الوكالة
المعاملات
هذه نصوص المتون كما هي، وليست مقارنة.للمقارنة: مسائل الخلاف في هذا الباب
في متون المذاهب الأربعة
-
بَيَان مَعْنَى التوكيل
-
(كِتَابُ الْوَكَالَةِ)
-
الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ مَعْنَى التَّوْكِيلِ لُغَةً وَشَرْعًا، وَفِي بَيَانِ، رُكْنِ التَّوْكِيلِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ، وَفِي حُكْمِ التَّوْكِيلِ، وَفِي بَيَانِ مَا يَخْرُجُ بِهِ الْوَكِيلُ عَنْ الْوَكَالَةِ.
-
أَمَّا الْأَوَّلُ: .
-
فَالتَّوْكِيلُ: .
-
إثْبَاتُ الْوَكَالَةِ وَالْوَكَالَةُ فِي اللُّغَةِ تُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهَا: الْحِفْظُ، قَالَ اللَّهُ عز وجل : ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ أَيْ الْحَافِظُ، وَقَالَ تبارك وتعالى : ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ أَيْ حَفِيظًا، وَتُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهَا: الِاعْتِمَادُ وَتَفْوِيضُ الْأَمْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ، وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى عز وجل خَبَرًا عَنْ سَيِّدِنَا هُودٍ عليه الصلاة والسلام : ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ أَيْ اعْتَمَدْتُ عَلَى اللَّهِ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إلَيْهِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ يُسْتَعْمَلُ فِي هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ أَيْضًا عَلَى تَقْرِيرِ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ تَفْوِيضُ التَّصَرُّفِ، وَالْحِفْظِ إلَى الْوَكِيلِ؛
-
وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّ مَنْ قَالَ لِآخَرَ " وَكَّلْتُكَ فِي كَذَا " أَنَّهُ يَكُونُ وَكِيلًا فِي الْحِفْظِ؛
-
لِأَنَّهُ أَدَّى مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ رُكْنِ التَّوْكِيلِ.
-
فَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فَالْإِيجَابُ مِنْ الْمُوَكِّلِ أَنْ يَقُولَ: " وَكَّلْتُكَ بِكَذَا " أَوْ " افْعَلْ كَذَا " أَوْ " أَذِنْتُ لَكَ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا " وَنَحْوُهُ.
-
وَالْقَبُولُ مِنْ الْوَكِيلِ أَنْ يَقُولَ: " قَبِلْتُ " وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَا يَتِمُّ الْعَقْدُ؛ وَلِهَذَا لَوْ وَكَّلَ إنْسَانًا بِقَبْضِ دَيْنِهِ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ،
-
ثُمَّ ذَهَبَ الْوَكِيلُ فَقَبَضَهُ لَمْ يَبْرَأْ الْغَرِيمُ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الْعَقْدِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ قَبْلَ وُجُودِ الْآخَرِ، كَمَا فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ.
-
ثُمَّ رُكْنُ التَّوْكِيلِ قَدْ يَكُونُ مُطْلَقًا؛ وَقَدْ يَكُونُ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: " إنْ قَدِمَ زَيْدٌ؛ فَأَنْتَ وَكِيلِي فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ " وَقَدْ يَكُونُ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ بِأَنْ يَقُولَ: " وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ غَدًا " ، وَيَصِيرُ وَكِيلًا فِي الْغَدِ فَمَا بَعْدَهُ،
-
وَلَا يَكُونُ وَكِيلًا قَبْلَ الْغَدِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ إطْلَاقُ التَّصَرُّفِ، وَالْإِطْلَاقَاتُ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ وَالْإِضَافَةَ إلَى الْوَقْتِ كَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ وَإِذْنِ الْعَبْدِ فِي التِّجَارَةِ، وَالتَّمْلِيكَاتُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِبْرَاءِ عَنْ الدُّيُونِ، وَالتَّقْيِيدَاتُ كَعَزْلِ الْوَكِيلِ، وَالْحَجْرِ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ، وَالرَّجْعَةُ، وَالطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا الشَّرَائِطُ: فَأَنْوَاعٌ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُوَكِّلِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْوَكِيلِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُوَكَّلِ بِهِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُوَكِّلِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَمْلِكُ فِعْلَ مَا وَكَّلَ بِهِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ تَفْوِيضُ مَا يَمْلِكُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ إلَى غَيْرِهِ، فَمَا لَا يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ، كَيْفَ يَحْتَمِلُ التَّفْوِيضَ إلَى غَيْرِهِ؟
-
فَلَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ مِنْ الْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ مِنْ شَرَائِطِ الْأَهْلِيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ التَّصَرُّفَ بِأَنْفُسِهِمَا؟
-
وَكَذَا مِنْ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ، كَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَنَحْوِهَا مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةِ الْمَحْضَةِ،
-
وَيَصِحُّ بِالتَّصَرُّفَاتِ النَّافِذَةِ: كَقَبُولِ الْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَمْلِكُهُ بِنَفْسِهِ بِدُونِ إذْنِ وَلِيِّهِ، فَيَمْلِكُ تَفْوِيضَهُ إلَى غَيْرِهِ بِالتَّوْكِيلِ.
