الإيلاء والظهار واللعان
الأسرة
في متون المذاهب الأربعة
-
اعْلَمْ بِأَنَّ الظِّهَارَ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَرَّرَ الشَّرْعُ أَصْلَهُ وَنَقَلَ حُكْمَهُ إلَى تَحْرِيمٍ مُؤَقَّتٍ بِالْكَفَّارَةِ
-
مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُزِيلًا لِلْمِلْكِ بَيَانُهُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} الْآيَةُ وَسَبَبُ نُزُولِهَا «قِصَّةُ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ فَإِنَّهَا قَالَتْ كُنْت تَحْتَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَدْ سَاءَ خُلُقُهُ لِكِبَرِ سِنِّهِ فَرَاجَعْته فِي بَعْضِ مَا أَمَرَنِي بِهِ فَقَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ فِي نَادِي قَوْمِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيَّ وَرَاوَدَنِي عَنْ نَفْسِي فَقُلْت وَاَلَّذِي نَفْسُ خَوْلَةَ بِيَدِهِ لَا تَصِلُ إلَيَّ قَدْ قُلْت مَا قُلْتَ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِي ذَلِكَ فَوَقَعَ عَلَيَّ فَدَفَعْته بِمَا تَدْفَعُ بِهِ الْمَرْأَةُ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَقَدْ خَرَجْت إلَى بَعْضِ جِيرَانِي فَأَخَذْت ثِيَابًا وَلَبِسْتهَا فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْبَرْته بِذَلِكَ فَجَعَلَ يَقُولُ لِي: زَوْجُك وَابْنُ عَمِّك وَقَدْ كَبِرَ فَأَحْسِنِي إلَيْهِ فَجَعَلْت أَشْكُو إلَى اللَّهِ مَا أَرَى مِنْ سُوءِ خُلُقِهِ فَتَغَشَّى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا كَانَ يَغْشَاهُ عِنْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيك وَفِي زَوْجِك بَيَانًا وَتَلَا قَوْله تَعَالَى {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُك فِي زَوْجِهَا} إلَى آخِرِ آيَاتِ الظِّهَارِ ثُمَّ قَالَ مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً فَقُلْت لَا يَجِدُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرِيهِ أَنْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَقُلْت هُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يُطِيقُ الصَّوْمَ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرِيهِ فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَقُلْت مَا عِنْدَهُ شَيْءٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّا سَنُعِينُهُ بِفَرْقٍ وَقُلْت أَنَا أُعِينُهُ بِفَرْقٍ أَيْضًا فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - افْعَلِي وَاسْتَوْصِي بِهِ خَيْرًا» .
-
ثُمَّ اخْتَلَفَتْ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْله تَعَالَى {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْجِمَاعِ الَّذِي هُوَ إمْسَاكٌ بِالْمَعْرُوفِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمُرَادُ هُوَ السُّكُوتُ عَنْ طَلَاقِهَا عَقِيبَ الظِّهَارِ وَقَالَ دَاوُد الْمُرَادُ تَكْرَارُ الظِّهَارِ حَتَّى إنَّ عَلَى مَذْهَبِهِمْ لَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِالظِّهَارِ مَرَّةً حَتَّى يُعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ هَذَا لَكَانَ يَقُولُ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِهِ حَدِيثُ أَوْسٍ فَإِنَّهُ لَمْ يُكَرِّرْ الظِّهَارَ إنَّمَا عَزَمَ عَلَى الْجِمَاعِ وَقَدْ أَلْزَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكَفَّارَةَ
-
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ «سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الْبَيَاضِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ قَالَ كُنْت لَا أَصْبِرُ عَنْ الْجِمَاعِ فَإِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ ظَاهَرْت مِنْ امْرَأَتِي مَخَافَةَ أَنْ لَا أَصْبِرَ عَنْهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَظَاهَرْت مِنْهَا شَهْرَ رَمَضَانَ كُلِّهِ ثُمَّ لَمْ أَصْبِرْ فَوَاقَعْتهَا وَخَرَجْت إلَى قَوْمِي فَأَخْبَرْتهمْ بِذَلِكَ فَشَدَّدُوا الْأَمْرَ عَلَيَّ فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْبَرْته بِذَلِكَ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْتَ بِذَاكَ فَقُلْت أَنَا بِذَاكَ وَهَا أَنَا بَيْنَ يَدِكَ فَأَمْضِ فِي حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْتِقْ رَقَبَةً» الْحَدِيثَ كَمَا رَوَيْنَا فِي كِتَابِ
-
الصَّوْمِ وَلَيْسَ فِي هَذَا تَكْرَارُ الظِّهَارِ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ كَمَا سَكَتَ عَنْ طَلَاقِهَا عَقِيبَ الظِّهَارِ فَقَدْ صَارَ مُمْسِكًا لَهَا فَيَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَلَكِنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} أَنْ يَأْتِيَ بِضِدِّ مُوجَبِ كَلَامِهِ وَمُوجَبُ كَلَامِهِ التَّحْرِيمُ لَا إزَالَةُ الْمِلْكِ فَاسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ لَا تَكُونُ ضِدَّهُ بَلْ ضِدُّهُ الْعَزْمُ عَلَى الْجِمَاعِ الَّذِي هُوَ اسْتِحْلَالٌ وَبِمُجَرَّدِ الْعَزْمِ عِنْدَنَا لَا تَتَقَرَّرُ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا حَتَّى لَوْ أَبَانَهَا بَعْدَ هَذَا أَوْ مَاتَتْ لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَنَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَعْنَى الْعُقُوبَةِ يَتَرَجَّحُ فِي الْكَفَّارَةِ فَتَجِبُ بِنَفْسِ الظِّهَارِ الَّذِي هُوَ مَحْظُورٌ مَحْضٌ إلَّا أَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إسْقَاطِهَا بِأَنْ يَصِلَ الطَّلَاقَ بِكَلَامِهِ شَرْعًا فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ تَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَعِنْدَنَا فِي الْكَفَّارَةِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ، وَالْمَحْظُورُ الْمَحْضُ لَا يَكُونُ سَبَبًا لَهَا وَإِنَّمَا سَبَبُهَا مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْعَزْمِ عَلَى الْجِمَاعِ الَّذِي هُوَ إمْسَاكٌ بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى يَصِيرَ السَّبَبُ بِهِ مُتَرَدِّدًا وَسَنُقَرِّرُ هَذَا الْأَصْلَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
-
ثُمَّ لَا خِلَافَ أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّرْتِيبِ دُونَ التَّخْيِيرِ فَإِنَّ مَنْ كَانَتْ كَفَّارَتُهُ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ الصِّيَامِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْرَبَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} فَإِنْ جَامَعَ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى وَلَمْ يَعُدْ حَتَّى يُكَفِّرَ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ الْحَرَامَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيمَا صَنَعَ كَفَّارَةٌ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُكَفِّرَ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا يَعُودَ حَتَّى يُكَفِّرَ» وَلَوْ جَامَعَهَا فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ بِالنَّهَارِ نَاسِيًا أَوْ بِاللَّيْلِ عَامِدًا فَعَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْكَفَّارَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الصَّوْمِ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ رَقَبَةٍ ثُمَّ جَامَعَهَا ثُمَّ أَعْتَقَ مَا بَقِيَ لَمْ يَجْزِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الْإِعْتَاقِ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَسِيسِ وَإِخْلَاؤُهُ عَنْهُ كَمَا فِي الصَّوْمِ، وَالْعِتْقُ عِنْدَهُ يَتَجَزَّأُ وَهَذَا التَّفْرِيعُ لَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّ الْعِتْقَ عِنْدَهُمَا لَا يَتَجَزَّأُ وَلَمَّا أَعْتَقَ بَعْضَهُ عَتَقَ كُلُّهُ وَإِنْ كَانَتْ كَفَّارَتُهُ بِالْإِطْعَامِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجَامِعَهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ عِنْدَنَا وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّكْفِيرِ بِالْإِطْعَامِ شَرْطُ التَّقْدِيمِ عَلَى الْمَسِيسِ وَلَا مُدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَلَا تَعُدْ حَتَّى تُكَفِّرَ» مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَلِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْإِعْتَاقِ أَوْ الصِّيَامِ فَتَصِيرُ كَفَّارَتُهُ بِذَلِكَ فَلَوْ وَطِئَهَا كَانَ قَدْ مَسَّهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ وَذَلِكَ حَرَامٌ إلَّا أَنَّهُ لَوْ أَطْعَمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا ثُمَّ جَامَعَهَا لَا يَلْزَمُهُ اسْتِقْبَالُ الطَّعَامِ
-
بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ وَالصِّيَامِ لِأَنَّ شَرْطَ
-
الْإِخْلَاءِ عَنْ الْمَسِيسِ مِنْ ضَرُورَةِ شَرْطِ التَّقْدِيمِ عَلَى الْمَسِيسِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فِي الْإِطْعَامِ وَثُبُوتُهُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْإِطْعَامِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ وَالصِّيَامِ.
-
(قَالَ) وَإِذَا ظَاهَرَ الرَّجُلُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ فَعَلَيْهِ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذَا ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الظِّهَارَ سَبَبٌ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ فَبِالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا ظِهَارٌ وَاحِدٌ فِي حُكْمِ الْكَفَّارَةِ كَالْيَمِينِ وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَقْرَبَكُنَّ ثُمَّ قَرِبَهُنَّ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَكِنَّا نَقُولُ الظِّهَارُ يُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَقَّتًا بِالْكَفَّارَةِ فَإِذَا أَضَافَ إلَى مَحَالَّ مُخْتَلِفَةٍ يَثْبُتُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ حُرْمَةٌ لَا تَرْتَفِعُ إلَّا بِالْكَفَّارَةِ كَالتَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ لَمَّا كَانَتْ تُوجِبُ حُرْمَةً مُؤَقَّتَةً بِزَوْجٍ فَإِذَا أَوْجَبَهَا فِي أَرْبَعِ نِسْوَةٍ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ تَثْبُتُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حُرْمَةٌ لَا تَرْتَفِعُ إلَّا بِزَوْجٍ
-
بِخِلَافِ الْيَمِينِ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ هُنَاكَ بِهَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْحِنْثِ وَذَلِكَ لَا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ النِّسَاءِ وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِبْرَاهِيمَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى.
-
(قَالَ) وَإِذَا ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ ظِهَارٍ كَفَّارَةٌ هَكَذَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلِأَنَّ تَكْرَارَ الظِّهَارِ فِي امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ كَتَكْرَارِ الْيَمِينِ فَكَمَا يَجِبُ بِاعْتِبَارِ كُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ فَكَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ كُلِّ ظِهَارٍ.
-
(فَإِنْ قِيلَ) فَإِذَا ثَبَتَتْ الْحُرْمَةُ الْمُؤَقَّتَةُ بِالظِّهَارِ الْأَوَّلِ كَيْفَ تَثْبُتُ بِالظِّهَارِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ. (قُلْنَا) بِالظِّهَارِ الْأَوَّلِ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِ الْمَحَلِّ فَيَتَحَقَّقُ الظِّهَارُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَأَسْبَابُ الْحُرْمَةِ تَجْتَمِعُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَإِنَّ صَيْدَ الْحَرَمِ حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ لِإِحْرَامِهِ وَلِكَوْنِهِ فِي الْحَرَمِ وَالْخَمْرَ حَرَامٌ عَلَى الصَّائِمِ لِعَيْنِهَا وَلِصَوْمِهِ وَلِيَمِينِهِ إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُهَا وَالْكَفَّارَةُ الثَّانِيَةُ غَيْرُ كَفَّارَةِ الْأُولَى فَالْحُرْمَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْحُكْمِ غَيْرُ الْأُولَى أَيْضًا وَإِنْ ظَاهَرَ مِنْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَنَوَى بِالثَّانِي وَالثَّالِثِ تَكْرَارَ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ صِفَةَ الْإِخْبَارِ وَالْإِنْشَاءِ فِي الظِّهَارِ وَاحِدَةٌ وَالْكَلَامَ الْوَاحِدَ يُعَادُ وَيُكَرَّرُ وَلَا يَجِبُ بِهِ إلَّا مَا يَجِبُ بِالْأَوَّلِ
-
(قَالَ) وَإِنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ كَبَطْنِهَا فَهُوَ مُظَاهِرٌ لِأَنَّ بَطْنَ الْأُمِّ عَلَيْهِ فِي الْحُرْمَةِ كَظَهْرِهَا وَالظِّهَارُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَذَلِكَ أَنْ يُشَبِّهَ مَنْ هُوَ فِي أَقْصَى غَايَاتِ الْحِلِّ بِمَنْ هُوَ فِي أَقْصَى غَايَاتِ الْحُرْمَةِ وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِالظَّهْرِ وَالْبَطْنِ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ ذَكَرَ جُزْءًا مِنْ امْرَأَتِهِ شَائِعًا أَوْ عُضْوًا جَامِعًا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا ذَكَرَ عُضْوًا لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ
-
جَمِيعِ الْبَدَنِ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي بَابِ الطَّلَاقِ
-
وَكَذَلِكَ إذَا شَبَّهَهَا بِظَهْرِ امْرَأَةٍ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ فَهَذَا وَالتَّشْبِيهُ بِظَهْرِ الْأُمِّ سَوَاءٌ لِلْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأَمَالِي إنَّهُ إذَا شَبَّهَهَا بِظَهْرِ امْرَأَةٍ قَدْ زَنَى بِأُمِّهَا أَوْ بِابْنَتِهَا فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَهُوَ مُظَاهِرٌ مِنْهَا لِأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِمُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ قَالَ لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي بِحِلِّ الْمُنَاكَحَةِ بَيْنَهُمَا لَا يَنْفُذُ عِنْدِي لِكَوْنِهِ
-
بِخِلَافِ النَّصِّ فَإِنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ لِلْوَطْءِ وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ امْرَأَةٍ قَدْ لَاعَنَهَا لِأَنَّ اللِّعَانَ وَإِنْ كَانَ يُوجِبُ الْحُرْمَةَ الْمُؤَبَّدَةَ عِنْدِي فَهُوَ مِمَّا يَسَعُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ وَيَنْفُذُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي بِخِلَافِهِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى حُرْمَةِ الْأُمِّ وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ إذَا شَبَّهَهَا بِظَهْرِ أُمِّ الْمَزْنِيِّ بِهَا لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مُخْتَلِفُونَ فِي حُرْمَتِهَا عَلَيْهِ وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي بِحِلِّ الْمُنَاكَحَةِ بَيْنَهُمَا نَفَذَ قَضَاؤُهُ لِأَنَّ النَّاسَ تَعَارَفُوا إطْلَاقَ اسْمِ النِّكَاحِ عَلَى الْعَقْدِ وَلَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ امْرَأَةٍ قَدْ لَمَسَ أُمَّهَا أَوْ ابْنَتَهَا مِنْ شَهْوَةٍ أَوْ نَظَرٍ إلَى فَرْجِهَا مِنْ شَهْوَةٍ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ حُرْمَةٌ ضَعِيفَةٌ لَيْسَتْ فِي مَعْنَى حُرْمَةِ الْأُمِّ حَتَّى يَنْفُذَ قَضَاءُ الْقَاضِي بِخِلَافِهَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَكُونُ مُظَاهِرًا لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ بِالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَلْعُونٌ مَنْ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا» فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الظِّهَارِ إذَا شَبَّهَهَا بِهِ وَإِنْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ ذَاتِ رَحِمٍ مِنْهُ غَيْرِ مَحْرَمٍ فَلَيْسَ بِمُظَاهِرٍ لِأَنَّهُ شَبَّهَ مُحَلَّلَةً بِمُحَلَّلَةٍ فَإِنَّ الْأُخْرَى تَحِلُّ لَهُ بِالْمِلْكِ فَلَا يَكُونُ مُظَاهِرًا
-
وَكَذَلِكَ لَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ أَوْ قَرِيبٍ فَهُوَ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَيْهِ وَمَسُّهُ فَلَا يَكُونُ مُظَاهِرًا.
-
(قَالَ) وَإِنْ ظَاهَرَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ مُوجَبَهُ التَّحْرِيمُ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالنِّكَاحِ كَالطَّلَاقِ وَلَيْسَ إلَى الْمَرْأَةِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ لِلظِّهَارِ لِأَنَّ الْمَعْنِيَّ فِي جَانِبِ الرَّجُلِ تَشْبِيهُ الْمُحَلَّلَةِ بِالْمُحَرَّمَةِ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي جَانِبِهَا وَالْحِلُّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَقَالَ الْحَسَنُ عَلَيْهَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ التَّحْرِيمِ مِنْهَا زَوْجَهَا عَلَى نَفْسِهَا وَتَحْرِيمُ الْحَلَالِ يَمِينٌ فَتَلْزَمُهَا الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ حَلَفَتْ أَنْ لَا تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا ثُمَّ مَكَّنَتْهُ.
-
(قَالَ) وَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُظَاهِرًا مِنْ أَمَتِهِ وَلَا مِنْ أُمِّ وَلَدِهِ وَلَا مِنْ مُدَبَّرَتِهِ عِنْدَنَا وَقَالَ مَالِكٌ يَصِحُّ ظِهَارُهُ مِنْهُنَّ لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ فِي مَحَلِّ مِلْكِ الْمُتْعَةِ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ كَمِلْكِ النِّكَاحِ فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الظِّهَارُ وَهُوَ تَشْبِيهُ الْمُحَلَّلَةِ بِالْمُحَرَّمَةِ وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ
-
نِسَائِهِمْ} وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الزَّوْجَةَ دُونَ الْمَمْلُوكَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الظِّهَارَ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَنَقَلَ الشَّرْعُ حُكْمَهُ إلَى التَّحْرِيمِ الْمُؤَقَّتِ بِالْكَفَّارَةِ وَالْمَمْلُوكَةُ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِلطَّلَاقِ فَلَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلظِّهَارِ أَيْضًا وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ إيلَاؤُهُ مِنْ الْأَمَةِ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ طَلَاقٌ مُؤَجَّلٌ وَالْأَمَةُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلطَّلَاقِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي الظِّهَارِ مِنْ الْأَمَةِ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا وَهَذَا لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّةَ لَا تَحِلُّ لَهُ مَا لَمْ يَتَزَوَّجْهَا فَإِنَّمَا شَبَّهَ مُحَرَّمَةً بِمُحَرَّمَةٍ.
-
(قَالَ) وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَفَرْجِ أُمِّي أَوْ كَفَخِذِهَا كَانَ مُظَاهِرًا لِأَنَّ فَرْجَ الْأُمِّ وَفَخِذَهَا مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ كَظَهْرِهَا فَيَتَحَقَّقُ تَشْبِيهُ الْمُحَلَّلَةِ بِالْمُحَرَّمَةِ وَلَوْ قَالَ كَيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَى يَدِهَا وَرِجْلِهَا وَلَا مَسُّهَا فَلَمْ يَتَحَقَّقْ بِهَذَا اللَّفْظِ تَشْبِيهُ الْمُحَلَّلَةِ بِالْمُحَرَّمَةِ وَلَوْ قَالَ جَنْبُك أَوْ ظَهْرُك عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ يَدُك أَوْ رِجْلُك لِأَنَّ هَذَا الْعُضْوَ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ عَادَةً؛
-
وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ظُفْرُك مَكَانَ قَوْلِهِ ظَهْرُك وَهُوَ غَلَطٌ فَالظَّهْرُ مِنْ الْجَنْبِ أَلْيَقُ مِنْ الظُّفْرِ.
-
(قَالَ) وَلَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي فَهَذَا كَلَامٌ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا لِأَنَّ الْكَافَ لِلتَّشْبِيهِ وَتَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ مِنْ وَجْهٍ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ وُجُوهٍ فَإِذَا نَوَى بِهِ الْبِرَّ وَالْكَرَامَةَ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا لِأَنَّ مَا نَوَاهُ مُحْتَمَلٌ وَمَعْنَاهُ أَنْتِ عِنْدِي فِي اسْتِحْقَاقِ الْبِرِّ وَالْكَرَامَةِ كَأُمِّي وَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ فَظِهَارٌ لِأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِجَمِيعِ الْأُمِّ وَلَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ الْأُمِّ كَانَ ظِهَارًا فَإِذَا شَبَّهَهَا بِجَمِيعِ الْأُمِّ كَانَ أَوْلَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هُوَ ظِهَارٌ وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَنْهُ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْأَمَالِي إذَا كَانَ هَذَا فِي حَالَةِ الْغَضَبِ وَقَالَ نَوَيْت بِهِ الْبِرَّ لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ وَهُوَ ظِهَارٌ وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ إيلَاءٌ لِأَنَّ الْأُمَّ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ بِالنَّصِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} فَكَانَ قَوْلُهُ أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي هَذَا اللَّفْظِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا يَثْبُتُ أَقَلُّ الْوُجُوهِ وَهُوَ الْإِيلَاءُ وَبِنَحْوِ هَذَا يَحْتَجُّ مُحَمَّدٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَكِنَّهُ يَقُولُ هُوَ ظِهَارٌ لِكَافِ التَّشْبِيهِ فِي كَلَامِهِ فَإِنَّ الظِّهَارَ يَخْتَصُّ بِهَذَا الْحَرْفِ وَمَتَى كَانَ مُرَادُهُ الْبِرَّ يَقُولُ أَنْتِ عِنْدِي كَأُمِّي وَلَا يَقُولُ عَلَيَّ إلَّا أَنَّهُ إذَا نَوَى الْبِرَّ أَقَمْنَا حَرْفَ عَلَى مُقَامَ عِنْدَ لِتَصْحِيحِ نِيَّتِهِ فَإِذَا لَمْ يَنْوِ بَقِيَ مَحْمُولًا عَلَى حَقِيقَتِهِ فَكَانَ ظِهَارًا وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ كَلَامُ الْعَاقِلِ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ، مَهْمَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ يَحِلُّ شَرْعًا
-
لَا يُحْمَلُ عَلَى مَا يَحْرُمُ شَرْعًا، وَالظِّهَارُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ إذَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى مَعْنَى الْبِرِّ وَالْكَرَامَةِ. تَوْضِيحُهُ: أَنَّهَا كَانَتْ مُحَلَّلَةً لَهُ وَهَذَا الْكَلَامُ يَحْتَمِلُ مَعْنَى الْبِرِّ وَيَحْتَمِلُ مَعْنَى الظِّهَارِ وَلَكِنَّ الْحُرْمَةَ بِالشَّكِّ لَا تَثْبُتُ كَمَا لَا يَثْبُتُ الطَّلَاقُ بِالشَّكِّ
-
(قَالَ) وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَأُمِّي فَقَدْ انْتَفَى احْتِمَالُ مَعْنَى الْبِرِّ هُنَا لِتَصْرِيحِهِ بِالْحُرْمَةِ فَبَقِيَ احْتِمَالُ الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ فَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يَكُونُ طَلَاقًا بِالنِّيَّةِ فَقَوْلُهُ كَأُمِّي لِتَأْكِيدِ تِلْكَ الْحُرْمَةِ فَلَا تَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ تَكُونَ طَالِقًا بِالنِّيَّةِ
-
وَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَ التَّحْرِيمَ دُونَ الظِّهَارِ فَهُوَ طَلَاقٌ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - يَقُولُونَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إيلَاءً بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ إذَا قَصَدَ بِهِ التَّحْرِيمَ فَقَطْ وَلَكِنَّا نَقُولُ إنَّمَا قُصِدَ التَّحْرِيمُ هُنَا لِزَوَالِ الْمِلْكِ لِأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِالْأُمِّ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ حُرْمَةً تُنَافِي الْمِلْكَ وَزَوَالُ الْمِلْكِ بِالتَّحْرِيمِ يَكُونُ بِالطَّلَاقِ وَإِنْ نَوَى بِهِ الظِّهَارَ فَهُوَ ظِهَارٌ لِأَنَّهُ شَبَّهَهَا فِي الْحُرْمَةِ بِأُمِّهِ وَلَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ الْأُمِّ كَانَ ظِهَارًا فَكَذَلِكَ إذَا شَبَّهَهَا بِالْأُمِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ ظِهَارٌ لِأَنَّ عِنْدَ الِاحْتِمَالِ لَا يَثْبُتُ إلَّا الْقَدْرُ الْمُتَيَقَّنُ وَالْحُرْمَةُ بِالظِّهَارِ دُونَ الْحُرْمَةِ بِالطَّلَاقِ فَالْحُرْمَةُ بِالظِّهَارِ لَا تُزِيلُ الْمِلْكَ وَالْحُرْمَةُ بِالطَّلَاقِ تُزِيلُهُ.
-
(قَالَ) وَإِنْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي فَهُوَ ظِهَارٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سَوَاءٌ نَوَى الظِّهَارَ أَوْ الطَّلَاقَ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لِأَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ إنَّمَا كَانَ ظِهَارًا بِاعْتِبَارِ التَّشْبِيهِ فِي الْحُرْمَةِ فَالتَّصْرِيحُ بِمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِ يُؤَكِّدُ حُكْمَ الْكَلَامِ وَلَا يُغَيِّرُهُ وَهَذَا اللَّفْظُ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ فَلَا تَعْمَلُ فِيهِ نِيَّةُ شَيْءٍ آخَرَ كَاللَّفْظِ الَّذِي هُوَ صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ لَا تَعْمَلُ فِيهِ نِيَّةُ شَيْءٍ آخَرَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إنْ نَوَى الظِّهَارَ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ ظِهَارٌ وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ لَفْظِهِ فَإِنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ تَسَعُ فِيهِ نِيَّةُ الطَّلَاقِ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فَقَوْلُهُ كَظَهْرِ أُمِّي يَحْتَمِلُ مَعْنَى التَّأْكِيدِ لِتِلْكَ الْحُرْمَةِ فَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحْتَمِلًا لِنِيَّةِ الطَّلَاقِ وَرَوَى أَصْحَابُ الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ إذَا قَالَ نَوَيْت بِهِ الطَّلَاقَ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِنِيَّتِهِ وَيَكُونُ مُظَاهِرًا بِالتَّصْرِيحِ بِالظِّهَارِ وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ فِي صَرْفِ الْكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ زَيْنَبُ طَالِقٌ وَلَهُ امْرَأَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ فَقَالَ لِي امْرَأَةٌ أُخْرَى وَإِيَّاهَا عَنَيْت يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى تِلْكَ بِنِيَّتِهِ وَعَلَى هَذِهِ الْمَعْرُوفَةِ بِالظَّاهِرِ وَلَكِنَّ هَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَوْ وَقَعَ بِقَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَانَ مُتَكَلِّمًا بِلَفْظِ الظِّهَارِ بَعْدَ مَا بَانَتْ وَالظِّهَارُ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ لَا يَصِحُّ. (فَإِنْ قِيلَ)
-
الظِّهَارُ مَعَ الطَّلَاقِ اثْنَتَانِ بِقَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ. (قُلْنَا) اللَّفْظُ الْوَاحِدُ لَا يَحْتَمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ.
