السِّمْسِمَ أَيْضًا مِثْلٌ إذَا كَانَ التَّقْدِيرُ مِنْ حَيْثُ الْكَيْلُ، وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ (لِأَنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ الْإِذْنِ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ) يَعْنِي بِهِ إذَا كَانَ مِثْلًا (أَوْ لِكَوْنِهِ خَيْرًا) يَعْنِي بِهِ إذَا كَانَ أَقَلَّ ضَرَرًا (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَا هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا مِنْ الْحِنْطَةِ كَالْمِلْحِ) إذَا كَانَ
-
لِانْعِدَامِ الرِّضَا فِيهِ (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا قُطْنًا سَمَّاهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مِثْلَ وَزْنِهِ حَدِيدًا) ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ أَضَرَّ بِالدَّابَّةِ فَإِنَّ الْحَدِيدَ يَجْتَمِعُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ ظَهْرِهَا وَالْقُطْنُ يَنْبَسِطُ عَلَى ظَهْرِهَا.
-
قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا فَأَرْدَفَ مَعَهُ رَجُلًا فَعَطِبَتْ ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهَا وَلَا مُعْتَبَرَ بِالثِّقَلِ) ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ قَدْ يَعْقِرُهَا جَهْلُ الرَّاكِبِ الْخَفِيفِ وَيَخِفُّ عَلَيْهَا رُكُوبُ الثَّقِيلِ لِعِلْمِهِ بِالْفُرُوسِيَّةِ، وَلِأَنَّ الْآدَمِيَّ غَيْرُ مَوْزُونٍ فَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْوَزْنِ فَاعْتُبِرَ عَدَدُ الرَّاكِبِ كَعَدَدِ الْجُنَاةِ فِي الْجِنَايَاتِ.
-
قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مِقْدَارًا مِنْ الْحِنْطَةِ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْهُ فَعَطِبَتْ
-
مِثْلُهَا كَيْلًا لِأَنَّهُ أَثْقَلُ (لِانْعِدَامِ الرِّضَا فِيهِ،
-
وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مِقْدَارًا مِنْ الْقُطْنِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مِثْلَ وَزْنِهِ حَدِيدًا لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ أَضَرَّ عَلَى الدَّابَّةِ لِاجْتِمَاعِهِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الظَّهْرِ،
-
بِخِلَافِ الْقُطْنِ فَإِنَّهُ يَنْبَسِطُ عَلَيْهِ) وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا مِمَّا سَبَقَ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ نَظِيرَ الْمَكِيلِ وَهَذَا نَظِيرُ الْمَوْزُونِ.
-
(وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا فَأَرْدَفَ مَعَهُ رَجُلًا فَعَطِبَتْ ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهَا) سَوَاءٌ كَانَ الرَّدِيفُ أَخَفَّ أَوْ أَثْقَلَ مِنْ الرَّاكِبِ (وَلَا مُعْتَبَرَ بِالثِّقَلِ لِأَنَّ الدَّابَّةَ قَدْ يَعْقِرُهَا جَهْلُ الرَّاكِبِ الْخَفِيفِ وَيَخِفُّ عَلَيْهَا رُكُوبُ الثَّقِيلِ لِعِلْمِهِ بِالْفُرُوسِيَّةِ، وَلِأَنَّ الْآدَمِيَّ غَيْرُ مَوْزُونٍ فَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالْوَزْنِ فَاعْتُبِرَ عَدَدُ الرَّاكِبِ كَعَدَدِ الْجُنَاةِ فِي الْجِنَايَاتِ) وَالْجُنَاةُ جَمْعُ جَانٍ كَالْبُغَاةِ جَمْعُ بَاغٍ، فَإِنَّهُ إذَا جَرَحَ رَجُلٌ رَجُلًا جِرَاحَةً وَاحِدَةً وَالْآخَرُ عَشْرَ جِرَاحَاتٍ خَطَأً فَمَاتَ فَالدِّيَةُ بَيْنَهُمَا أَنْصَافًا لِأَنَّ رَبَّ جِرَاحَةٍ وَاحِدَةٍ أَكْثَرُ تَأْثِيرًا مِنْ عَشْرِ جِرَاحَاتٍ.
-
قِيلَ وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِكَوْنِهِ رَجُلًا لِأَنَّهُ إذَا أَرْدَفَ صَبِيًّا ضَمِنَ بِقَدْرِ ثِقَلِهِ إذَا كَانَ لَا يَسْتَمْسِكُ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَمْلِ.
-
(وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مِقْدَارًا مِنْ الْحِنْطَةِ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْهُ فَعَطِبَتْ
-
ضَمِنَ مَا زَادَ الثِّقَلُ)؛ لِأَنَّهَا عَطِبَتْ بِمَا هُوَ مَأْذُونٌ فِيهِ وَمَا هُوَ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ وَالسَّبَبُ الثِّقَلُ فَانْقَسَمَ عَلَيْهِمَا (إلَّا إذَا كَانَ حَمْلًا لَا يُطِيقُهُ مِثْلُ تِلْكَ الدَّابَّةِ فَحِينَئِذٍ يَضْمَنُ كُلَّ قِيمَتِهَا) لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِيهَا أَصْلًا لِخُرُوجِهِ عَنْ الْعَادَةِ.
-
قَالَ: (وَإِنْ كَبَحَ الدَّابَّةَ بِلِجَامِهَا أَوْ ضَرَبَهَا فَعَطِبَتْ ضَمِنَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ إذَا فَعَلَ فِعْلًا مُتَعَارَفًا) ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ الْعَقْدِ فَكَانَ حَاصِلًا بِإِذْنِهِ فَلَا يَضْمَنُهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الْإِذْنَ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ
-
ضَمِنَ مَا زَادَ الثِّقَلُ لِأَنَّهَا عَطِبَتْ بِمَا هُوَ مَأْذُونٌ فِيهِ وَغَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ وَسَبَبُ الْهَلَاكِ الثِّقَلُ فَانْقَسَمَ عَلَيْهِمَا) إذَا كَانَ مِثْلُهَا يُطِيقُ حَمْلَهُ (وَأَمَّا إذَا كَانَ حَمْلًا لَا يُطِيقُهُ مِثْلُهَا ضَمِنَ كُلَّ قِيمَتِهَا لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِيهَا أَصْلًا لِخُرُوجِهِ عَنْ الْعَادَةِ) كَمَا إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ خِلَافِ جِنْسِ الْمُسَمَّى، كَمَنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيُحَمِّلَهَا خَمْسَةَ أَقْفِزَةٍ مِنْ شَعِيرٍ فَحَمَّلَهَا مِثْلَ كَيْلَةِ حِنْطَةٍ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ جَمِيعَ قِيمَتِهَا لِعَدَمِ الْإِذْنِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسِهِ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي مِقْدَارِ الْمُسَمَّى وَغَيْرُ مَأْذُونٍ فِي الزِّيَادَةِ فَيُوَزَّعُ الضَّمَانُ. وَنُوقِضَ بِمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ ثَوْرًا لِيَطْحَنَ بِهِ عَشْرَةَ مَخَاتِيمِ حِنْطَةٍ فَطَحَنَ أَحَدَ عَشَرَ مَخْتُومًا فَهَلَكَ ضَمِنَ الْجَمِيعَ وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْجِنْسِ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الطَّحْنَ إنَّمَا يَكُونُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَإِذَا طَحَنَ الْعَشَرَةَ انْتَهَى الْإِذْنُ، فَبَعْدَ ذَلِكَ هُوَ فِي الطَّحْنِ مُخَالِفٌ فِي اسْتِعْمَالِ الدَّابَّةِ بِغَيْرِ الْإِذْنِ فَيَضْمَنُ الْجَمِيعَ،
-
فَأَمَّا فِي الْحَمْلِ فَيَكُونُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَهُوَ مَأْذُونٌ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ فَيُوَزَّعُ الضَّمَانُ عَلَى ذَلِكَ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ عَلَى مَا إذَا اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا فَأَرْدَفَهَا رَجُلًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ كُلِّ الْقِيمَةِ، لِأَنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَهَا لِيَرْكَبَهَا بِنَفْسِهِ فَأَرْكَبَهَا غَيْرَهُ ضَمِنَ جَمِيعَ الْقِيمَةِ،
-
فَإِذَا أَرْدَفَ فَقَدْ أَرْكَبَ غَيْرَهُ وَرَكِبَ أَيْضًا فَرُكُوبُهُ زِيَادَةُ ضَرَرٍ عَلَيْهَا،
-
فَإِنْ لَمْ يُوجِبْ زِيَادَةً لَا يُوجِبُ نُقْصَانًا لَا مَحَالَةَ، لِأَنَّهُ فِي الْإِرْكَابِ مُتَفَرِّدًا مُخَالِفٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَفِي الْإِرْدَافِ مَأْذُونٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَهُوَ يَقَعُ جُمْلَةً كَمَا مَرَّ.
-
قَالَ (وَإِنْ كَبَحَ الدَّابَّةَ بِلِجَامِهَا إلَخْ) وَإِنْ كَبَحَ الدَّابَّةَ بِلِجَامِهَا: أَيْ جَذَبَهَا إلَى نَفْسِهِ لِتَقِفَ وَلَا تَجْرِيَ أَوْ ضَرَبَهَا فَعَطِبَتْ ضَمِنَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَضْمَنُ إذَا فَعَلَ فِعْلًا مُتَعَارَفًا، لِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَهُ مُطْلَقُ الْعَقْدِ، وَمَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ لِحُصُولِهِ بِإِذْنِهِ.
-
وَفِي عِبَارَتِهِ تَسَامُحٌ لِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ مُرَادٌ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ لَا دَاخِلٌ تَحْتَهُ.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّ اللَّامَ فِي الْمُتَعَارَفِ لِلْعَهْدِ أَيْ
-
السَّلَامَةِ إذْ يَتَحَقَّقُ السَّوْقُ بِدُونِهِ، وَإِنَّمَا هُمَا لِلْمُبَالَغَةِ فَيَتَقَيَّدُ بِوَصْفِ السَّلَامَةِ كَالْمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ.
-
قَالَ: (وَإِنَّ اسْتَأْجَرَهَا إلَى الْحِيرَةِ فَجَاوَزَ بِهَا إلَى الْقَادِسِيَّةِ ثُمَّ رَدَّهَا إلَى الْحِيرَةِ ثُمَّ نَفَقَتْ فَهُوَ ضَامِنٌ،
-
وَكَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ) وَقِيلَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا اسْتَأْجَرَهَا ذَاهِبًا لَا جَائِيًا؛ لِيَنْتَهِيَ الْعَقْدُ بِالْوُصُولِ إلَى الْحِيرَةِ فَلَا يَصِيرُ بِالْعَوْدِ مَرْدُودًا إلَى يَدِ الْمَالِكِ مَعْنًى.
-
وَأَمَّا إذَا اسْتَأْجَرَهَا ذَاهِبًا وَجَائِيًا فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُودَعِ إذَا خَالَفَ ثُمَّ عَادَ إلَى الْوِفَاقِ.
-
وَقِيلَ لَا، بَلْ الْجَوَابُ مُجْرًى عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُودَعَ بِأُمُورٍ بِالْحِفْظِ مَقْصُودًا فَبَقِيَ الْأَمْرُ بِالْحِفْظِ بَعْدَ الْعَوْدِ إلَى الْوِفَاقِ فَحَصَلَ
-
الْكَبْحُ الْمُتَعَارَفُ أَوْ الضَّرْبُ الْمُتَعَارَفُ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ دَاخِلًا لَا مُرَادًا لِأَنَّ الْعَقْدَ الْمُطْلَقَ يَتَنَاوَلُهُ وَغَيْرَهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ: أَيْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ حَاصِلٌ بِالْإِذْنِ، لَكِنَّ الْإِذْنَ فِيمَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَأْذُونُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ إذَا أَمْكَنَ تَحَقُّقُ الْمَقْصُودِ بِهَا، وَهَاهُنَا مُمْكِنٌ إذْ يَتَحَقَّقُ السَّوْقُ بِدُونِهِ فَصَارَ كَالْمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ
-
(وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا إلَى الْحِيرَةِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَدِينَةٌ كَانَ يَسْكُنُهَا النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَهِيَ عَلَى رَأْسِ مِيلٍ مِنْ الْكُوفَةِ (فَجَاوَزَ بِهَا إلَى الْقَادِسِيَّةِ) مَوْضِعٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُوفَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ مِيلًا (ثُمَّ رَدَّهَا إلَى الْحِيرَةِ ثُمَّ نَفَقَتْ ضَمِنَهَا
-
وَكَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ) وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي مَعْنَى هَذَا الْوَضْعِ. فَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُوَ إنْ اسْتَأْجَرَهَا ذَاهِبًا فَقَطْ لِيَنْتَهِيَ الْعَقْدُ بِالْوُصُولِ إلَى الْحِيرَةِ فَلَا يَصِيرُ الْمُسْتَأْجِرُ بِالْعَوْدِ مِنْ الْقَادِسِيَّةِ إلَيْهَا مَرْدُودًا إلَى يَدِ الْمَالِكِ مَعْنًى فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ مُودَعًا مَعْنًى فَهُوَ نَائِبُ الْمَالِكِ وَالرَّدُّ إلَى النَّائِبِ رَدٌّ إلَى الْمَالِكِ مَعْنًى.