-
وَأَمَّا التَّصَرُّفَاتُ الدَّائِرَةُ بَيْنَ الضَّرَرِ وَالنَّفْعِ: كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ؛
-
فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ يَصِحُّ مِنْهُ التَّوْكِيلُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهَا بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ وَلِيِّهِ، وَعَلَى إذْنِ وَلِيِّهِ بِالتِّجَارَةِ أَيْضًا، كَمَا إذَا فَعَلَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ فِي انْعِقَادِهِ فَائِدَةً، لِوُجُودِ الْمُجِيزِ لِلْحَالِ، وَهُوَ الْوَلِيُّ.
-
وَلَا يَصِحُّ مِنْ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ،
-
وَيَصِحُّ مِنْ الْمَأْذُونِ، وَالْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُمَا يَمْلِكَانِ بِأَنْفُسِهِمَا، فَيَمْلِكَانِ بِالتَّفْوِيضِ إلَى غَيْرِهِمَا
-
بِخِلَافِ الْمَحْجُورِ وَأَمَّا التَّوْكِيلُ مِنْ الْمُرْتَدِّ: فَمَوْقُوفٌ: إنْ أَسْلَمَ يَنْفُذُ،
-
وَإِنْ قُتِلَ، أَوْ مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ، أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، يَبْطُلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ هُوَ نَافِذٌ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفَةٌ عِنْدَهُ لِوُقُوفِ أَمْلَاكِهِ، وَعِنْدَهُمَا نَافِذَةٌ لِثُبُوتِ أَمْلَاكِهِ وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ مِنْ الْمُرْتَدَّةِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِهَا نَافِذَةٌ بِلَا خِلَافٍ.
-
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْوَكِيلِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا،
-
فَلَا تَصِحُّ وَكَالَةُ الْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ، لِمَا قُلْنَا.
-
وَأَمَّا الْبُلُوغُ، وَالْحُرِّيَّةُ، فَلَيْسَا بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ، فَتَصِحُّ وَكَالَةُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ، وَالْعَبْدِ، مَأْذُونَيْنِ كَانَا أَوْ مَحْجُورَيْنِ وَهَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله وَكَالَةُ الصَّبِيِّ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ،
-
وَلَا تَصِحُّ وَكَالَةُ الْمَجْنُونِ.
-
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «لَمَّا خَطَبَ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: إنَّ أَوْلِيَائِي غُيَّبٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: ﷺ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَكْرَهُنِي ثُمَّ قَالَ لِعَمْرِو ابْنِ أُمِّ سَلَمَةَ: قُمْ فَزَوِّجْ أُمَّكَ مِنِّي فَزَوَّجَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ صَبِيًّا» وَالِاعْتِبَارُ بِالْمَجْنُونِ غَيْرُ سَدِيدٍ؛
-
لِأَنَّ الْعَقْلَ شَرْطُ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ انْعَدَمَ هُنَاكَ وَوُجِدَ هُنَا؛ فَتَصِحُّ وَكَالَتُهُ كَالْبَالِغِ إلَّا أَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ مِنْ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، تَرْجِعُ إلَى الْوَكِيلِ إذَا كَانَ بَالِغًا،
-
وَإِذَا كَانَ صَبِيًّا تَرْجِعُ إلَى الْمُوَكِّلِ، لِمَا نَذْكُرُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَكَذَا رِدَّةُ الْوَكِيلِ: لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ؛ فَتَجُوزُ وَكَالَةُ الْمُرْتَدِّ، بِأَنْ وَكَّلَ مُسْلِمٌ مُرْتَدًّا؛ لِأَنَّ وُقُوفَ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ؛ لِوُقُوفِ مِلْكِهِ وَالْوَكِيلُ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِ الْمُوَكِّلِ، وَإِنَّهُ نَافِذُ التَّصَرُّفَاتِ.
-
وَكَذَا لَوْ كَانَ مُسْلِمًا وَقْتَ التَّوْكِيلِ،
-
ثُمَّ ارْتَدَّ، فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ لِمَا قُلْنَا إلَّا أَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَتَبْطُلُ وَكَالَتُهُ لِمَا نَذْكُرُ فِي مَوْضِعِهِ.