-
(قَالَ) وَإِنْ قَالَ أَنَا مِنْك مُظَاهِرٌ فَهُوَ ظِهَارٌ لِأَنَّ مُوجِبَ الظِّهَارِ هُوَ التَّحْرِيمُ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لَفْظَ التَّحْرِيمِ يَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْحِلَّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَكَذَلِكَ لَفْظُ الظِّهَارِ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ قَدْ ظَاهَرْت مِنْك فَإِنَّ صِيغَةَ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْشَاءِ فِي الظِّهَارِ وَاحِدَةٌ كَمَا فِي الطَّلَاقِ.
-
(قَالَ) وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَنْتِ مِنِّي كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ عِنْدِي وَمَعِي فَهُوَ ظِهَارٌ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ لِأَنَّ تَشْبِيهَ الْمُحَلَّلَةِ بِالْمُحَرَّمَةِ يَتَحَقَّقُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ. (قَالَ) وَلَا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَدَعَهُ يَقْرَبُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُكَفِّرْ وَعَلَيْهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ الْحَرَامِ وَلَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِالتَّكْفِيرِ وَتُخَاصِمَهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ الْإِمْسَاكَ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ بِالظِّهَارِ فَوَّتَ عَلَيْهَا ذَلِكَ فَلَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِمَا صَارَ مُسْتَحَقًّا لَهَا بِالنِّكَاحِ وَيُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَى التَّكْفِيرِ عِنْدَ طَلَبِهَا لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ إلَّا بِهِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُبَاشِرَهَا وَلَا يُقَبِّلَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ فِي مَعْنَى الْحُرْمَةِ بِالطَّلَاقِ إلَّا فِي حُكْمِ زَوَالِ الْمِلْكِ وَالِارْتِفَاعِ بِالْكَفَّارَةِ وَالْحُرْمَةُ مَتَى ثَبَتَتْ بِالطَّلَاقِ تُوجِبُ تَحْرِيمَ اللَّمْسِ وَالتَّقْبِيلِ فَكَذَلِكَ بِالظِّهَارِ.
-
(قَالَ) وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَةٍ إذَا تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَهُوَ كَمَا قَالَ لِأَنَّ الظِّهَارَ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ كَالطَّلَاقِ فَيَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى الْمِلْكِ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُنْجَزِ.
-
(قَالَ) وَإِذَا قَالَ إذَا تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ تَزَوَّجَهَا طَلَقَتْ وَبَطَلَ الظِّهَارُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ الظِّهَارَ مَعْطُوفٌ عَلَى الطَّلَاقِ فَتَبِينُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُظَاهِرًا وَعِنْدَهُمَا يَقَعَانِ مَعًا وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي بَابِ الطَّلَاقِ.
-
(قَالَ) وَإِذَا قَالَ إذَا تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ إذَا تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَزِمَ الطَّلَاقُ وَالظِّهَارُ جَمِيعًا لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالتَّزْوِيجِ هُنَا مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ فَعِنْدَ التَّزْوِيجِ يَقَعَانِ مَعًا.
-
(قَالَ) وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ أَبَانَهَا فَدَخَلَتْ الدَّارَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَ الْعِدَّةِ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا مِنْهَا لِأَنَّ مُوجِبَ الظِّهَارِ حُرْمَةٌ تَرْتَفِعُ بِالْكَفَّارَةِ، وَبِالْبَيْنُونَةِ تَثْبُتُ حُرْمَةٌ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَظْهَرُ الضَّعِيفُ مَعَ الْقَوِيِّ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَحَلُّ الظِّهَارِ لِأَنَّهَا مُحَلَّلَةٌ لَهُ بِأَبْلَغِ جِهَاتِهِ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِالْبَيْنُونَةِ.
-
وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَا يَنْزِلُ إلَّا عِنْدَ بَقَاءِ الْمَحَلِّ لِأَنَّ الْوُصُولَ إلَى الْمَحَلِّ عِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ فَإِذَا لَمْ تَبْقَ مَحَلًّا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا مِنْهَا.
-
(قَالَ) وَإِذَا ظَاهَرَ الْمُسْلِمُ وَهُوَ
-
حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ مِنْ زَوْجَتِهِ وَهِيَ حُرَّةٌ أَوْ أَمَةٌ مُسْلِمَةٌ أَوْ صَبِيَّةٌ أَوْ كِتَابِيَّةٌ فَهُوَ مُظَاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} وَلِأَنَّ الْعَبْدَ كَالْحُرِّ فِي كَوْنِهِ أَهْلًا لِمُوجَبِ الظِّهَارِ وَهُوَ الْحُرْمَةُ الْمُؤَقَّتَةُ بِالْكَفَّارَةِ وَالْأَمَةُ وَالصَّبِيَّةُ وَالْكِتَابِيَّةُ كَالْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ فِي كَوْنِهَا مُحَلَّلَةً بِأَبْلَغِ جِهَاتِهِ.
-
(قَالَ) وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ ذِمِّيًّا فَظِهَارُهُ بَاطِلٌ عِنْدَنَا سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ظِهَارُ الذِّمِّيِّ صَحِيحٌ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ مِنْ أَهْلِ الطَّلَاقِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْحُرْمَةَ بِالظِّهَارِ فِي مَعْنَى الْحُرْمَةِ بِالطَّلَاقِ فَكُلُّ مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ
-
وَكَذَلِكَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْإِعْتَاقِ وَالْإِطْعَامِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ بِالصَّوْمِ وَبِهَذَا لَا يَمْتَنِعُ صِحَّةُ الظِّهَارِ كَالْعَبْدِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ وَكَانَ ظِهَارُهُ صَحِيحًا وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ مُسْتَقِيمٌ فَإِنَّ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ عِنْدَهُ يَتَرَجَّحُ فِي الْكَفَّارَةِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْحَدِّ وَفِي الْحَدِّ مَعْنَى الْكَفَّارَةِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا» ثُمَّ يُقَامُ عَلَى الذِّمِّيِّ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ وَلَئِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ فَهُوَ أَهْلٌ لِلْحُرْمَةِ فَيُعْتَبَرُ ظِهَارُهُ فِي حَقِّ الْحُرْمَةِ كَمَا اعْتَبَرَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إيلَاءَ الذِّمِّيِّ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي حَقِّ الْكَفَّارَةِ وَكَلَامُنَا فِي الْمَجُوسِيِّ يَتَّضِحُ فَإِنَّهُ يَعْتَقِدُ الْحِلَّ فِي أُمِّهِ وَأُخْتِهِ فَإِنَّمَا شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِمَنْ يَعْتَقِدُ الْحِلَّ فِيهَا بِالنِّكَاحِ فَلَا يَكُونُ مُظَاهِرًا كَالْمُسْلِمِ إذَا شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ الذِّمِّيَّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ فَلَا يَصِحُّ ظِهَارُهُ كَالصَّبِيِّ وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْكَفَّارَةِ التَّكْفِيرُ وَالتَّطْهِيرُ وَالْكَافِرُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لَهُ وَمَا فِيهِ مِنْ الشِّرْكِ أَعْظَمُ مِنْ الظِّهَارِ
-
بِخِلَافِ الْحُدُودِ فَالْمَقْصُودُ هُنَاكَ الْخِزْيُ وَالنَّكَالُ وَإِنَّمَا الْكَفَّارَةُ فِي حَقِّ مَنْ جَاءَ تَائِبًا مُسْتَسْلِمًا لِحُكْمِ الشَّرْعِ كَمَا فَعَلَهُ مَاعِزٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ يَتَرَجَّحُ فِي الْكَفَّارَةِ حَتَّى تَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ الَّذِي هُوَ مَحْضُ عِبَادَةٍ وَلَا يَتَأَدَّى إلَّا بِنِيَّةِ الْعِبَادَةِ وَيُفْتَى بِهِ وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ كُرْهًا وَالْكَافِرُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْعِبَادَةِ وَتَأْثِيرُ هَذَا الْوَصْفِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ أَنَّ مُوجَبَ الظِّهَارِ الْحُرْمَةُ الْمُؤَقَّتَةُ بِالْكَفَّارَةِ وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ تِلْكَ الْحُرْمَةِ هُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْكَفَّارَةِ فَلَوْ صَحَّ ظِهَارُهُ لَثَبَتَتْ بِهِ حُرْمَةٌ مُطْلَقَةٌ وَهَذَا لَيْسَ بِمُوجَبِ الظِّهَارِ وَبِهِ فَارَقَ حُرْمَةَ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ حُرْمَةٌ بِزَوَالِ الْمِلْكِ أَوْ بِانْعِدَامِ مَحَلِّ الْحِلِّ وَالْكَافِرُ مِنْ أَهْلِهِ وَبِهِ فَارَقَ الْعَبْدَ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ إلَّا أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ حَتَّى لَوْ عَتَقَ وَأَصَابَ مَالًا كَانَتْ كَفَّارَتُهُ بِالْمَالِ وَبِهِ فَارَقَ الْإِيلَاءَ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ مُؤَجَّلٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالذِّمِّيُّ مِنْ أَهْلِ الطَّلَاقِ وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ الثَّابِتَةَ بِالْيَمِينِ تَكُونُ مُطْلَقَةً لَا مُؤَقَّتَةً بِالْكَفَّارَةِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ قَبْلَ
-
الْحِنْثِ.
-
(قَالَ) وَإِذَا ظَاهَرَ الْمُسْلِمُ مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَا فَهُوَ عَلَى ظِهَارِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى يُكَفِّرَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَدْ سَقَطَ الظِّهَارُ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الظِّهَارِ وَهُوَ بِالرِّدَّةِ قَدْ الْتَحَقَ بِالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ وَكَمَا لَا يَنْعَقِدُ الظِّهَارُ بِدُونِ الْأَهْلِيَّةِ لَا يَبْقَى بَعْدَ انْعِدَامِ الْأَهْلِيَّةِ وَهَذَا لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالظِّهَارِ حُرْمَةٌ مُؤَقَّتَةٌ بِالْكَفَّارَةِ وَبَعْدَ الرِّدَّةِ لَا يُمْكِنُ إبْقَاءُ هَذِهِ الْحُرْمَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلْكَفَّارَةِ فَلَوْ بَقِيَ إنَّمَا يَبْقَى حُرْمَةً مُطْلَقَةً وَهَذَا لَمْ يَكُنْ مُوجِبَ ظِهَارِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ ظِهَارُهُ قَدْ صَحَّ مُوجِبًا لِحُكْمِهِ فَلَا يَرْتَفِعُ حُكْمُهُ إلَّا بِالْكَفَّارَةِ وَهَذَا لِأَنَّ الْحُرْمَةَ بِالظِّهَارِ فِي مَعْنَى الْحُرْمَةِ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ الْمُسْلِمُ لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ فَكَذَلِكَ إذَا ظَاهَرَ مِنْهَا وَهَذَا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقِرٍّ عَلَى كُفْرِهِ بَلْ هُوَ مُجْبَرٌ عَلَى الْعَوْدِ إلَى الْإِسْلَامِ فَيُمْكِنُ إبْقَاءُ الْحُرْمَةِ الْمُؤَقَّتَةِ بِالْكَفَّارَةِ بِاعْتِبَارِ مَا بَعْدَ إسْلَامِهِ تَوْضِيحُهُ: أَنَّ اعْتِبَارَ الْأَهْلِيَّةِ عِنْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ لِيَتَقَرَّرَ مُوجِبًا وَعِنْدَ أَدَاءِ الْكَفَّارَةِ لِيَصِحَّ الْأَدَاءُ فَفِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ بَقَاءُ الْأَهْلِيَّةِ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ جُنَّ بَعْدَ مَا ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ أَفَاقَ بَقِيَ ظِهَارُهُ حَتَّى يُكَفِّرَ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ ظِهَارِهِ فِي رِدَّتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ جَازَ عِتْقُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ.
-
(قَالَ) وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ شِئْت فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَشَاءَتْ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِهَا لَزِمَهُ الظِّهَارُ وَهَذَا وَالطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهَا سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْمَشِيئَةِ فِي الْمَجْلِسِ وَأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُنْجَزِ
-
(قَالَ) وَإِنْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي الْيَوْمَ فَهُوَ كَمَا قَالَ لَا يَقْرَبُهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى يُكَفِّرَ فَإِذَا مَضَى الْيَوْمُ بَطَلَ الظِّهَارُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ مُظَاهِرٌ أَبَدًا حَتَّى يُكَفِّرَ وَقَاسَ هَذَا بِالْحُرْمَةِ الثَّابِتَةِ بِالطَّلَاقِ فِي أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ بِالتَّوْقِيتِ وَلَكِنَّا نَقُولُ مُوجَبُ الظِّهَارِ الْحُرْمَةُ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلتَّوْقِيتِ كَالْحُرْمَةِ بِسَبَبِ الْعِدَّةِ وَحُرْمَةُ الْبَيْعِ إلَى الْفَرَاغِ مِنْ الْجُمُعَةِ وَحُرْمَةُ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ إلَى أَنْ يَحِلَّ وَالْحُرْمَةُ بِسَبَبِ الْيَمِينِ فَإِذَا احْتَمَلَ التَّوْقِيتَ صَحَّ تَوْقِيتُهُ وَلَا يَبْقَى بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ
-
بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَالْحُرْمَةُ هُنَاكَ بِاعْتِبَارِ زَوَالِ الْمِلْكِ أَوْ لِانْعِدَامِ مَحَلِّ الْحِلِّ وَذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي شَهْرًا أَوْ حَتَّى يَقْدَمَ فُلَانٌ فَهُوَ كَمَا قَالَ وَيَسْقُطُ بِمُضِيِّ الشَّهْرِ أَوْ قُدُومِ فُلَانٍ لِانْتِهَاءِ الْحُرْمَةِ بِمُضِيِّ وَقْتِهَا.
-
(قَالَ) وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ ارْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَامِ فَبَانَتْ مِنْهُ ثُمَّ أَسْلَمَتْ وَتَزَوَّجَتْهُ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ كَانَ الظِّهَارُ عَلَى حَالِهِ لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ
-
لِأَنَّ ظِهَارَهُ قَدْ صَحَّ وَتَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ إلَى أَنْ يُكَفِّرَ فَثُبُوتُ الْحُرْمَةِ بِسَبَبٍ آخَرَ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ تِلْكَ الْحُرْمَةِ لِأَنَّ أَسْبَابَ الْحُرْمَةِ تَجْتَمِعُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَإِذَا بَقِيَتْ تِلْكَ الْحُرْمَةُ لَا تَرْتَفِعُ إلَّا بِالْكَفَّارَةِ
-
(قَالَ) وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ أَمَةٌ ثُمَّ اشْتَرَاهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْرَبَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ تَثْبُتُ بِالظِّهَارِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرْمَةِ الثَّابِتَةِ بِالطَّلَاقِ وَلَوْ طَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ بِسَبَبِ الشِّرَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ بِزَوْجٍ آخَرَ فَكَذَلِكَ إذَا ثَبَتَتْ الْحُرْمَةُ بِالظِّهَارِ أَوْ هَذِهِ حُرْمَةٌ مَعَ بَقَاءِ الْمِلْكِ فَكَانَتْ كَالْحُرْمَةِ الثَّابِتَةِ بِسَبَبِ الْحَيْضِ وَالْحَائِضُ لَا تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَمَا لَا تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ النِّكَاحِ
-
وَكَذَلِكَ إنْ أَعْتَقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لِأَنَّ النِّكَاحَ الثَّانِيَ كَالْأَوَّلِ وَمَعَ بَقَاءِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ مَا كَانَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْرَبَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ فَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي.
-
(قَالَ) وَظِهَارُ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ بَاطِلٌ كَطَلَاقِهِمَا لِأَنَّ مُوجَبَ الظِّهَارِ الْحُرْمَةُ الْمُؤَقَّتَةُ بِالْكَفَّارَةِ وَلَيْسَا مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِمَا وَلَا مِنْ أَهْلِ مُبَاشَرَةِ سَبَبِ الْحُرْمَةِ بِالْقَوْلِ.
-
(قَالَ) وَظِهَارُ السَّكْرَانِ وَالْمُكْرَهِ لَازِمٌ كَطَلَاقِهَا لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ وَالسُّكْرَ لَا يُؤَثِّرُ فِي اكْتِسَابِ سَبَبِ الْحُرْمَةِ بِالْقَوْلِ وَلَا فِي اكْتِسَابِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عِنْدَنَا
-
(قَالَ) وَظِهَارُ الْأَخْرَسِ مِنْ امْرَأَتِهِ فِي كِتَابٍ أَوْ إشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ صَحِيحٌ كَطَلَاقِهِ لِكَوْنِهِ أَهْلًا لِمُوجَبِ الظِّهَارِ وَلَا يَدْخُلُ عَلَى الْمُظَاهِرِ إيلَاءٌ وَإِنْ لَمْ يُجَامِعْهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا لَمْ يُجَامِعْهَا وَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَانَتْ بِالْإِيلَاءِ لِأَنَّ الْمَوْلَى مُضَارٌّ مُتَعَنِّتٌ بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْغَشَيَانِ وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فِي حَقِّهَا بِالظِّهَارِ لِأَنَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ قُرْبَانِهَا شَرْعًا إلَّا بِالْكَفَّارَةِ وَلَكِنَّا نَقُولُ حُكْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ وَلَا يُقَاسُ الْمَنْصُوصُ عَلَى الْمَنْصُوصِ فَلَوْ أَثْبَتْنَا حُكْمَ الْإِيلَاءِ فِي الظِّهَارِ كَانَ بِطَرِيقِ الْمُقَايَسَةِ وَكَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُ الظِّهَارِ فِي الْإِيلَاءِ بِطَرِيقِ الْمُقَايَسَةِ فَكَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي الظِّهَارِ مَعَ أَنَّ الظِّهَارَ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْإِيلَاءِ فَإِنَّ التَّكْفِيرَ فِي الظِّهَارِ قَبْلَ الْجِمَاعِ وَفِي الْإِيلَاءِ بَعْدَهُ.
-
(قَالَ) وَلَوْ قَالَ إنْ قَرِبْتُك فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كَانَ مُولِيًا إنْ تَرَكَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بَانَتْ بِالْإِيلَاءِ وَإِنْ قَرِبَهَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ لَزِمَهُ الظِّهَارُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إنْ قَرِبْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَهَذَا لِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ قُرْبَانِهَا إلَّا بِظِهَارٍ يَلْزَمُهُ وَمَعْنَى الْإِضْرَارِ وَالتَّعَنُّتِ بِهَذَا يَتَحَقَّقُ فَكَانَ مُولِيًا مِنْهَا وَإِذَا بَانَتْ بِالْإِيلَاءِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَقَرِبَهَا فَهُوَ مُظَاهِرٌ لِأَنَّ الْيَمِينَ بَاقِيَةٌ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُنْجَزِ.
-
(قَالَ) وَإِذَا ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَةٍ لَهُ أُخْرَى أَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ هَذِهِ يَنْوِي الظِّهَارَ فَهُوَ مُظَاهِرٌ
-
لِأَنَّهُ شَبَّهَ الثَّانِيَةَ بِالْأُولَى وَلِأَنَّ قَصْدَ التَّشْبِيهِ فِي حُكْمِ الظِّهَارِ وَهَذَا قَصْدٌ صَحِيحٌ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ تَشْبِيهَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ فِي وَجْهٍ خَاصٍّ
-
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ رَجُلٌ آخَرُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ امْرَأَةِ فُلَانٍ عَلَيْهِ يَنْوِي الظِّهَارَ كَانَ مُظَاهِرًا مِنْهَا أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الظِّهَارَ فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ فِي حُكْمِ الْحِلِّ وَالْمِلْكِ أَوْ الْبِرِّ وَالْكَرَامَةِ وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَكُونُ مُلْزِمًا شَيْئًا بِدُونِ النِّيَّةِ.
-
(قَالَ) وَإِنْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَةٍ لَهُ أُخْرَى قَدْ أَشْرَكْتُك فِي ظِهَارِ فُلَانَةَ كَانَ مُظَاهِرًا أَيْضًا كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَهَذَا لِأَنَّ الْإِشْرَاكَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ وَقَدْ صَرَّحَ بِالظِّهَارِ فَكَانَ ذَلِكَ تَنْصِيصًا عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمِ الظِّهَارِ وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إذَا اتَّصَلَ بِالْكَلَامِ يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَزِيمَةً كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ وَاسْتَثْنَى فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ» وَإِنْ قَالَ إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَالْمَشِيئَةُ إلَى فُلَانٍ فِي مَجْلِسِ عِلْمِهِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ بِمَشِيئَتِهَا يُنَجَّزُ إذَا شَاءَتْ فِي مَجْلِسِ عِلْمِهَا فَكَذَلِكَ إذَا عَلَّقَ بِمَشِيئَتِهِ غَيْرَهَا.
-
(قَالَ) وَكَفَّارَةُ الظِّهَارِ عَلَى الْعَبْدِ الصَّوْمُ مَا لَمْ يَعْتِقْ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْإِعْتَاقِ وَعَجْزُهُ أَبْيَنُ مِنْ عَجْزِ الْمُعْسِرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْمِلْكِ فَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ وَلَيْسَ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الصَّوْمِ لِمَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ حَقِّ الْمَرْأَةِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ فَإِنْ عَتَقَ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ وَمَلَكَ مَالًا فَكَفَّارَتُهُ بِالْعِتْقِ لِأَنَّ التَّكْفِيرَ بِالصَّوْمِ كَانَ لِضَرُورَةِ الْعَجْزِ عَنْ التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ لَزِمَهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْكَفَّارَاتِ حَالَةُ الْأَدَاءِ لَا حَالَةُ الْوُجُوبِ وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْهُ الْمُعْتَبَرُ حَالَةُ الْوُجُوبِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي اعْتِبَارِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ فِيهَا كَمَا فِي الْحُدُودِ حَتَّى إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَهُوَ عَبْدٌ ثُمَّ عَتَقَ قَبْلَ الْإِقَامَةِ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْعَبِيدِ لَا حَدُّ الْأَحْرَارِ
-
بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ وَعِنْدَنَا الْمُعْتَبَرُ حَالَةُ الْأَدَاءِ إلَّا أَنَّ الصَّوْمَ بَدَلٌ عَنْ الْعِتْقِ وَمَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ لَا يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ بِالْبَدَلِ وَحَدُّ الْعَبِيدِ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ حَدِّ الْأَحْرَارِ وَالْمَصِيرُ إلَيْهِ لَيْسَ لِلْعَجْزِ فَبَدَنُ الْعَبْدِ يَحْتَمِلُ مِنْ الضَّرْبِ فَوْقَ مَا يَحْتَمِلُهُ بَدَنُ الْحُرِّ وَسَنُقَرِّرُ هَذَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
(قَالَ) وَإِنْ أَعْتَقَ عَنْهُ مَوْلَاهُ فِي رِقِّهِ أَوْ أَطْعَمَ عَنْهُ بِأَمْرِهِ لَمْ يَجْزِهِ لِأَنَّ الرِّقَّ مُنَافٍ لِلْمِلْكِ فَلَا يَمْلِكُ الْمَالَ بِتَمْلِيكِ الْمَوْلَى مَعَ قِيَامِ الْمُنَافِي فِيهِ فَإِنَّ الْمُتَنَافِيَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَبِدُونِ مِلْكِهِ لَا يُتَصَوَّرُ الْإِعْتَاقُ عَنْهُ وَالْكَفَّارَةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ لَا تَسْقُطُ بِمِلْكِ الْغَيْرِ فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ إعْتَاقُهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَلَا إطْعَامُهُ الْمَسَاكِينَ
-
سَوَاءٌ بَاشَرَهُ الْمَوْلَى أَوْ الْعَبْدُ بِإِذْنِ الْمَوْلَى.
-
(قَالَ) حُرٌّ ظَاهِرٌ وَهُوَ مُعْسِرٌ ثُمَّ أَيْسَرَ فَعَلَيْهِ الْعِتْقُ لِأَنَّ جَوَازَ تَكْفِيرِهِ بِالصَّوْمِ كَانَ لِلْعَجْزِ وَقَدْ زَالَ قَبْلَ إسْقَاطِ الْوَاجِبِ فَالْتَحَقَ بِمَا لَوْ كَانَ مُوسِرًا فِي الِابْتِدَاءِ فَإِنْ أَعْسَرَ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ فَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} الْآيَةَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
-
(قَالَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَيُجْزِيهِ أَنْ يَدْعُوَ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَيُغَدِّيَهُمْ، وَيُعَشِّيَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا أَنَّ
-
الْإِطْعَامَ فِي الْكَفَّارَاتِ يَتَأَدَّى بِالتَّمْكِينِ مِنْ الطَّعَامِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِالتَّمْلِيكِ مِنْ الْفَقِيرِ وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ: لَا يَتَأَدَّى بِالتَّمْلِيكِ، وَإِنَّمَا يَتَأَدَّى بِالتَّمْكِينِ فَقَطْ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} - وَالْإِطْعَامُ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ - وَلَازِمُهُ طَعِمَ يَطْعَمُ، وَذَلِكَ الْأَكْلُ دُونَ الْمِلْكِ فَفِي التَّمْلِيكِ لَا يُوجَدُ الطَّعَامُ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي التَّمْكِينِ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يُطْعِمَ الْمِسْكِينَ، وَالْكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ الْإِطْعَامُ يُذْكَرُ لِلتَّمْلِيكِ عُرْفًا يَقُولُ رَجُلٌ لِغَيْرِهِ: أَطْعَمْتُك هَذَا الطَّعَامَ.