-
أَمَّا إذَا اسْتَأْجَرَهَا ذَاهِبًا وَجَائِيًا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُودَعِ إذَا خَالَفَ ثُمَّ عَادَ إلَى الْوِفَاقِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَى عَلَى الْإِطْلَاقِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُودَعِ بِأَنَّ الْمُودَعَ مَأْمُورٌ بِالْحِفْظِ مَقْصُودًا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكُلُّ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ يَبْقَى مَأْمُورًا بِالْحِفْظِ بَعْدَ الْعَوْدِ إلَى الْوِفَاقِ لِقُوَّةِ الْأَمْرِ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الرَّدُّ رَدًّا إلَى نَائِبِ الْمَالِكِ وَالْمُسْتَأْجِرُ وَالْمُسْتَعِيرُ مَأْمُورَانِ بِالْحِفْظِ تَبَعًا لِلِاسْتِعْمَالِ لَا مَقْصُودًا،
-
فَإِذَا انْقَطَعَ الِاسْتِعْمَالُ بِالتَّجَاوُزِ عَنْ الْمَوْضِعِ الْمُسَمَّى انْقَطَعَ مَا هُوَ تَابِعٌ لَهُ وَهُوَ الْحِفْظُ فَلَمْ يَبْقَ نَائِبًا لِيَكُونَ الرَّدُّ رَدًّا إلَيْهِ،
-
وَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِالرَّدِّ إلَى الْمَالِكِ أَوْ نَائِبِهِ. وَنُوقِضَ بِغَاصِبِ الْغَاصِبِ إذَا رَدَّ الْمَغْصُوبَ عَلَى الْغَاصِبِ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الرَّدُّ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّ الرَّدَّ عَلَى أَحَدِهِمَا يُوجِبُ الْبَرَاءَةَ أَلْبَتَّةَ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُوجِبُ الْبَرَاءَةَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الرَّدُّ عَلَى أَحَدِهِمَا لِجَوَازِ أَنْ تَحْصُلَ الْبَرَاءَةُ بِسَبَبٍ آخَرَ. وَالسَّبَبُ فِي غَاصِبِ الْغَاصِبِ هُوَ الرَّدُّ إلَى مَنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سَبَبُ ضَمَانٍ يَرْتَفِعُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ مِنْ قَبْلُ،
-
فَإِنْ قِيلَ: الرَّدُّ إلَى الْمَالِكِ أَوْ نَائِبِهِ إزَالَةٌ لِلتَّعَدِّي وَهُوَ يَصْلُحُ مُتَبَرِّئًا عَنْ الضَّمَانِ، وَالرَّدُّ إلَى مَنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سَبَبُ ضَمَانٍ يَرْتَفِعُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ مِنْ قَبْلُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا نُسَلِّمُ صَلَاحِيَّتَهُ لِذَلِكَ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الرَّدَّ عَلَى الْغَاصِبِ رَدٌّ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ، وَتَقَرُّرُ الضَّمَانِ عَلَى الْغَاصِبِ يُوجِبُ سُقُوطَهُ عَنْ غَاصِبِ الْغَاصِبِ لِئَلَّا يَلْزَمَ كَوْنُ الشَّيْءِ مَضْمُونًا بِضَمَانَيْنِ.
-
قِيلَ إلْحَاقُ الْعَارِيَّةِ بِالْإِجَارَةِ بِقَوْلِهِ
-
وَكَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ وَعَكْسُهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ لِثُبُوتِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا،
-
فَإِنَّ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ كَيَدِ الْمَالِكِ حَيْثُ يَرْجِعُ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّمَانِ عَلَى الْمَالِكِ كَالْمُودَعِ، وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ بِخِلَافِ الْإِعَارَةِ.
-
وَالْجَوَابُ أَنَّ الِاتِّحَادَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ يَرْفَعُ التَّعَدُّدَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَفْرِقَةٍ لِيَتَحَقَّقَ الْإِلْحَاقُ، وَالِاتِّحَادُ فِي الْمَنَاطِ كَافٍ لِلْإِلْحَاقِ وَهُوَ مَوْجُودٌ،
-
فَإِنَّ الْمَنَاطَ هُوَ التَّجَاوُزُ عَنْ الْمُسَمَّى
-
الرَّدُّ إلَى يَدِ نَائِبِ الْمَالِكِ، وَفِي الْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ يَصِيرُ الْحِفْظُ مَأْمُورًا بِهِ تَبَعًا لِلِاسْتِعْمَالِ لَا مَقْصُودًا،
-
فَإِذَا انْقَطَعَ الِاسْتِعْمَالُ لَمْ يَبْقَ هُوَ نَائِبًا فَلَا يَبْرَأُ بِالْعَوْدِ وَهَذَا أَصَحُّ. قَالَ:
-
(وَمَنْ اكْتَرَى حِمَارًا بِسَرْجٍ فَنَزَعَ السَّرْجَ وَأَسْرَجَهُ بِسَرْجٍ تُسْرَجُ بِمِثْلِهِ الْحُمُرُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يُمَاثِلُ الْأَوَّلَ تَنَاوَلَهُ إذْنُ الْمَالِكِ، إذْ لَا فَائِدَةَ فِي التَّقْيِيدِ بِغَيْرِهِ إلَّا إذَا كَانَ زَائِدًا عَلَيْهِ فِي الْوَزْنِ فَحِينَئِذٍ يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ (وَإِنْ كَانَ لَا تُسْرَجُ بِمِثْلِهِ الْحُمُرُ ضَمِنَ) ؛ لِأَنَّهُ
-
مُتَعَدِّيًا ثُمَّ الرُّجُوعُ إلَيْهِ فِيمَا لَمْ يَكُنْ الْحِفْظُ فِيهِ مَقْصُودًا وَذَلِكَ مَوْجُودًا فِيهِمَا لَا مَحَالَةَ (قَوْلُهُ وَهَذَا) أَيْ الْإِجْرَاءُ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَصَحُّ (وَمَنْ اكْتَرَى حِمَارًا بِسَرْجٍ) فَاسْتِعْمَالُهُ بِهِ مُوَافَقَةٌ،
-
فَإِنْ نَزَعَ فَإِمَّا أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ بِسَرْجٍ آخَرَ وَإِكَافٍ. وَكُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى قِسْمَيْنِ: إمَّا أَنْ يُسْرَجَ بِسَرْجٍ يُسْرَجُ بِمِثْلِهِ الْحُمُرُ أَوْ لَا
-
وَكَذَلِكَ الْإِكَافُ، فَإِنْ أَسْرَجَ بِذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِثْلُهُ تَنَاوَلَهُ الْإِذْنُ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي التَّقْيِيدِ بِغَيْرِهِ: أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمَنْعُ: يَعْنِي لَا فَائِدَةَ فِي الْقَوْلِ بِأَنَّ هَذَا مُقَيَّدٌ بِأَنْ لَا يُسْرَجَ بِغَيْرِ هَذَا السَّرْجِ الَّذِي عَيَّنَهُ صَاحِبُهَا إذَا كَانَ غَيْرُهُ يُمَاثِلُهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي التَّقْيِيدِ بِعَيْنِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ.
-
وَقَوْلُهُ (إلَّا إذَا كَانَ زَائِدًا عَلَيْهِ فِي الْوَزْنِ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الزَّائِدَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْإِذْنُ فَكَانَ مَأْذُونًا فِي الْمُسَمَّى غَيْرَ مَأْذُونٍ فِي الزِّيَادَةِ، وَفِي مِثْلِهِ يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى وَتُوضَعُ عَلَى الدَّابَّةِ دَفْعَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحِنْطَةِ،
-
وَإِنْ أَسْرَجَ بِمَا لَا يُسْرَجُ بِهِ مِثْلُهُ مِثْلُ أَنْ يُسْرِجَهُ بِسَرْجِ الْبِرْذَوْنِ
-
لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْإِذْنُ مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ مُخَالِفًا (وَإِنْ أَوْكَفَهُ بِإِكَافٍ لَا يُوكَفُ بِمِثْلِهِ الْحُمُرُ يَضْمَنُ) لِمَا قُلْنَا فِي السَّرْجِ، وَهَذَا أَوْلَى (وَإِنْ أَوْكَفَهُ بِإِكَافٍ يُوكَفُ بِمِثْلِهِ الْحُمُرُ يَضْمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَضْمَنُ بِحِسَابِهِ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يُوكَفُ بِمِثْلِهِ الْحُمُرُ كَانَ هُوَ وَالسَّرْجُ سَوَاءٌ فَيَكُونُ الْمَالِكُ رَاضِيًا بِهِ، إلَّا إذَا كَانَ زَائِدًا عَلَى السَّرْجِ فِي الْوَزْنِ فَيَضْمَنُ الزِّيَادَةَ؛
-
لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِالزِّيَادَةِ فَصَارَ كَالزِّيَادَةِ فِي الْحَمْلِ الْمُسَمَّى إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الْإِكَافَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ السَّرْجِ؛ لِأَنَّهُ لِلْحَمْلِ، وَالسَّرْجُ لِلرُّكُوبِ،
-
وَكَذَا يَنْبَسِطُ أَحَدُهُمَا عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ مَا لَا يَنْبَسِطُ عَلَيْهِ الْآخَرُ
-
ضَمِنَ الْقِيمَةَ كُلَّهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْإِذْنُ مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ مُخَالِفًا (وَإِنْ أَوْكَفَهُ بِإِكَافٍ لَا يُوكَفُ بِمِثْلِهِ الْحُمُرُ يَضْمَنُ لِمَا قُلْنَا فِي السَّرْجِ) إنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْإِذْنُ (وَهَذَا أَوْلَى) لِأَنَّهُ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ (وَإِنْ أَوْكَفَهُ بِإِكَافٍ يُوكَفُ بِمِثْلِهِ الْحُمُرُ يَضْمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَلَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارَ الْمَضْمُونِ اتِّبَاعًا لِرِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ أَنَّهُ ضَامِنٌ لِجَمِيعِ الْقِيمَةِ وَلَكِنَّهُ قَالَ هُوَ ضَامِنٌ.
-
وَذُكِرَ فِي الْإِجَارَاتِ يَضْمَنُ بِقَدْرِ مَا زَادَ.
-
فَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ: لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ، وَإِنَّمَا الْمُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُفَسَّرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِيهَا رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةِ الْإِجَارَاتِ يَضْمَنُ بِقَدْرِ مَا زَادَ، وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يَضْمَنُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا أَصَحُّ. وَتَكَلَّمُوا فِي مَعْنَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَضْمَنُ بِحِسَابِهِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
-
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ الْمِسَاحَةُ حَتَّى إذَا كَانَ السَّرْجُ يَأْخُذُ مِنْ ظَهْرِ الدَّابَّةِ قَدْرَ شِبْرَيْنِ وَالْإِكَافُ قَدْرَ أَرْبَعَةِ أَشْبَارٍ يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ بِحِسَابِهِ فِي الثِّقَلِ وَالْخِفَّةِ حَتَّى إذَا كَانَ وَزْنُ السَّرْجِ مَنَوَيْنِ وَالْإِكَافُ سِتَّةَ أَمْنَاءٍ يَضْمَنُ ثُلُثَيْ قِيمَتِهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِي الدَّلِيلِ حَيْثُ قَالَ (لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يُوكَفُ بِمِثْلِهِ الْحُمُرُ كَانَ هُوَ وَالسَّرْجُ سَوَاءً فَيَكُونُ الْمَالِكُ رَاضِيًا بِهِ، إلَّا إذَا كَانَ زَائِدًا عَلَى السَّرْجِ فِي الْوَزْنِ فَيَضْمَنُ الزِّيَادَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهَا فَصَارَ كَالزِّيَادَةِ فِي الْحَمْلِ الْمُسَمَّى إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِكَافَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ السَّرْجِ لِأَنَّهُ لِلْحَمْلِ وَالسَّرْجُ لِلرُّكُوبِ، وَيَنْبَسِطُ أَحَدُهُمَا عَلَى الظَّهْرِ أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ) فَصَارَ كَمَا لَوْ سَمَّى
-
فَكَانَ مُخَالِفًا كَمَا إذَا حَمَلَ الْحَدِيدَ وَقَدْ شَرَطَ لَهُ الْحِنْطَةَ.
-
قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَ حَمَّالًا لِيَحْمِلَ لَهُ طَعَامًا فِي طَرِيقِ كَذَا فَأَخَذَ فِي طَرِيقٍ غَيْرِهِ يَسْلُكُهُ النَّاسُ فَهَلَكَ الْمَتَاعُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ بَلَغَ فَلَهُ الْأَجْرُ) وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ تَفَاوُتٌ؛ لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ التَّقْيِيدَ غَيْرُ مُفِيدٍ، أَمَّا إذَا كَانَ تَفَاوُتٌ يَضْمَنُ لِصِحَّةِ التَّقْيِيدِ فَإِنَّ التَّقْيِيدَ مُفِيدٌ إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ التَّفَاوُتِ إذَا كَانَ طَرِيقًا يَسْلُكُهُ النَّاسُ فَلَمْ يُفَصِّلْ (وَإِنْ كَانَ طَرِيقًا لَا يَسْلُكُهُ النَّاسُ فَهَلَكَ ضَمِنَ) ؛
-
لِأَنَّهُ صَحَّ التَّقْيِيدُ فَصَارَ مُخَالِفًا (وَإِنْ بَلَغَ فَلَهُ الْأَجْرُ) ؛ لِأَنَّهُ ارْتَفَعَ الْخِلَافُ مَعْنًى،
-
وَإِنْ بَقِيَ صُورَةً. قَالَ:
-
(وَإِنْ حَمَلَهُ فِي الْبَحْرِ فِيمَا يَحْمِلُهُ النَّاسُ فِي الْبَرِّ ضَمِنَ) لِفُحْشِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (وَإِنْ بَلَغَ فَلَهُ الْأَجْرُ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَارْتِفَاعِ الْخِلَافِ مَعْنًى.