-
(وَأَمَّا) عِلْمُ الْوَكِيلِ: فَهَلْ هُوَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ؟ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْعِلْمَ بِالتَّوْكِيلِ فِي الْجُمْلَةِ شَرْطٌ، إمَّا عِلْمُ الْوَكِيلِ،
-
وَإِمَّا عِلْمُ مَنْ يُعَامِلُهُ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا بِبَيْعِ عَبْدِهِ، فَبَاعَهُ الْوَكِيلُ مِنْ رَجُلٍ قَبْلَ عِلْمِهِ، وَعَلِمَ الرَّجُلُ بِالتَّوْكِيلِ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى
-
يُجِيزَهُ الْمُوَكِّلُ، أَوْ الْوَكِيلُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْآمِرِ لَا يَلْزَمُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، أَوْ الْقُدْرَةِ عَلَى اكْتِسَابِ سَبَبِ الْعِلْمِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، كَمَا فِي أَوَامِرِ الشَّرْعِ.
-
(وَأَمَّا) عِلْمُ الْوَكِيلِ عَلَى التَّعْيِينِ بِالتَّوْكِيلِ: فَهَلْ هُوَ شَرْطٌ؟ ذُكِرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّهُ شَرْطٌ.
-
وَذُكِرَ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ الْمُوَكِّلُ لِرَجُلٍ: اذْهَبْ بِعَبْدِي هَذَا إلَى فُلَانٍ، فَيَبِيعُهُ فُلَانٌ مِنْكَ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ بِالْعَبْدِ إلَيْهِ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ صَاحِبَ الْعَبْدِ أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ مِنْهُ، فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ صَحَّ شِرَاؤُهُ،
-
وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْهُ بِذَلِكَ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ كَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ، وَجَعَلَ عِلْمَ الْمُشْتَرِي بِالتَّوْكِيلِ كَعِلْمِ الْبَائِعِ الْوَكِيلَ.
-
وَذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِي الصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ، وَذَكَرَ فِي الْمَأْذُونِ الْكَبِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ الْمَوْلَى لِقَوْمٍ: بَايِعُوا عَبْدِي؛ فَإِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، فَبَايَعُوهُ جَازَ،
-
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْعَبْدُ بِإِذْنِ الْمَوْلَى لَهُمْ بِالْمُبَايَعَةِ.
-
وَلَيْسَ التَّوْكِيلُ كَالْوِصَايَةِ، فَإِنَّ مَنْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ غَائِبٍ، أَيْ جَعَلَهُ وَصِيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ،
-
ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي، ثُمَّ إنَّ الْوَصِيَّ بَاعَ شَيْئًا مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْوِصَايَةِ وَالْمَوْتِ؛
-
فَإِنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ اسْتِحْسَانًا، وَيَكُونُ ذَلِكَ قَبُولًا مِنْهُ لِلْوِصَايَةِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ إخْرَاجَ نَفْسِهِ مِنْهَا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ.
-
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَصِيَّ خَلَفٌ عَنْ الْمُوصِي، قَائِمٌ مَقَامَهُ، كَالْوَارِثِ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ.
-
وَلَوْ بَاعَ الْوَارِثُ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَوْتَهُ جَازَ بَيْعُهُ فَكَذَا الْوَصِيُّ،
-
بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مِنْ الْمُوَكِّلِ، وَحُكْمُ الْأَمْرِ لَا يَلْزَمُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ، أَوْ سَبَبِهِ عَلَى مَا مَرَّ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْعِلْمَ بِالتَّوْكِيلِ شَرْطٌ،
-
فَإِنْ كَانَ التَّوْكِيلُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ، أَوْ كَتَبَ الْمُوَكِّلُ بِذَلِكَ كِتَابًا إلَيْهِ، فَبَلَغَهُ وَعَلِمَ مَا فِيهِ، أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، أَوْ أَخْبَرَهُ بِالتَّوْكِيلِ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ، صَارَ وَكِيلًا بِالْإِجْمَاعِ،
-
وَإِنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ غَيْرُ عَدْلٍ،
-
فَإِنْ صَدَّقَهُ صَارَ وَكِيلًا أَيْضًا،
-
وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْعَدْلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَكُونُ وَكِيلًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ يَكُونُ وَكِيلًا كَمَا فِي الْعَزْلِ عَلَى مَا نَذْكُرهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
(وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُوَكِّلِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْمُوَكَّلِ بِهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى بَيَانِ مَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِهِ، وَمَا لَا يَجُوزُ، وَالْجُمْلَةُ فِيهِ أَنَّ التَّوْكِيلَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بِحُقُوقِ اللَّهِ عز وجل وَهِيَ الْحُدُودُ،
-
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ وَالتَّوْكِيلُ بِحُقُوقِ اللَّهِ عز وجل نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا بِالْإِثْبَاتِ، وَالثَّانِي بِالِاسْتِيفَاءِ، أَمَّا التَّوْكِيلُ بِإِثْبَاتِ الْحُدُودِ فَإِنْ كَانَ حَدًّا لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْخُصُومَةِ كَحَدِّ الزِّنَا، وَشُرْبِ الْخَمْرِ،
-
فَلَا يَتَقَدَّرُ التَّوْكِيلُ فِيهِ بِالْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ عِنْدَ الْقَاضِي بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ الْإِقْرَارِ مِنْ غَيْرِ خُصُومَةٍ،
-
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْخُصُومَةِ كَحَدِّ السَّرِقَةِ وَحَدِّ الْقَذْفِ، فَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِإِثْبَاتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ،
-
وَلَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ فِيهِمَا إلَّا مِنْ الْمُوَكِّلِ،
-
وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِإِثْبَاتِ الْقِصَاصِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ كَمَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ بِالِاسْتِيفَاءِ فَكَذَا بِالْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّ الْإِثْبَاتَ وَسِيلَةٌ إلَى الِاسْتِيفَاءِ، وَلَهُمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِثْبَاتِ وَالِاسْتِيفَاءِ، وَهُوَ أَنَّ امْتِنَاعَ التَّوْكِيلِ فِي الِاسْتِيفَاءِ لِمَكَانِ الشُّبْهَةِ، وَهِيَ مُنْعَدِمَةٌ فِي التَّوْكِيلِ بِالْإِثْبَاتِ.