-
أَيْ: مَلَّكْتُك، وَالْمَقْصُودُ سَدُّ خَلَّةِ الْمِسْكِينِ، وَإِغْنَاؤُهُ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالتَّمْلِيكِ دُونَ التَّمْكِينِ فَإِذَا لَمْ يَتِمَّ الْمَقْصُودَ بِالتَّمْكِينِ لَا يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ، كَمَا فِي الزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَقَاسَ بِالْكِسْوَةِ فَإِنَّهُ لَوْ أَعَارَ الْمَسَاكِينَ ثِيَابًا فَلَبِسُوا بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ لَا يَجُوزُ، فَكَذَلِكَ الْإِطْعَامُ، وَالْجَامِعُ أَنَّهُ أَحَدُ أَنْوَاعِ التَّكْفِيرِ.
-
(وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ الْإِطْعَامُ، وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ التَّمْكِينُ، وَالْمَقْصُودُ بِهِ سَدُّ الْخَلَّةِ وَفِي التَّمْلِيكِ تَمَامُ ذَلِكَ فَيَتَأَدَّى الْوَاجِبُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. أَمَّا بِالتَّمْلِيكِ؛ فَلِأَنَّ الْأَكْلَ الَّذِي هُوَ الْمَنْصُوصُ جُزْءٌ مِمَّا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ فَإِمَّا أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَصْرِفَ إلَى حَاجَةٍ أُخْرَى، فَيُقَامُ هَذَا التَّمْلِيكُ مَقَامَ مَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَيَتَأَدَّى بِالتَّمْكِينِ لِمُرَاعَاةِ عَيْنِ النَّصِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنَّهُ يُشَبِّهُهُ بِطَعَامِ الْأَهْلِ فَقَالَ {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} ، وَذَلِكَ يَتَأَدَّى بِالتَّمْلِيكِ تَارَةً، وَبِالتَّمْكِينِ أُخْرَى فَكَذَا هَذَا؛
-
لِأَنَّ حُكْمَ الْمُشَبَّهِ حُكْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَلَيْسَ هَذَا كَالْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّ الْكِسْوَةَ بِكَسْرِ الْكَافِ عَيْنُ الثَّوْبِ فَأَمَّا الْفِعْلُ بِفَتْحِ الْكَافِ كِسْوَةٌ، وَهُوَ الْإِلْبَاسُ فَثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّ التَّكْفِيرَ بِعَيْنِ الثَّوْبِ لَا بِمَنَافِعِهِ، وَالْإِعَارَةُ، وَالْإِلْبَاسُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَنْفَعَةِ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ،
-
فَأَمَّا فِي التَّمْكِينِ مِنْ الطَّعَامِ الْمِسْكِينُ طَاعِمٌ لِلْعَيْنِ وَبِالتَّمْكِينِ يَحْصُلُ الْإِطْعَامُ حَقِيقَةً، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَالْوَاجِبُ هُنَاكَ فِعْلُ الْإِيتَاءِ بِالنَّصِّ، وَفِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ الْوَاجِبِ فِعْلُ الْأَدَاءِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِالتَّمْكِينِ بِدُونِ التَّمْلِيكِ، وَبِمَعْرِفَةِ حُدُودِ كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ يَحْسُنُ فِقْهُ الرَّجُلِ.
-
ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ فِي التَّمْكِينِ أَكْلَتَانِ مُشْبِعَتَانِ، إمَّا الْغَدَاءُ وَالْعَشَاءُ،
-
وَإِمَّا غَدَاءَانِ أَوْ عَشَاءَانِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ حَاجَةُ الْيَوْمِ، وَذَلِكَ بِالْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ عَادَةً وَيَسْتَوِي فِي خُبْزِ الْبُرِّ أَنْ يَكُونَ مَأْدُومًا أَوْ غَيْرَ مَأْدُومٍ، وَفِي الْكِتَابِ أَطْلَقَ الْخُبْزَ، وَمُرَادُهُ خُبْزُ الْبُرِّ، وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الزِّيَادَاتِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمِسْكِينَ يَسْتَوْفِي مِنْهُ حَاجَتَهُ؛
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْدُومًا
-
بِخِلَافِ خُبْزِ الشَّعِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي مِنْهُ تَمَامَ حَاجَتِهِ إلَّا إذَا كَانَ مَأْدُومًا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ غَدَّاهُمْ وَعَشَّاهُمْ بِسَوِيقٍ، وَتَمْرٍ
-
قَالُوا: وَهَذَا فِي دِيَارِهِمْ فَإِنَّهُمْ يَكْتَفُونَ بِذَلِكَ عَادَةً، وَيَسْتَوْفُونَ مِنْهُ حَاجَتَهُمْ،
-
فَأَمَّا فِي دِيَارِنَا لَا بُدَّ مِنْ الْخُبْزِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِمَنْزِلَةِ طَعَامِ الْأَهْلِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْأَكْلَتَانِ الْمُشْبِعَتَانِ مِمَّا يَكُونُ مُعْتَادًا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ. فَقَدْ قَالَتْ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَعْلَى مَا يُطْعِمُ الرَّجُلُ أَهْلَهُ الْخُبْزَ، وَاللَّحْمَ، وَأَوْسَطُ مَا يُطْعِمُ الرَّجُلُ أَهْلَهُ الْخُبْزَ، وَاللَّبَنَ، وَأَدْنَى مَا يُطْعِمُ الرَّجُلُ أَهْلَهُ الْخُبْزَ، وَالْمِلْحَ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ اخْتَارَ التَّمْلِيكَ أَعْطَى كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، أَوْ دَقِيقٍ، أَوْ سَوِيقٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ لَا يُجْزِئُهُ دُونَ ذَلِكَ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ بُرٍّ «لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ فِي كَفَّارَةِ الْفِطْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، وَقَالَ: فَرِّقْهَا عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا» وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِحَدِيثِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، وَسَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الْبَيَاضِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَقَدْ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثَيْنِ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، وَحَدِيثِ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَا: لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّانِ مِنْ بُرٍّ - وَعَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ؛
-
وَلِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَاجَةُ الْيَوْمِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ فَيَكُونُ نَظِيرَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ،
-
وَلَا يَتَأَدَّى ذَلِكَ بِالْمُدِّ بَلْ بِمَا قُلْنَا، فَكَذَلِكَ هَذَا، وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ فَرِّقْهَا،
-
وَمِثْلَهَا مَعَهَا ثُمَّ هَذَا الِاسْتِدْلَال مِنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّ الصَّاعَ لَا يَتَقَدَّرُ بِأَرْبَعَةِ أَمْنَاءَ عِنْدَهُ،
-
وَإِنْ أَعْطَى قِيمَةَ الطَّعَامِ كُلَّ مِسْكِينٍ أَجْزَأَهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ سَدُّ الْخَلَّةِ وَهُوَ عِنْدَنَا وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الزَّكَاةِ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ أَعْطَى مِنْ صِنْفٍ مِنْ ذَلِكَ أَقَلَّ مِمَّا سَمَّيْنَاهُ وَهُوَ يُسَاوِي كَمَالَ الْوَاجِبِ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا عَنْ مِقْدَارِهِ، مَعْنَاهُ إذَا أَعْطَى كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ بُرٍّ يُسَاوِي صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ يُسَاوِي نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ.
-
وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِالْمُؤَدَّى، وَهُوَ كَإِعْطَاءِ الْقِيمَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَسَا عَشْرَةَ مَسَاكِينَ ثَوْبًا وَاحِدًا فِي كَفَّارَةٍ جَازَ عَنْ الطَّعَامِ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِثْلَ قِيمَةِ الطَّعَامِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ الْمُؤَدَّى عَيْنُ الْمَنْصُوصِ،
-
وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْمَعْنَى فِي الْمَنْصُوصِ بَلْ يُعْتَبَرُ عَيْنُ النَّصِّ
-
بِخِلَافِ الْكِسْوَةِ فَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الِاكْتِسَاءُ وَبِعُشْرِ الثَّوْبِ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ فَلَمْ يَكُنْ الْمُؤَدَّى مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فَيُعْتَبَرُ الْمَعْنَى فِيهِ تَوْضِيحُهُ أَنَّ فِي إقَامَةِ صِنْفٍ مَقَامَ صِنْفٍ إبْطَالُ التَّقْدِيرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ صِنْفٍ، وَكُلُّ تَعْلِيلٍ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ النَّصِّ، فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَيْسَ فِي الْكِسْوَةِ تَقْدِيرٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فَإِقَامَتُهُ مَقَامَ الطَّعَامِ لَا يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ التَّقْدِيرِ الْمَنْصُوصِ
-
عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْكِسْوَةِ غَيْرُ الْمَقْصُودِ بِالطَّعَامِ فَلِلْمُغَايَرَةِ يَجُوزُ إقَامَةُ أَحَدِهِمَا مَقَامَ الْآخَرِ وَالْمَقْصُودُ بِأَصْنَافِ الطَّعَامِ وَاحِدٌ فَاعْتِبَارُ عَيْنِ الْمُؤَدَّى فِيهِ أَوْلَى،
-
فَإِذَا كَانَ الْمُؤَدَّى لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ بُرٍّ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمُدٍّ آخَرَ لِيَصِلَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا قَدَرَ نَصًّا.
-
(قَالَ) : وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُمْ اسْتَقْبَلَ الطَّعَامَ،
-
وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا آخَرِينَ مُدًّا مُدًّا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ إيصَالُ نِصْفِ صَاعٍ إلَى كُلِّ مِسْكِينٍ لِيَحْصُلَ بِهِ سَدُّ الْخَلَّةِ. وَزَوَالُ الْحَاجَةِ فِي يَوْمِهِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِصَرْفِ نِصْفِ الْوَظِيفَةِ إلَى كُلِّ مِسْكِينٍ.
-
(قَالَ) : وَلَوْ أَعْطَى كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ بُرٍّ وَمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْلٌ، وَالْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِأَدَاءِ نِصْفِ الْوَاجِبِ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، وَهُوَ زَوَالُ حَاجَتِهِ فِي يَوْمِهِ.
-
وَلَوْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ كُلَّهُ مِسْكِينًا وَاحِدًا لَمْ يُجْزِهِ فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ تَفْرِيقُ الْفِعْلِ بِالنَّصِّ فَإِذَا جَمَعَ لَا يُجْزِيهِ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ، كَالْحَاجِّ إذَا رَمَى الْحَصَيَاتِ السَّبْعِ دَفْعَةً وَاحِدَةً،
-
وَلَوْ أَعْطَاهُ فِي سِتِّينَ يَوْمًا أَجْزَأَهُ عِنْدَنَا،
-
وَلَا يُجْزِئُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بِالنَّصِّ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَالْمِسْكِينُ الْوَاحِدُ بِتَكْرَارِ الْأَيَّامِ لَا يَصِيرُ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَلَا يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ بِالصَّرْفِ إلَيْهِ وَشُبِّهَ هَذَا بِالشَّهَادَةِ،
-
فَإِنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ وَإِنْ كَرَّرَ شَهَادَتَهُ فِي مَجْلِسَيْنِ لَا يَصِيرُ فِي مَعْنَى شَاهِدَيْنِ. وَلَكِنَّا نَقُولُ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْمِسْكِينُ الْوَاحِدُ بِتَجَدُّدِ الْأَيَّامِ فِي مَعْنَى الْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ سَدُّ الْخَلَّةِ، وَذَلِكَ يَتَجَدَّدُ لَهُ بِتَجَدُّدِ الْأَيَّامِ فَكَانَ هُوَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْمَعْنَى مِسْكِينًا آخَرَ لِتَجَدُّدِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ لَهُ؛
-
وَلِأَنَّ الْإِطْعَامَ يَقْتَضِي طَعَامًا لَا مَحَالَةَ فَمَعْنَى الْآيَةِ فَالطَّعَامُ طَعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَقَدْ أَدَّى ذَلِكَ، وَبِهِ فَارَقَ الشَّهَادَةَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ هُنَاكَ، وَبِتَكْرَارِ الْوَاحِدِ شَهَادَتَهُ لَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا لَوْ فَرَّقَ الْفِعْلَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ،
-
وَلَا إشْكَالَ فِي طَعَامِ الْإِبَاحَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، إلَّا بِتَجَدُّدِ الْأَيَّامِ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَسْتَوْفِي فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ طَعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
-
فَأَمَّا فِي التَّمْلِيكِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى -: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ أُقِيمَ مَقَامَ حَقِيقَةِ الْإِطْعَامِ، وَالْحَاجَةُ بِطَرِيقِ التَّمْلِيكِ لَيْسَ لَهَا نِهَايَةٌ،
-
فَإِذَا فَرَّقَ الدَّفَعَاتِ جَازَ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي الْأَيَّامِ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى هَذَا بِمَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ: أَنَّهُ لَوْ كَسَا مِسْكِينًا وَاحِدًا فِي عَشْرَةِ أَيَّامٍ كِسْوَةَ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَجْزَأَهُ لِتَفَرُّقِ الْفِعْلِ،
-
وَإِنْ انْعَدَمَ تَجَدُّدُ الْحَاجَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بَعْدَ مَا أَخَذَ وَظِيفَتَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَوْ صَرَفَ إلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ طَعَامَ مِسْكِينٍ عَنْ كَفَّارَتِهِ يَجُوزُ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ إذَا صَرَفَ إلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ طَعَامَ مِسْكِينٍ، آخَرَ؛ وَبَعْضُهُمْ
-
قَالُوا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ سَدُّ الْخَلَّةِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى الْغَنِيِّ؛ لِأَنَّهُ طَاعِمٌ بِمِلْكِهِ، وَإِطْعَامُ الطَّاعِمِ لَا يَتَحَقَّقُ كَمَا أَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ الْمَالِكِ لَا يَتَحَقَّقُ، وَبَعْدَ مَا اسْتَوْفَى وَظِيفَتَهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ لَا يَحْصُلُ سَدُّ خَلَّته بِصَرْفِ وَظِيفَةٍ أُخْرَى فِي هَذَا الْيَوْمِ إلَيْهِ
-
بِخِلَافِ كَفَّارَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْفِي فِي حُكْمِ تِلْكَ الْكَفَّارَةِ كَالْمَعْدُومِ،
-
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مِثْلُهُ فِي حَقِّ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ وَبِخِلَافِ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ تَجَدُّدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِيهِ،
-
فَلَا يُمْكِنُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؛ لِتَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ فَيُقَامُ تَجَدُّدُ الْأَيَّامِ فِيهِ مَقَامَ تَجَدُّدِ الْحَاجَةِ تَيْسِيرًا.
-
(قَالَ) : وَلَوْ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا كُلَّ مِسْكِينٍ صَاعًا مِنْ حِنْطَةٍ مِنْ ظِهَارَيْنِ مِنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ امْرَأَتَيْنِ لَمْ يُجِزْ إلَّا مِنْ أَحَدِهِمَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَيُجْزِئُهُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛
-
لِأَنَّ فِي الْمُؤَدَّى وَفَاءً بِوَظِيفَةِ الْكَفَّارَتَيْنِ، وَالْمَصْرُوفُ إلَيْهِ مَحَلُّ الْكَفَّارَتَيْنِ فَيُجْزِئُهُ. كَمَا لَوْ أَعْطَى عَنْ كَفَّارَةٍ نِصْفَ صَاعٍ عَلَى حِدَةٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَتْ الْكَفَّارَتَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ إحْدَاهُمَا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ، وَالْأُخْرَى كَفَّارَةُ الْفِطْرِ أَجْزَأَ عَنْهُمَا بِالنِّيَّةِ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهُمَا يَقُولَانِ زَادَ فِي الْوَظِيفَةِ، وَنَقَصَ عَنْ الْمَحَلِّ فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا بِقَدْرِ الْمَحَلِّ كَمَا لَوْ أَعْطَى ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا فِي كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ كُلَّ مِسْكِينٍ صَاعًا، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ كَفَّارَةٍ طَعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَمَحَلُّ إطْعَامِ الظِّهَارَيْنِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ مِسْكِينًا، وَقَدْ نَقَصَ عَنْ الْمَحَلِّ وَزَادَ فِي الْوَاجِبِ؛
-
لِأَنَّ الْوَاجِبَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ وَقَدْ أَدَّى صَاعًا، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ كَمَا لَا تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ فِي التَّمْيِيزِ لَا تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ فِي الْعَدَدِ، فَنِيَّتُهُ عَنْ ظِهَارَيْنِ وَعَنْ ظِهَارٍ وَاحِدٍ سَوَاءٌ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتَا مِنْ جِنْسَيْنِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ، فَكَذَلِكَ تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ عَنْ الْكَفَّارَتَيْنِ لِيَكُونَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الْمُؤَدَّى
-
(قَالَ) : وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ مَنْ لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ زَكَاةِ الْمَالِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ إلَّا فُقَرَاءَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ يُعْطِيهِمْ مِنْ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَفُقَرَاءُ الْإِسْلَامِ أَحَبُّ إلَيْنَا،
-
وَلَا يَجْزِيهِ أَنْ يُعْطِيَ فُقَرَاءَ أَهْلِ الْحَرْبِ،
-
وَإِنْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِنَا وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْفَصْلَ بِتَمَامِهِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِنَذْرِهِ يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ،
-
فَأَمَّا مَا أَوْجَبَهُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ لَا يَصْرِفُهُ إلَّا إلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ كَالزَّكَاةِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُخَالِفَةٌ لِلرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
-
(قَالَ) : فَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدًا حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ
-
الظِّهَارِ؛ لِأَنَّهُ مُعْتِقٌ بِلِسَانِهِ مُسْتَرِقٌّ بِيَدِهِ وَهُوَ مَحَلٌّ لِلِاسْتِرْقَاقِ فَلَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ فَإِنْ أَعْتَقَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ يَنْفُذُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ ذِمِّيٌّ تَبَعٌ لِمَوْلَاهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ كَإِعْتَاقِ الذِّمِّيِّ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ وَلَمْ يَذْكُرْ إعْتَاقَ الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ عَنْ ظِهَارِهِ، وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ تُجْزِي
-
بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مُشْرِفٌ عَلَى الْهَلَاكِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ
-
بِخِلَافِ الْمُرْتَدَّةِ، وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ: أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا حَلَالَ الدَّمِ عَنْ الظِّهَارِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَتَحَقَّقُ فِيهِ وَمَا عَلَيْهِ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ فَلَا يُمْنَعُ جَوَازُ التَّكْفِيرِ بِهِ كَمَا لَوْ كَانَ مَدْيُونًا أَوْ مَرْهُونًا.
-
(قَالَ) : وَلَوْ أَعْتَقَ الْمَدْيُونَ جَازَ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِي الدَّيْنِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَ الْمَرْهُونَ جَازَ عَنْ الْكَفَّارَةِ،
-
وَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُعْسِرًا وَسَعَى الْعَبْدُ فِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ السِّعَايَةِ لَيْسَتْ فِي بَدَلِ رَقَبَتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الرَّاهِنِ إذَا أَيْسَر فَلَا يَكُونُ هَذَا عِتْقًا بِجُعْلٍ،
-
بِخِلَافِ الْمَرِيضِ مَرَضِ الْمَوْتِ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ ظِهَارِهِ،
-
وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِلْوَرَثَةِ، وَتِلْكَ السِّعَايَةُ بَدَلُ رَقَبَتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي مَعْنَى عِتْقٍ بِجُعْلٍ.
-
(قَالَ) : وَلَوْ تَصَدَّقَ عَنْهُ رَجُلٌ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَمْلِكُ أَنْ يُدْخِلَ الشَّيْءَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَبِدُونِ مِلْكِهِ لَا تَتَأَدَّى كَفَّارَتُهُ وَلَوْ تَصَدَّقَ عَنْهُ بِأَمْرِهِ أَجْزَأَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِتْقِ وَقَرَّرَنَا طَرِيقَ الْحَقِّ أَنَّهُ يَجْعَلُ الْمِسْكِينَ نَائِبًا فِي الْقَبْضِ لَهُ أَوَّلًا،
-
ثُمَّ لِنَفْسِهِ وَإِنْ صَامَ عَنْهُ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا يُجْزِئُهُ. لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ) وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الصَّوْمِ. - وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ -
-
(قَالَ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْإِيلَاءُ - فِي اللُّغَةِ - هُوَ الْيَمِينُ قَالَ الْقَائِلُ: قَلِيلُ الْأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ وَإِنْ بَدَرَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بَرَّتْ، - وَفِي الشَّرِيعَةِ - عِبَارَةٌ عَنْ يَمِينٍ يَمْنَعُ جِمَاعَ الْمَنْكُوحَةِ، هَكَذَا نُقِلَ عَنْ إبْرَاهِيمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ كَانَ الْإِيلَاءُ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَجَعَلَهُ الشَّرْعُ طَلَاقًا مُؤَجَّلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبَّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.} وَإِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ لَا يُجَامِعُ امْرَأَتَهُ أَبَدًا أَوْ لَمْ يَقُلْ أَبَدًا فَهُوَ مُولٍ؛
-
لِأَنَّ مُطْلَقَ اللَّفْظِ فِيمَا يَتَأَبَّدُ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ وَبَعْدَمَا صَارَ مُولِيًا إنْ جَامَعَهَا قَبْلَ تَمَامِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ
-
الْيَمِينِ لِوُجُودِ شَرْطِ الْحِنْثِ وَقَدْ سَقَطَ الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّ ثُبُوتُ حُكْمِ الْإِيلَاءِ بِقَصْدِهِ الْإِضْرَارَ وَالتَّعَنُّتَ بِمَنْعِ حَقِّهَا بِالْجِمَاعِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ حِينَ أَوْفَاهَا حَقَّهَا، وَهُوَ الْفَيْءُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} لِأَنَّ الْفَيْءَ عِبَارَةٌ عَنْ الرُّجُوعِ يُقَالُ: فَاءَ الظِّلُّ إذَا رَجَعَ وَقَدْ رَجَعَ عَمَّا قَصَدَ مِنْ الْإِضْرَارِ حِينَ جَامَعَهَا، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ؛
-
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
-
{فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وَلَكِنَّا نَقُولُ حُكْمُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْحِنْثِ ثَابِتٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} الْآيَةَ.،
-
وَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ أَنْ يَفِيءَ إلَيْهَا طَلُقَتْ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً عِنْدَنَا، وَكَانَ مَعْنَى الْإِيلَاءِ إنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَلَمْ أُجَامِعْك فِيهَا فَأَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً هَكَذَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - قَالُوا: عَزِيمَةُ الطَّلَاقِ مُضِيُّ الْمُدَّةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَلَكِنَّهُ يُوقَفُ بَعْدَ الْمُدَّةِ حَتَّى يَفِيءَ إلَيْهَا أَوْ يُفَارِقَهَا فَإِنْ أَبَى أَنْ يَفْعَلَ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا، وَكَانَ تَفْرِيقُهُ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً.
-
وَالْكَلَامُ فِي فَصْلَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ عِنْدَهُ الْفَيْءُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبَّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} فَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ لِلزَّوْجِ لَا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تَكُونُ الْمُدَّةُ لَهُ إذَا كَانَ الْأَمْرُ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ، وَالتَّضْيِيقُ بَعْدَهُ فَأَمَّا إذَا كَانَ مُطَالَبًا بِالْجِمَاعِ فِي الْمُدَّةِ فَلَا تَكُونُ الْمُدَّةُ لَهُ ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
-
{فَإِنْ فَاءُوا} وَحَرْفُ الْفَاءِ لِلتَّعْقِيبِ. عَرَفْنَا أَنَّ الْفَيْءَ الَّذِي يُؤْمَرُ بِهِ الزَّوْجُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ وَعِنْدَنَا الْفَيْءُ فِي الْمُدَّةِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (فَإِنْ فَاءُوا فِيهِنَّ) . وَقِرَاءَتُهُ لَا تَتَخَلَّفُ عَنْ سَمَاعِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالتَّقْسِيمُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ} دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَيْءَ فِي الْمُدَّةِ وَعَزِيمَةَ الطَّلَاقِ بَعْدَهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} ، وَالْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ بِالْمُجَامَعَةِ فِي الْمُدَّةِ، وَالتَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ بِتَرْكِهَا حَتَّى تَبِينَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَهَذَا التَّرَبُّصُ مَشْرُوعٌ لِلزَّوْجِ؛
-
لِأَنَّ الْإِيلَاءَ كَانَ طَلَاقًا مُعَجَّلًا فَجَعَلَ الشَّرْعُ لِلزَّوْجِ فِيهِ مُدَّةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ حَتَّى مَكَّنَهُ مِنْ التَّدَارُكِ فِي الْمُدَّةِ وَجَعَلَ الطَّلَاقَ مُؤَخَّرًا إلَى مَا بَعْدَ الْمُدَّةِ.
-
(وَالْفَصْلُ الثَّانِي) أَنَّ الْفُرْقَةَ عِنْدَهُ، لَا تَقَعُ إلَّا بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا أَوْ بِإِيقَاعِ الزَّوْجِ الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:
-
{وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} . وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ عَزِيمَةَ الطَّلَاقِ بِمَا هُوَ مَسْمُوعٌ وَذَلِكَ بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ أَوْ تَفْرِيقِ الْقَاضِي، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهَا عِنْدَ فَوْتِ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ،
-
فَلَا يَقَعُ إلَّا بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي كَفُرْقَةِ الْعِنِّينِ،
-
فَإِنَّ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ
-
هُنَاكَ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ إلَّا بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ هُنَاكَ مَعْذُورٌ وَهُنَا هُوَ ظَالِمٌ مُتَعَنِّتٌ، وَالْقَاضِي مَنْصُوبٌ لِإِزَالَةِ الظُّلْمِ فَيَأْمُرُهُ أَنْ يُوَفِّيَهَا حَقَّهَا، أَوْ يُفَارِقَهَا،
-
فَإِنْ أَبِي نَابَ عَنْهُ فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ وَهُوَ نَظِيرُ التَّفْرِيقِ بِسَبَبِ الْعَجْزِ عَنْ النَّفَقَةِ عَلَى قَوْلِهِ.