-
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا؛ لِيَزْرَعَهَا حِنْطَةً فَزَرَعَهَا رُطَبَةً ضَمِنَ مَا نَقَصَهَا)
-
حِنْطَةً وَحَمَلَ بِوَزْنِهَا شَعِيرًا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِأَنَّ الشَّعِيرَ يَنْبَسِطُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ أَكْثَرَ مِنْ الْحِنْطَةِ (فَكَانَ مُخَالِفًا) وَقَوْلُهُ (كَمَا إذَا حَمَلَ الْحَدِيدَ وَقَدْ شَرَطَ لَهُ الْحِنْطَةَ) فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ عَكْسُ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْمِثَالِ، إلَّا إذَا جَعَلَ ذَلِكَ مِثَالًا لِلْمُخَالَفَةِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الِانْبِسَاطِ وَعَدَمِهِ
-
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ حَمَّالًا لِيَحْمِلَ لَهُ طَعَامًا فِي طَرِيقِ كَذَا فَسَلَكَ غَيْرَهُ) فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مَا سَلَكَهُ مِمَّا يَسْلُكُهُ النَّاسُ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ،
-
فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ تَفَاوُتٌ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَوْعَرَ أَوْ أَخْوَفَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ أَوْ لَا،
-
فَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ إذْ ذَاكَ غَيْرُ مُفِيدٍ،
-
وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ضَمِنَ لِصِحَّةِ التَّقْيِيدِ لِكَوْنِهِ مُفِيدًا.
-
فَإِنْ قِيلَ: مُحَمَّدٌ أَطْلَقَ الرِّوَايَةَ لِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا إذَا أَخَذَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ النَّاسُ وَلَمْ يُقَيَّدْ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ.
-
أَجَابَ بِقَوْلِهِ (إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ التَّفَاوُتِ إذَا كَانَ الطَّرِيقُ يَسْلُكُهُ النَّاسُ فَلَمْ يَفْصِلْ) وَإِنْ كَانَ الثَّانِي: أَعْنِي مَا لَا يَسْلُكُهُ النَّاسُ فَهَلَكَ ضَمِنَ لِصِحَّةِ التَّقْيِيدِ فَصَارَ مُخَالِفًا،
-
وَإِذَا بَلَغَ فَلَهُ الْأَجْرُ لِأَنَّهُ ارْتَفَعَ الْخِلَافُ مَعْنًى وَإِنْ بَقِيَ صُورَةً (وَإِنْ حَمَلَهُ فِي الْبَحْرِ فِيمَا يَحْمِلُهُ النَّاسُ فِي الْبَرِّ ضَمِنَ لِفُحْشِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) حَتَّى أَنَّ لِلْمُودَعِ أَنْ يُسَافِرَ الْوَدِيعَةِ فِي طَرِيقِ الْبَرِّ دُونَ الْبَحْرِ (فَإِنْ بَلَغَ فَلَهُ الْأَجْرُ) لِأَنَّهُ ارْتَفَعَ الْخِلَافُ بِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَارْتِفَاعُ الْخِلَافِ مَعْنًى وَإِنْ بَقِيَ صُورَةً.
-
قَالَ (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا حِنْطَةً إلَخْ) وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِزِرَاعَةِ شَيْءٍ فَزَرَعَ مِثْلَهُ فِي الضَّرَرِ بِالْأَرْضِ وَمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ يُوجِبُ الْأَجْرَ لِأَنَّهُ مُوَافَقَةٌ أَوْ مُخَالَفَةٌ إلَى خَيْرٍ وَزَرَعَ مَا هُوَ أَضَرُّ بِهَا كَالرِّطَابِ فِيمَنْ اسْتَأْجَرَهَا لِزِرَاعَةِ الْحِنْطَةِ فَخَالَفَهُ إلَى شَيْءٍ يَصِيرُ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ غَاصِبًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ، وَيَسْقُطُ الْأَجْرُ لِأَنَّ الْأَجْرَ وَالضَّمَانَ لَا يَجْتَمِعَانِ إذْ الْأَجْرُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ التَّعَدِّي وَالضَّمَانُ يَسْتَلْزِمُهُ وَتَنَافِي اللَّوَازِمِ يَدُلُّ عَلَى تَنَافِي
-
لِأَنَّ الرِّطَابَ أَضَرُّ بِالْأَرْضِ مِنْ الْحِنْطَةِ لِانْتِشَارِ عُرُوقِهَا فِيهَا وَكَثْرَةِ الْحَاجَةِ إلَى سَقْيِهَا فَكَانَ خِلَافًا إلَى شَرٍّ فَيَضْمَنُ مَا نَقَصَهَا (وَلَا أَجْرَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ لِلْأَرْضِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ.
-
قَالَ: (وَمَنْ دَفَعَ إلَى خَيَّاطٍ ثَوْبًا لِيَخِيطَهُ قَمِيصًا بِدِرْهَمٍ فَخَاطَهُ قَبَاءً،
-
فَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْقَبَاءَ وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ لَا يُجَاوَزُ بِهِ دِرْهَمًا) قِيلَ: مَعْنَاهُ الْقَرْطَفُ الَّذِي هُوَ ذُو طَاقٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ الْقَمِيصِ،
-
وَقِيلَ هُوَ مُجْرًى عَلَى إطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَقَارَبَانِ فِي الْمَنْفَعَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُضَمِّنُهُ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ؛ لِأَنَّ الْقَبَاءَ خِلَافُ جِنْسِ الْقَمِيصِ.
-
وَوَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّهُ قَمِيصٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ يُشَدُّ وَسَطُهُ،
-
فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّ الْقَمِيصَ لَا يُشَدُّ وَيُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفَاعُ الْقَمِيصِ فَجَاءَتْ الْمُوَافَقَةُ وَالْمُخَالَفَةُ فَيَمِيلُ إلَى أَيِّ الْجِهَتَيْنِ شَاءَ، إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ لِقُصُورِ جِهَةِ الْمُوَافَقَةِ،
-
وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ الدِّرْهَمَ الْمُسَمَّى كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْإِجَارَاتِ الْفَاسِدَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَلَوْ خَاطَهُ سَرَاوِيلَ وَقَدْ أَمَرَ بِالْقَبَاءِ قِيلَ يَضْمَنُ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ لِلتَّفَاوُتِ فِي الْمَنْفَعَةِ،
-
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُخَيَّرُ لِلِاتِّحَادِ فِي أَصْلِ الْمَنْفَعَةِ، وَصَارَ كَمَا إذَا أُمِرَ بِضَرْبِ طَسْتٍ مِنْ شَبَّةٍ فَضَرَبَ مِنْهُ كُوزًا، فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ كَذَا هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
قَالَ: (الْإِجَارَةُ تُفْسِدُهَا الشُّرُوطُ كَمَا تُفْسِدُ الْبَيْعَ) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَقْدٌ يُقَالُ وَيُفْسَخُ (وَالْوَاجِبُ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ أَجْرُ الْمِثْلِ لَا يُجَاوَزُ بِهِ الْمُسَمَّى) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَجِبُ بَالِغًا مَا بَلَغَ اعْتِبَارًا بِبَيْعِ الْأَعْيَانِ.
-
الْمَلْزُومَاتِ
-
وَقَوْلُهُ ﴿وَمَنْ دَفَعَ إلَى خَيَّاطٍ ثَوْبًا﴾ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ (وَيَنْتَفِعُ بِهِ انْتِفَاعَ الْقَمِيصِ يُرِيدُ بِهِ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَدَفْعَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ) . وَقَوْلُهُ (لِقُصُورِ جِهَةِ الْمُوَافَقَةِ) لِأَنَّ صَاحِبَ الثَّوْبِ رَضِيَ بِالْمُسَمَّى مُقَابَلًا بِخِيَاطَةِ الْقَمِيصِ دُونَ الْقَبَاءِ وَالْبَاقِي ظَاهِرٌ.
-
(بَابُ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ) :
-
تَأْخِيرُ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ عَنْ صَحِيحِهَا لَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْذِرَةٍ لِوُقُوعِهَا فِي مَحَلِّهَا. قَالَ (الْإِجَارَةُ تُفْسِدُهَا الشُّرُوطُ) تَفْسُدُ الْإِجَارَةُ
-
وَلَنَا أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَتَقَوَّمُ بِنَفْسِهَا بَلْ بِالْعَقْدِ لِحَاجَةِ النَّاسِ فَيُكْتَفَى بِالضَّرُورَةِ فِي الصَّحِيحِ مِنْهَا، إلَّا أَنَّ الْفَاسِدَ تَبَعٌ لَهُ، وَيُعْتَبَرُ مَا يُجْعَلُ بَدَلًا فِي الصَّحِيحِ عَادَةً، لَكِنَّهُمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى مِقْدَارٍ فِي الْفَاسِدِ فَقَدْ أَسْقَطَا الزِّيَادَةَ،
-
وَإِذَا نَقَصَ أَجْرُ الْمِثْلِ لَمْ يَجِبْ زِيَادَةُ الْمُسَمَّى لِفَسَادِ التَّسْمِيَةِ،
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ مُتَقَوِّمَةٌ فِي نَفْسِهَا وَهِيَ الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ، فَإِنْ
-
بِالشُّرُوطِ الَّتِي فَسَادُ الْبَيْعِ بِهَا لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَتِهِ فِي كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْبَلُ الْإِقَالَةَ وَالْفَسْخَ، وَالْوَاجِبُ فِي الْإِجَارَةِ الَّتِي فَسَدَتْ بِالشُّرُوطِ الْأَقَلُّ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ وَالْمُسَمَّى، وَإِنَّمَا جَعَلْت اللَّامَ فِي قَوْلِهِ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ لِلْعَهْدِ كَمَا رَأَيْت لِسِيَاقِ الْكَلَامِ وَدَفْعًا لِمَا قِيلَ الْأَقَلُّ مِنْ الْأَجْرِ وَالْمُسَمَّى إنَّمَا يَجِبُ إذَا فَسَدَتْ بِشَرْطٍ، أَمَّا إذَا فَسَدَتْ لِجَهَالَةِ الْمُسَمَّى أَوْ لِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ نَقَلَهُ فِي النِّهَايَةِ عَنْ الذَّخِيرَةِ وَالْمُغْنِي وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
-
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يَجِبُ بَالِغًا مَا بَلَغَ اعْتِبَارًا بِبَيْعِ الْأَعْيَانِ،
-
فَإِنَّ الْبَيْعَ إذَا فَسَدَ وَجَبَ الْقِيمَةُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ عِنْدَهُ كَالْأَعْيَانِ. وَلَنَا أَنَّ تَقَوُّمَ الْمَنَافِعِ ضَرُورَةُ دَفْعِ الْحَاجَةِ بِالْعَقْدِ، وَالضَّرُورِيُّ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِالصَّحِيحَةِ فَيُكْتَفَى بِهَا. وَهَذَا كَمَا تَرَى
-
صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ انْتَقَلَ عَنْهُ وَإِلَّا فَلَا.
-
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ فَاسِدٌ فِي بَقِيَّةِ الشُّهُورِ، إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ جُمْلَةَ شُهُورٍ مَعْلُومَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كَلِمَةَ كُلٍّ إذَا دَخَلَتْ فِيمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ تَنْصَرِفُ إلَى الْوَاحِدِ لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ فَكَانَ الشَّهْرُ الْوَاحِدُ مَعْلُومًا
-
يَقْتَضِي عَدَمَ اعْتِبَارِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، إلَّا أَنَّ الْفَاسِدَةَ تَبَعٌ لِلصَّحِيحَةِ فَيَثْبُتُ فِيهَا مَا يَثْبُتُ فِي الصَّحِيحَةِ عَادَةً وَهُوَ قَدْرُ أَجْرِ الْمِثْلِ، وَهَذَا يَقْتَضِي لُزُومَ الْأَجْرِ الْمُسَمَّى بَالِغًا مَا بَلَغَ لَكِنَّهُمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى مِقْدَارٍ فِي الْفَاسِدِ سَقَطَتْ الزِّيَادَةُ وَهَذَا يَقْتَضِي لُزُومَ الْأَجْرِ الْمُسَمَّى بَالِغًا مَا بَلَغَ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ التَّسْمِيَةُ فَاسِدَةً لَمْ يَجِبْ مِنْ الْمُسَمَّى مَا زَادَ عَلَى أَجْرِ الْمِثْلِ فَاسْتَقَرَّ الْوَاجِبُ عَلَى مَا هُوَ الْأَقَلُّ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ وَالْمُسَمَّى،
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّ الْعَيْنَ مُتَقَوِّمٌ فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ أَيْ الْقِيمَةُ هُوَ الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِتَذْكِيرِ الْخَبَرِ،
-
فَإِنْ صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ انْتَقَلَ عَنْهُ وَإِلَّا فَلَا
-
(وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ صَحَّ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ جُمْلَةَ الشُّهُورِ) مِثْلُ أَنْ يَقُولَ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ (لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كَلِمَةَ كُلَّ إذَا دَخَلَتْ فِيمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ تَنْصَرِفُ إلَى الْوَاحِدِ لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ) لِأَنَّ جُمْلَةَ الشُّهُورِ مَجْهُولَةٌ وَالْبَعْضُ مِنْهَا غَيْرُ مَحْصُورٍ كَذَلِكَ وَمَحْصُورًا تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ (وَالْوَاحِدُ مِنْهَا مَعْلُومٌ) مُتَيَقَّنٌ
-
فَصَحَّ الْعَقْدُ فِيهِ، وَإِذَا تَمَّ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْقُضَ الْإِجَارَةَ لِانْتِهَاءِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ (وَلَوْ سَمَّى جُمْلَةَ شُهُورٍ مَعْلُومَةٍ جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ صَارَتْ مَعْلُومَةً. قَالَ (وَإِنْ سَكَنَ سَاعَةً مِنْ الشَّهْرِ الثَّانِي صَحَّ الْعَقْدُ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَى أَنْ يَنْقَضِيَ،
-
وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهْرٍ سَكَنَ فِي أَوَّلِهِ سَاعَةً) ؛ لِأَنَّهُ تَمَّ الْعَقْدُ بِتَرَاضِيهِمَا بِالسُّكْنَى فِي الشَّهْرِ الثَّانِي، إلَّا أَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ هُوَ الْقِيَاسُ، وَقَدْ مَالَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمَشَايِخِ، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنْ يَبْقَى الْخِيَارُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى مِنْ الشَّهْرِ الثَّانِي وَيَوْمِهَا؛
-
لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْأَوَّلِ بَعْضَ الْحَرَجِ.
-
قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا سَنَةً بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ جَازَ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ قِسْطَ كُلِّ شَهْرٍ مِنْ الْأُجْرَةِ) ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ مَعْلُومَةٌ بِدُونِ التَّقْسِيمِ فَصَارَ كَإِجَارَةِ شَهْرٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ قِسْطَ كُلِّ يَوْمٍ،
-
ثُمَّ يُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِمَّا سَمَّى
-
فَصَحَّ الْعَقْدُ فِيهِ، وَإِذَا تَمَّ الشَّهْرُ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُنْقِضَ الْإِجَارَةَ لِانْتِهَاءِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ) وَهَلْ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ النَّقْضُ بِمَحْضَرِ الْآخَرِ أَوْ لَا؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مَحْضَرِ صَاحِبِهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ،
-
وَيَصِحُّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ لَا يَصِحُّ بِغَيْرِ مَحْضَرِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي الْمُطَوَّلَاتِ (فَإِنْ سَكَنَ سَاعَةً مِنْ الشَّهْرِ الثَّانِي صَحَّ الْعَقْدُ فِيهِ) أَيْضًا (وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَى أَنْ يَنْقَضِيَ الشَّهْرُ،
-
وَكَذَا كُلُّ شَهْرٍ سَكَنَ فِي أَوَّلِهِ لِأَنَّهُ تَمَّ الْعَقْدُ فِيهِ بِتَرَاضِيهِمَا بِالسُّكْنَى فِي أَوَّلِهِ، إلَّا أَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ) أَيْ الْقُدُورِيُّ (هُوَ الْقِيَاسُ، وَإِلَيْهِ مَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنْ يَبْقَى الْخِيَارُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى وَيَوْمِهَا مِنْ الشَّهْرِ الثَّانِي، لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْأَوَّلِ بَعْضَ الْحَرَجِ) وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْفَسْخِ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ الثَّانِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ رَأْسَهُ عِبَارَةٌ عَنْ السَّاعَةِ الَّتِي يُهِلُّ فِيهَا الْهِلَالُ، فَكَمَا أَهَلَّ مَضَى رَأْسُ الشَّهْرِ وَالْفَسْخُ بَعْدَ ذَلِكَ فَسْخٌ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْخِيَارِ.
-
وَقِيلَ ذَلِكَ فَسْخٌ قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتِهِ وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ. وَذَكَرُوا لِذَلِكَ طُرُقًا ثَلَاثَةً: مِنْهَا أَنْ يَقُولَ الَّذِي يُرِيدُ بِهِ الْفَسْخَ فِي خِلَالِ الشَّهْرِ فَسَخْت الْعَقْدَ رَأْسَ الشَّهْرِ فَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ إذَا أَهَلَّ الْهِلَالُ فَيَكُونُ هَذَا فَسْخًا مُضَافًا إلَى رَأْسِ الشَّهْرِ، وَعَقْدُ الْإِجَارَةِ يَصِحُّ مُضَافًا فَكَذَا فَسْخُهُ
-
(فَإِنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا سَنَةً بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ صَحَّ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ قِسْطَ كُلِّ شَهْرٍ مِنْ الْأُجْرَةِ لِأَنَّ الْمُدَّةَ مَعْلُومَةٌ بِدُونِ التَّقْسِيمِ فَصَارَ كَإِجَارَةِ شَهْرٍ وَاحِدٍ وَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِمَّا سَمَّاهُ)
-
وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا فَهُوَ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ؛ لِأَنَّ الْأَوْقَاتِ كُلَّهَا فِي حَقِّ الْإِجَارَةِ عَلَى السَّوَاءِ فَأَشْبَهَ الْيَمِينَ،
-
بِخِلَافِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ اللَّيَالِيَ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لَهُ (ثُمَّ إنْ كَانَ الْعَقْدُ حِينَ يَهُلُّ الْهِلَالُ فَشُهُورُ السَّنَةِ كُلِّهَا بِالْأَهِلَّةِ) ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ (وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ فَالْكُلُّ بِالْأَيَّامِ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ بِالْأَيَّامِ وَالْبَاقِي بِالْأَهِلَّةِ؛
-
لِأَنَّ الْأَيَّامَ يُصَارُ إلَيْهَا ضَرُورَةً، وَالضَّرُورَةُ فِي الْأَوَّلِ مِنْهَا. وَلَهُ أَنَّهُ مَتَى تَمَّ الْأَوَّلُ بِالْأَيَّامِ ابْتَدَأَ الثَّانِيَ بِالْأَيَّامِ ضَرُورَةً وَهَكَذَا إلَى آخِرِ السَّنَةِ، وَنَظِيرُهُ الْعِدَّةُ وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ.
-
قَالَ: (وَيَجُوزُ أَخْذُ أُجْرَةِ الْحَمَّامِ وَالْحَجَّامِ) أَمَّا الْحَمَّامُ فَلِتَعَارُفِ النَّاسِ وَلَمْ تُعْتَبَرْ الْجَهَالَةُ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: عليه الصلاة والسلام «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» وَأَمَّا الْحَجَّامُ فَلِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ الْأُجْرَةَ» وَلِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ فَيَقَعُ جَائِزًا.
-
بِأَنْ يَقُولَ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ مَثَلًا (وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا فَهُوَ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ لِأَنَّ الْأَوْقَاتِ كُلَّهَا فِي حَقِّ الْإِجَارَةِ سَوَاءٌ) لِذِكْرِ الشَّهْرِ مَنْكُورًا وَفِي مِثْلِهِ يَتَعَيَّنُ الزَّمَانُ الَّذِي يَعْتَقِبُ السَّبَبَ (كَمَا فِي الْأَيْمَانِ) كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا شَهْرًا بِدَلَالَةِ الْحَالِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْعَاقِلِ أَنْ يَقْصِدَ صِحَّةَ الْعَقْدِ وَصِحَّتَهُ بِذَلِكَ لِتَعَيُّنِهِ بِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ
-
(بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ شَهْرًا) حَيْثُ لَا يَتَعَيَّنُ الشَّهْرُ الَّذِي يَتَعَقَّبُ نَذْرُهُ مَا لَمْ يُعَيِّنْهُ، لِأَنَّ الْأَوْقَاتِ كُلَّهَا لَيْسَتْ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ (لِأَنَّ اللَّيَالِيَ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لَهُ) تَوْضِيحُهُ أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الصَّوْمِ لَا يَكُونُ إلَّا بِعَزِيمَةٍ مِنْهُ وَرُبَّمَا لَا يَقْتَرِنُ ذَلِكَ بِالسَّبَبِ (ثُمَّ إنْ كَانَ الْعَقْدُ حِينَ يُهَلُّ الْهِلَالُ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَيْ يُبْصَرُ (فَشُهُورُ السَّنَةِ كُلُّهَا بِالْأَهِلَّةِ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ) فِي الشُّهُورِ الْعَرَبِيَّةِ، فَمَهْمَا كَانَ الْعَمَلُ بِهِ مُمْكِنًا لَا يُصَارُ إلَى غَيْرِهِ (وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ فَالْكُلُّ بِالْأَيَّامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ) ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْأَوَّلَ بِالْأَيَّامِ وَالْبَاقِيَ بِالْأَهِلَّةِ) فَيَكُونُ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا بِالْهِلَالِ وَشَهْرٌ بِالْأَيَّامِ يُكْمِلُ مَا بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ مِنْ الشَّهْرِ الْأَخِيرِ (لِأَنَّ الْأَيَّامَ يُصَارُ إلَيْهَا ضَرُورَةً وَالضَّرُورَةُ فِي الْأَوَّلِ مِنْهَا) فَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ تَمَامَ الْأَوَّلِ وَاجِبٌ ضَرُورَةَ تَسْمِيَتِهِ شَهْرًا، وَتَمَامُهُ إنَّمَا يَكُونُ بِبَعْضِ الثَّانِي،
-
فَإِذَا تَمَّ الْأَوَّلُ بِالْأَيَّامِ ابْتَدَأَ الثَّانِي بِالْأَيَّامِ ضَرُورَةً وَهَكَذَا إلَى آخِرِ السَّنَةِ، وَنَظِيرُهُ الْعِدَّةُ وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هَذِهِ حَوَالَةٌ غَيْرُ رَائِجَةٍ،
-
فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الِاخْتِلَافِ عَلَى أَنَّ الْأَشْهُرَ كُلَّهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله بِالْأَيَّامِ وَعِنْدَهُمَا الْبَاقِي بَعْدَ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ بِالْأَشْهُرِ لَمْ يَمُرَّ فِي الطَّلَاقِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ، لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ:
-
ثُمَّ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ بِالْأَهِلَّةِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ تُعْتَبَرُ الشُّهُورُ بِالْأَهِلَّةِ،
-
وَإِنْ كَانَ فِي وَسَطِهِ فَبِالْأَيَّامِ فِي حَقِّ التَّفْرِيقِ وَفِي حَقِّ الْعِدَّةِ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَكْمُلُ الْأَوَّلُ بِالْأَخِيرِ وَالْمُتَوَسِّطَانِ بِالْأَهِلَّةِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْإِجَارَاتِ.
-
قَالَ (وَيَجُوزُ أَخْذُ أُجْرَةِ الْحَمَّامِ وَالْحَجَّامِ إلَخْ) اسْتِئْجَارُ الْحَمَّامِ وَالْحَجَّامِ وَأَخْذُ أُجْرَتِهِمَا جَائِزٌ، أَمَّا الْحَمَّامُ فَلِجَرَيَانِ الْعُرْفِ بِذَلِكَ
-
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ أُجْرَةِ عَسْبِ التَّيْسِ) وَهُوَ أَنْ يُؤَجِّرَ فَحْلًا لِيَنْزُوَ عَلَى الْإِنَاثِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «إنَّ مِنْ السُّحْتِ عَسْبَ التَّيْسِ» وَالْمُرَادُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ.
-
قَالَ: (وَلَا الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْأَذَانِ وَالْحَجِّ،
-
وَكَذَا الْإِمَامَةُ وَتَعْلِيمُ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ) وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ طَاعَةٍ يَخْتَصُّ بِهَا الْمُسْلِمُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله يَصِحُّ فِي كُلِّ مَا لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْأَجِيرِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ غَيْرِ مُتَعَيَّنٍ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ. وَلَنَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام
-
وَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْجَوَازِ لِلْجَهَالَةِ وَلَكِنَّهُ تُرِكَ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ ﷺ «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» وَأَمَّا الْحَجَّامُ فَلِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ الْأُجْرَةَ» وَلِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ بِلَا مَانِعٍ مَعْلُومٍ فَيَقَعُ جَائِزًا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُمَا فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ مَعَ كَوْنِهِ جَائِزًا لِأَنَّ لِبَعْضِ النَّاسِ فِيهِ خِلَافًا،
-
فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ كَرِهَ غَلَّةَ الْحَمَّامِ آخِذًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ «الْحَمَّامُ شَرُّ بَيْتٍ» وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ حَمَّامِ الرِّجَالِ وَحَمَّامِ النِّسَاءِ فَكَرِهَ اتِّخَاذَ الْحَمَّامِ لِلنِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ نُهِينَ عَنْ الْبُرُوزِ وَأُمِرْنَ بِالْقَرَارِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ لَمْ يُبِحْ أُجْرَةَ الْحَجَّامِ، وَكَرِهَ كَسْبَهُ عُثْمَانُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
-
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ مِنْ السُّحْتِ عَسْبَ التَّيْسِ وَمَهْرَ الْبَغِيِّ وَكَسْبَ الْحَجَّامِ» وَالصَّحِيحُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِ الْحَمَّامِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا لِلْحَاجَةِ، وَالْحَاجَةُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ أَظْهَرُ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَحْتَاجُ إلَى الِاغْتِسَالِ عَنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ،
-
وَلَا تَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْأَنْهَارِ وَالْحِيَاضِ تَمَكُّنَ الرِّجَالِ، وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ حَمَّامَ الْجُحْفَةِ» . وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ مِنْ الْكَرَاهَةِ هُوَ أَنْ يَدْخُلَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ،
-
فَأَمَّا بَعْدَ التَّسَتُّرِ فَلَا بَأْسَ بِالدُّخُولِ،
-
وَلَا كَرَاهَةَ فِي غَلَّتِهِ كَمَا لَا كَرَاهَةَ فِي غَلَّةِ الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ. وَالنَّهْيُ فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ قَدْ انْتَسَخَ بِمَا ذُكِرَ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه «فَآتَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: إنَّ لِي نَاضِحًا وَحَجَّامًا أَفَأَعْلِفُ نَاضِحِي مِنْ كَسْبِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: إنَّ لِي عِيَالًا وَحَجَّامًا أَفَأُطْعِمُ عِيَالِي مِنْ كَسْبِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ» فَالرُّخْصَةُ بَعْدَ النَّهْيِ دَلِيلُ انْتِسَاخِ الْحُرْمَةِ
-
(وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ أُجْرَةِ عَسْبِ الْفَحْلِ) أَيْ ضِرَابِهِ (وَهُوَ أَنْ يُؤَجِّرَ فَحْلًا لِيَنْزُوَ عَلَى الْإِنَاثِ) وَخَرَجَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِجَوَازِهِ وَجْهًا، وَهُوَ أَنَّهُ انْتِفَاعٌ مُبَاحٌ وَلِهَذَا جَازَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ وَالْحَاجَةُ تَدْعُو إلَيْهِ فَكَانَ جَائِزًا كَاسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ لِلْإِرْضَاعِ، قُلْنَا هُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ مِنْ السُّحْتِ عَسْبَ التَّيْسِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَمُرَادُهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ) ،
-
(وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْأَذَانِ وَالْحَجِّ) وَكَلَامُهُ فِيهِ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ غَيْرِ مُتَعَيَّنٍ عَلَيْهِ) إشَارَةً إلَى الِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ تَعَيَّنَ الشَّخْصُ لِلْإِمَامَةِ وَالْإِفْتَاءِ وَالتَّعْلِيمِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُ بِالْإِجْمَاعِ
-
«اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ» وَفِي آخِرِ مَا عَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ «وَإِنْ اُتُّخِذْتَ مُؤَذِّنًا فَلَا تَأْخُذْ عَلَى الْأَذَانِ أَجْرًا» وَلِأَنَّ الْقُرْبَةَ مَتَى حَصَلَتْ وَقَعَتْ عَنْ الْعَامِلِ وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ أَهْلِيَّتُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأَجْرِ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ التَّعْلِيمَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ الْمُعَلِّمُ عَلَيْهِ إلَّا بِمَعْنًى مِنْ قِبَلِ الْمُتَعَلِّمِ فَيَكُونُ مُلْتَزِمًا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَلَا يَصِحُّ.