-
(وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ} فَذَكَرَ عَزِيمَةَ الطَّلَاقِ بَعْدَ ذِكْرِ الْمُدَّةِ، فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ تَرْكَ الْفَيْءِ فِي الْمُدَّةِ عَزِيمَةُ الطَّلَاقِ عِنْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «عَزِيمَةُ الطَّلَاقِ مُضِيُّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ» وَقَدْ أَضَافَ إلَى الزَّوْجِ فَدَلَّ أَنَّ الطَّلَاقَ يَتِمُّ بِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي، وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى {فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} سَمِيعٌ لِإِيلَائِهِ عَلِيمٌ بِقَصْدِهِ الْإِضْرَارَ؛
-
وَلِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ مُدَّةُ تَرَبُّصٍ بَعْدَمَا أَظْهَرَ الزَّوْجُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَرِيدٍ لَهَا فَتَبِينُ بِمُضِيِّهَا كَمُدَّةِ الْعِدَّةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ،
-
وَلَا فَرْقَ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الزَّوْجُ بِالطَّلَاقِ يُظْهِرُ كَرَاهِيَةَ صُحْبَتِهَا فَيَصِيرُ فِي الْمَعْنَى كَأَنَّهُ عَلَّقَ الْبَيْنُونَةَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ قَبْلَ أَنْ يُرَاجِعَهَا، وَهُنَا هُوَ بِيَمِينِهِ يُظْهِرُ كَرَاهِيَتَهَا فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ عَلَّقَ الْبَيْنُونَةَ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ قَبْلَ أَنْ يَفِيءَ إلَيْهَا، وَلِهَذَا جَعَلْنَا الْوَاقِعَةَ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً؛
-
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ ضَرَرِ التَّعْلِيقِ عَنْهَا، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِالتَّطْلِيقَةِ الرَّجْعِيَّةِ، وَلَكِنَّ الْعِدَّةَ هُنَا تَجِبُ هُنَا بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بَعْدَهُ، وَهُنَاكَ الطَّلَاقُ كَانَ وَاقِعًا فَجَعَلْنَا الْأَقْرَاءَ مَحْسُوبَةً مِنْ الْعِدَّةِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَقْرَبُهَا أَبَدًا؛ لِأَنَّ الْقُرْبَانَ مَتَى ذُكِرَ مُضَافًا إلَى النِّسَاءِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْجِمَاعُ،
-
وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ لَمْ أَعْنِ الْجِمَاعَ لَمْ يُصَدَّقَ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ عَنْ الظَّاهِرِ الْمُتَعَارَفِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ هُنَا،
-
وَلَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَيُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ مَعْنَى الْجِمَاعِ هُوَ الِاجْتِمَاعُ فَفِيمَا نَوَى بِهِ مِمَّا سِوَى الْجِمَاعِ هُوَ مُحْتَمَلٌ فَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى،
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَقَالَ: لَمْ أَعْنِ الْجِمَاعَ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ عَلَيْهَا لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يُسْتَعْمَلُ فِي الْجِمَاعِ وَالزِّيَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَالْمَنْوِيُّ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلظَّاهِرِ، وَحَرْفُ الصِّلَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ " عَلَى " فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْمُرَادُ الْجِمَاعُ يُقَال: دَخَلَ بِهَا.
-
وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَيَغِيظَنَّهَا أَوْ لَيَسُؤَنَّهَا، أَوْ لَا يَجْمَعُ رَأْسَهُ وَرَأْسَهَا شَيْءٌ، أَوْ لَا يَمَسُّهَا، وَفِي نُسَخِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَوْ لَا يُلَامِسُهَا فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ تُطْلَقُ فِي الْجِمَاعِ، وَغَيْرِ الْجِمَاعِ فَإِنْ نَوَى بِهَا الْجِمَاعَ كَانَ مُولِيًا وَإِنْ نَوَى غَيْرَ الْجِمَاعَ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا، لِأَنَّ الْمُولِي مَنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْجِمَاعِ فِي الْمُدَّةِ، إلَّا بِشَيْءٍ يَلْزَمُهُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ إضْرَارُهُ بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ،
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَمَسُّ جِلْدُهُ جِلْدَهَا وَعَنَى بِهِ حَقِيقَةَ الْمَسِّ، فَالْحِنْثُ هُنَا يَحْصُلُ بِدُونِ الْجِمَاعِ
-
فَلَا يَكُونُ إيلَاءً وَيُمْكِنُهُ أَنْ يُجَامِعَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ بِأَنْ يَلُفَّ آلَتَهُ فِي حَرِيرَةٍ،
-
ثُمَّ يَدُسَّهُ فِيهَا وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا حَلَفَ لَا يَأْتِيهَا وَعَنَى الْجِمَاعَ فَهُوَ مُولٍ،
-
وَإِنْ قَالَ لَمْ أَعْنِ الْجِمَاعَ صُدِّقَ فِي الْقَضَاءِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْجِمَاعُ، وَيُرَادُ بِهِ الزِّيَارَةُ أَوْ الضَّرْبُ فَكَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمَلًا، وَالْمُحْتَمَلُ لَا يُوجِبُ شَيْئًا بِدُونِ النِّيَّةِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَغْشَاهَا فَهُوَ مَدِينٌ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْغِشْيَانَ يُرَادُ بِهِ الْجِمَاعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} وَيُرَادُ بِهِ غَيْرُ الْجِمَاعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
-
{وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ.} وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَقْرَبُ فِرَاشَهَا فَلَفْظُ الْقُرْبِ إضَافَةٌ إلَى فِرَاشِهَا لَا إلَيْهَا، وَلِذَلِكَ يُحْتَمَلُ الْجِمَاعُ وَغَيْرُهُ،
-
فَإِنْ عَنَى الْجِمَاعَ فَهُوَ مُولٍ وَإِلَّا فَلَيْسَ بِمُولٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يُجَامِعَهَا مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ إمَّا عَلَى الْأَرْضِ أَوْ بِأَنْ تَدْخُلَ هِيَ فِرَاشَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْرَبَ هُوَ فِرَاشَهَا،
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُبَاضِعُهَا فَهُوَ مُولٍ،
-
وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ لِلْجِمَاعِ،
-
فَإِنَّ الْمُبَاضَعَةَ إدْخَالُ الْبُضْعِ فِي الْبُضْعِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَغْتَسِلُ مِنْهَا مِنْ جَنَابَةٍ؛ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ مِنْهَا إنَّمَا يَكُونُ بِالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ خَاصَّةً فَأَمَّا الْجِمَاعُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ يَكُونُ اغْتِسَالًا مِنْ الْإِنْزَالِ لَا مِنْهَا،
-
وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ لِلْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ لَمْ يُصَدَّقْ فِي صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ وَكَانَ مُولِيًا بِمَنْعِهِ حَقَّهَا بِيَمِينِهِ.
-
فَإِنَّ حَقَّهَا فِي الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ لَا فِيمَا دُونَهُ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا حَلَفَ لَا يَقْرَبُهَا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا عِنْدَنَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى هُوَ مُولٍ، إنْ تَرَكَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بَانَتْ بِالتَّطْلِيقَةِ. وَهَكَذَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ فِي الِابْتِدَاءِ فَلَمَّا بَلَغَهُ فَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: (لَا إيلَاءَ فِيمَا دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ.
-
وَابْنُ أَبِي لَيْلَى اسْتَدَلَّ بِظَاهِرِ الْآيَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} وَالْإِيلَاءُ: هُوَ الْيَمِينُ. فَتَقْيِيدُ الْيَمِينِ بِمُدَّةِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يَكُونُ زِيَادَةً. وَلَكِنَّا نَقُولُ الْمُولِي مَنْ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَ امْرَأَتِهِ فِي الْمُدَّةِ إلَّا بِشَيْءٍ يَلْزَمُهُ،
-
وَإِذَا عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى شَهْرٍ فَهُوَ يَتَمَكَّنُ مِنْ قُرْبَانِهَا بَعْدَ مُضِيِّ الشَّهْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا كَمَا فِي تَرْكِ مُجَامَعَتِهَا مُدَّةً بِغَيْرِ يَمِينٍ.
-
(قَالَ) : وَكُلُّ مَا حَلَفَ بِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا مِمَّا يَكُونُ بِهِ حَالِفًا فَهُوَ مُولٍ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّ تَضْيِيقَ الْأَمْرِ عِنْدَهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ،
-
فَإِذَا كَانَتْ الْمُدَّةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَنْتَهِي الْيَمِينُ بِمُضِيِّهَا فَلَا يُمْكِنُ تَضْيِيقُ الْأَمْرِ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ قُرْبَانِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ،
-
وَإِذَا كَانَتْ الْمُدَّةُ أَكْثَرَ
-
مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَتَضْيِيقُ الْأَمْرِ عَلَيْهِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ مُمْكِنٌ، وَعِنْدَنَا مُجَرَّدُ مُضِيِّ الْمُدَّةِ عَزِيمَةُ الطَّلَاقِ،
-
فَإِذَا كَانَتْ الْمُدَّةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَتِمُّ مَعْنَى الْإِيلَاءِ بِهِ، وَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بِمُضِيِّهِ ثُمَّ الْيَمِينُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا - مَا يُقْصَدُ بِهِ تَعْظِيمُ الْمُقْسَمِ بِهِ: وَالثَّانِي - الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ، وَالْأَوَّلُ يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ،
-
فَأَمَّا الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ يَمِينٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ،
-
وَلَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَبِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّوْعَيْنِ يَثْبُتُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ فَإِذَا قَالَ: أَحْلِفُ، أَوْ أَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك فَهُوَ مُولٍ عِنْدَنَا. وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي قَوْلِهِ: أَحْلِفُ بِاَللَّهِ كَذَلِكَ،
-
فَأَمَّا فِي قَوْلِهِ أَحْلِفُ عِنْدَهُ لَا يَكُونُ يَمِينًا، وَلَكِنَّهُ وَعْدٌ أَنْ يَحْلِفَ بِهَذَا اللَّفْظِ.
-
(وَلَكِنَّا) نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} فَدَلَّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمِينٌ، سَوَاءٌ ذَكَرَ قَوْلَهُ بِاَللَّهِ أَوْ أَطْلَقَ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ فِي الظَّاهِرِ يَكُونُ بِاَللَّهِ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَشْهَدُ أَوْ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ فَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْلُهُ أَشْهَدُ لَا يَكُونُ يَمِينًا، بَلْ يَكُونُ هَذَا اللَّفْظُ لِلشَّهَادَةِ،
-
فَإِذَا قَالَ بِاَللَّهِ يَمِينًا. وَلَكِنَّا نَقُولُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّفْظَيْنِ يَمِينٌ سَوَاءٌ ذَكَرَ قَوْلَهُ بِاَللَّهِ أَوْ أَطْلَقَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} إلَى قَوْلِهِ {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} فَقَدْ سَمَّى شَهَادَتَهُمْ يَمِينًا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ} .
-
وَاللِّعَانُ يَمِينٌ قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْلَا الْأَيْمَانُ الَّتِي سَبَقَتْ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَ الشَّاهِدِ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي أَشْهَدُ فِي مَعْنَى الْيَمِينِ، وَلِهَذَا عَظُمَ الْوِزْرُ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْيَمِينِ الْغَمُوسِ
-
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ أُقْسِمُ أَوْ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ فَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْلُهُ أُقْسِمُ لَا يَكُونُ يَمِينًا كَقَوْلِهِ أَحْلِفُ. وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} {وَلا يَسْتَثْنُونَ} وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْيَمِينِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَعْزِمُ أَوْ أَعْزِمُ بِاَللَّهِ فَإِنَّ الْعَزْمَ آكَدُ مَا يَكُونُ مِنْ الْعَهْدِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْيَمِينِ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ نَذْرٌ لِلَّهِ قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (النَّذْرُ يَمِينٌ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ)
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ عَهْدُ اللَّهِ عَلَيَّ فَالْعَهْدُ يَمِينٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَوْفَوْا بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا عَاهَدْتُمْ} مَعْنَاهُ إذَا حَلَفْتُمْ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}
-
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: عَلَيَّ ذِمَّةُ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَهْدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلًّا وَلَا ذِمَّةً} وَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَرَادُوكُمْ أَنْ تُعْطُوهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ فَلَا تُعْطُوهُمْ» وَأَهْلُ الذِّمَّةِ هُمْ أَهْلُ الْعَهْدِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ، أَوْ مَجُوسِيٌّ، أَوْ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ إنْ قَرُبْتُك فَهُوَ مُولٍ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يَكُونُ مُولِيًا بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ عَيْنُ مَا الْتَزَمَ عِنْدَ الْقُرْبَانِ فَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُهُ كَمَا
-
لَوْ قَالَ: هُوَ مُسْتَحِلٌّ الْمَيْتَةَ إنْ قَرُبْتُك وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ،
-
فَإِنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ عِنْدَنَا يَمِينٌ فَتَحْلِيلُ الْحَرَامِ، كَذَلِكَ، وَتَحْرِيمُ الْكُفْرِ بَاتَّةٌ مُصْمِتَةٌ، فَاسْتِحْلَالُهَا يَمِينٌ لِمَا عَلَّقَهُ بِالْقُرْبَانِ
-
بِخِلَافِ اسْتِحْلَالِ الْمَيْتَةِ فَإِنَّ حُرْمَتَهَا لَيْسَتْ بِبَاتَّةٍ وَلَكِنَّهَا تَنْكَشِفُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَسَنُقَرِّرُ هَذَا الْفَصْلَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ. - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
-
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَعَظَمَةِ اللَّهِ أَوْ وَعِزَّةِ اللَّهِ أَوْ وَقُدْرَةِ اللَّهِ فَهَذَا وَقَوْلُهُ وَاَللَّهِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ: وَاَللَّهِ الْعَظِيمِ وَاَللَّهِ الْعَزِيزِ، وَاَللَّهِ الْقَادِرِ وَسَنُقَرِّرُ حُكْمَ الْيَمِينِ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى.
-
وَكَذَلِكَ إنْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ قُرْبَانِهَا فِي الْمُدَّةِ بِشَيْءٍ لَا يَلْزَمُهُ؛ وَلِأَنَّ الشَّرْطَ وَالْجَزَاءَ يَمِينٌ قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ) فَقَدْ سَمَّاهُ حَالِفًا،
-
وَكَذَلِكَ إنْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ بِحَجٍّ أَوْ هَدْيٍ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ صَوْمٍ جَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ إنْ قَرُبَهَا؛ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِهَذَا مَنْعُ الْقُرْبَانِ حِينَ عَلَّقَ بِالْقُرْبَانِ مَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا مِنْ الْتِزَامِهِ عَادَةً وَتَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ فِي أَدَائِهِ.
-
وَإِذَا قَالَ وَالْقُرْآنِ لَا أَقْرَبُك لَا يَكُونُ مُولِيًا؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَعَارَفُوا الْحَلِفَ بِالْقُرْآنِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْأَيْمَانِ الْعُرْفُ، فَكُلُّ لَفْظٍ لَمْ يَكُنْ الْحَلِفُ بِهِ مُتَعَارَفًا لَا يَكُونُ يَمِينًا، وَهَذَا اللَّفْظُ إنَّمَا يُذْكَرُ فِي الْكِتَابِ خَاصَّةً وَقَدْ طَعَنَ عَلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ فَقَالُوا: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْكَلَامُ صِفَةُ الْمُتَكَلِّمِ فَلِمَاذَا لَمْ يُجْعَلْ الْحَلِفُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَمِينًا؟
-
وَلَكِنَّا نَقُولُ: كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى صِفَتُهُ وَلَكِنَّ الْحَلِفَ بِهِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ وَعِلْمِ اللَّهِ. عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي الْأَيْمَانِ. وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: هُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْقُرْآنِ إنْ قَرُبْتُك فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ الْقُرْآنِ كُفْرٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: هُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ إنْ قَرُبْتُك،
-
وَإِنْ قَالَ: وَالْكَعْبَةِ أَوْ الصَّلَاةِ، أَوْ الزَّكَاةِ لَا أَقْرَبُك أَوْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ، لَا يَكُونُ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا سَمِعَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ: وَأَبِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ فَلْيَذَرْ» فَدَلَّ أَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ لَا يَكُونُ يَمِينًا شَرْعًا،
-
وَإِنْ قَالَ بِاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك فَهُوَ مُولٍ، وَحُرُوفُ الْيَمِينِ ثَلَاثَةٌ: الْبَاءُ، وَالْوَاوُ، وَالتَّاءُ. فَأَعَمَّهَا الْبَاءُ، حَتَّى تَدْخُلَ فِي اسْمِ اللَّهِ وَفِي غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الْمُضْمَرِ، وَالْمُظْهَرِ.
-
وَالْوَاوُ أَخَصُّ مِنْهَا فَإِنَّهَا تَدْخُلُ فِي الْمُظْهَرِ دُونَ الْمُضْمَرِ، وَلَكِنَّهَا تَدْخُلُ فِي اسْمِ اللَّهِ، وَفِي غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّاءُ أَخَصُّ مِنْهَا فَإِنَّهَا لَا تَدْخُلُ إلَّا فِي اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى مُظْهَرًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ}
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ وَأَيْمُ اللَّهِ، أَوْ
-
لَعَمْرِو اللَّهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ تَعَارَفُوا الْحَلِفَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ،
-
وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلُهُ وَأَيْمُ اللَّهِ أَيْ وَأَيْمُنُ اللَّهِ فَيَكُونُ جَمْعُ الْيَمِينِ، وَلِعَمْرِو اللَّهِ أَيْ وَاَللَّهِ الْبَاقِي، وَفِي قَوْلِهِ لَعَمْرُكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَمِينٌ،
-
وَإِنْ قَالَ آللَّهِ لَا أَقْرَبُك فَهُوَ مُولٍ أَيْضًا وَالْكَسْرَةُ فِي الْهَاءِ دَلِيلٌ عَلَى مَحْذُوفٍ، وَهُوَ الْقَسَمُ وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْحُكْمِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْإِيلَاءَ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ،
-
وَإِنْ قَالَ قَوْلًا لَا يَقْرَبُهَا وَلَمْ يَحْلِفْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ هَكَذَا نُقِلَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} وَالْإِيلَاءُ يَمِينٌ فَبِدُونِ يَمِينِهِ كَانَ كَلَامُهُ وَعْدًا، وَالْمَوَاعِيدُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا اللُّزُومُ فَهُوَ يَتَمَكَّنُ مِنْ قُرْبَانِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَقْرَبُهَا فِي مَكَانِ كَذَا أَوْ فِي مِصْرِ كَذَا أَوْ قَالَ فِي أَرْضِ الْعِرَاقِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا عِنْدَنَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: هُوَ مُولٍ؛
-
لِأَنَّهُ قَصَدَ الْإِضْرَارَ وَالتَّعَنُّتَ بِيَمِينِهِ فَلَزِمَهُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْيَمِينُ إذَا وُقِّتَتْ بِمَكَانٍ تَوَقَّتَتْ بِهِ، فَهُوَ يَتَمَكَّنُ مِنْ قُرْبَانِهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ فِي الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ فَلَا يَتَحَقَّقُ بِهِ مَنْعُ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ.
-
(قَالَ) : وَلَوْ حَلَفَ لَا يَقْرَبُهَا وَهِيَ حَائِضٌ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ،
-
فَإِنَّ الْحَيْضَ لَا يَمْتَدُّ إلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَا حَظَّ لَهَا فِي الْجِمَاعِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ،
-
فَلَا يَكُونُ مَانِعًا حَقَّهَا بِهَذِهِ الْيَمِينِ فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا لَوْ حَلَفَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُعْتَبَرَ مُدَّةُ الْحَيْضِ فَيَبْقَى يَمِينُهُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ أَشْهُرٍ قُلْنَا: هَذَا أَنْ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ ثَابِتَةً بِالْمَعْنَى، وَثُبُوتُهَا بِالنَّصِّ،
-
فَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا بِالرَّأْيِ،
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يَقْدُمَ فُلَانٌ، أَوْ حَتَّى يَفْعَلَ هُوَ شَيْئًا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ قَبْلَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَيْسَ بِمُولٍ: لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُجَامِعَهَا بَعْدَ وُجُودِ مَا جَعَلَهُ غَايَةً قَبْلَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ،
-
وَإِنْ تَأَخَّرَ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لَمْ يَضُرَّهُ؛ لِأَنَّهُ بِأَصْلِ الْيَمِينِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا فَلَا يَصِيرُ مُولِيًا بِتَرْكِ الْمُجَامَعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ تَرَكَ الْمُجَامَعَةَ بِغَيْرِ يَمِينٍ،
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يَفْعَلَ شَيْئًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَهُوَ مُولٍ مَعْنَاهُ حَتَّى يَمَسَّ السَّمَاءَ أَوْ يُحَوِّلَ هَذَا الْحَجَرَ ذَهَبًا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَقْدُورِهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ كَانَ مَقْصُودُهُ مِنْ جَعْلِهِ غَايَةَ تَحْقِيقِ مَعْنَى التَّأْبِيدِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك حَتَّى تَخْرُجَ الدَّابَّةُ أَوْ الدَّجَّالُ أَوْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَهُوَ مُولٍ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَيْسَ بِمُولٍ؛
-
لِأَنَّهُ مَا جَعَلَهُ غَايَةً يُتَوَهَّمُ وُجُودُهُ قَبْلَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَلَكِنَّا نَقُولُ مَقْصُودُ الزَّوْجِ بِهَذَا الْمُبَالَغَةُ فِي النَّفْيِ لَا التَّوْقِيتُ فَيَتَحَقَّقُ بِهِ مَعْنَى الْإِيلَاءِ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا حَلَفَ لَا يَقْرَبُهَا سَنَةً إلَّا يَوْمًا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا عِنْدَنَا. وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ آخِرِ
-
السَّنَةِ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ، وَالْآجَالِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا فِي الْمُدَّةِ إلَّا بِكَفَّارَةٍ تَلْزَمُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ سَنَةً بِنُقْصَانِ يَوْمٍ كَانَ مُولِيًا فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: إلَّا يَوْمًا. وَلَكِنَّا نَقُولُ: اسْتَثْنَى يَوْمًا مُنَكَّرًا فَمَا مِنْ يَوْمٍ بَعْدَ يَمِينِهِ إلَّا وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ الْيَوْمَ الْمُسْتَثْنَى فَيَقْرَبُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ وَاَلَّذِي قَالَ إنَّ الْيَوْمَ مِنْ آخِرِ السَّنَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛
-
لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مُنَكَّرٌ فَلَوْ جَعَلْنَاهُ مِنْ آخِرِ السَّنَةِ لَمْ يَكُنْ مُنَكَّرًا، وَتَغْيِيرُ كَلَامِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ لَا يَجُوزُ، وَفِي الْآجَالِ وَالْإِجَارَةِ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَا الْيَوْمَ مُنَكَّرًا فِيهِمَا لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ لِلْجَهَالَةِ،
-
وَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ تَأَخُّرُ الْمُطَالَبَةِ، وَالتَّمَكُّنُ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَهُنَا لَا حَاجَةَ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ لَا تَمْنَعُ انْعِقَادَ الْيَمِينِ فَلِهَذَا جَعَلْنَا الْيَوْمَ الْمُسْتَثْنَى مُنَكَّرًا كَمَا نَكَّرَهُ
-
بِخِلَافِ قَوْلِهِ بِنُقْصَانِ يَوْمِ؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ آخِرِ الْمُدَّةِ، وَذَلِكَ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى آخِرَ يَوْمٍ مِنْ السَّنَةِ،
-
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُولٍ عِنْدَنَا قُلْنَا إذَا قَرُبَهَا فِي يَوْمٍ فَهَذَا الْيَوْمُ هُوَ الْيَوْمُ الْمُسْتَثْنَى فَلَا يَكُونُ مُولِيًا حَتَّى يَمْضِيَ ذَلِكَ الْيَوْمُ ثُمَّ يُنْظَرُ بَعْدَ مُضِيِّهِ فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْ السَّنَةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَهُوَ مُولٍ وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَيْسَ بِمُولٍ؛
-
لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ قَدْ ارْتَفَعَ وَصَارَتْ الْيَمِينُ مُطْلَقَةً فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك سَنَةً إلَّا مَرَّةً لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ قُرْبَانِهَا بِسَبَبِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَ شَيْءٌ فَإِذَا قَرُبَهَا مَرَّةً ارْتَفَعَ الِاسْتِثْنَاءُ، وَصَارَتْ الْيَمِينُ مُطْلَقَةً،
-
فَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْجِمَاعِ مِنْ السَّنَةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرُ، فَهُوَ مُولٍ،
-
وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي دُونَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا فَإِنْ وَصَلَ قَوْلُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ بِيَمِينِهِ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُخْرِجُ الْكَلَامَ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَزِيمَةً، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -،
-
وَإِنْ اشْتَرَطَ مَشِيئَتَهَا وَمَشِيئَةَ فُلَانٍ فَهُوَ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرَهُ فِي الظِّهَارِ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنَا مِنْكِ مُولٍ وَعَنَى الْإِيجَابَ فَهُوَ مُولٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ أَنَا مِنْك مُظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ لَفْظَهُ إلَى مَحَلِّهِ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ مُولِيًا مِنْ امْرَأَتِهِ وَإِنْ قَالَ عَنَيْت الْخَبَرَ بِالْكَذِبِ لَمْ يُدَنْ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ إيجَابٌ وَهُوَ مَدِينٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛
-
لِأَنَّ صِيغَةَ الْإِيجَابِ وَالْإِخْبَارِ فِي الْإِيلَاءِ وَاحِدٌ وَالْمُخْبَرُ عَنْهُ إذَا كَانَ كَذِبًا فَبِالْإِخْبَارِ لَا يَصِيرُ صِدْقًا.