-
وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا اسْتَحْسَنُوا الِاسْتِئْجَارَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ الْيَوْمَ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ التَّوَانِي فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ. فَفِي الِامْتِنَاعِ تَضْيِيعُ حِفْظِ الْقُرْآنِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
-
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ،
-
وَكَذَا سَائِرُ الْمَلَاهِي) ؛ لِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَالْمَعْصِيَةُ لَا تُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ.
-
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ إجَارَةُ الْمُشَاعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا مِنْ الشَّرِيكِ، وَقَالَا: إجَارَةُ الْمُشَاعِ جَائِزَةٌ) وَصُورَتُهُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَصِيبًا مِنْ دَارِهِ أَوْ نَصِيبَهُ مِنْ
-
وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا) يُرِيدُ بِهِ مَشَايِخَ بَلْخِي رحمهم الله (اسْتَحْسَنُوا الِاسْتِئْجَارَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ الْيَوْمَ) يَعْنِي فِي زَمَانِنَا، وَجَوَّزُوا لَهُ ضَرْبَ الْمُدَّةِ وَأَفْتَوْا بِوُجُوبِ الْمُسَمَّى، وَعِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِئْجَارِ أَوْ عِنْدَ عَدَمِ ضَرْبِ الْمُدَّةِ أَفْتَوْا بِوُجُوبِ أَجْرِ الْمِثْلِ (لِأَنَّهُ ظَهَرَ التَّوَانِي فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، فَفِي الِامْتِنَاعِ تَضْيِيعُ حِفْظِ الْقُرْآنِ) وَقَالُوا: إنَّمَا كَرِهَ الْمُتَقَدِّمُونَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ لِلْمُعَلِّمِينَ عَطِيَّاتٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَكَانُوا مُسْتَغْنِينَ عَمَّا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ أَمْرِ مَعَاشِهِمْ، وَقَدْ كَانَ فِي النَّاسِ رَغْبَةٌ فِي التَّعْلِيمِ بِطَرِيقِ الْحِسْبَةِ وَلَمْ يَبْقَ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْخَيْرَاخَرِيُّ: يَجُوزُ فِي زَمَانِنَا لِلْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْمُعَلِّمِ أَخْذُ الْأُجْرَةِ، ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ
-
(وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى سَائِرِ الْمَلَاهِي لِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَالْمَعْصِيَةُ لَا تُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ) فَإِنَّهُ لَوْ اُسْتُحِقَّتْ بِهِ لَكَانَ وُجُوبُ مَا يَسْتَحِقُّ الْمَرْءُ بِهِ عِقَابًا مُضَافًا إلَى الشَّرْعِ وَهُوَ بَاطِلٌ.
-
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ إجَارَةُ الْمُشَاعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا مِنْ الشَّرِيكِ) وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَ الرَّجُلُ
-
دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ مِنْ غَيْرِ الشَّرِيكِ. لَهُمَا أَنَّ لِلْمُشَاعِ مَنْفَعَةً وَلِهَذَا يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ، وَالتَّسْلِيمُ مُمْكِنٌ بِالتَّخْلِيَةِ أَوْ بِالتَّهَايُؤِ فَصَارَ كَمَا إذَا آجَرَ مِنْ شَرِيكِهِ أَوْ مِنْ رَجُلَيْنِ وَصَارَ كَالْبَيْعِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ آجَرَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَلَا يَجُوزُ، وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ تَسْلِيمَ الْمُشَاعِ وَحْدَهُ لَا يُتَصَوَّرُ، وَالتَّخْلِيَةُ اُعْتُبِرَتْ تَسْلِيمًا لِوُقُوعِهِ تَمْكِينًا وَهُوَ الْفِعْلُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّمَكُّنُ وَلَا تَمَكُّنَ فِي الْمُشَاعِ،
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِحُصُولِ التَّمَكُّنِ فِيهِ،
-
وَأَمَّا التَّهَايُؤُ فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ حُكْمًا لِلْعَقْدِ بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ، وَحُكْمُ الْعَقْدِ يَعْقُبُهُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ شَرْطُ الْعَقْدِ وَشَرْطُ الشَّيْءِ يَسْبِقُهُ،
-
وَلَا يُعْتَبَرُ الْمُتَرَاخِي سَابِقًا،
-
نَصِيبًا مِنْ دَارِهِ أَوْ نَصِيبَهُ مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ مِنْ غَيْرِ الشَّرِيكِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءٌ كَانَ النَّصِيبُ مَعْلُومًا كَالرُّبُعِ وَنَحْوِهِ أَوْ مَجْهُولًا (وَقَالَا: يَجُوزُ لِأَنَّ الْمُشَاعَ لَهُ مَنْفَعَةٌ وَلِهَذَا يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ) وَمَا لَهُ مَنْفَعَةٌ يُرَدُّ عَلَيْهِ عَقْدُ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ فَكَانَ الْمُقْتَضِي مَوْجُودًا (وَالْمَانِعُ) وَهُوَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ (مُنْتَفٍ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ بِالتَّخْلِيَةِ أَوْ بِالتَّهَايُؤِ، فَصَارَ كَمَا إذَا آجَرَ مِنْ شَرِيكِهِ أَوْ مِنْ رَجُلَيْنِ وَصَارَ كَالْبَيْعِ.
-
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ آجَرَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ) وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُعَارَضَةً، وَتَقْرِيرُهُ آجَرَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ (لِأَنَّ تَسْلِيمَ الْمُشَاعِ وَحْدَهُ) سَوَاءٌ كَانَ مُحْتَمِلًا لِلْقِسْمَةِ كَالدَّارِ أَوْ لَا كَالْعَبْدِ (غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ) وَمَا لَا يُتَصَوَّرُ تَسْلِيمُهُ لَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَالْإِجَارَةُ عَقْدٌ عَلَى الْمَنْفَعَةِ فَيَكُونُ دَلِيلًا مُبْتَدَأً مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِدَلِيلِ الْخَصْمِ.
-
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُمَانَعَةً وَتَقْرِيرُهُ لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ الْمَانِعِ فَإِنَّهُ آجَرَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّسْلِيمِ وَعَدَمُ التَّسْلِيمِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِجَارَةِ.
-
وَقَوْلُهُ (وَالتَّخْلِيَةُ) جَوَابٌ عَمَّا قَالَا وَالتَّسْلِيمُ مُمْكِنٌ بِالتَّخْلِيَةِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ التَّخْلِيَةَ لَمْ تُعْتَبَرْ تَسْلِيمًا لِذَاتِهَا حَيْثُ اُعْتُبِرَتْ بَلْ لِكَوْنِهَا تَمْكِينًا (وَهُوَ) أَيْ التَّمْكِينُ هُوَ (الْفِعْلُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّمَكُّنُ) فَكَأَنَّهَا اُعْتُبِرَتْ عِلَّةً وَهُوَ وَسِيلَةٌ إلَى التَّمَكُّنِ (وَالتَّمَكُّنُ فِي الْمُشَاعِ غَيْرُ حَاصِلٍ) فَفَاتَ الْمَعْلُولُ
-
وَإِذَا فَاتَ الْمَعْلُولُ لَا مُعْتَبَرَ بِالْعِلَّةِ
-
(بِخِلَافِ الْبَيْعِ) فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ لَيْسَ الِانْتِفَاعَ بَلْ الرَّقَبَةَ وَلِهَذَا جَازَ بَيْعُ الْجَحْشِ فَكَانَ التَّمَكُّنُ بِالتَّخْلِيَةِ فِيهِ حَاصِلًا. وَقَوْلُهُ (وَأَمَّا التَّهَايُؤُ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا أَوْ بِالتَّهَايُؤِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّهَايُؤَ مِنْ أَحْكَامِ الْعَقْدِ بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ فَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْعَقْدِ الْمُوجِبِ لِلْمِلْكِ وَهُوَ مُنْتَفٍ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَلَا يُمْكِنُ
-
وَبِخِلَافِ مَا إذَا آجَرَ مِنْ شَرِيكِهِ فَالْكُلُّ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِهِ فَلَا شُيُوعَ، وَالِاخْتِلَافُ فِي النِّسْبَةِ لَا يَضُرُّهُ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ، وَبِخِلَافِ الشُّيُوعِ الطَّارِئِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلْبَقَاءِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا آجَرَ مِنْ رَجُلَيْنِ؛
-
لِأَنَّ التَّسْلِيمَ يَقَعُ جُمْلَةً ثُمَّ الشُّيُوعُ بِتَفَرُّقِ الْمِلْكِ فِيمَا بَيْنَهُمَا طَارِئٌ.
-
إثْبَاتُهُ بِالتَّهَايُؤِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ثُبُوتُ الشَّيْءِ بِمَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ ثُبُوتًا. وَقَوْلُهُ (وَبِخِلَافِ مَا إذَا آجَرَ مِنْ شَرِيكِهِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا فَصَارَ كَمَا إذَا آجَرَ مِنْ شَرِيكِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إذَا آجَرَ مِنْ شَرِيكِهِ (فَالْكُلُّ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِهِ فَلَا شُيُوعَ) وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شُيُوعٌ؛
-
لَجَازَ الْهِبَةُ وَالرَّهْنُ مِنْ الشَّرِيكِ لَكِنَّهُ لَمْ يَجُزْ.
-
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَا شُيُوعَ يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ وَهُوَ الْمَقْصُودُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَالْمَنْفِيُّ شُيُوعٌ مَوْصُوفٌ،
-
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشُّيُوعُ مَانِعًا لِحُكْمٍ بِاعْتِبَارٍ دُونَ آخَرَ فَيَمْنَعُ عَنْ جَوَازِ الْهِبَةِ مِنْ حَيْثُ الْقَبْضُ فَإِنَّ الْقَبْضَ التَّامَّ لَا يَحْصُلُ فِي الشَّائِعِ، كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّرِيكَ وَالْأَجْنَبِيَّ فِيهِ سَوَاءٌ، وَيَمْنَعُ جَوَازَ الرَّهْنِ لِانْعِدَامِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْحَبْسُ الدَّائِمُ لِأَنَّهُ فِي الشَّائِعِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، وَالشَّرِيكُ وَالْأَجْنَبِيُّ فِيهِ سَوَاءٌ.
-
وَأَمَّا هَاهُنَا فَلَا يَنْعَدِمُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ، وَإِنَّمَا يَتَعَذَّرُ التَّسْلِيمُ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الشَّرِيكِ. وَقَوْلُهُ (وَالِاخْتِلَافُ فِي النِّسْبَةِ لَا يَضُرُّهُ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: سَلَّمْنَا أَنَّ الْكُلَّ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِهِ، لَكِنْ عَلَى اخْتِلَافٍ مَعَ النِّسْبَةِ لِأَنَّ الشَّرِيكَ يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ بِنِسْبَةِ الْمِلْكِ وَبِنَصِيبِ شَرِيكِهِ بِالِاسْتِئْجَارِ فَيَكُونُ الشُّيُوعُ مَوْجُودًا.
-
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي السَّبَبِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ إذَا اتَّحَدَ الْمَقْصُودُ، عَلَى أَنَّا نَمْنَعُ جَوَازَهُ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ فَكَانَ كَالرَّهْنِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
-
وَقَوْلُهُ (وَبِخِلَافِ الشُّيُوعِ الطَّارِئِ) بِأَنْ آجَرَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلَيْنِ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُ تَبْقَى الْإِجَارَةُ فِي نَصِيبِ الْحَيِّ شَائِعًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّسْلِيمِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلْبَقَاءِ) لِأَنَّ الْقُدْرَةَ لِوُجُوبِ التَّسْلِيمِ، وَوُجُوبُهُ فِي الِابْتِدَاءِ دُونَ الْبَقَاءِ لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ ظَاهِرًا إلَّا أَنْ يُجْعَلَ تَمْهِيدًا لِلْجَوَابِ عَنْ قَوْلِهِمَا أَوْ مِنْ رَجُلَيْنِ، لَكِنَّهُ فِي قَوْلِهِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا آجَرَ نَبْوَةً عَنْ ذَلِكَ تُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ.
-
وَقَوْلُهُ (وَبِخِلَافِ مَا إذَا آجَرَ مِنْ رَجُلَيْنِ) جَوَابٌ عَنْ ذَلِكَ، وَوَجْهُهُ مَا قَالَ (إنَّ التَّسْلِيمَ يَقَعُ جُمْلَةً ثُمَّ الشُّيُوعُ بِتَفَرُّقِ الْمِلْكِ فِيمَا بَيْنَهُمَا طَارِئٌ) فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ طَارِئٌ بَلْ هُوَ مُقَارِنٌ لِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً.