-
(قَالَ) وَإِذَا حَلَفَ عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَا يَقْرَبُهُنَّ فَهُوَ مُولٍ مِنْهُنَّ، إنْ تَرَكَهُنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بِنَّ بِالْإِيلَاءِ عِنْدَنَا. وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَكُونُ مُولِيًا حَتَّى يَقْرَبَ ثَلَاثًا مِنْهُنَّ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُولِيًا مِنْ الرَّابِعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ قُرْبَانَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا حَتَّى يَقْرَبَ ثَلَاثًا مِنْهُنَّ فَحِينَئِذٍ لَا يَمْلِكُ
-
قُرْبَانَ الرَّابِعَةِ إلَّا بِكَفَّارَةٍ تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ يُتِمُّ شَرْطَ الْحِنْثِ بِقُرْبَانِهَا فَيَكُونُ مُولِيًا مِنْهَا وَيَكُونُ مَعْنَى كَلَامِهِ إنْ قَرُبْتُ ثَلَاثًا مِنْكُنَّ، فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُ الرَّابِعَةَ.
-
(وَجْهُ قَوْلِنَا) أَنَّهُ مُضَارٌّ مُتَعَنِّتٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُنَّ بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ فَيَكُونُ مُولِيًا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَمَا لَوْ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَى الِانْفِرَادِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِقُرْبَانِ بَعْضِهِنَّ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مُوجِبُ الْحِنْثِ فَلَا تَجِبُ مَا لَمْ يَتِمَّ شَرْطُ الْحِنْثِ، وَلَكِنْ عِنْدَ تَمَامِ الشَّرْطِ لَا يَكُونُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِقُرْبَانِ الْآخِرَةِ فَقَطْ بَلْ بِقُرْبَانِهِنَّ جَمِيعًا فَأَمَّا وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِاعْتِبَارِ الْبِرِّ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَهُنَا بِنَّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ إنْ قَرُبْتُ ثَلَاثًا مِنْكُنَّ فَوَاَللَّهِ، لَا أَقْرَبُ الرَّابِعَةَ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ مَا عَقَدَ الْيَمِينَ فِي الْحَالِ بَلْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ فَلَا يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ،
-
فَإِنْ جَامَعَ بَعْضَهُنَّ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ سَقَطَ عَمَّنْ جَامَعَ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَاءَ إلَيْهَا فِي الْمُدَّةِ،
-
وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَمَامِ شَرْطِ الْحِنْثِ فَإِذَا تَمَّتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَانَتْ الَّتِي لَمْ يُجَامِعْهَا؛ لِأَنَّ الْفَيْءَ فِي حَقِّهَا لَمْ يُوجِبْ فَبَقِيَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّهَا فَتَبِينُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ،
-
وَلَوْ لَمْ يُجَامِعْ شَيْئًا مِنْهُنَّ، وَلَكِنْ طَلَّقَ إحْدَاهُنَّ ثَلَاثًا كَانَ مُولِيًا عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ حِنْثِهِ مُنْتَظِرٌ، إنْ جَامَعَهُنَّ حَنِثَ إذْ لَيْسَ فِي يَمِينِهِ تَقْيِيدُ الْجِمَاعِ بِمَا قَبْلَ الطَّلَاقِ،
-
وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ وَلَكِنْ مَاتَتْ إحْدَاهُنَّ بَطَلَ الْإِيلَاءُ عَنْهُنَّ؛ لِأَنَّ شَرْطَ حِنْثِهِ قَدْ فَاتَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِجِمَاعِ مَنْ بَقِيَ بَعْدَ هَذَا وَلَا بِجِمَاعِ الْمَيِّتَةِ، وَالْيَمِينُ لَا يَبْقَى بَعْدَ فَوَاتِ شَرْطِ الْحِنْثِ فَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ الْإِيلَاءُ عَنْهُنَّ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَقْرَبُ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَهُوَ مُولٍ مِنْهُنَّ فَإِنْ مَضَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ بِنَّ جَمِيعًا. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: يَكُونُ مُولِيًا مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَتَّى إذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ طَلُقَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ بِغَيْرِ عَيْنِهَا؛
-
لِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ عَنْ قُرْبَانِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَرُبَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، وَحُكْمُ الطَّلَاقِ يَنْبَنِي عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْقُرْبَانِ فَعِنْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى إحْدَاهُنَّ بِغَيْرِ عَيْنِهَا كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُ إحْدَاكُنَّ، وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْوَاحِدَةَ مُنَكِّرًا فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ؛
-
لِأَنَّ الْقُرْبَانَ مَنْفِيٌّ، وَالنَّكِرَةُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ تَعُمُّ
-
بِخِلَافِ النَّكِرَةِ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ،
-
فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ رَأَيْت الْيَوْمَ رَجُلًا يَقْتَضِي رُؤْيَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ،
-
وَلَوْ قَالَ مَا رَأَيْت الْيَوْمَ رَجُلًا يَقْتَضِي نَفْيَ رُؤْيَةِ جَمِيعِ الرِّجَالِ، وَهَذَا لِأَنَّ مَعْنَى التَّنْكِيرِ فِي مَحَلِّ الْفَيْءِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالتَّعْمِيمِ فَفِيمَا يَنْبَنِي عَلَى نَفْيِ الْقُرْبَانِ وَهُوَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عِنْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ يَتَنَاوَلُهُنَّ كَلَامُهُ جَمِيعًا وَفِيمَا يَنْبَنِي عَلَى وُجُودِ الْقُرْبَانِ وَهِيَ الْكَفَّارَةُ
-
يَتَنَاوَلُ كَلَامُهُ إحْدَاهُنَّ فَلِهَذَا إذَا قَرُبَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، وَسَقَطَ الْإِيلَاءُ عَنْهُنَّ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ تَمَامِ الشَّرْطِ وَهَذَا
-
بِخِلَافِ قَوْلِهِ إحْدَاكُنَّ فَإِنَّ مَعْنَى التَّعْمِيمِ هُنَاكَ لَا يَتَحَقَّقُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَرَنَ بِكَلَامِهِ حَرْفَ كُلٍّ بِأَنْ قَالَ: كُلُّ إحْدَاكُنَّ لَا يَتَنَاوَلُهُنَّ جَمِيعًا، وَهُنَا لَوْ قَرَنَ بِكَلَامِهِ حَرْفَ كُلٍّ فَقَالَ: كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ تَنَاوَلَهُنَّ جَمِيعًا فَكَذَلِكَ بِسَبَبِ التَّنْكِيرِ،
-
وَإِنْ كَانَ نَوَى وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا دُونَ غَيْرِهَا فَهُوَ مُولٍ مِنْهَا خَاصَّةً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَا نَوَاهُ مُحْتَمِلٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ وَنَوَى وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ فَكَذَلِكَ فِي الْإِيلَاءِ، وَلَكِنْ لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا آلَى مِنْ وَاحِدَةٍ لَمْ يُسَمِّيهَا، وَلَمْ يَنْوِهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ يُوقِعُ الطَّلَاقَ عَلَى أَيَّتِهِنَّ شَاءَ فَتَبِينُ بِهِ وَحْدَهَا وَلَوْ أَرَادَ التَّعْيِينَ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ لَمْ يَمْلِكْ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْيِيرَ حُكْمِ الْيَمِينِ فَإِنَّهُ قَبْلَ التَّعْيِينِ يَحْنَثُ بِقُرْبَانِ وَاحِدَةٍ أَيَّتُهُنَّ قَرُبَ، وَبَعْدَ التَّعْيِينِ لَا يَحْنَثُ بِقُرْبَانِ الْبَوَاقِي وَكَمَا لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حُكْمِ الْيَمِينِ لَا يَمْلِكُ تَغْيِيرَهُ،
-
فَأَمَّا بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ مَلَكَ تَعْيِينَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا تَغْيِيرُ حُكْمِ الْيَمِينِ، وَلَكِنَّهُ تَعْيِينُ الطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ وَذَلِكَ إلَى الزَّوْجِ ثُمَّ إذَا عَيَّنَ الطَّلَاقَ فِي إحْدَاهُنَّ لَا يَتَعَيَّنُ يَمِينُهُ فِيهَا إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا آلَى الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَسِيرَةُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ أَجْزَأَهُ إنْ فَاءَ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ الْجِمَاعِ فِي الْمُدَّةِ يَكُونُ فَيْؤُهُ بِاللِّسَانِ عِنْدَنَا، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْفَيْءُ بِاللِّسَانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛
-
لِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالْفَيْءِ حُكْمَانِ: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ، وَامْتِنَاعُ حُكْمِ الْفُرْقَةِ ثُمَّ الْفَيْءُ بِاللِّسَانِ لَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ، فَكَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ الْآخَرِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ الْكَفَّارَةُ تَجِبُ بِالْحِنْثِ وَالْحِنْثُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْفَيْءِ بِاللِّسَانِ،
-
فَأَمَّا وُقُوعُ الطَّلَاقِ عِنْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْإِضْرَارِ وَالتَّعَنُّتِ وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ فِي الْفَيْءِ بِاللِّسَانِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْفَيْءِ بِالْجِمَاعِ فَكَانَ الْفَيْءُ بِالْجِمَاعِ أَصْلًا وَبِاللِّسَانِ بَدَلًا عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْفَيْءَ عِبَارَةٌ عَنْ الرُّجُوعِ،
-
وَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْجِمَاعِ فَإِنَّمَا قَصَدَ الْإِضْرَارَ وَالتَّعَنُّتَ بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ فَفَيْؤُهُ بِالرُّجُوعِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ يُجَامِعَهَا وَإِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْجِمَاعِ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ الْإِضْرَارَ بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْجِمَاعِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِإِيحَاشِهَا بِلِسَانِهِ فَفَيْؤُهُ بِالرُّجُوعِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ يُرْضِيَهَا بِلِسَانِهِ؛
-
لِأَنَّ التَّوْبَةَ بِحَسَبِ الْجِنَايَةِ،
-
ثُمَّ الْعَجْزُ عَنْ الْجِمَاعِ تَارَةً يَكُونُ بِبُعْدِ الْمَسَافَةِ وَتَارَةً بِالْمَرَضِ فَإِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرُ
-
فَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ جِمَاعِهَا فِي الْمُدَّةِ فَيَكُونُ فَيْؤُهُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْجِمَاعِ فَلَا يَكُونُ فَيْؤُهُ إلَّا بِالْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْبَدَلِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْأَصْلِ.
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَرِيضًا حِينَ آلَى فَفَيْؤُهُ الرِّضَا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ إنْ تَمَّتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَهُوَ مَرِيضٌ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْجِمَاعِ لِمَرَضِهِ
-
وَكَذَلِكَ إنْ اتَّصَلَ مَرَضُهُ بِالْإِيلَاءِ فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا حِينَ آلَى وَبَقِيَ صَحِيحًا بَعْدَ إيلَائِهِ مِقْدَارَ مَا يَسْتَطِيعُ فِيهِ أَنْ يُجَامِعَهَا ثُمَّ مَرِضَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَيْؤُهُ إلَّا بِالْجِمَاعِ، وَقَالَ زُفَرُ فَيْؤُهُ بِاللِّسَانِ لِتَحَقُّقِ عَجْزِهِ عَنْ الْجِمَاعِ وَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُ آخِرُ الْمُدَّةِ كَمَا لَوْ كَانَ وَاجِدًا لِلْمَاءِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ حَتَّى عَدِمَ الْمَاءَ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ وَلَكِنَّا نَقُولُ لَمَّا تَمَكَّنَ مِنْ جِمَاعِهَا فَقَدْ تَحَقَّقَ مِنْهُ الْإِضْرَارُ، وَالتَّعَنُّتُ بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ فَلَا يَكُونُ رُجُوعُهُ إلَّا بِإِيفَاءِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مَرِيضًا حِينَ آلَى ثُمَّ صَحَّ قَبْلَ تَمَامِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ فَيْؤُهُ إلَّا بِالْجِمَاعِ وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ فَاءَ إلَيْهَا فِي مَرَضِهِ أَوْ لَمْ يَفِئْ؛
-
لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ فَإِنَّ تَمَامَ الْمَقْصُودِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَسَقَطَ اعْتِبَارُ حُكْمِ الْبَدَلِ بِهَذِهِ الْقُدْرَةِ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَرِيضَةً أَوْ صَغِيرَةً لَا تُجَامَعُ فَفَيْؤُهُ الرِّضَا بِاللِّسَانِ وَذَكَرَ فِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: أَنَّ الزَّوْجَ إذَا كَانَ مَرِيضًا حِينَ آلَى ثُمَّ مَرِضَتْ الْمَرْأَةُ ثُمَّ صَحَّ الزَّوْجُ قَبْلَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَفَيْؤُهُ الرِّضَا بِاللِّسَانِ عِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛
-
لِأَنَّ تَأْثِيرَ مَرَضِهَا فِي الْمَنْعِ مِنْ الْجِمَاعِ كَتَأْثِيرِ مَرَضِهِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: لَا يَكُونُ فَيْؤُهُ إلَّا بِالْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ الَّذِي كَانَ لِأَجْلِهِ فَيْؤُهُ الرِّضَا بِاللِّسَانِ قَدْ زَالَ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ فَكَانَ ذَلِكَ كَالْمَعْلُومِ أَصْلًا،
-
وَلَوْ كَانَا مُحْرِمَيْنِ بِالْحَجِّ أَوْ أَحَدُهُمَا فَآلَى وَقْتَ أَدَاءِ الْحَجِّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ فَيْؤُهُ إلَّا بِالْجِمَاعِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: فَيْؤُهُ الرِّضَا بِاللِّسَانِ؛
-
لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ جِمَاعِهَا فِي الْمُدَّةِ شَرْعًا فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ مَمْنُوعًا حِسًّا بِبُعْدِ الْمَسَافَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ خَلَى بِامْرَأَتِهِ وَأَحَدُهُمَا مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ لَمْ تَصِحَّ الْخَلْوَةُ كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا ثَالِثٌ وَمَتَى وَطِئَهَا بَعْدَ الْفَيْءِ بِاللِّسَانِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ؛
-
لِأَنَّ الْفَيْءَ بِاللِّسَانِ يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ،
-
وَلَا يَرْتَفِعُ الْيَمِينُ فَيَتَحَقَّقُ شَرْطُ الْحِنْثِ مَتَى جَامَعَهَا.
-
(قَالَ) : وَإِيلَاءُ النَّائِمِ وَالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، وَالْمَعْتُوهِ الَّذِي يَهْذِي بَاطِلٌ بِمَنْزِلَةِ طَلَاقِ هَؤُلَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْيَمِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا يَنْعَقِدُ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي اللُّزُومِ
-
(قَالَ) : وَإِذَا آلَى الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا أَبَدًا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بَطَلَ الْإِيلَاءُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ طَلَاقٌ مُؤَجَّلٌ فَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ عَلَى
-
التَّطْلِيقَاتِ الْمَمْلُوكَةِ وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْدَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ عَلَيْهَا
-
وَكَذَلِكَ لَوْ بَانَتْ بِالْإِيلَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَإِنْ قَرُبَهَا كَفَّرَ يَمِينَهُ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ لِنَفَاذِ مِلْكِ الطَّلَاقِ فَقَدْ بَقِيَتْ الْيَمِينُ فَإِذَا قَرُبَهَا تَمَّ شَرْطُ الْحِنْثِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ بَقَاءِ الْيَمِينِ حُكْمُ الْإِيلَاءِ كَمَا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا وَإِنْ قَرُبَهَا كَفَّرَ يَمِينَهُ وَإِنْ كَانَ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً بَائِنَةً فَإِنْ تَمَّتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَقَعَتْ عَلَيْهَا تَطْلِيقَةٌ بِالْإِيلَاءِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي الْعِدَّةِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا شَيْءٌ؛
-
لِأَنَّ الْمُولِي فِي الْمَعْنَى كَالْمُعَلِّقِ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً بِمُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ قَبْلَ أَنْ يَفِيءَ إلَيْهَا وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ فِي الْمِلْكِ فَلَا يَبْطُلُ بِالْبَيْنُونَةِ، وَلَكِنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا إلَّا فِي الْعِدَّةِ فَإِذَا تَمَّتْ الْعِدَّةُ وَهِيَ مَحَلٌّ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا طَلُقَتْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَحَلًّا بِأَنْ كَانَتْ مُنْقَضِيَةَ الْعِدَّةِ لَمْ تَطْلُقْ فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَهُوَ مُولٍ مِنْهَا وَتَسْتَأْنِفُ شُهُورَ الْإِيلَاءِ مِنْ حِينِ تَزَوَّجَهَا،
-
وَلَا يَحْتَسِبُ بِمَا مَضَى مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ لَا تَنْعَقِدُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ إذْ لَيْسَ لَهُ عَلَى الْمَحَلِّ مِلْكٌ وَلَا يَدٌ فَإِنَّمَا يَكُونُ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ تَزَوَّجَهَا وَلَوْ كَانَ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ يَحْتَسِبُ بِمَا مَضَى مِنْهَا؛
-
لِأَنَّهَا مَا بَقِيَتْ فِي الْعِدَّةِ فَهِيَ مَحَلٌّ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا فَيَبْقَى حُكْمُ الْمُدَّةِ، أَرَأَيْتَ لَوْ تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ أَكَانَ يَبْقَى حُكْمُ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ،
-
وَكَذَلِكَ بَعْدَ مَا حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ.
-
(قَالَ) : وَلَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً ثُمَّ آلَى مِنْهَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا وَإِنْ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِيلَاءِ بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ،
-
وَلَا حَقَّ لَهَا فِي الْجِمَاعِ بَعْدَ مَا بَانَتْ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْإِيلَاءِ إزَالَةُ ظُلْمِ التَّعْلِيقِ عَنْهَا وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ،
-
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ فِي الْأَصْلِ إيلَاءً لَا يَصِيرُ إيلَاءً وَإِنْ تَزَوَّجَهَا كَمَا فِي الْأَجْنَبِيَّةِ
-
بِخِلَافِ مَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ كَلَامِهِ هُنَاكَ كَانَ إيلَاءً صَحِيحًا فَلَا يَبْطُلُ بِالْبَيْنُونَةِ وَانْقِضَاءُ الْعِدَّةِ وَإِنْ بَطَلَتْ الْمُدَّةُ لِخُرُوجِهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِطَلَاقِهِ فَإِذَا تَزَوَّجَهَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا مِنْهَا وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ فَصْلًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ فَبَانَتْ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ هَلْ تَنْعَقِدُ مُدَّةٌ أُخْرَى قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا أَمْ لَا وَكَانَ أَبُو سَهْلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ تَنْعَقِدُ حَتَّى إذَا تَمَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَقَعَتْ تَطْلِيقَةً أُخْرَى،
-
وَكَذَلِكَ الثَّالِثَةُ، قَالَ: لِأَنَّ مَعْنَى الْإِيلَاءِ كُلَّمَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ أَقْرَبْكِ فِيهِنَّ فَأَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً،
-
وَلَوْ صَرَّحَ بِهَذَا كَانَ الْحُكْمُ مَا بَيَّنَّا. وَفِقْهُهُ أَنَّ انْعِقَادَ الْمُدَّةِ مِنْ حُكْمِ بَقَاءِ الْيَمِينِ هُنَا، وَابْتِدَاءُ الْيَمِينِ لَا يَنْعَقِدُ إيلَاءً بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ وَلَكِنَّهَا تَبْقَى بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَمَّتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَهُوَ مَجْنُونٌ
-
ثُمَّ زَوَّجَهَا وَلِيُّهُ مِنْهُ انْعَقَدَتْ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ وَإِنْ كَانَ ابْتِدَاءُ الْيَمِينِ مِنْ الْمَجْنُونِ لَا يَصِحُّ، وَكَانَ الْكَرْخِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: لَا تَنْعَقِدُ الْمُدَّةُ الثَّانِيَةُ مَا لَمْ يَتَزَوَّجْهَا وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ فِي انْعِقَادِ الْمُدَّةِ ابْتِدَاءً لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ مَعْنَى الْإِضْرَارِ، وَذَلِكَ لَا يَتَقَرَّرُ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ مَا لَمْ يَتَزَوَّجْهَا؛
-
لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْجِمَاعِ فَلِهَذَا لَمْ تَنْعَقِدْ الْمُدَّةُ مَا لَمْ يَتَزَوَّجْهَا.
-
(قَالَ) : وَلَوْ آلَى مِنْ أَمَتِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ لَا يَكُونُ مُولِيًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبَّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} وَهَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ نِسَائِهِ؛ وَلِأَنَّ الْإِيلَاءَ طَلَاقٌ مُؤَجَّلٌ وَالْمَمْلُوكَةُ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِلطَّلَاقِ. وَلِأَنَّ حُكْمَ الْإِيلَاءِ مَنْعُ الْقُرْبَانِ الْمُسْتَحَقِّ، وَالْأَمَةُ لَا تَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عَلَى الْمُولِي،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ آلَى مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ فَهُوَ بَاطِلٌ لِهَذِهِ الْمَعَانِي
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْتُك فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك فَتَزَوَّجَهَا كَانَ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْإِيلَاءَ بِالتَّزَوُّجِ، وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُنَجَّزِ.
-
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَقْرَبُ امْرَأَتَهُ إلَّا فِي أَرْضِ كَذَا وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ تِلْكَ الْأَرْضِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا فِي الْمُدَّةِ إلَّا بِحِنْثٍ يَلْزَمُهُ فَإِنَّ الْمُسْتَثْنَى مَكَانٌ لَا يَصِلُ إلَيْهِ فِي الْمُدَّةِ فَلِهَذَا كَانَ مُولِيًا
-
(قَالَ) : وَلَوْ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ وَهُوَ فِي سِجْنٍ أَوْ حَبْسٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَيْءٌ إلَّا الْجِمَاعُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهَا فَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَدْخُلَ إلَيْهِ لِيُجَامِعَهَا فَإِنَّ السِّجْنَ مَوْضِعٌ لِلْمُجَامَعَةِ وَمَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ لَا عِبْرَةَ لِلْبَدَلِ
-
(قَالَ) : وَإِنْ أَصَابَ الْمُولِي مِنْ امْرَأَتِهِ مَا دُونَ الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَيْئًا؛ لِأَنَّ حَقَّهَا فِي الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ فَلَا يَتَأَدَّى بِمَا دُونَهُ وَالْفَيْءُ مَا فِيهِ إيفَاءُ حَقِّهَا وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ قَدْ جَامَعَهَا فَإِنْ ادَّعَى فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَإِنْ ادَّعَى ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الْمَعْرُوفِ أَنَّهُ مَتَى أَقَرَّ بِمَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ لَا يَكُونُ مُتَّهَمًا،
-
فَلَوْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى مَقَالَتِهِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ أَنَّهُ قَدْ جَامَعَهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ مِنْ إقْرَارِهِ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ وَهِيَ مِنْ أَعْجَبِ الْمَسَائِلِ أَنْ لَا يُقْبَلَ إقْرَارُهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ،
-
ثُمَّ يَتَمَكَّنُ مِنْ إثْبَاتِهِ بِالْبَيِّنَةِ
-
وَكَذَلِكَ إنْ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ فَالْحَقُّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَسَعُهَا أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ إذَا كَانَتْ تَعْلَمُ كَذِبَهُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَإِذَا عَلِمَتْ هِيَ عَلَيْهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا مِنْهُ بِأَنْ تَهْرَبَ أَوْ تَفْتَدِيَ بِمَالِهَا إلَّا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا نِكَاحًا جَدِيدًا.
-
(قَالَ) : وَلَوْ آلَى مِنْهَا بَعْدَ مَا طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً رَجْعِيَّةً فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّ جِمَاعَهَا لَهُ حَلَالٌ،
-
فَإِنْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ سَقَطَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ لِخُرُوجِهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِطَلَاقِهِ فَإِذَا تَزَوَّجَهَا يَسْتَقْبِلُ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ مِنْ حِينِ تَزَوَّجَهَا. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ. .
-
(قَالَ) : وَإِذَا آلَى الرَّجُلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ تَكْرَارَ
-
يَمِينٍ وَاحِدَةً فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إذَا قَرُبَهَا،
-
وَلَا يَقَعُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ إلَّا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ إنْ لَمْ يَقْرَبْهَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ لِوَاحِدٍ قَدْ يُكَرَّرُ وَلَا يُرَادُ حُكْمُهُ بِالتَّكْرَارِ،
-
وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ التَّغْلِيظَ وَالتَّجْدِيدَ فَإِنْ قَرُبَهَا فَعَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّغْلِيظِ تَجَدُّدُ عَقْدِ الْيَمِينِ فَكَانَ حَالِفًا بِثَلَاثَةِ أَيْمَانٍ وَبِالْقُرْبَانِ مَرَّةً يَتِمُّ شَرْطُ الْحِنْثِ فِي الْأَيْمَانِ كُلِّهَا،
-
وَإِنْ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ فَفِي الْقِيَاسِ تَطْلُقُ ثَلَاثًا يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى إذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةً، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - تَبِينُ بِتَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا.
-
وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ ابْتِدَاءَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ مِنْ الْوَقْتِ الْمُتَّصِلِ بِعَقْدِ الْيَمِينِ وَفِي الْإِيلَاءِ الْمُعْتَبَرُ أَوَّلُ الْمُدَّةِ فَقَدْ انْعَقَدَتْ بِاعْتِبَارِ كُلِّ يَمِينٍ مُدَّةً فَيَقَعُ عِنْدَ تَمَامِ كُلِّ مُدَّةٍ تَطْلِيقَةً حَتَّى تَبِينَ بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأَيْمَانُ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ، وَهَذَا؛
-
لِأَنَّهُ يَتَأَخَّرُ انْعِقَادُ الْمُدَّةِ بَعْدَ الْيَمِينِ إلَى حَالِ افْتِرَاقِهِمَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ بَقِيَا فِي الْمَجْلِسِ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ فَتَمَّتْ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ حَلَفَ بَانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمَجْلِسَ وَالْمَجَالِسَ فِي هَذَا الْحُكْمِ سَوَاءٌ كَمَا فِي حُكْمِ الْحِنْثِ، وَهُوَ الْكَفَّارَةُ وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمَجْلِسَ الْوَاحِدَ يَجْمَعُ الْكَلِمَاتِ الْمُتَفَرِّقَةَ وَيَجْعَلُهَا كَالْمَوْجُودِ جُمْلَةً بِدَلِيلِ الْقَبُولِ مَعَ الْإِيجَابِ إذَا وُجِدَا فِي الْمَجْلِسِ يَجْعَلُ كَأَنَّهُمَا وُجِدَا مَعًا
-
وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ لَوْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ جَعَلَ كَأَنَّهُ أَوْقَعَ الثَّلَاثَ جُمْلَةً حَتَّى يَسْتَحِقَّ جَمِيعَ الْأَلْفِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا قُلْنَا: حَالَةُ الْمَجْلِسِ كَحَالَةٍ وَاحِدَةٍ،
-
وَلَا يَنْعَقِدُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا مُدَّةً وَاحِدَةً فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ الْأَيْمَانُ كَمَا لَوْ قَالَ إذَا جَاءَ غَدٌ فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ ثَانِيًا، وَثَالِثًا ثُمَّ جَاءَ الْغَدُ تَنْعَقِدُ ثَلَاثَةَ أَيْمَانٍ فِي حُكْمِ الْكَفَّارَةِ، وَمُدَّةً وَاحِدَةً فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِالْآخَرِ وَعَلَى عَكْسِ هَذَا لَوْ قَالَ كُلَّمَا دَخَلْتُ الدَّارَ فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك فَدَخَلَ الدَّارَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تَنْعَقِدُ ثَلَاثَ إيلَاءَاتٍ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ،
-
وَلَوْ قَرُبَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا كَفَّارَةً وَاحِدَةً وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْأَيْمَانُ فِي مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ مَا يَجْمَعُ الْأَحْوَالَ فَاعْتَبَرْنَا كُلَّ حَالَةٍ عَلَى حِدَةٍ فَانْعَقَدَتْ مُدَّةٌ جَدِيدَةٌ لِتَجْدِيدِ الْيَمِينِ فِي كُلِّ حَالَةٍ.
-
(قَالَ) : وَلَوْ قَالَ لَهَا: إنْ قَرُبْتُك فَعَلَيَّ يَمِينٌ أَوْ عَلَيَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فَعَلَيَّ يَمِينٌ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَإِنَّ مُوجِبَ الْيَمِينِ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْحِنْثِ فَقَدْ صَارَتْ بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا فِي الْمُدَّةِ إلَّا بِكَفَّارَةٍ تَلْزَمُهُ
-
(قَالَ) : وَإِيلَاءُ الْحُرَّةِ
-
أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ تَحْتَ حُرٍّ كَانَتْ أَوْ تَحْتَ عَبْدٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} وَاَلَّذِينَ يَتَنَاوَلُ الْأَحْرَارَ وَالْعَبِيدَ، وَإِيلَاءُ الْأَمَةِ شَهْرَانِ عِنْدَنَا، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْمُدَّةَ فُسْحَةٌ لِلزَّوْجِ لَا عَلَيْهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِرِقِّهَا وَلَا بِحُرِّيَّتِهَا، وَلَكِنَّا نَقُولُ: مُدَّةُ الْإِيلَاءِ مَذْكُورَةٌ فِي الْقُرْآنِ بِلَفْظِ التَّرَبُّصِ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالنِّكَاحِ فَيَتَنَصَّفُ بِالرِّقِّ كَمُدَّةِ الْعِدَّةِ وَفِي الْعِدَّةِ مَعْنَى الْفُسْحَةِ لِلزَّوْجِ خُصُوصًا مِنْ عِدَّةٍ فِي طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ ثُمَّ تُنَصَّفُ بِرِقِّهَا
-
(قَالَ) : وَالْمَرِيضُ الَّذِي يَهْذِي فِي الْإِيلَاءِ كَالنَّائِمِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
-
(قَالَ) : وَإِيلَاءُ الْأَخْرَسِ جَائِزٌ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْكُنْيَةَ وَالْإِشَارَةَ مِنْهُ إذَا كَانَتْ تُعْرَفُ بِمَنْزِلَةِ عِبَارَةِ النَّاطِقِ
-
(قَالَ) : وَإِنْ قَالَ إنْ قَرُبْتُك فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا فِي الْمُدَّةِ إلَّا بِظِهَارٍ يَلْزَمُهُ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ إنْ قَرُبْتُك فَأَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَهُوَ يَنْوِي الطَّلَاقَ بِذَلِكَ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا فِي الْمُدَّةِ إلَّا بِطَلَاقٍ يَلْزَمُهُ وَإِنْ كَانَ يَنْوِي الْيَمِينَ فَهُوَ مُولٍ أَيْضًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -،
-
وَلَا يَكُونُ مُولِيًا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - مَا لَمْ يُقِرَّ بِهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ عِنْدَ إرَادَةِ الْيَمِينِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك حَتَّى لَوْ أَرْسَلَهُ كَانَ بِهِ مُولِيًا فِي الْحَالِ فَإِذَا عَلَّقَهُ بِالْقُرْبَانِ لَا يَصِيرُ بِهِ مُولِيًا إلَّا بَعْدَ الْقُرْبَانِ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ قَرُبْتُك فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: صَارَ مَمْنُوعًا عَنْ قُرْبَانِهَا فِي الْمُدَّةِ حِينَ عَلَّقَ بِالْقُرْبَانِ حُرْمَتَهَا عَلَيْهِ فَيَكُونُ مُولِيًا فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ قَرُبْتُك فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي؛
-
لِأَنَّ الظِّهَارَ مُوجِبُهُ التَّحْرِيمِ إلَى وَقْتِ الْكَفَّارَةِ وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ أَوْ كَالدَّمِ يَعْنِي التَّحْرِيمَ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِمُحَرَّمَةِ الْعَيْنِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ.
-
(قَالَ) : وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَامْرَأَةِ فُلَانٍ وَقَدْ كَانَ فُلَانٌ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ يَنْوِي الْإِيلَاءَ كَانَ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِامْرَأَةِ فُلَانٍ، وَقَدْ يَكُونُ التَّشْبِيهُ فِي وَصْفٍ خَاصٍّ فَإِذَا نَوَى التَّحْرِيمَ أَوْ الْإِيلَاءَ فَقَدْ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ فَيَكُونُ مُولِيًا،
-
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَةٍ لَهُ أُخْرَى: قَدْ أَشْرَكْتُك فِي إيلَاءِ هَذِهِ كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ الْإِشْرَاكَ يُغَيِّرُ حُكْمَ يَمِينِهِ فَإِنَّ قَبْلَ الْإِشْرَاكِ كَانَ يَحْنَثُ بِقُرْبَانِ الْأُولَى، وَبَعْدَ الْإِشْرَاكِ لَا يَحْنَثُ بِقُرْبَانِ الْأُولَى مَا لَمْ يَقْرَبْهُمَا كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُمَا وَهُوَ لَا يَمْلِكُ تَغْيِيرَ حُكْمِ الْيَمِينِ مَعَ بَقَائِهِ،
-
وَلَوْ صَحَّ مِنْهُ هَذَا الْإِشْرَاكَ لَكَانَ يُشْرِكُ أَجْنَبِيَّةً مَعَ امْرَأَتِهِ،
-
ثُمَّ يَقْرَبُ امْرَأَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَبِهَذَا فَارَقَ الظِّهَارَ؛ لِأَنَّ إشْرَاكَ الثَّانِيَةِ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الظِّهَارِ فِي الْأُولَى،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ فِي
-
الْإِيلَاءِ لِلْمَرْأَةِ الثَّانِيَةِ: أَنْتِ عَلَيَّ مِثْلَ هَذِهِ يَنْوِي الْإِيلَاءَ فِيهَا فَبِهَذَا لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّ الْأُولَى،
-
وَيَصِحُّ مِنْهُ عَقْدُ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّ الثَّانِيَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ، وَهِيَ أَمَةٌ ثُمَّ أُعْتِقَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ شَهْرَيْنِ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ آلَى؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ نَظِيرُ مُدَّةِ الْعِدَّةِ مِنْ طَلَاقِ رَجْعِيٍّ مِنْ حَيْثُ إنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ لَا يَرْتَفِعُ مَعَ بَقَائِهَا، وَالْمُعْتَقَةُ بَعْدَ الطَّلَاقِ هُنَاكَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ عِنْدَ الطَّلَاقِ
-
وَكَذَلِكَ هُنَا وَهَذَا؛ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ تَمَّ عَلَيْهَا لَمَّا تَمَّ حِلُّهَا بِالْعِتْقِ،
-
وَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ التَّامُّ إلَّا بِمُدَّةٍ تَامَّةٍ.
-
(قَالَ) : وَلَوْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فِي الشَّهْرَيْنِ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً ثُمَّ أُعْتِقَتْ فِيهِمَا كَانَتْ عِدَّتُهَا لِلطَّلَاقِ عِدَّةَ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا أُعْتِقَتْ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ، وَمُدَّةُ إيلَائِهَا مُدَّةُ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّهَا أُعْتِقَتْ قَبْلَ تَمَامِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ فَكَانَ فِي حُكْمِ الْإِيلَاءِ هَذَا وَمَا لَوْ كَانَتْ حُرَّةً حِينَ آلَى مِنْهَا سَوَاءٌ، وَقَدْ طَعَنَ بَعْضُهُمْ الْجَوَابَ فَقَالُوا لَمْ يَتِمَّ مِلْكُهُ عَلَيْهَا بِهَذَا الْعِتْقِ؛
-
لِأَنَّهَا عَتَقَتْ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ إيلَائِهَا شَهْرَيْنِ كَمَا فِي حُكْمِ الْعِدَّةِ. وَلَكِنَّا نَقُولُ: الطَّلَاقُ الْوَاقِعُ لَيْسَ مِنْ حُكْمِ الْإِيلَاءِ فِي شَيْءٍ فَالْبَائِنُ وَالرَّجْعِيُّ فِيهِ سَوَاءٌ،
-
وَلَوْ كَانَ رَجْعِيًّا صَارَتْ مُدَّةُ إيلَائِهَا بِالْعِتْقِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بِالنَّصِّ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ بَائِنَةً
-
بِخِلَافِ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَعْقُبُ الطَّلَاقَ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا صِفَةُ الطَّلَاقِ؛ وَلِأَنَّ فِي زِيَادَةِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ بِالْعِتْقِ إضْرَارًا بِهَا؛ لِأَنَّهَا تُمْنَعُ مِنْ الْأَزْوَاجِ فِي الْعِدَّةِ وَلَيْسَ فِي زِيَادَةِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ بِالْعِتْقِ إضْرَارٌ بِهَا فَلِهَذَا كَانَ الْمُعْتَبَرُ حُصُولُ الْعِتْقِ مَعَ بَقَاءِ الْمُدَّةِ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَقْرَبُ امْرَأَتَهُ وَامْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً مَعَهَا حُرَّةً أَوْ أَمَةً لَمْ يَكُنْ مُولِيًا مِنْ امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ وَهُوَ لَيْسَ بِمُولٍ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيَّةِ،
-
فَلَا يُعْتَبَرُ قُرْبَانُ الْأَجْنَبِيَّةِ فِي حُكْمِ الْإِيلَاءِ مِنْ امْرَأَتِهِ،
-
وَإِنْ اعْتَبَرَ حَالَ امْرَأَتِهِ وَحْدَهَا وَهُوَ يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا مِنْهَا
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: لِامْرَأَتَيْنِ لَهُ لَا أَقْرَبُكُمَا لِأَنَّهُمَا مُسْتَوِيَتَانِ فِي حُكْمِ الْإِيلَاءِ هُنَاكَ فَيُجْعَلَانِ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهُمَا إلَّا بِكَفَّارَةٍ تَلْزَمُهُ فَكَانَ مُولِيًا مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ،
-
فَإِنْ جَامَعَ الْأَجْنَبِيَّةَ صَارَ مُولِيًا مِنْ امْرَأَتِهِ مِنْ السَّاعَةِ الَّتِي جَامَعَ فِيهَا تِلْكَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِحَالٍ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا إلَّا بِكَفَّارَةٍ تَلْزَمُهُ فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْإِضْرَارِ وَالتَّعَنُّتِ فِي حَقِّهَا الْآنَ فَيَكُونُ مُولِيًا مِنْهَا وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك إذَا أَتَيْتُ مَكَانَ كَذَا لَا يَكُونُ مُولِيًا مَا لَمْ يَأْتِ ذَلِكَ الْمَكَانِ أَوْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك إذَا جَامَعْت هَذِهِ الْأَجْنَبِيَّةَ فَإِذَا جَامَعَهَا كَانَ مُولِيًا مِنْ امْرَأَتِهِ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ ارْتَدَّتْ وَلَحِقَتْ بِدَارُ الْحَرْبِ ثُمَّ سُبِيَتْ فَأَسْلَمَتْ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَهُوَ مُولٍ مِنْهَا إنْ مَضَى شَهْرَانِ مِنْ يَوْمِ
-
تَزَوَّجَهَا بَانَتْ بِالْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا يَبْطُلُ بِلَحَاقِهَا فَإِنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ مُنْتَظَرٌ بَعْدُ. وَأَصْلُ كَلَامِهِ كَانَ إيلَاءً صَحِيحًا،
-
فَإِذَا تَزَوَّجَهَا مَعَ بَقَاءِ تِلْكَ الْيَمِينِ كَانَ مُولِيًا مِنْهَا حِينَ تَزَوَّجَهَا، وَإِنَّمَا انْعَقَدَتْ الْمُدَّةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ أَمَةٌ، وَمُدَّةُ إيلَاءِ الْأَمَةِ شَهْرَانِ.
-
(قَالَ) : وَإِنْ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ أَمَةٌ ثُمَّ اشْتَرَاهَا سَقَطَ الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِحَيْثُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهَا عَلَيْهَا، وَمُوجِبُ الْمُدَّةِ الْمُنْعَقِدَةُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عِنْدَ مُضِيِّهَا فَإِذَا خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِذَلِكَ سَقَطَ حُكْمُ تِلْكَ الْمُدَّةِ، كَمَا لَوْ أَبَانَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَإِنْ بَاعَهَا أَوْ أَعْتَقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَهُوَ مُولٍ مِنْهَا؛
-
لِأَنَّهَا صَارَتْ بِحَالٍ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا، وَالْيَمِينُ بَاقِيَةٌ فَتَنْعَقِدُ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ تَزَوَّجَهَا،
-
وَكَذَلِكَ الْحُرَّةُ إذَا اشْتَرَتْ زَوْجَهَا فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ عِصْمَةَ النِّكَاحِ تَنْقَطِعُ بِالْمِلْكِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ مَحَلًّا لِطَلَاقِهِ بِاعْتِبَارِ مِلْكِ الْيَدِ لَهُ عَلَيْهَا، وَمِلْكُ الْيَمِينِ كَمَا يُنَافِي أَصْلَ مِلْكِ النِّكَاحِ يُنَافِي مِلْكَ الْيَدِ الثَّابِتِ بِالنِّكَاحِ، وَلِهَذَا لَا تَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى فِي عِدَّتِهَا.
-
(قَالَ) وَإِذَا حَلَفَ الْعَبْدُ بِالْعِتْقِ أَوْ الصَّدَقَةِ أَنْ لَا يَقْرَبَ امْرَأَتَهُ لَا يَكُونُ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ، فَإِنَّهُ لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ، وَمُرَادُهُ مِنْ الصَّدَقَةِ أَنْ يَلْتَزِمَ الصَّدَقَةَ بِمَالٍ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ الْمَالَ فَيَكُونُ الْتِزَامُهُ التَّصَدُّقَ بِهِ لَغْوًا.
-
(قَالَ) : وَإِنْ حَلَفَ بِحَجٍّ أَوْ صَوْمٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَانَ مُولِيًا؛ لِأَنَّ الْتِزَامَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ صَحِيحٌ مِنْهُ كَمَا يَصِحُّ مِنْ الْحُرِّ،
-
فَإِذَا عَلَّقَهَا بِالْقُرْبَانِ فَهُوَ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا فِي الْمُدَّةِ إلَّا بِشَيْءٍ يَلْزَمُهُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ عَلَّقَ بِالْقُرْبَانِ الْتِزَامَ الصَّدَقَةِ فِي ذِمَّتِهِ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا حَلَفَ الذِّمِّيُّ أَنْ لَا يَقْرَبَ امْرَأَتَهُ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: فِي وَجْهٍ يَكُونُ مُولِيًا بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ مَا إذَا حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ وَالطَّلَاقَ يَصِحُّ مِنْهُ كَمَا يَصِحُّ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَفِي وَجْهٍ لَا يَكُونُ مُولِيًا بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ مَا إذَا حَلَفَ بِحَجٍّ أَوْ صَوْمٍ أَوْ صَدَقَةٍ؛
-
لِأَنَّ الْتِزَامَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنْهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ وَمَا فِيهِ مِنْ الشِّرْكِ يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِذَلِكَ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْإِيلَاءَ مِنْهُ بِالْحَجِّ صَحِيحٌ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فِي حُكْمِ الْتِزَامِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ يَنْفَصِلُ عَنْ الْآخَرِ عِنْدَهُ كَمَا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى،
-
وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَأَمَّا إيلَاؤُهُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى يَنْعَقِدُ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بَانَتْ بِالْإِيلَاءِ وَلَوْ قَرُبَهَا لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْقِسْمِ الثَّانِي؛
-
لِأَنَّهُ يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا فِي الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ
-
شَيْءٌ فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْإِيلَاءِ، وَهُوَ قَصْدُ الْإِضْرَارِ بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى لِوُجُوبِ تَعْظِيمِ الْمُقْسَمِ بِهِ وَمَعَ الشِّرْكِ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ هَذَا التَّعْظِيمُ كَمَا لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ هَذَا الِالْتِزَامُ الْتِزَامُ الْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ فِيهَا ذِكْرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ مُعْتَبَرٌ مِنْ الذِّمِّيِّ حَتَّى تَحِلَّ ذَبِيحَةُ الْكِتَابِيِّ إذَا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى
-
وَكَذَلِكَ يُسْتَحْلَفُ فِي الْمَظَالِمِ وَالْخُصُومَاتِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْكُفَّارِ أَيْمَانًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} وقَوْله تَعَالَى {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ} وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ صَارَ هُوَ بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا إلَّا بِحِنْثٍ يَلْزَمُهُ فَيَكُونَ مُولِيًا ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الْحِنْثِ، وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَكِنَّ حُكْمَ الطَّلَاقِ يَنْفَصِلُ عَنْ حُكْمِ الْكَفَّارَةِ فِي الْإِيلَاءِ كَمَا لَوْ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ: لَا أَقْرَبُكُنَّ يَكُونُ مُولِيًا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَإِنْ كَانَ لَوْ قَرُبَ ثَلَاثًا مِنْهُنَّ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛
-
وَلِأَنَّ لِهَذِهِ الْيَمِينِ حُكْمَيْنِ. أَحَدُهُمَا الطَّلَاقُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ وَالْآخَرُ الْكَفَّارَةُ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحُكْمَيْنِ مَقْصُودٌ بِهَذَا الْيَمِينِ فَامْتِنَاعُ ثُبُوتِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ لِانْعِدَامِ الْأَهْلِيَّةِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ الثَّانِي مَعَ وُجُودِ الْأَهْلِيَّةِ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ بِعِتْقِ عَبْدِهِ لَا يَقْرَبُ امْرَأَتَهُ فَهُوَ مُولٍ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ يَقُولُ: يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا فِي الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ، بِأَنْ يَبِيعَ عَبْدَهُ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هُوَ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا إلَّا بِعِتْقٍ يَلْزَمُهُ فَيَكُونَ مُولِيًا،
-
وَلَا يُعْتَبَرُ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَتِمُّ بِهِ وَحْدَهُ وَرُبَّمَا لَا يَجِدُ مُشْتَرِيًا يَشْتَرِيهِ مِنْهُ فَإِنْ بَاعَ الْعَبْدَ سَقَطَ عَنْهُ الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِحَالٍ يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ فَإِنْ اشْتَرَاهُ لَزِمَهُ الْإِيلَاءُ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ؛
-
لِأَنَّ الْمُدَّةَ الْأُولَى قَدْ بَطَلَتْ فَيَسْتَأْنِفُ الْمُدَّةَ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِحَالٍ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا إلَّا بِعِتْقٍ يَلْزَمُهُ،
-
وَلَوْ كَانَ جَامَعَهَا بَعْدَمَا بَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ قَدْ سَقَطَتْ بِوُجُودِ شَرْطِ الْحِنْثِ بَعْدَ بَيْعِ الْعَبْدِ فَهُوَ يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ،
-
وَإِذَا مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ سَقَطَ الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ قُرْبَانِهَا بَعْدَ مَوْتِ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ عَلَى إيلَاءِ هَذِهِ بِطَلَاقِ أُخْرَى ثُمَّ مَاتَتْ تِلْكَ أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا بَعْدَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْرَبَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ،
-
وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا مِنْ هَذِهِ أَيْضًا إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى تَطْلِيقَاتِ ذَلِكَ الْمِلْكِ وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْدَ إيقَاعِ الثَّلَاثِ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَّقَ هَذِهِ الَّتِي آلَى مِنْهَا ثَلَاثًا سَقَطَ الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّ إيلَاءَهُ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ بِاعْتِبَارِ التَّطْلِيقَاتِ الْمَمْلُوكَةِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ بَعْدَ إيقَاعِ الثَّلَاثِ،
-
وَلَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا، وَلَكِنَّهُ جَامَعَهَا طَلُقَتْ الْأُخْرَى لِوُجُودِ شَرْطِ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا وَارْتَفَعَتْ الْيَمِينُ،
-
فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَعُدْ الْإِيلَاءُ،
-
وَإِنْ لَمْ يُجَامِعْهَا وَلَكِنَّهُ طَلَّقَ الْأُخْرَى، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا سَقَطَ الْإِيلَاءُ عَنْ هَذِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ قُرْبَانِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ، وَهَذَا وَبَيْعُهُ الْعَبْدَ سَوَاءٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
-
(قَالَ) : وَإِذَا حَلَفَ لَا يَقْرَبُ امْرَأَتَهُ حَتَّى يَمُوتَ هُوَ أَوْ تَمُوتَ هِيَ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا فِي الْمُدَّةِ إلَّا بِحِنْثٍ يَلْزَمُهُ وَبَعْدَ مَوْتِ أَحَدُهُمَا لَا يَبْقَى النِّكَاحُ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: لَا أَقْرَبُكِ مَا دُمْتِ فِي نِكَاحِي وَيَتِمُّ بِهَذَا مَنْعُ حَقِّهَا فِي الْقُرْبَانِ
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَا أَقْرَبُك حَتَّى يَمُوتَ فُلَانٌ؛ لِأَنَّ مَوْتَ فُلَانٍ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مَوْهُومٌ فِي الْمُدَّةِ فَيُتَوَهَّمُ أَنْ يَقْرَبَهَا فِي الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِ فُلَانٍ فَلِهَذَا لَا يَكُونُ مُولِيًا، وَقَدْ بَيَّنَّا الْقِيَاسَ وَالِاسْتِحْسَانَ فِي قَوْلِهِ: حَتَّى يَخْرُجَ الدَّجَّالُ أَوْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا،
-
وَإِنْ قَالَ حَتَّى الْقِيَامَةِ، فَهُوَ مُولٍ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، وَهَذَا وَقَوْلُهُ أَبَدًا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَصَوُّرَ لِبَقَاءِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ وُجُودِ مَا جَعَلَهُ غَايَةً،
-
بِخِلَافِ خُرُوجِ الدَّجَّالِ عَلَى طَرِيقَةِ الْقِيَاسِ.
-
(قَالَ) : وَلَوْ حَلَفَ لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى تَفْطِمَ صَبِيًّا لَهَا وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِطَامِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ مِنْهُ أَنْ يَقْرَبَهَا بَعْدَ الْفِطَامِ فِي الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ، وَلَمَّا كَانَ مَا جَعَلَهُ غَايَةً لِيَمِينِهِ يُوجَدُ قَبْلَ تَمَامِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَانَتْ هَذِهِ الْيَمِينُ بِمَنْزِلَةِ الْيَمِينِ عَلَى الْقُرْبَانِ فِي أَقَلَّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ؛
-
لِأَنَّ بَعْدَ وُجُودِ الْغَايَةِ لَا يَبْقَى الْيَمِينُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِطَامِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرُ وَهُوَ يَنْوِي ذَلِكَ الْفِطَامَ لَا يَنْوِي دُونَهُ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ انْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لِلْمَنْعِ مِنْ الْقُرْبَانِ فِي الْمُدَّةِ وَلَوْ مَاتَ الصَّبِيُّ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ سَقَطَ الْإِيلَاءُ لِفَوَاتِ مَا جَعَلَهُ غَايَةً لِيَمِينِهِ؛
-
لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا يَبْقَى بَعْدَ فَوَاتِ الْغَايَةِ إلَّا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهِيَ مَسْأَلَةُ كِتَابِ الْأَيْمَانِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ فُلَانٌ فَمَاتَ فُلَانٌ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ بَطَلَتْ الْيَمِينُ لِفَوَاتِ الْغَايَةِ،
-
وَلَوْ بَقِيَ فُلَانٌ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَكُنْ قَرُبَهَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَمَكَّنُ مِنْ قُرْبَانِهَا إذَا أَذِنَ لَهُ فُلَانٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ وَفِي الْكِتَابِ قَالَ: يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَكُونَ مُولِيًا وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا سِوَى هَذَا فَلَيْسَ مُرَادُهُ: أَنَّ هَذَا اسْتِحْسَانٌ
-
بِخِلَافِ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفُصُولِ.