-
أُجِيبَ
-
قَالَ: (وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الظِّئْرِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ)
-
بِأَنَّ بَقَاءَ الْإِجَارَةِ لَهُ حُكْمُ الِابْتِدَاءِ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ فَلَا يَكُونُ مُقَارِنًا، وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْغَيْرَ اللَّازِمِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لِلْبَقَاءِ فِيهِ حُكْمُ الِابْتِدَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ هَذَا ابْتِدَاءً وَبَقَاءً سَقَطَ الِاعْتِرَاضُ، وَإِنَّمَا الْخَصْمُ يَقُولُ: لَا بَقَاءَ لِلْعَقْدِ فِيهَا.
-
وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: الطَّرَيَانُ إنَّمَا هُوَ عَلَى التَّسْلِيمِ لَا عَلَى الْعَقْدِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَشُكُّ فِيهِ.
-
قَالَ (وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الظِّئْرِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ إلَخْ) اسْتِئْجَارُ الظِّئْرِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ جَائِزٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يَعْنِي بَعْدَ الطَّلَاقِ،
-
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وَلِأَنَّ التَّعَامُلَ بِهِ كَانَ جَارِيًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَبْلَهُ وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ.
-
ثُمَّ قِيلَ: إنَّ الْعَقْدَ يَقَعُ عَلَى الْمَنَافِعِ وَهِيَ خِدْمَتُهَا لِلصَّبِيِّ وَالْقِيَامُ بِهِ وَاللَّبَنُ يُسْتَحَقُّ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِ بِمَنْزِلَةِ الصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ.
-
وَقِيلَ إنَّ الْعَقْدَ يَقَعُ عَلَى اللَّبَنِ، وَالْخِدْمَةُ تَابِعَةٌ، وَلِهَذَا لَوْ أَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ شَاةٍ لَا تَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ.
-
وَلِأَنَّ التَّعَامُلَ بِهِ كَانَ جَارِيًا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَبْلَهُ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَقِيلَ هُوَ الْمَنَافِعُ وَهِيَ خِدْمَتُهَا لِلصَّبِيِّ وَالْقِيَامُ بِهِ، وَاللَّبَنُ تَبَعٌ كَالصَّبْغِ فِي الثَّوْبِ وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الذَّخِيرَةِ وَالْإِيضَاحِ وَالْمُصَنِّفِ.
-
وَقِيلَ هُوَ اللَّبَنُ وَالْخِدْمَةُ تَابِعَةٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ:
-
وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْعَقْدَ يَرِدُ عَلَى اللَّبَنِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ تَبَعٌ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ مَنْفَعَةُ الثَّدْيِ وَمَنْفَعَةُ كُلِّ عُضْوٍ عَلَى حَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ، وَاسْتَوْضَحَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْجِهَةَ بِقَوْلِهِ: وَلِهَذَا لَوْ أَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ شَاةٍ لَا تَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ، وَبَيَّنَ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُ بِقَوْلِهِ: وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى الْفِقْهِ لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ لَا يَنْعَقِدُ عَلَى إتْلَافِ الْأَعْيَانِ مَقْصُودًا، كَمَنْ اسْتَأْجَرَ بَقَرَةً لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا وَوَعَدَ بِبَيَانِ الْعُذْرِ عَنْ الْإِرْضَاعِ بِلَبَنِ شَاةٍ.
-
وَتَعَجَّبَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مِنْ اخْتِيَارِ الْمُصَنِّفِ مَا أَعْرَضَ عَنْهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ بَعْدَ رُؤْيَتِهِ الدَّلِيلَ الْوَاضِحَ، وَهُوَ تَقْلِيدٌ صِرْفٌ لِأَنَّ الدَّلِيلَ لَيْسَ بِوَاضِحٍ، لِأَنَّ مَدَارَهُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ مَمْنُوعٌ، بَلْ الْمَقْصُودُ هُوَ الْإِرْضَاعُ وَانْتِظَامُ أَمْرِ مَعَاشِ الصَّبِيِّ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ يَتَعَلَّقُ بِأُمُورٍ وَوَسَائِطَ مِنْهَا اللَّبَنُ، فَجَعَلَ الْعَيْنَ الْمَرْئِيَّةَ مَنْفَعَةً.
-
وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى الْفِقْهِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ لَا يَنْعَقِدُ عَلَى إتْلَافِ الْأَعْيَانِ مَقْصُودًا، كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ بَقَرَةً؛ لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا. وَسَنُبَيِّنُ الْعُذْرَ عَنْ الْإِرْضَاعِ بِلَبَنِ الشَّاةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَنَقْضُ الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ أَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ عَقْدٌ عَلَى إتْلَافِ الْمَنَافِعِ مَعَ الْغِنَى عَنْ ذَلِكَ بِمَا هُوَ وَجْهٌ صَحِيحٌ لَيْسَ بِوَاضِحٍ،
-
وَلَا يَتَشَبَّثُ لَهُ بِمَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: اسْتِحْقَاقُ لَبَنِ الْآدَمِيَّةِ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَجَوَازُ بَيْعِ لَبَنِ الْأَنْعَامِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِحْقَاقُهُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَلَئِنْ كَانَ فَنَحْنُ مَا مَنَعْنَا أَنْ يَسْتَحِقَّ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ
-
وَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا يَصِحُّ إذَا كَانَتْ الْأُجْرَةُ مَعْلُومَةً اعْتِبَارًا بِالِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْخِدْمَةِ.
-
قَالَ: (وَيَجُوزُ بِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا اسْتِحْسَانًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ) ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ مَجْهُولَةٌ فَصَارَ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَهَا لِلْخَبْزِ وَالطَّبْخِ. لَهُ أَنَّ الْجَهَالَةَ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْعَادَةِ التَّوْسِعَةَ عَلَى الْأَظْآرِ شَفَقَةٌ عَلَى الْأَوْلَادِ فَصَارَ كَبَيْعِ قَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ،
-
بِخِلَافِ الْخَبْزِ وَالطَّبْخِ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِيهِ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ:
-
فَإِنْ سَمَّى الطَّعَامَ دَرَاهِمَ وَوَصَفَ جِنْسَ الْكِسْوَةِ وَأَجَلَهَا وَذَرْعَهَا فَهُوَ جَائِزٌ) يَعْنِي بِالْإِجْمَاعِ
-
فِي اسْتِحْقَاقِهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَقْصُودًا أَوْ تَبَعًا وَلَيْسَ فِي كَلَامِ مُحَمَّدٍ مَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي مِنْ جَوَازِ الْإِجَارَةِ بِأَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ (صَحَّتْ إذَا كَانَتْ الْأُجْرَةُ مَعْلُومَةً اعْتِبَارًا بِاسْتِئْجَارِ عَبْدٍ لِلْخِدْمَةِ مَثَلًا) فَإِنْ قِيلَ: قَدْ عُلِمَ مِنْ أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ جَوَازُهَا حَيْثُ صَدَرَ الْحُكْمُ فَاسْتَدَلَّ فَمَا فَائِدَةُ هَذَا الْكَلَامِ؟
-
قُلْت: أَثْبَتَ جَوَازَهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ إلَى إثْبَاتِهَا بِالْقِيَاسِ،
-
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ
-
(وَيَجُوزُ بِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا) يَعْنِي جَازَتْ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ وَبِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا أَيْضًا (اسْتِحْسَانًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِأَنَّ الْعَادَةَ الْجَارِيَةَ بِالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْأَظْآرِ شَفَقَةٌ عَلَى الْأَوْلَادِ تَرْفَعُ الْجَهَالَةَ،
-
بِخِلَافِ مَا قَالَاهُ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ الْإِجَارَاتِ كَالْخَبْزِ وَالطَّبْخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْجَهَالَةَ فِيهَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَلَا يَجُوزُ بِطَعَامِ الطِّبَاخَةِ وَكِسْوَتِهَا
-
وَمَعْنَى تَسْمِيَةِ الطَّعَامِ دَرَاهِمَ أَنْ يَجْعَلَ الْأُجْرَةَ دَرَاهِمَ ثُمَّ يَدْفَعُ الطَّعَامَ مَكَانَهُ، وَهَذَا لَا جَهَالَةَ فِيهِ (وَلَوْ سَمَّى الطَّعَامَ وَبَيَّنَ قَدْرَهُ جَازَ أَيْضًا) لِمَا قُلْنَا،
-
وَذِكْرُ رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إشَارَةٌ إلَى مَا يَجْعَلُهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ بِمَعْرِفَةِ الْجِنْسِ وَالْأَجَلِ وَالْمِقْدَارِ، وَفَسَّرَ قَوْلَهُ فَإِنْ سَمَّى الطَّعَامَ دَرَاهِمَ (بِأَنْ يَجْعَلَ الْأُجْرَةَ دَرَاهِمَ ثُمَّ يَدْفَعُ الطَّعَامَ مَكَانَهُ) أَيْ مَكَانَ الْمُسَمَّى مِنْ الدَّرَاهِمِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَهَذَا التَّفْسِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ، وَلَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: أَيْ سَمَّى الدَّرَاهِمَ الْمُقَدَّرَةَ بِمُقَابَلَةِ طَعَامِهَا،
-
يَجوزُ في الدُّورِ وَشِبْهِهَا الكِرَالمُدَّةٍ حُدَّتْ وَشَيْءٍ قُدِّرَا
-
وَلاَ خُرُوجَ عنه إلاَّ بالرِّضَاحتى يُرَى أَمَدُهُ قَدِ انْقَضَى
-
وَجائِزٌ أَنْ يُكْتَرَى بِقَدْرِمُعَيَّنٍ في العام أو في الشَّهْرِ
-
وَمنْ أرادَ أَنْ يَحُلَّ ما انْعَقَدْكانَ لهُ ما لَمْ يَحُدَّ بعَدَدْ
-
وحَيْثُمَا حُلَّ الكِرَا يَدْفَعُ مَنْقَدِ اكتَرَى مِنْهُ بِقَدْرِ ما سَكن
-
كَذاكَ إنْ بَعْضُ الكِرَاءِ قُدِّمَافَقَدْرُهُ مِنَ الكِرَاءِ لَزِمَا
-
وشَرْطُ ما في الدُّورِ مِنْ نَوْعِ الثَّمَرْإذَا بَدَا الصَّلاحُ فيهِ مُعْتَبَرْ
-