-
(قَالَ) : وَلَوْ قَالَ إنْ قَرُبْتُكِ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فِيمَا أَسْتَقْبِلُ فَهُوَ حُرٌّ فَهُوَ
-
مُولٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَكُونُ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالْقُرْبَانِ شَيْءٌ، وَهُوَ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ لَا يَتَمَلَّكَ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَا: لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ قُرْبَانِهَا إلَّا بِيَمِينٍ بِالْعِتْقِ يَلْزَمُهُ فَيَكُونَ مُولِيًا كَمَا لَوْ قَالَ إنْ قَرُبْتُك فَهَذَا الْمُدَبَّرُ حُرٌّ، إنْ دَخَلَ الدَّارَ يَكُونُ مُولِيًا مِنْهَا، وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ مُمْتَنِعًا مِنْ الْيَمِينِ بِالْعِتْقِ كَمَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا مِنْ مُوجِبِ الْيَمِينِ فَيَصِيرُ بِهَذَا اللَّفْظِ مَانِعًا حَقَّهَا: يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ غَيْرِ صَنْعَةٍ، كَالْمِيرَاثِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهِ،
-
وَلَوْ قَالَ إنْ قَرُبْتُك فَعَلَيَّ حَجَّةٌ بَعْدَمَا أَقْرَبُك بِسَنَةٍ أَوْ قَبْلَ أَنْ أَقْرَبَك بِيَوْمٍ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ قُرْبَانِهَا إلَّا بِحَجَّةٍ تَلْزَمُهُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا
-
(قَالَ) : وَإِذَا قَالَ: إنْ قَرُبْتُكِ فَعَلَيَّ صَوْمُ هَذَا الشَّهْرِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ لَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْمُدَّةِ،
-
فَإِنَّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ يَسْقُطُ الْيَمِينُ وَيَصِيرُ بِحَيْثُ يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْتِزَامَ الصَّوْمِ مُضَافًا إلَى الزَّمَانِ الْمَاضِي لَا يَصِحُّ فَيَصِيرُ عِنْدَ الْقُرْبَانِ كَأَنَّهُ قَالَ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ، وَذَلِكَ لَغْوٌ وَلَوْ قَالَ إنْ قَرُبْتُكِ فَعَلَيَّ طَعَامُ مِسْكِينٍ، أَوْ صَوْمُ يَوْمٍ، أَوْ صَدَقَةٌ، أَوْ حَجٌّ، أَوْ هَدْيٌ، فَهُوَ مُولٍ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ قَالَ: فَعَلَيَّ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فَهُوَ مُولٍ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَكُونُ مُولِيًا.
-
وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ عَلَّقَ بِالْقُرْبَانِ الْتِزَامَ مَا هُوَ قُرْبَةٌ فَيَكُونُ مُولِيًا كَمَا فِي الْحَجِّ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَمَالِي:
-
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى الْحَجِّ إلَّا بِمَالٍ وَيَتَوَصَّلُ إلَى الصَّلَاةِ بِدُونِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ قَرُبْتُكِ فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا عِنْدَهُمَا، وَهُوَ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى مَا الْتَزَمَ إلَّا بِالْمَالِ.
-
وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ بِهَذَا اللَّفْظِ لَا يَتَحَقَّقُ مَنْعُ الْقُرْبَانِ الْمُسْتَحَقِّ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا مِنْ الْتِزَامِ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ إذْ لَا يَلْحَقُهُ فِي أَدَائِهَا مَشَقَّةٌ،
-
وَلَا خُسْرَانٌ فِي مَالِهِ
-
بِخِلَافِ سَائِرِ الْقُرَبِ: تَوْضِيحُهُ أَنَّهُ إنْ عَلَّقَ بِالْقُرْبَانِ إطْعَامَ مِسْكِينٍ فَهُوَ مُوجِبُ الْيَمِينِ،
-
وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةَ، وَالصَّوْمَ وَكَذَلِكَ الْهَدْيَ وَالْحَجَّ، فَإِنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى أَدَائِهِمَا إلَّا بِمَالٍ. وَالتَّكْفِيرُ بِالْمَالِ مُوجِبٌ الْيَمِينَ عِنْدَ الْحِنْثِ فَهُوَ كَمَا لَوْ عَلَّقَ الْيَمِينَ بِالْقُرْبَانِ.
-
فَأَمَّا الصَّلَاةُ لَيْسَتْ بِمُوجِبٍ الْيَمِينَ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ لَا يَتَعَيَّنُ لِأَدَاءِ الْمَنْذُورِ مِنْ الصَّلَاةِ،
-
وَإِنْ قَالَ إنْ قَرُبْتُكِ فَعَبْدِي فُلَانٌ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي، وَقَدْ ظَاهَرَ أَوْ لَمْ يُظَاهِرْ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا إلَّا بِعِتْقٍ يَتَنَجَّزُ فِي الْعَبْدِ، وَتَنَجُّزُ الْعِتْقِ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلظِّهَارِ
-
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ إنْ قَرُبْتُكِ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ فُلَانًا عَنْ ظِهَارِي
-
وَهُوَ مُظَاهِرٌ فَلَيْسَ بِمُولٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ بِالْقُرْبَانِ وُجُوبَ الْعِتْقِ عَلَيْهِ عَنْ الظِّهَارِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقُرْبَانِ فَلَا يَكُونُ مُلْتَزِمًا بِالْقُرْبَانِ شَيْئًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
اعْلَمْ بِأَنَّ مُوجِبَ قَذْفِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ كَانَ هُوَ الْحَدُّ فِي الِابْتِدَاءِ كَمَا فِي الْأَجْنَبِيَّةِ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} الْآيَةَ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِدِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إذْ دَخَلَ رَجُلٌ أَنْصَارِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَإِنْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ افْتَحْ فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ.»
-
«وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِين قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاء: ائْتِ بِأَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِك وَإِلَّا فَحَدٌّ عَلَى ظَهْرِك» ، وَقَالَتْ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -: الْآنَ يُجْلَدُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُ فِي الْمُسْلِمِينَ فَثَبَتَ أَنَّ مُوجِبَ الْقَذْفِ كَانَ هُوَ الْحَدُّ،
-
ثُمَّ انْتَسَخَ ذَلِكَ بِاللِّعَانِ فِي حَقِّ الزَّوْجَيْنِ وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّ مُوجِبَ قَذْفِ الزَّوْجِ الزَّوْجَةَ - اللِّعَانُ بِشَرَائِطَ نَذْكُرُهَا، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ مُوجِبُهُ الْحَدُّ، وَلَكِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إسْقَاطِ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِاللِّعَانِ حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ اللِّعَانِ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ وَعِنْدَنَا يُحْبَسُ حَتَّى يُلَاعِنَ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} .
-
ثُمَّ فِي آيَةِ اللِّعَانِ بَيَانُ الْمَخْرَجِ لِلزَّوْجِ بِأَنْ تُقَامَ كَلِمَاتُ اللِّعَانِ مَقَامَ أَرْبَعَةٍ مِنْ الشُّهَدَاءِ؛ لِأَنَّ فِي كَلِمَاتِ اللِّعَانِ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ وَهِيَ شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَةٌ بِالْأَيْمَانِ، مُزَكَّاةٌ بِاللَّعْنِ، مُؤَكَّدَةٌ بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يُلَوِّثُ الْفِرَاشَ عَلَى نَفْسِهِ كَاذِبًا وَلِهَذَا قُلْت بِلِعَانِهِ يَجِبُ حَدُّ الزِّنَا عَلَيْهَا ثُمَّ تَتَمَكَّنُ هِيَ مِنْ إسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْ نَفْسِهَا بِلِعَانِهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِعَانُهَا مُعَارِضًا لِحُجَّةِ الزَّوْجِ؛
-
لِأَنَّهَا شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَةٌ بِالْأَيْمَانِ، مُزَكَّاةٌ بِالْتِزَامِ الْغَضَبِ، مُؤَيِّدَةٌ بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُسْلِمَةَ تَمْتَنِعُ مِنْ ارْتِكَابِ الْحَرَامِ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إشَارَةٌ إلَى هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ} أَيْ يَسْقُطُ الْحَدُّ الْوَاجِبُ بِلِعَانِ الزَّوْجِ. (وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ جَمِيعَ مُوجِبِ قَذْفِ الزَّوْجَةِ، وَذَلِكَ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ الْحَدُّ مُوجِبَ هَذَا الْقَذْفِ مَعَ اللِّعَانِ،
-
وَلَوْ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِ لَمْ يَسْقُطْ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَكَلِمَاتُ اللِّعَانِ قَذْفٌ أَيْضًا فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْقَذْفُ مُسْقِطًا لِمُوجِبِ الْقَذْفِ
-
فَعَرَفْنَا أَنَّهُ هُوَ الْمُوجِبُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْتِزَامِ اللَّعْنِ،
-
وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْهُ يُحْبَسُ حَتَّى يُلَاعِنَ؛ لِأَنَّ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ إيفَاءِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ لَا تَجْرِي النِّيَابَةُ فِي إيفَائِهِ - يُحْبَسُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا حَدٌّ بِلِعَانِهِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ لَا تَكُونُ حُجَّةً فِي اسْتِحْقَاقِ مَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ عَلَى الْغَيْرِ ابْتِدَاءً فَكَيْف تَكُونُ حُجَّةً فِي اسْتِحْقَاقِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ الشَّهَادَاتِ، وَإِنْ تَكَرَّرَتْ مِنْ وَاحِدٍ لَيْسَ بِخَصْمٍ لَا تَتِمُّ الْحُجَّةُ بِهَا فَمِنْ الْخَصْمِ أَوْلَى. وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ شَهِدَ الزَّوْجُ مَعَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ عَلَى زَوْجَتِهِ بِالزِّنَا لَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهَا فَكَيْفَ يَجِبُ الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَلَكِنَّ اللِّعَانَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهَا كَمَا هُوَ عَلَى الزَّوْجِ فَإِذَا امْتَنَعَتْ حُبِسَتْ.
-
وَالْمُرَادُ مَنْ قَوْله تَعَالَى {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ} الْحَبْسُ لَا الْحَدُّ. إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: مِنْ شَرَائِطِ اللِّعَانِ عِنْدَنَا - كَوْنُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَلَكِنْ كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الطَّلَاقِ عِنْدَهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّعَانِ، وَهَذَا مِنْهُ تَنَاقُضٌ؛
-
لِأَنَّهُ يَجْعَلُ كَلِمَاتِ اللِّعَانِ شَهَادَاتٍ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ بِهَا ثُمَّ لَا يَشْتَرِطُ الْأَهْلِيَّةَ لِلشَّهَادَةِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: اللِّعَانُ مِنْ كَلَامِ الزَّوْجِ مُوجِبٌ لِلْفُرْقَةِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ.
-
(وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ مَا بَدَأَ بِهِ الْبَابَ فَقَالَ: بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا لِعَانَ بَيْنَ أَهْلِ الْكُفْرِ وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَلَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَامْرَأَتِهِ» ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَرْوُونَ هَذَا بِلَفْظٍ آخَرَ وَقَدْ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُشَافَهَاتِ فِي تَفْسِيرِهِ (أَرْبَعَةٌ لَا لِعَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نِسَائِهِمْ الْمُسْلِمُ إذَا كَانَ تَحْتَهُ كَافِرَةٌ وَالْكَافِرُ إذَا كَانَ تَحْتَهُ مُسْلِمَةٌ وَالْحُرُّ إذَا كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ وَالْعَبْدُ إذَا كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ) فَذَلِكَ تَنْصِيصٌ عَلَى اشْتِرَاطِ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ فِيهِمَا وَفِي الْآيَةِ إشَارَةٌ إلَى هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَّا أَنْفُسُهُمْ) وَالْمُرَادُ بِالشُّهَدَاءِ مَنْ يَكُونُ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ مُطْلَقًا، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} وَهَذَا شَأْنُ شَهَادَةٍ شَرْعِيَّةٍ،
-
وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مِمَّنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلشَّهَادَةِ،
-
ثُمَّ الْمُسْلِمُ إذَا كَانَ تَحْتَهُ كَافِرَةٌ فَهِيَ لَيْسَتْ بِمُحْصَنَةٍ وَكَمَا أَنَّ قَذْفَ الْأَجْنَبِيَّةِ إذَا لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، فَكَذَلِكَ قَذْفُ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ إذَا لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً لَا يُوجِبُ اللِّعَانَ
-
وَكَذَلِكَ الْحُرُّ إذَا كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ فَأَمَّا الْكَافِرُ إذَا كَانَ تَحْتَهُ مُسْلِمَةٌ بِأَنْ أَسْلَمَتْ امْرَأَتُهُ فَقَذَفَهَا قَبْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، فَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا
-
وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ فَلَا يَكُونُ قَذْفُهُ إيَّاهَا مُوجِبًا لِلِّعَانِ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ مُوجِبًا حَدَّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ بِالزِّنَا لَا يَنْفَكُّ عَنْ مُوجِبٍ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلِّعَانِ لِمَعْنًى فِي الْقَاذِفِ
-
كَانَ مُوجِبًا لِلْحَدِّ، وَكَذَلِكَ الْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ إذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ قَامَتْ لَنَا عَلَى أَنَّ إقَامَةَ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَيْهِ مُبْطِلٌ لِشَهَادَتِهِ، وَمُخْرِجٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ
كتاب آخر
-
الإيلاء: يمين مسلم مكلف يتصور وقاعه
-
وإن مريضا
-
بمنع وطء زوجته
-
وإن تعليقا
-
غير المرضعة
-
وإن رجعية
-
أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ
-
أَوْ شَهْرَيْنِ لِلْعَبْدِ
-
ولا ينتقل بعتقه بعده
-
كَوَاللَّهِ لَا أُرَاجِعُكِ
-
أَوْ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى تسأليني أو تأتيني
-
أَوْ لَا أَلْتَقِي مَعَهَا
-
أَوْ لَا أَغْتَسِلُ من جنابة
-
أَوْ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى أَخْرُجَ مِنْ الْبَلَدِ إذا تكلفه
-
أَوْ فِي هَذِهِ الدَّارِ إذَا لَمْ يَحْسُنْ خروجها له
-
أو إن لم أطأك فأنت طالق
-
أَوْ إنْ وَطِئْتُكِ وَنَوَى بِبَقِيَّةِ وَطْئِهِ الرَّجْعَةَ
-
وإن غير مدخول بها
-
في تعجيل الطلاق إن حَلَفَ بِالثَّلَاثِ وَهُوَ الْأَحْسَنُ أَوْ ضَرَبَ الْأَجَلَ: قولان فيها
-
ولا يمكن منه كالظهار
-
لَا كَافِرٍ وَإِنْ أَسْلَمَ
-
إلَّا أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلينا
-
ولا لأهجرنها
-
أو لا كلمتها
-
أو لا وطئتها ليلا أو نهارا
-
وَاجْتَهَدَ وَطَلَّقَ فِي: لَأَعْزِلَنَّ
-
أَوْ لَا أَبِيتَنَّ
-
أَوْ تَرَكَ الْوَطْءَ ضَرَرًا
-
وَإِنْ غَائِبًا
-
أَوْ سرمد العبادة
-
بلا أجل على الأصح
-
وَلَا إنْ لَمْ يَلْزَمْهُ بِيَمِينِهِ حُكْمٌ:
-
كَكُلُّ مملوك أملكه حر
-
أو خص بلدا قبل ملكه منها
-
أَوْ لَا وَطِئْتُكِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إلَّا مرتين أو مرة حتى يطأ وتبقى المدة
-
وَلَا إنْ حَلَفَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ
-
أَوْ إن وطئتك فعلي صوم هذه الأربعة
-
نعم إن وطىء صامه بقيتها
-
وَالْأَجَلُ مِنْ الْيَمِينِ إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ صَرِيحَةً فِي تَرْكِ الْوَطْءِ
-
لَا إنْ احْتَمَلَتْ مُدَّةُ يَمِينِهِ أَقَلَّ
-
أَوْ حَلَفَ عَلَى حِنْثٍ فَمِنْ الرفع والحكم
-
وَهَلْ الْمُظَاهِرُ إنْ قَدَرَ عَلَى التَّكْفِيرِ وَامْتَنَعَ كَالْأَوَّلِ وَعَلَيْهِ اُخْتُصِرَتْ أَوْ كَالثَّانِي وَهُوَ الْأَرْجَحُ أَوْ مِنْ تَبَيُّنِ الضَّرَرِ وَعَلَيْهِ تُؤُوِّلَتْ أَقْوَالٌ:
-
كَالْعَبْدِ لَا يُرِيدُ الْفَيْئَةَ
-
أَوْ يُمْنَعُ الصَّوْمَ بوجه جائز
-
وَانْحَلَّ الْإِيلَاءُ بِزَوَالِ مِلْكِ مَنْ حَلَفَ بِعِتْقِهِ
-
إلا أن يعود بغير إرث:
-
كَالطَّلَاقِ الْقَاصِرِ عَنْ الْغَايَةِ فِي الْمَحْلُوفِ بِهَا
-
لا لها
-
وبتعجيل الحنث
-
وبتكفير ما يكفر
-
وإلا فَلَهَا وَلِسَيِّدِهَا إنْ لَمْ يَمْتَنِعْ وَطْؤُهَا الْمُطَالَبَةُ بعد الأجل بالفيئة:
-
وهي تغييب الحشفة في القبل
-
وافتضاض البكر
-
إن حل
-
ولو مع جنون
-
لا بوطء بين فخذين
-
وحنث إلا أن ينوي الفرج
-
وَطُلِّقَ إنْ قَالَ: لَا أَطَأُ بِلَا تَلَوُّمٍ
-
وإلا اختبر مرة ومرة
-
وصدق إن ادعاه
-
وإلا أمر بالطلاق
-
وإلا طلق عليه
-
وفيئة المريض والمحبوس بما ينحل به
-
وإن لم تكن يمينه مما تكر قَبْلَهُ كَطَلَاقٍ فِيهِ رَجْعَةٌ فِيهَا أَوْ فِي غَيْرِهَا وَصَوْمٍ لَمْ يَأْتِ وَعِتْقِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فالوعد
-
وبعث للغائب وإن بشهرين
-
ولها العود إن رضيت
-
وتتم رجعته إن انحل
-
وإلا لغت
-
وَإِنْ أَبَى الْفَيْئَةَ فِي: إنْ وَطِئْتُ إحْدَاكُمَا فالأخرى طالق: طلق الحاكم إحداهما:
-
وفيها فيمن حلف لَا يَطَأُ وَاسْتَثْنَى: أَنَّهُ مُولٍ
-
وَحُمِلَتْ عَلَى مَا إذَا رُوفِعَ وَلَمْ تُصَدِّقْهُ
-
وَأُورِدَ لَوْ كَفَّرَ عَنْهَا وَلَمْ تُصَدِّقْهُ
-
وَفُرِّقَ بِشِدَّةِ الْمَالِ
-
وبأن الإستثناء يحتمل غير الحل.
-
تشبيه المسلم المكلف مَنْ تَحِلُّ أَوْ جُزْأَهَا بِظَهْرِ مُحَرَّمٍ أَوْ جزئه: ظهار
-
وتوقف إن تعلق بكمشيئتها
-
وهو بيدها ما لم توقف
-
وبمحقق تنجز
-
وبوقت تأبد
-
أو بعدم زواج فعند الإياس أو العزيمة
-
وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْمُعَلَّقِ: تَقْدِيمُ كَفَّارَتِهِ قَبْلَ لزومه
-
وصح من: رجعية
-
ومدبرة
-
ومحرمة
-
ومجوسي أسلم ثم أسلمت
-
ورتقاء
-
لا مكاتبة ولو عجزت على الأصح
-
وفي صحته من كمجبوب: تأويلان
-
وصريحه بظهر مؤبد تحريمها أو عضوها أو ظهر ذكر
-
ولا ينصرف للطلاق
-
وَهَلْ يُؤْخَذُ بِالطَّلَاقِ مَعَهُ إذَا نَوَاهُ مَعَ قيام البينة: كأنت حرام كظهر أمي أو كأمي؟ تأويلان
-
وَكِنَايَتُهُ: كَأُمِّي أَوْ أَنْتِ أُمِّي
-
إلَّا لِقَصْدِ الكرامة
-
أو كظهر أجنبية
-
ونوي فيها في الطلاق فألبتات:
-
كَأَنْتِ كَفُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ إلَّا أَنْ يُنَوِّيَهُ مُسْتَفْتٍ
-
أو كابني أو غلامي
-
ككل شيء حرمه الكتاب
-
ولزم بأي كلام نواه به
-
لا بأن وطئتك وَطِئْتُ أُمِّي
-
أَوْ لَا أَعُودُ لِمَسِّكِ حَتَّى أَمَسَّ أُمِّي
-
أَوْ لَا أُرَاجِعُكِ حَتَّى أُرَاجِعَ أمي: فلا شيء عليه:
-
وتعددت الكفارة إن عاد ثم ظاهر
-
أَوْ قَالَ: لِأَرْبَعٍ مَنْ دَخَلَتْ أَوْ كُلُّ من دخلت أو أيتكن
-
لا إن تزوجتكن
-
أَوْ كُلُّ امْرَأَةٍ
-
أَوْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ
-
أو كرره
-
أو علقه بمتحد
-
إلا أن ينوي كفارات فتلزمه
-
وله المس بعد واحدة على الأرجح
-
وحرم قبلها الإستمتاع
-
وعليها منعه
-
ووجب إن خافته رفعها للحاكم
-
وجاز كونه معها إن أمن
-
وَسَقَطَ إنْ تَعَلَّقَ وَلَمْ يَتَنَجَّزْ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَوْ تَأَخَّرَ:
-
كَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي:
-
كَقَوْلِهِ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طالق وأنت علي كظهر أمي
-
لَا إنْ تَقَدَّمَ أَوْ صَاحَبَ:
-
كَإِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي
-
وإن عرض عليه نكاح امرأة فقال: هي أمي فظهار
-
وَتَجِبُ بِالْعَوْدِ
-
وَتَتَحَتَّمُ بِالْوَطْءِ
-
وَتَجِبُ بِالْعَوْدِ
-
وَلَا تجزىء قبله
-
وَهَلْ هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ أَوْ مَعَ الإمساك؟ تأويلان وخلاف
-
وسقطت إن لم يطأ بطلاقها وموتها
-
وهل تجزىء إن أتمها؟ تأويلان
-
وهي إعتاق رقبة
-
لا جنين
-
وعتق بعد وضعه
-
ومنقطع خبره
-
مؤمنة
-
وفي العجمي: تأويلان
-
وفي الوقف حتى يسلم: قولان
-
سَلِيمَةً عَنْ: قَطْعِ أُصْبُعٍ
-
وَعَمًى
-
وَبُكْمٍ
-
وَجُنُونٍ وَإِنْ قَلَّ
-
وَمَرَضٍ مُشْرِفٍ
-
وَقَطْعِ أُذُنَيْنِ
-
وَصَمَمٍ
-
وَهَرَمٍ
-
وَعَرَجٍ: شَدِيدَيْنِ
-
وَجُذَامٍ
-
وَبَرَصٍ
-
وَفَلَجٍ
-
بلا شوب عوض
-
لا مشترى للعتق
-
ومحررة لَهُ
-
لَا مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ
-
وَفِي إنْ اشتريته فهو عن ظهاري: تأويلان
-
والعتق لا مكاتب ومدبر ونحوهما
-
أَوْ أَعْتَقَ نِصْفًا فَكَمَّلَ عَلَيْهِ
-
أَوْ أَعْتَقَهُ
-
أو لا أعتق ثلاثا عن أربع
-
ويجزىء: أعور
-
ومغصوب
-
ومرهون
-
وجان إن افتديا
-
ومرض وعرج خفيفين
-
وأنملة
-
وجدع في أذن
-
وَعِتْقُ الْغَيْرِ عَنْهُ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ إنْ عاد ورضيه
-
وكره الخصي
-
وندب أن يصلي ويصوم
-
ثم لمعسر عنه وقت الأداء لا قادر وَإِنْ بِمِلْكٍ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ: لِكَمَرَضٍ أَوْ مَنْصِبٍ أو بملك رقبة فقط ظاهر منها صَوْمُ شَهْرَيْنِ بِالْهِلَالِ
-
مَنْوِيَّ التَّتَابُعِ وَالْكَفَّارَةِ
-
وَتُمِّمَ الأول إن انكسر من الثالث
-
وَلِلسَّيِّدِ الْمَنْعُ إنْ أَضَرَّ بِخِدْمَتِهِ وَلَمْ يُؤَدِّ خراجه
-
وتعين لذي الرق
-
وَلِمَنْ طُولِبَ بِالْفَيْئَةِ وَقَدْ الْتَزَمَ عِتْقَ مَنْ يملكه لعشر سنين
-
وإن أيسر فيه: تمادى إلا أن يفسده
-
وندب العتق في: كاليومين
-
ولو تكلفه المعسر: جاز
-
وَانْقَطَعَ تَتَابُعُهُ بِوَطْءِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا أَوْ وَاحِدَةٍ ممن فيهن كفارة
-
وإن ليلا ناسيا:
-
كبطلان الإطعام
-
وبفطر السفر
-
بمرض هاجه
-
لا إن لم يهجه:
-
كحيض
-
ونفاس
-
وإكراه
-
وظن غروب
-
وفيها ونسيان
-
وَبِالْعِيدِ إنْ تَعَمَّدَهُ
-
لَا جَهْلَهُ
-
وَهَلْ إنْ صَامَ الْعِيدَ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَإِلَّا اسْتَأْنَفَ أَوْ يفطرهن ويبني؟ تأويلان
-
وجهل رمضان: كالعيد على الأرجح
-
وبفصل القضاء
-
وشهر أيضا القطع بالنسيان
-
فَإِنْ لَمْ يَدْرِ بَعْدَ صَوْمِ أَرْبَعَةٍ عَنْ ظهارين موضع يومين: صامهما وقضى شهرين
-
وإن لم يدر اجتماعهما: صامهما وقضى الأربعة
-
ثم تمليك ستين مسكينا أَحْرَارًا مُسْلِمِينَ: لِكُلٍّ مُدٌّ وَثُلُثَانِ بُرًّا
-
وَإِنْ اقْتَاتُوا تَمْرًا أَوْ مُخْرَجًا فِي الْفِطْرِ: فَعِدْلُهُ
-
ولا أحب الغذاء ولا العشاء:
-
كفدية الأذى
-
وَهَلْ لَا يَنْتَقِلُ إلَّا إنْ أَيِسَ مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَى الصِّيَامِ أَوْ إنْ شَكَّ؟ قَوْلَانِ فِيهَا
-
وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ دخل في الكفارة
-
وإن أطعم مائة وعشرين فكاليمين
-
وللعبد إخراجه إن أذن سيده
-
وَفِيهَا أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَصُومَ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِطْعَامِ
-
وَهَلْ هُوَ وَهْمٌ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ أَوْ أَحَبُّ لِلْوُجُوبِ أَوْ أَحَبُّ لِلسَّيِّدِ عَدَمُ الْمَنْعِ أَوْ لِمَنْعِ السَّيِّدِ لَهُ الصَّوْمُ أو على العاجز حينئذ فقط؟ تأولات
-
وَفِيهَا إنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ فِي اليمين أجزأه وفي قلبي منه شيء
-
ولا يجزىء تشريك كفارتين في مسكين
-
ولا تركيب صنفين
-
وَلَوْ نَوَى لِكُلٍّ عَدَدًا أَوْ عَنْ الْجَمِيعِ كمل
-
وسقط حظ من ماتت
-
وَلَوْ أَعْتَقَ ثَلَاثًا عَنْ ثَلَاثٍ مِنْ أَرْبَعٍ لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً حَتَّى يُخْرِجَ الرَّابِعَةَ
-
وَإِنْ ماتت واحدة منهن أو طلقت.
-
إنما يلاعن زوج
-
وَإِنْ فَسَدَ نِكَاحُهُ
-
أَوْ فَسَقَا
-
أَوْ رَقَّا
-
لا كفرا
-
إن قذفها بزنا في نكاحه
-
وإلا حد
-
تيقنه أعمى
-
ورآه غيره
-
وَانْتَفَى بِهِ مَا وُلِدَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ
-
وَإِلَّا لَحِقَ بِهِ
-
إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الِاسْتِبْرَاءَ
-
وبنفي حمل
-
وَإِنْ مَاتَ
-
أَوْ تَعَدَّدَ الْوَضْعُ أَوْ التَّوْأَمُ
-
بلعان معجل:
-
كالزنا والولد
-
إن لك يطأها بعد وضع
-
أو لمدة لا يلحق الولد فيها لقلة أو الكثرة
-
أو استبراء بحيضة
-
وَلَوْ تَصَادَقَا عَلَى نَفْيِهِ
-
إلَّا أَنْ تَأْتِيَ به لدون ستة أشهر
-
أَوْ وَهُوَ صَبِيٌّ حِينَ الْحَمْلِ
-
أَوْ مَجْبُوبٌ
-
أو ادعته مغربية على مشرقي
-
وَفِي حَدِّهِ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ أَوْ لِعَانِهِ خِلَافٌ
-
وَإِنْ لَاعَنَ لِرُؤْيَةٍ وَادَّعَى الْوَطْءَ قَبْلَهَا وَعُدِمَ الِاسْتِبْرَاءُ فَلِمَالِكٍ فِي إلْزَامِهِ بِهِ وَعَدَمِهِ وَنَفْيِهِ: أقوال ابن القاسم:
-
ويلحق إن ظهر يومها
-
وَلَا يُعْتَمَدُ فِيهِ عَلَى عَزْلٍ
-
وَلَا مُشَابَهَةٍ لغيره وإن بسواد
-
وَلَا وَطْءٍ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ إنْ أَنْزَلَ
-
وَلَا بِغَيْرِ إنْزَالٍ إنْ أَنْزَلَ قَبْلَهُ وَلَمْ يَبُلْ
-
ولاعن في نفي الحمل مطلقا
-
وَفِي الرُّؤْيَةِ فِي الْعِدَّةِ
-
وَإِنْ مِنْ بَائِنٍ
-
وحد بعدها
-
كاستلحاق الولد
-
إلا أن تزني بعد اللعان
-
وتسمية الزاني بها
-
وأعلم بحده
-
لا إن كرر قذفها به
-
وَوَرِثَ الْمُسْتَلْحِقُ الْمَيِّتَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ حُرٌّ مُسْلِمٌ
-
أَوْ لَمْ يَكُنْ وَقَلَّ الْمَالُ
-
وإن وطىء أَوْ أَخَّرَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِوَضْعٍ أَوْ حَمْلٍ بلا عذر: امتنع
-
وشهد بالله أربعا لرأيتها تزني
-
أو ما هذا الحمل مني
-
ووصل خامسة بِلَعْنَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ
-
أو إن كنت كذبتها
-
وأشار الأخرس أو كتب
-
وَشَهِدَتْ مَا رَآنِي أَزْنِي
-
أَوْ مَا زَنَيْت
-
أو لقد كذب فيهما
-
وَفِي الْخَامِسَةِ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ من الصادقين
-
ووجب: أشهد واللعن والغضب
-
وبأشرف البلد
-
وبحضور جماعة أقلها أربعة
-
وندب إثر صلاة
-
وتخويفهما
-
وخصوصا عند الخامسة
-
والقول بأنها موجبة العذاب
-
وفي إعادتها إن بدأت: خلاف:
-
ولاعنت الذمية بكنيستها
-
ولم تجبر
-
وإن أبت أدبت وردت لملتها:
-
كقوله: وجدتها مع رجل في لحاف
-
وَتَلَاعَنَا إنْ رَمَاهَا بِغَصْبٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ وَأَنْكَرَتْهُ أَوْ صَدَّقَتْهُ وَلَمْ يَثْبُتْ وَلَمْ يَظْهَرْ
-
وتقول: ما زنيت ولقد غلبت
-
وإلا التعن فقط:
-
كصغيرة توطأ
-
وَإِنْ شَهِدَ مَعَ ثَلَاثَةٍ الْتَعَنَ ثُمَّ الْتَعَنَتْ وَحُدَّ الثَّلَاثَةُ
-
لَا إنْ نَكَلَتْ
-
أَوْ لَمْ يعلم بزوجيته حتى رجمت
-
وإن اشترى زوجته ثم ولدت لستة أشهر فكالأمة
-
ولأقل فكالزوجة
-
وَحُكْمُهُ: رَفْعُ الْحَدِّ أَوْ الْأَدَبِ فِي الْأَمَةِ والذمية
-
وإيجابه على المرأة إنْ لَمْ تُلَاعِنْ
-
وَقَطْعُ نَسَبِهِ
-
وَبِلِعَانِهَا: تَأْبِيدُ حرمتها
-
وإن ملكت
-
أو انفش حملها
-
وَلَوْ عَادَ إلَيْهِ قُبِلَ:
-
كَالْمَرْأَةِ عَلَى الْأَظْهَرِ
-
وإن استلحق أحد التوأمين: لحقا
-
وإن كان بينهما ستة فبطنان
-
إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إنْ أَقَرَّ بِالثَّانِي وَقَالَ: لَمْ أَطَأْ بَعْدَ الْأَوَّلِ: سُئِلَ النِّسَاءُ فَإِنْ قُلْنَ: إنَّهُ قَدْ يَتَأَخَّرُ هَكَذَا لَمْ يُحَدَّ.
-
هو حلف زوج يصح طلاقه ليمنعن من وطئها مطلقا أو فوق أربعة أشهر
-
والجديد أنه لا يختص بالحلف بالله تعالى وصفاته بل لو عق به طلاقا أو عتقا أو قال إن وطئتك فلله علي صلاة أو صوم أو حج أو عتق كان موليا
-
ولو حلف أجنبي عليه فيمين محضة
-
فإن نكحها فلا إيلاء
-
ولو آلى من رتقاء وأقرناء أو إلى مجبوب لم يصح على المذهب
-
ولو قال والله لا وطئتك أربعة أشهر فإذا مضت فوالله لا وطئتك أربعة أشهر وهكذا مرارا فليس بمول في الأصح
-
ولو قال والله لا وطئتك خمسة أشهر فإذا مضت فوالله لا وطئتك سنة فايلا آن لكل حكمه
-
ولو قيد بمستبعد الحصول في الأربعة كنزول عيسى صلى الله عليه وسلم فمول
-
وإن ظن حصوله قبلها فلا
-
وكذا لو شك في الأصح
-
ولفظه صريح وكناية
-
فمن صريحه تغيب ذكر بفرج ووطء وجماع وافتضاض بكر
-
والجديد إن ملامسة ومباضعة ومباشرة واتيانا وغشيانا وقربانا ونحوها كنايات
-
ولو قال إن وطئتك فعبدي حر فزال ملكه عنه زال الإيلاء
-
ولو قال فعبدي حر عن ظهاري وكان ظاهر فمول
-
وإلا فلا ظهار ولا إيلاء باطنا ويحكم بهما ظاهرا
-
ولو قال عن ظهاري إن ظاهرت فليس بمول حتى يظاهر
-
أو إن وطئتك قضرتك ظاهر فمول
-
فإن وطىء طلقت الضرة وزال الإيلاء
-
والأظهر انه لو قال لأربع والله لا أجامعكن فليس بمول في الحال
-
فإن جامع ثلاثا فمول من الرابع: ة
-
فلو مات بعضهن قبل وطء زال الإيلاء
-
ولو قال لا أجامع كل واحدة منكن فمول من كل واحدة
-
ولو قال لا أجامعك إلى سنة إلا مرة فليس بمول في الحال في الأظهر
-
فإن وطىء وبقي منها أكثر من أربعة أشهر فمول.
فصل
-
يمهل أربعة أشهر من الإيلاء بلا قضاء
-
وفي رجعية من الرجعة
-
ولو ارتد أحدهما بعد دخول في المدة انقطعت
-
فإذا أسلم استؤنفت
-
وما منع الوطء ولم يخل بنكاح إن وجد فيه لم يمنع المدة كصوم وإحرام ومرض وجنون
-
أو فيها وهو حسي كصغر ومرض منع
-
وإن حدث في المدة قطعها فإذا زال استؤنفت
-
وقيل: تبنى
-
أو شرعي كحيض وصوم نفل فلا
-
ويمنع فرض في الأصح
-
فإن وطىء في المدة وإلا فلها مطالبة بأن يفيء أو يطلق
-
ولو تركت حقها فلها المطالبة بعده
-
وتحصل الفيئة بتغييب حشفة بقبل
-
ولا مطالبة إن كان بها مانع وطء كحيض ومرض
-
وإن كان فيه مانع طبيعي كمرض طولب بأن يقول إذا قدرت فئت
-
أو شرعي كإحرام فالمذهب أنه يطالب بطلاق
-
فإن عصى بوطء سقطت المطالبة
-
وإن أبى الفيئة والطلاق فالأظهر أن القاضي يطلق عليه طلقة
-
وإنه لا يمهل ثلاثة
-
وأنه إذا وطىء بعد مطالبة لزمه كفارة يمين.
-
يصح من كل زوج مكلف ولو ذميا وخصيا
-
وظهار سكران كطلاقه
-
وصريحه أن يقول لزوجته أنت علي أو مني أو معي أو عندي كظهر أمي
-
وكذا أنت كظهر أمي صريح على الصحيح
-
وقوله جسمك أو بدنك أو نفسك كبدن أمي أو جسمها أو جملتها صريح
-
والأظهر أن قوله كيدها أو بطنها أو صدرها ظهار
-
وكذا كعينها إن قصد ظهارا
-
وإن قصد كرامة فلا
-
وكذا إن أطلق في الأصح
-
وقوله رأسك أو ظهرك أو يدك علي ظهر أمي ظهار في الأظهر
-
والتشبيه بالجدة ظهار
-
والمذهب طرده في كل محرم لم يطرأ تحريمها
-
لا مرضعة وزوجة ابن
-
ولو شبه بأجنبية ومطلقة وأخت زوجة وبأب وملاعنة فلغو
-
ويصح تعليقه كقوله إن ظاهرت من زوجتي الأخرى فأنت علي كظهر أمي فظاهر صار مظاهرا منهما
-
ولو قال إن ظاهرت من فلانة وفلانة أجنبية فخاطبها بظهار لم يصر مظاهرا من زوجته
-
إلا أن يريد اللفظ
-
فلو نكحها وظاهر منها صار مظاهرا
-
ولو قال من فلانة الأجنبية فكذلك.
-
وقيل: لا يصير مظاهرا وإن نكحها وظاهر
-
ولو قال إن ظاهرت منها وهي أجنبية فلغو
-
ولو قال أنت طالق كظهر أمي ولم ينو أو نوى الطلاق أو الظهار أو هما أو الظهار بانت طالق والطلاق بكظهر أمي طلقت ولا ظهار
-
أو الطلاق بأنت طالق والظهار بالباقي طلقت وحصل الظاهر إن كان طلاق رجعة.
فصل
-
على المظاهرة كفارة إذا عاد
-
وهو أن يمسكها بعد ظهاره زمن إمكان فرقة
-
فلو اتصلت به فرقة بموت أو فسخ أو طلاق بائن أو رجعي ولم يراجع أو جن فلا عود
-
وكذا لو ملكها أولا عنها في الأصح
-
بشرط سبق القذف ظهاره في الأصح
-
ولو راجع أو ارتد متصلا ثم أسلم فالمذهب أنه عائد بالرجعة لا بالإسلام بل بعده
-
ولا تسقط الكفارة بعد العودة بفرقة
-
ويحرم قبل التكفير وطء
-
وكذا لمس ونحوه بشهوة في الأظهر.
-
قلت: الأظهر الجواز. والله أعلم.
-
ويصح الظهار المؤقت مؤقتا
-
وفي قول مؤبدا
-
وفي قول لغو
-
فعلى الأول الأصح أن عوده لا يحصل بإمساك بل وطء في المدة
-
ويجب النزع بمغيب الحشفة
-
ولو قال لأربع أنتن علي كظهر أمي فمظاهر منهن
-
فإن أمسكهن فأربع كفارات
-
وفي القديم كفارة
-
ولو ظاهر منهن بأربع كلمات متواليات فعائد من الثلاث الأول
-
ولو كرر في امرأة متصلا وقصد تأكيدا فظهار واحد
-
أو استئنافا فالأظهر التعدد
-
وأنه بالمرة الثانية عائد في الأول.
-
يسبقه قذف
-
وصريح الزنا كقوله لرجل أو امرأة زنيت أو زنيت أو يا زاني أو يا زانية
-
والرمي بإيلاج حشفة في فرج مع وصفه بتحريم أو دبر صريحان
-
وزنأت في الجبل كناية
-
وكذا زنأت فقط في الأصح
-
وزنيت في الجبل صريح في الأصح
-
وقوله يا فاجر يا فاسق ولها يا خبيثة وأنت تحبين الخلوة ولقرشي يا نبطي ولزوجته لم أجدك عذراء كناية
-
فإن أنكر إرادة قذف صدق بيمينه
-
وقوله يا ابن الحلال وأما أنت فلست بزان ونحوه تعريض ليس بقذف وإن نواه
-
وقوله زنيت بك إقرار بزنا وقذف
-
ولو قال لزوجته يا زانية فقالت زنيت بك أو أنت أزنى مني فقاذف وكافية
-
فلو قالت زنيت وأنت أزنى مني فمقرة وقاذفة
-
وقوله زنى فرجك أو ذكرك قذف
-
والمذهب أن قوله يدك وعينك ولولده لست مني أو لست ابني كناية
-
ولولد غيره لست ابن فلان صريح
-
إلا لمنفي بلعان
-
ويحد قاذف محصن
-
ويعزر غيره
-
والمحصن مكلف حر مسلم عفيف عن وطء يحدبه
-
وتبطل العفة لوطء محرم مملوكة على المذهب
-
لا زوجته في عدة شبهة وأمة ولده ومنكوحته بلا ولي في الأصح
-
ولو زنى مقذوف سقط الحد
-
أو ارتد فلا
-
ومن زنى مرة ثم صلح لم يعد محصنا
-
وحد القذف يورث
-
ويسقط بعفو
-
والأصح أنه يرثه كل الورثة
-
وأنه لو عفا بعضهم فللباقي كله.
فصل
-
له قذف زوجة علم زناها أو ظنه ظنا مؤكدا كشياع زناها بزيد مع قرينة بأن رآهما في خلوة
-
ولو أتت بولد وعلم أنه ليس منه لزمه نفيه
-
وإنما يعلم غذا لم يطأ أو ولدته لدون ستة أشهر من الوطء أو فوق أربع سنين
-
فلو ولدته لما بينهما ولم يستبرىء بحيضة حرم النفي
-
وإن ولدته لفوق ستة أشهر من الإستبراء حق النفي في الأصح
-
ولو وطىء وعزل حرم على الأصح
-
ولو علم زناها واحتمل كون الولد منه ومن الزنا حرم النفي
-
وكذا القذف واللعان على الصحيح.
فصل
-
اللعان قوله أربع مرار أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به هذه من الزنا فإن غابت سماها ورفع نسبها بما يميزها
-
والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا
-
وإن كان ولدا ينفيه ذكره في الكلمات فقال وأن الولد الذي ولدته أو هذا الولد من زنا ليس مني
-
تقول هي أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا
-
والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيه
-
ولو بدل لفظ شهادة بحلف ونحوه أو غضب بلعن وعكسه أو ذكرا قبل تمام الشهادات لم يصح في الأصح.
-
ويشترط فيه أمر القاضي
-
ويلقن كلماته
-
وأن يتأخر لعانها عن لعانه
-
ويلاعن أخرس بإشارة مفهمة أو كتابة
-
ويصح بالعجمية
-
وفيمن عرف العربية وجه
-
ويغلظ بزمان وهو بعد عصر جمعة
-
ومكان وهو أشرف بلدة فبمكة بين الركن والمقام والمدينة عند المنبر وبيت المقدس عند الصخرة وغيرها عند منبر الجامع
-
وحائض بباب المسجد
-
وذمي في بيعة وكنيسة
-
وكذا بيت نار مجوسي في الأصح
-
لا بيت أصنام وثني
-
وجمع أقله أربعة.
-
والتغليظات سنة لا فرض على المذهب
-
ويسن للقاضي وعظهما
-
ويبالغ عند الخامسة
-
وأن يتلاعنا قائمين
-
وشرطه زوج يصح طلاقه
-
ولو ارتد بعد وطء فقذف وأسلم في العدة لاعن
-
ولو لاعن ثم أسلم فيها صح
-
أو أصر صادف بينونة
-
ويتعلق بلعانه فرقة وحرمة مؤبدة وإن أكذب نفسه وسقوط الحد عنه ووجوب حد زناها وانتفاء نسب نفاه بلعانه
-
وإنما يحتاج إلى نفي ممكن منه
-
فإن تعذر بأن ولدته لستة أشهر من العقد أو طلق في مجلسه أو نكح وهو بالمشرق وهي بالمغرب لم يلحقه
-
وله نفيه ميتا
-
والنفي على الفور في الجديد
-
ويعذر لعذر
-
وله نفي حمل وانتظار وضعه
-
ومن أخر وقال: جهلت الولادة صدق بيمينه إن كان غائبا
-
وكذا الحاضر في مدة يمكن جهله فيها
-
ولو قيل: له متعت بولدك أو جعله الله لك ولدا صالحا فقال آمين أو نعم تعذر نفيه
-
وإن قال: جزاك الله خيرا أو بارك عليك فلا
-
وله اللعان مع إمكان بينة بزناها
-
ولها دفع حد الزنا.
فصل
-
له اللعان لنفي ولد وإن عفت عن الحد وزال النكاح
-
ولدفع حد القذف وإن زال النكاح ولا ولد
-
ولتعزيره لا تعزير تأديب لكذب كقذف طفلة لا توطأ
-
ولو عفت عن الحد أو أقام بينة بزناها أو صدقته ولا ولد أو سكتت عن طلب الحد أو جنت بعد قذفه فلا لعان في الأصح
-
ولو أبانها أو ماتت ثم قذفها بزنا مطلق أو مضاف إلى ما بعد النكاح لاعن إن كان ولد يلحقه
-
فإن أضاف إلى ما قبل نكاحه فلا لعان إن لم يكن ولد
-
وكذا إن كان في الأصح
-
لكن له إنشاء قذف ويلاعن
-
ولا يصح نفي أحد توأمين.
-
وهو حرام كالظهار.
-
ويصح من زوج يصح طلاقه سوى عاجز عن الوطء: إما لمرض لا يرجى برؤه أو لجب كامل أو شلل.
-
فإذا حلف الزوج بالله تعالى أو بصفة من صفاته أنه لا يطأ زوجته أبدا أو مدة تزيد على أربعة أشهر: صار مؤليا. و يؤجل له الحاكم إن سألت زوجته ذلك أربعة أشهر من حين يمينه ثم يخير بعدها بين أن يكفر ويطأ أو يطلق.
-
فإن امتنع من ذلك طلق عليه الحاكم.
-
وهو: أن يشبه امرأته أو عضوا منها بمن تحرم عليه من رجل أو امرأة أو بعضو منه.
-
فمن قال لزوجته: أنت أو: يدك علي كظهر أو: كيد أمي أو: كظهر أو يد زيد أو: أنت علي كفلانة الأجنبية أو أنت علي حرام أو قال: الحل علي حرام أو ما أحل الله لي صار مظاهرا.
-
وإن قال: أنت علي كأمي أو مثل أمي وأطلق فظهار وإن نوى في الكرامة ونحوها فلا.
-
وأنت أمي أو مثل أمي أو: علي الظهار أو: يلزمني ليس بظهار إلا مع نية أو قرينة.
-
وأنت علي كالميتة أو الدم أو الخنزير يقع ما نواه من طلاق و ظهار أو يمين فإن لم ينو شيئا فظهار.
-
ويصح الظهار من كل من يصح طلاقه منجزا و معلقا و محلوفا به.
-
فإن نجزه لأجنبية أو علقه بتزويجها أو قال لها أنت علي حرام ونوى أبدا صح ظهارا لا إن أطلق أو نوى إذا.
-
ويصح الظهار مؤقتا كـ "أنت علي كظهر أمي شهر رمضان" فإن وطئ فيه فمظاهر وإلا فلا.
-
وإذا صح الظهار حرم على المظاهر الوطء ودواعيه قبل التكفير فإن وطئ ثبتت الكفارة في ذمته ولو مجنونا ثم لا يطأ حتى يكفر وإن مات أحدهما قبل الوطء فلا كفارة.
-
والكفارة فيه على الترتيب: عتق رقبة مؤمنة سالمة من العيوب المضرة في العمل ولا يجزئ عتق الأخرس الأصم ولا الجنين.
-
فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ويلزمه تبييت النية من الليل.
-
فإن لم يستطع الصوم للكبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم ستين مسكينا لكل مسكين مسلما مد بر ونصف صاع من غيره ولا يجزئ الخبز ولا غير ما يجزئ في الفطرة.
-
ولا يجزئ العتق والصوم والإطعام إلا بالنية.
-
إذا رمى الرجل زوجته بالزنا فعليه حد القذف أو التعزير إلا أن يقيم البينة أو يلاعن.
-
وصفة اللعان أن يقول الزوج أربع مرات: "أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا" ويشير إليها ثم يزيد في الخامسة: {أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}
-
ثم تقول الزوجة أربعا: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا ثم تزيد في الخامسة: {أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} .
-
ويسن تلاعنهما قياما بحضرة جماعة وأن لا ينقصوا عن أربعة وأن يأمر الحاكم من يضع يده على فم الزوج والزوجة عند الخامسة ويقول: اتق الله فإنها الموجبة وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.
-
وشروط اللعان ثلاثة:
-
كونه بين زوجين مكلفين.
-
الثاني: أن يتقدمه قذفها بالزنا.
-
الثالث: أن تكذبه ويستمر تكذيبها إلى انقضاء اللعان.
-
ويثبت بتمام تلاعنهما أربعة أحكام:
-
الأول: سقوط الحد أو التعزير.
-
الثاني: الفرقة ولو بلا فعل حاكم
-
الثالث: التحريم المؤبد.
-
الرابع: انتفاء الولد ويعتبر لنفيه ذكره صريحا كـ "أشهد بالله لقد زنت وما هذا ولدي"
-
فيما يلحق من النسب
-
إذا أتت زوجة الرجل بولد بعد نصف سنة منذ أمكن اجتماعه بها ولو مع غيبه فوق أربع سنين حتى ولو كان ابن عشر لحقه نسبه
-
ومع هذا لا يحكم ببلوغه ولا يلزمه كل المهر ولا يثبت به عدة ولا رجعة.
-
وإن أتت به لدون نصف سنة منذ تزوجها أو علم أنه لم يجتمع بها كما لو تزوجها بحضرة جماعة ثم أبانها في المجلس أو مات: لم يلحقه.
-
ومن ثبت أو أقر أنه وطء أمته في الفرج أو دونه ثم ولدت لنصف سنة لحقه.
-
ومن أعتق أو باع من أقر بوطئها فولدت لدون نصف سنة لحقه والبيع باطل ولنصف سنة فأكثر لحق المشتري.
-
ويتبع الولد أباه في النسب وأمه في الحرية
-
وكذا في الرق إلا مع شرط أو غرور ويتبع في الدين خيرهما وفي النجاسة وتحريم النكاح ولذكاة والأكل أخبثهما.
في كتب الخلاف
الإجماعابن المنذركتاب الإيلاء١٨ مسألة
التجريدالقدوريمسألة ١١٧٠، مسألة ١١٧١، مسألة ١١٧٢١٬٨٧٨ مسألة
المبسوطالسرخسيبَابُ الظِّهَارِ، بَابُ الْإِطْعَامِ فِي الظِّهَارِ.، بَابُ الْإِيلَاءِ.٥٩٩ مسألة
بداية المجتهدابن رشدكِتَابُ الْإِيلَاءِ، الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي أَلْفَاظِ الظِّهَارِ، الْفَصْلُ الثَّانِي فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الظهار٢٥١ مسألة
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»كتاب الإيلاء، كتاب الظهار، كتاب اللعان١٬٦٦٢ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»لا كلام له في هذا الباب
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»كِتَابُ الْإِيلَاءِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ١٬٦١٢ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريتعريفه، أركان الإيلاء وشروطه، حكم الإيلاء ودليله١٬٢٣٤ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونلا كلام له في هذا الباب
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقاف٥ - الإيلاء، * صفة الإيلاء:، ٦ - الظهار٦٦ مسألة
عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: الإيلاء والظهار واللعان