وَغَيْرُ بادِي الطَّيبِ إنْ قَلَّ اشْتُرطْحيثُ يُطيبُ قَبْلَ مالِه ارْتُبِطْ
-
وما كنَحْلٍ أوْ حَمامٍ مُطْلَقَادُخولُهُ في الاكتراءِ مُتْقى
-
وَجازَ شَرْطُ النَّقْدُ في الأرحاءِبِحَيْثُ لا يُخْشَى انقِطاعُ الماءِ
-
وبِالدَّقيقِ والطَّعام تُكتَرَىوالبَدُّ بالزَّيْتِ ويُنقَدُ الكرَا
-
والأرضُ لا تُكْرَى بِجُزْءٍ تُخْرِجُهْوالفَسْخُ مَعْ كِراءِ مِثْلٍِ مَخْرَجُهْ
-
ولا بِما تُنْبِتُهُ غَيْرَ الخَشَبْمِنْ غَيْرِ مَزْروع بِها أوِ القَصَبْ
-
ولا بِمَا كانَ مِنَ الْمَطْعومِكالشَّهْدِ واللبَنِ واللُّحومِ
-
وتُكْتَرَى الأَرْضُ لِمُدَّةٍ تُحَدْمِنْ سَنَةٍ والعَشْرُ مُنْتَهَى الأمدْ
-
وإن تَكُنْ شَجَرَةٌ بِمَوْضِعْجازَ اكْتِراؤها بِحُكْمِ التَّبَعِ
-
ومُكْتَرٍ أرضًا وبَعْدَ أنْ حَصَدْأصاب زَرْعَهُ انتِشارٌ بالبَرَد
-
فنابِتٌ بَعْدُ مِنْ المُنْتَثِرِهُوَ لرَبِّ الأَرْضِ لا للْمُكْتَري
-
وجائِزٌ كِراءُ الأرضِ بالسَّنَهْوالشَّهْرِ في زراعةٍ مُعَيَّنَه
-
وَمُتوالِي القَحْطِ والأَمْطارِجائحَةُ الكِراءِ مثلُ الفارِ
-
ويَسْقُطُ الكِراءُ إمَّا جُمْلَهأوْ بِحِسابِ ما الفسادُ حلَّهْ
-
ولَيْسَ يَسْقُطُ الكرا في مُوجَدِبِمثلِ صرٍ أَوْ بِمِثْلِ بَرَدِ
-
والعَرْضُ إنْ عُرِف عينا فالكِرَايَجوزُ فيهِ كالسُّروجِ والفرَا
-
ومُكْتَرٍ لذاك لاَ يَضْمَنُ مَايَتْلَفُ عِنْدَهُ سِوَى إنْ ظَلَمَا
-
وهْوَ مُصَدَّقٌ مَعَ اليَمينِوإنْ يَكُنْ مَنْ لَيْسَ بالمأمونِ
-
والمُكْتَري إنْ ماتَ لَمْ يَحِنْ كِرَاواسْتُؤْنِفَ الكِرَاءُ كيفَ قُدِّرَا
-
حيثُ أَبَى الوارِثُ إتْمامَ الأَمَدْواسْتَوْجَبوا أَخْذَ الْمَزيد في العَدَد
-
والنَّقْصُ بَيْنَ العَدَدَيْنِ إنْ وُجِدْلهُ وفاءٌ مِن تُراثِ مَنْ فُقِد
-
وفي امْرِئٍ مُمَتَّع بالماليَموتُ قَبْلَ وَقْتِ الإسْتِغْلالِ
-
وَقامَتِ الزَّوْجَةُ تَطْلُبُ الكِرَاقَوْلانِ والفَرْقُ لِمَنْ تَأَخَّرَا
-
وحالةُ الْمَنْعِ هِيَ الْمُسْتَوْضَحَهْوَشَيْخُنا أبو سعيدٍ رجحَهْ
-
وشَيْخُهُ مُحَمَّدُ بنُ بَكْرِإلى الوفاةِ مالَ عندَ النَّظَرِ
-
فإنْ تَكنْ والإزْدِراعُ قَدْ مَضَىإبَّانُهُ فَلاَ كِرَاءَ يُقْتَضَى
-
وإنْ تَكُنْ ووَقْتُ الإزْدِراعِباقٍ فَمَا الكِراءُ ذو امْتناعِ
-
وفي الطَّلاقِ زرْعُهُ للزَّارِعِثُمَّ الكِراءُ ما لَهُ مِنْ مانِعِ
-
وَخُيِّرَتْ في الحرثِ في إعطاءِقيمتِهِ والأخْذِ للْكِراءِ
-
وَحَيثُما الزَّوْجَةُ ماتَتْ فالكِرَاعَلَى الأَصَحِّ لازمٌ مَنْ عَمَّرَا
-
بِقَدْرِ ما بَقِيَ لِلْحَصَادِمِنْ بَعْدِ رعْي حَظِّهِ الْمُعْتادِ
-
وَإنْ تَقَعْ وقَدْ تَناهَى الفُرْقَهْفالزَّوْجُ دونَ شَيْءٍ اسْتَحَقَّهْ
-
وَنُزِّلَ الوارِثُ في التَّأْنيثِوَعَكْسِهِ مَنْزِلَة الْمَوْروثِ
فصل في اختلافِ المُكْرِي والمكتَري
-
القَوْلُ لِلْمُكْري مَعَ الْحلْفِ اعْتُمِدْفي مُدَّةِ الكِراءِ حيثُ يَنْتَقِدْ
-
وَمَعَ سكنى المُكْترِ وما نَقَدْتحالفَا والفسخُ في باقي الأَمَد
-
ثمَّ يؤدِّي مَا عليهِ حَلَفَافي أَمَدِ السُّكْنَى الذي قَدْ سَلَفَا
-
وإن يكونا قبلَ سُكْنَى اخْتَلَفَافالفسخُ مهما نكَلا أو حَلَفَا
-
والقوْلُ في ذلك قولُ الحالِفِفي لاحقِ الزَّمانِ أو في السَّالِفِ
-
وإن يَكنْ في القَدْرِ قبل السُّكْنَىتحالَفَا والفَسْخُ بَعْدُ سُنَّا
-
وإنْ يَكُنْ من بعدِ سكنَى أقْسَمَاوفسْخُ باقي مُدَّةٍ قد لزمَا
-
وَحِصَّة السكْنَى يُؤَدِّي المكْتَريإنْ كانَ لَمْ يَنْقُدْ لماضي الأَشْهُرِ
-
والقوْلُ من بعدِ انْقِضاءِ الأَمَدللمُكْتَري والحَلْفُ إنْ لَمْ يَنْقُدِ
-
كَذاكَ حُكْمُهُ مَعَ ادعائِهِلِقدْرِ باقي مُدَّةِ اكْتِرائِهِ
-
والقولُ في القبضِ وفي الْجِنْسِ لِمَنْشاهِدُهُ مَعْ حَلْفِهِ حالُ الزمَنْ
-
وفي الرَّواحِلِ الكِراءُ والسُّفُنعَلَى الضَّمانِ أو بتعيين حَسَن
-
ويُمْنَعُ التَّأجيلُ في المَضْمونِومُطْلَقًا جازَ بِذي التعيين
-
وَحيْثُ مكترٍ لعُذْرٍ يَرْجِعُفَلاَزِمٌ لهُ الكِراءُ أَجْمَعُ
-
وواجِبٌ تعيينُ وَقْتِ السَّفَرِفي السُّفُنِ والْمَقَرِّ للَّذي اكتُرِي
-
وَهُوَ عَلَى البَلاَغِ إنْ شَيْءٌ جَرَىفيها فَلاَ شَيْءَ لَهُ مِنَ الْكِرَا
-
العَمَلُ المَعلومُ مِنْ تَعيِينهِيَجوزُ فِيهِ الأَجْرُ مَعْ تَبيينِهِ
-
وللأَجيرِ أُجْرةٌ مُكَمَّلَهْإنْ تَمَّ أَوْ بِقَدْرِ مَا قد عَمِلَهْ
-
والقَوْلُ لِلْعامِلِ حيثُ يَخْتَلِفْفي شأنِها بَعْدَ الفَراغِ إنْ حَلَفْ
-
وَإِنْ جَرى النِّزاعُ قبلَ العَمَلِتَحَالَفَا والرَّدُّ بَيِّنٌ جَلِي
-
وَإنْ يَكُنْ في صِفَةِ الْمَصنوعِأَوْ نَوْعِهِ النِّزاعُ ذا وُقوعِ
-
فالقولُ للصَّانِعِ من بَعْدِ الْحلِفْوذاكَ في مِقْدارِ أُجْرَةٍ عُرِفْ
-
وَإِنْ يَكُنْ مِنْهُ نُكولٌ حَلَفَارَبُّ الْمَتاعِ وَلَهُ مَا وَصَفَا
-
والقَوْلُ قَوْلُ صاحِبِ الْمَتاعِ فيتنازُعٍ في الرَّدِّ مَعْ حَلْفٍ قُفِي
-
والقَوْلُ للأجيرِ إنْ كانَ سأَلْبالقُرْبِ مِنْ فَراغِهِ أَجْرَ العَمَلْ
-
بَعْدَ يَمينِهِ لمنْ يُناكِرُوبَعْدَ طولٍ يَحْلِفُ الْمُسْتَأْجِرُ
-
والْوَصْفُ مِنْ مُسْتَهْلِكٍ لمَا تَلَفْفي يَدِهِ يُقْتَضَى بِهِ بَعْدَ الْحَلِفْ
-
وشَرْطُهُ إِتْيانُهُ بِمشْبِهِوَإِنْ بِجَهْلٍ أَوْ نُكولٍ يَنْتَهي
-
فالْقَوْلُ قولُ خَصْمِهِ في وَصْفِهِمُسْتَهْلِكًا بِمُشْبِهٍ مَعْ حَلْفِهِ
-
وَكُلُّ مَنْ ضَمِنَ شَيْئًا أتْلَفَهْفَهْوَ مُطالَبٌ بِهِ أنْ يُخْلِفَهْ
-
وفي ذواتِ المِثْلِ مِثْلٌ يَجِبُوقِيمَةٌ في غَيْرِهِ تَسْتَوْجِبُ
-
الجُعْلُ عَقْدٌ جائزٌ لاَ يَلْزَمُلكن بِهِ بعدَ الشُّروعِ يُحْكَمُ
-
ولَيْسَ يَسْتَحِقُّ مِمَّا يُجْعَلُشَيْئًا سِوَى إذَا يَتِمُّ العَمَلُ
-
كالحَفْرِ لِلْبِئْرِ وَرَدِّ الآبِقِوَلاَ يُحَدُّ بِزَمانٍ لاَئِقِ
-
شرطها كبائع ومشتر
-
والصيغة آجرتك هذا أو أكريتك أو ملكتك منافعه سنة بكذا فيقول قبلت أو استأجرت أو اكتريت
-
والأصح انعقادها بقوله آجرتك منفعتها
-
ومنعها بقوله بعتك منفعتها
-
وهي قسمان واردة على عين كإجارة العقار ودابة أو شخص معينين
-
وعلى الذمة كاستئجار دابة موصوفة وبأن يلزم ذمته خياطة أو بناء
-
ولو قال استأجرتك لتعمل كذا فإجارة عين
-
وقيل: ذمة
-
ويشترط في إجارة الذمة تسليم الأجرة في المجلس
-
وإجارة العين لا يشترط ذلك فيها
-
ويجوز فيها التعجيل والتأجيل إن كانت في الذمة
-
وإذا أطلقت تعجلت
-
وإن كانت معينة ملكت في الحال
-
ويشترط كون الأجرة معلولة
-
فلا تصح بالعمارة والعلف
-
ولا ليسلخ بالجلد
-
ويطحن ببعض الدقيق أو بالنخالة
-
ولو استأجرها لترضع رقيقا ببعضه في الحال جاز على الصحيح
-
وكون المنفعة متقومة
-
فلا يصح استئجار بياع على كلمة لا تتعب وإن روجت السلعة
-
وكذا دراهم ودنانير للتزيين وكلب للصيد في الأصح
-
وكون المؤجر قادرا على تسليمها
-
فلا يصح استئجار آبق ومغصوب
-
وأعمى للفحظ
-
وأرض للزراعة لا ماء لها دائم ولا يكفيها المطر المعتاد
-
ويجوز أن كان لها ماء دائم
-
وكذا إن كفاها المطر المعتاد أو ماء الثلوج المجتمعة والغالب حصولها في الأصح
-
والامتناع الشرعي كالحسي
-
فلا يصح استئجار لقلع سن صحيحة
-
ولا حائض لخدمة مسجد
-
وكذا منكوحة لرضاع أو غيره بغير إذن الزوج في الأصح
-
ويجوز تأجيل المنفعة في إجارة الذمة كألزمت ذمتك الحمل إلى مكة أول شهر كذا
-
ولا يجوز إجارة عين لمنفعة مستقبلة
-
فلو أجر السنة الثانية لمستأجر الأولى قبل انقضائها جاز في الأصح
-
ويجوز كراء العقب في الأصح
-
وهو أن يؤجر دابة رجلا ليركبها بعض الطريق أو رجلين ليركب هذا أياما وذا أياما ويبين البعضين ثم يقتسمان.
فصل
-
يشترط كون المنفعة معلومة
-
ثم تارة تقدر بزمان كدار سنة
-
وتارة بعمل كدابة إلى مكة وكخياطة ذا الثوب
-
فلو جمعهما فاستأجره ليخيطه بياض النهار لم يصح في الأصح
-
وبقدر تعليم القرآن بمدة أو تعيين سور
-
وفي البناء يبين الموضع والطول والعرض والسمك وما يبني به إن قدر بالعمل
-
وإذا صلحت الأرض لبناء وزراعة وغراس اشترط تعيين المنفعة
-
ويكفي تعيين الزراعة عن ذكر ما يزرع في الأصح
-
ولو قال لتنتفع بها بما شئت صح
-
وكذا لو قال إن شئت فازرع وإن شئت فاغرس في الأرض
-
ويشترط في إجارة دابة لركوب معرفة الراكب بمشاهدة أو وصف تام
-
وقيل: لا يكفي الوصف
-
وكذا الحكم فيما يركب عليه من محمل وغيره إن كان له
-
ولو شرط حمل المعاليق مطلقا فسد العقد في الأصح
-
وإن لم يشرطه لم يستحق
-
ويشترط في إجارة العين تعيين الدابة
-
وفي اشتراط رؤيتها الخلاف في بيع الغائب
-
وفي إجاره الذمة ذكر الجنس والنوع والذكورة أو الأنوثة
-
ويشترط فيهما بيان قدر السير كل يوم
-
إلا أن يكون بالطريق منازل مضبوطة فينزل عليها
-
ويجب في الإيجار للحمل أن يعرف المحمول
-
فإن حضر رآه وامتحنه بيده إن كان في ظرف
-
وإن غاب قدر بكيل أو وزن وجنسه
-
لا جنس الدابة وصفتها إن كانت إجارة ذمة
-
إلا أن يكون المحمول زجاجا ونحوه.
فصل
-
لا تصح إجارة مسلم لجهاد
-
ولا عبادة تجب لها نية
-
إلا الحج وتفرقة زكاة
-
وتصح لتجهيز ميت ودفنه
-
وتعليم القرآن
-
ولحضانة وإرضاع معا
-
ولأحدهما فقط
-
والأصح أنه لا يستتبع أحدهما الآخر
-
والحضانة حفظ صبي وتعهده بغسل رأسه وبدنه وثيابه ودهنه وكحله وربطه في المهد وتحريكه لينام ونحوها
-
ولو استأجر لهما فانقطع اللبن فالمذهب انفساخ العقد في الإرضاع دون الحضاة
-
والأصح أنه لا يجب حبر وخيط وكحل على وراق وخياط وكحال.
-
قلت: صحح الرافعي في الشرح الرجوع فيه إلى العادة فإن اضطربت وجب البيان وإلا فتبطل الإجارة. والله أعلم.
فصل
-
يجب تسليم مفتاح الدار إلى المكتري
-
وعمارتها على المؤجر
-
فإن بادر وأصلحها وإلا فللمكتري الخيار
-
وكسح الثلج عن السطح على المؤجر
-
وتنظيف عرصة الدار عن ثلج وكناسه على المكتري
-
وإن أجر دابة لركوب فعلى المؤجر الكاف وبرذعة وخرام وثفر وبرة وخطام
-
وعلى المكتري محمل ومظلة ووطاء وغطاء وتوابعها
-
والأصح في السرج اتباع العرف
-
وظرف المحمول على المؤجر في إجارة الذمة
-
وعلى المكتري في إجارة العين
-
وعلى المؤجر في إجارة الذمة الخروج مع الدابة لتعهدها وإعانة الراكب في ركوبه ونزوله بحسب الحاجة ورفع الحمل وحطه وشد المحمل وحله
-
وليس عليه في إجارة العين إلا التخلية بين المكتري والدابة
-
وتنفسخ إجارة العين بتلف الدابة
-
ويثبت الخيار بعيبها
-
ولا خيار في إجارة الذمة بل يلزمه الإبدال
-
والطعام المحمول ليؤكل يبدل إذا أكل في الأظهر.
فصل
-
يصح عقد الإجارة مدة تبقى فيها العين غالبا
-
وفي قول لا يزاد على سنة
-
وفي قوله ثلاثين
-
وللمكتري استيفاء المنفعة بنفسه وبغيره فيركب ويسكن مثله
-
ولا يسكن حدادا ولا قصارا
-
وما يستوفي منه كدار ودابة معينة لا يبدل
-
وما يستوفي به كثوب وصبي عين للخياطة والإرتضاع يجوز إبداله في الأصح
-
ويد المكتري على الدابة والثوب يد أمانة مدة الإجارة
-
وكذا بعدها في الأصح
-
ولو ربط دابة اكتراها لحمل أو ركوب ولم ينتفع بها لم يضمن
-
إلا إذا انهدم عليها اصطبل في وقت لو انتفع بها لم يصبها الهدم
-
ولو تلف المال في يد أجير بلا تعد كثوب استؤجر لخياطته أو صبغه لم يضمن إن لم ينفرد باليد بأن قعد المستؤجر معه أو أحضره منزله
-
وكذا إذا انفرد في أظهر الأقوال
-
والثالث: يضمن المشترك
-
وهو من التزم عملا في ذمته
-
لا المنفرد
-
وهو من أجر نفسه مدة معينة لعمل
-
ودفع ثوبا إلى قصار ليقصره أو خياط ليخيطه ففعل ولم يذكر أجرة فلا أجرة له
-
وقيل: له
-
وقيل: إن كان معروفا بذلك العمل فله وإلا فلا وقد يستحسن
-
ولو تعدى المستأجر بأن ضرب الدابة وكبحها فوق العادة أو أركبها أثقل منه أو أسكن حدادا أو قصارا ضمن العين
-
وكذا لو اكترى لحمل مائة رطل من حنطة فحمل مائة شعيرا أو عكس أو لعشرة أقفزة شعير فحمل حنطة دون عكسه
-
ولو اكترى لمائة فحمل مائة وعشرة لزمه أجرة المثل للزيادة
-
وإن تلفت بذلك ضمنها إن لم يكن صاحبها معها
-
فإن كان ضمن قسطا للزيادة
-
وفي قول نصف القيمة
-
ولو سلم المائة والعشرة إلى المؤجر فحملها جاهلا ضمن المكتري على المذهب
-
ولو وزن المؤجر وحمل فلا أجرة للزيادة ولا ضمان إن تلفت
-
ولو أعطاه ثوبا ليخيطه فخاطه قباء وقال أمرتني بقطعه قباء فقال بل قميصا فالأظهر تصديق المالك بيمينه ولا أجرة عليه وعلى الخياط أرش النقص.
فصل
-
لا تنفسخ الأجرة بعذر كتعذر وقود حمام وسفر ومرض مستأجر دابة لسفر
-
ولو استأجر أرضا لزراعة فزرع فهلك الزرع بجائحة فليس له الفسخ ولا حط شيء من الأجرة
-
وتنفسخ بموت الدابة والأجيبر المعينين في المستقبل
-
لا الماضي في الأظهر فيستقر قسطه من المسمى
-
ولا تنفسخ بموت العاقدين ومتولي الوقف
-
ولو أجر البطن الأول مدة ومات قبل تمامها أو الولي صبيا مدة لا يبلغ فيها بالسن فبلغ بالاحتلام فالأصح انفساخها في الوقف لا الصبي
-
وإنها تنفسخ بانهدام الدار
-
لا انقطاع ماء أرض استؤجرت لزراعة بل يثبت الخيار
-
وغصب الدابة وإباق العبد تثبت الخيار
-
ولو أكرى جمالا وهرب وتركها عند المكتري راجع القاضي ليمونها من مال الجمال
-
فإن لم يجد له مالا اقترض عليه
-
فإن وثق بالمكتري دفعه إليه وإلا جعله عند ثقة
-
وله أن يبيع منها قدر النفقة
-
ولو أذن للمكتري في الإنفاق من ماله ليرجع جاز في الأظهر
-
ومتى قبض المكتري الدابة أو الدار وأمسكها حتى مضت مدة إجارة استقرت الأجرة وإن لم ينتفع
-
وكذا لو اكترى لركوب إلى موضع وقبضها ومضت مدة إمكان السير إليه
-
وسواء فيه إجارة العين والذمة إذا سلم الدابة الموصوفة
-
وتستقر في الإجارة الفاسدة أجرة المثل بما يستقر به المسمى في الصحيفة
-
ولو أكرى عينا مدة ولم يسلمها حتى مضت انفسخت
-
ولو لم يقدر مدة وأجر لركوب إلى موضع ولم يسلما حتى مضت مدة السير فالأصح أنها لا تنفسخ
-
ولو أجر عبده ثم أعتقه فالأصح أنها لا تنفسخ الإجارة
-
وأنه لا خيار للعبد
-
والأظهر أنه لا يرجع على سيده بأجرة ما بعد العتق
-
ويصح بيع المستأجرة للمكتري
-
ولا تنفسخ الإجارة في الأصح
-
ولو باعها لغيره جاز في الأظهر
-
ولا تنفسخ.
-
هي كقوله من رد آبقي فله كذا
-
ويشترط صيغه تدل على العمل بعوض ملتزم
-
فلو عمل بلا إذن أو أذن لشخص فعمل غيره فلا شيء له
-
ولو قال أجنبي من رد عبد زيد فله كذا استحقه الراد على الأجنبي
-
وإن قال: قال زيد من رد عبدي فله كذا وكان كاذبا لم يستحق عليه ولا على زيد
-
ولا يشترط قبول العامل وإن عينيه
-
وتصح على عمل مجهول
-
وكذا معلوم في الأصح
-
ويشترط كون الجعل معلوما
-
فلو قال من رده فله ثوب أو أرضيه فسد العقد وللراد أجرة مثله
-
ولو قال من بلد كذا فرده من أقرب منه فله قسطه من الجعل
-
ولو اشترط اثنان في رده اشتركا في الجعل
-
ولو التزم جعلا لمعين فشاركه غيره في العمل إن قصد إعانته فله كل الجعل
-
وإن قصد العمل للمالك فللأول قسطه ولا شيء للمشارك بحال
-
ولكل منهما الفسخ قبل تمام العمل
-
فإن فسخ قبل الشروع أو فسخ العامل بعد الشروع فلا شيء له
-
وإن فسخ المالك بعد الشروع فعليه أجرة المثل في الأصح
-
وللمالك أن يزيد وينقص في الجعل قبل الفراغ
-
وفائدته بعد الشروع وجوب أجرة المثل
-
ولو مات الآبق في بعض الطريق أو هرب فلا شيء للعامل
-
وإذا رده فليس له حبسه لقبض الجعل
-
ويصدق المالك إذا أنكر شرط الجعل أو سعيه في رده
-
فإن اختلفا في قدر الجعل تحالفا.
-
شروطها ثلاثة:
-
معرفة المنفعة معرفة الأجرة كون النفع مباحا يستوفى دون الأجزاء.
-
فتصح إجارة كل ما أمكن الإنتفاع به مع بقاء عينه إذا قدرت منفعته بالعمل كركوب الدابة لمحل معين أو قدرت بالأمد وإن طال حيث كان يغلب على الظن بقاء العين
-
والإجارة ضربان:
-
الأول: على عين فإن كانت موصوفة اشترط فيها استقصاء صفات السلم وكيفية السير من هملاج وغيره لا الذكورة والأنوثة والنوع.
-
وإن كانت معينة اشترط معرفتها والقدرة على تسليمها وكون المؤجر يملك نفعها وصحة بيعها سوى حر ووقف وأم ولد واشتمالها على النفع المقصود منها فلا تصح في زمنة لحمل وسبخة لزرع.
-
الثاني: على منفعة في الذمة فيشترط ضبطها بما لا يختلف كخياطة ثوب بصفة كذا و بناء حائط يذكر طوله وعرضه وسمكه وآلته وأن لا يجمع بين تقدير المدة والعمل: كـ "يخيطه في يوم" .
-
وكون العمل لا يشترط أن يكون فاعله مسلما فلا تصح الإجارة لأذان وإقامة وتعليم قرآن وفقه وحديث ونيابة في حج وقضاء ولا يقع إلا قربة لفاعله.
-
ويحرم أخذ الأجرة عليه وتجوز الجعالة.
-
وللمستأجر استيفاء النفع بنفسه: ولمن يقوم مقامه لكن بشرط كونه مثله في الضرر أو دونه.
-
وعلى المؤجر كل ما جرت به العادة من آلة المركوب والقود والسوق والشيل والحط وترميم الدار بإصلاح المنكسر وإقامة المائل وتطيين السطح وتنظيفه من الثلج ونحوه.
-
وعلى المستأجر المحمل والمظلة وهي: الكبير من الأخبية وتفريغ البالوعة والكنيف وكنس الدار من الزبل ونحوه إن حصل بفعله.
-
والإجارة عقد لازم لا تنفسخ بموت المتعاقدين ولا بتلف المحمول ولا بوقف العين المؤجرة ولا بانتقال الملك فيها بنحو هبة.
-
وبيع ولمشتر لم يعلم الفسخ أو: الإمضاء والأجرة له.
-
وتنفسخ بتلف العين المؤجرة المعينة وبموت المرتضع وهدم الدار.
-
ومتى تعذر استيفاء النفع ولو بعضه من جهة المؤجر فلا شيء له ومن جهة المستأجر فعليه جميع الأجرة.
-
وإن تعذر بغير فعل أحدهما كشرود المؤجرة وهدم الدار ووجب منها الأجرة بقدر ما استوفى.
-
إن هرب المؤجر وترك بهائمه وأنفق عليها المستأجر بنية الرجوع رجع لأن النفقة على المؤجر كالمعير.
-
والأجير قسمان: خاص: وهو من قدر نفعه بالزمن ومشترك: وهو: من قدر نفعه بالعمل.
-
فالخاص لا يضمن ما تلف يده إلا إن فرط.
-
والمشترك يضمن ما تلف بفعله من تخريق وغلط في تفصيل وبزلقه وبسقوط عن دابتة وبانقطاع حبله لا ما تلف بحرزه أو بغير فعله إن لم يفرط.
-
ولا يضمن حجام وختان وبيطار خاصا كان أو مشتركا إن كان حاذقا ولم تجن يده وأذن فيه مكلف أو وليه ولا راع لم يتعد أو يفرط بنوم أو غيبتها عنه.
-
ولا يصح أن يرعاها بجزء من نمائها.
-
وتستقر الأجرة بفراغ العمل وبانتهاء المدة
-
وكذا ببذل تسليم العين إذا مضى مدة يمكن استيفاء المنفعة فيها ولم تستوف.
-
ويصح: شرط تعجيل الأجرة وتأجيرها.
-
وإن اختلفا في قدرها تحالفا وتفاسخا وإن كان قد استوفى ما له أجرة فأجرة المثل.
-
والمستأجر أمين لا يضمن ولو شرط على نفسه الضمان إلا بالتفريط ويقبل قوله في أن لم يفرط وأن ما استأجره أبق أو شرد أو مرض أو مات.
-
وإن شرط عليه أن لا يسير بها في الليل أو وقت القائلة أو لا يتأخر بها عن القافلة ونحو ذلك مما فيه غرض صحيح فخالف ضمن ومتى انقضت الإجارة رفع المستأجر يده ولم يلزمه الرد ولا مؤنته كالمودع.
-
وهي جعل مال معلوم لمن يعمل له عملا مباحاً ولو مجهولاً كقوله: من رد لقطتي أو بنى لي هذا الحائط أو أذن بهذا المسجد شهرا فله كذا.
-
فمن فعل العمل بعد أن بلغه الجعل استحقه كله وإن بلغه في أثناء العمل استحق حصة تمامه وبعد فراغ العمل لم يستحق شيئا.
-
وإن فسخ الجاعل قبل تمام العمل لزمه أجرة المثل وإن فسخ.
-
العامل فلا شيء له.
-
ومن عمل لغيره عملا بإذنه من غير تقدير أجرة و جعالة فله أجرة المثل.
-
وبغير إذنه فلا شيء له إلا في مسألتين:
-
إحداهما: أن يخلص متاع غيره من مهلكه فله أجرة مثله.
-
الثانية: أن يرد رقيقا آبقا لسيده فله ما قدره الشارع وهو دينار أو اثنا عشر درهما.
في كتب الخلاف
الإجماعابن المنذركتاب الإجارات١٢ مسألة
التجريدالقدوريمسألة ٨٦٣، مسألة ٨٦٤، مسألة ٨٦٦٣٧ مسألة
المبسوطالسرخسيبَابُ الْإِجَارَةِ فِي الصِّيَاغَةِ، بَابُ الْإِجَارَةِ فِي عَمَلِ التَّمْوِيهِ، كِتَابُ الْإِجَارَاتِ١٬٤٢٩ مسألة
بداية المجتهدابن رشدكِتَابُ الْإِجَارَاتِ [الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي أَنْوَاعِ الْإِجَارَاتِ وَشُرُوطِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ]، كِتَابُ الْإِجَارَاتِ، الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي أَنْوَاعِهَا وَشُرُوطِ الصِّحَّةِ، وَالْفَسَادِ.٢٠٣ مسألة
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»كتاب الإجارة١٬٠١٥ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»لا كلام له في هذا الباب
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»بَابُ الْإِجَارَةِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ١٬٢٢٦ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريتعريفها وأركانها وأقسامها، شروط الإجارة، مبحث ما تجوز إجارته وما لا تجوز٥٥١ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونالباب الثالث: مسائل الإجماع في كتاب الإجارة، الباب الخامس: مسائل الإجماع في كتاب الجعالة، الباب السادس: مسائل في الإجماع في كتاب الصلح١٬٣٩٣ مسألة
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقاف١٤ - الإجارة، * حكم الإجارة:، * حكمة مشروعية الإجارة:٥٩ مسألة
عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: الإجارة والجعالة