-
(وَأَمَّا) التَّوْكِيلُ بِاسْتِيفَاءِ حَدِّ الْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ،
-
فَإِنْ كَانَ الْمَقْذُوفُ وَالْمَسْرُوقُ مِنْهُ حَاضِرًا وَقْتَ الِاسْتِيفَاءِ جَازَ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الِاسْتِيفَاءِ إلَى الْإِمَامِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَتَوَلَّى الِاسْتِيفَاءَ بِنَفْسِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ،
-
وَإِنْ كَانَ غَائِبًا اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ لِاحْتِمَالِ الْعَفْوِ وَالصُّلْحِ، وَأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُمَا.
-
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ وَالصُّلْحَ فَيَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ وَالتَّصْدِيقَ، وَهَذَا عِنْدَنَا.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رحمه الله يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِاسْتِيفَاءِ حَدِّ الْقَذْفِ كَيْفَمَا كَانَ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ هَذَا حَقُّهُ، فَكَانَ بِسَبِيلٍ مِنْ اسْتِيفَائِهِ بِنَفْسِهِ، وَبِنَائِبِهِ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ.
-
(وَلَنَا) الْفَرْقُ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَصَدَّقَ الرَّامِيَ فِيمَا رَمَاهُ، أَوْ يَتْرُكُ الْخُصُومَةَ،
-
فَلَا يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْحَدِّ مَعَ الشُّبْهَةِ، وَالشُّبْهَةُ لَا تَمْنَعُ مِنْ اسْتِيفَاءِ سَائِرِ الْحُقُوقِ،
-
وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالتَّعْزِيرِ إثْبَاتًا وَاسْتِيفَاءً بِالِاتِّفَاقِ.
-
وَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُوَكِّلُ غَائِبًا، أَوْ حَاضِرًا؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ وَلَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ،
-
بِخِلَافِ الْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ، وَلِهَذَا ثَبَتَ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْحُقُوقِ بِخِلَافِ الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ.
-
(وَأَمَّا) التَّوْكِيلُ بِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ وَهُوَ الْمَوْلَى حَاضِرًا جَازَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ بِنَفْسِهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى التَّوْكِيلِ.
-
وَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْعَفْوِ قَائِمٌ لِجَوَازِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا
-
لَعَفَا، فَلَا يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ مَعَ قِيَامِ الشُّبْهَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْعَدِمٌ حَالَةَ الْحَضْرَةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله يَجُوزُ،
-
وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، وَالْكَلَامُ فِي الطَّرَفَيْنِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي حَدِّ الْقَذْفِ.
-
(وَأَمَّا) التَّوْكِيلُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: حُقُوقُ الْعِبَادِ عَلَى نَوْعَيْنِ، نَوْعٌ لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهُ مَعَ الشُّبْهَةِ، كَالْقِصَاصِ، وَقَدْ مَرَّ حُكْمُ التَّوْكِيلِ بِإِثْبَاتِهِ وَاسْتِيفَائِهِ، وَنَوْعٌ يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهُ وَأَخْذُهُ مَعَ الشُّبْهَةِ، كَالدُّيُونِ وَالْإِعْتَاقِ، وَسَائِرِ الْحُقُوقِ سِوَى الْقِصَاصِ، فَنَقُولُ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ فِي إثْبَاتِ الدَّيْنِ، وَالْعَيْنِ، وَسَائِرِ الْحُقُوقِ، بِرِضَا الْخَصْمِ، حَتَّى يَلْزَمَ الْخَصْمَ جَوَابُ التَّوْكِيلِ.
-
وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ رضي الله عنهما أَنَّ سَيِّدَنَا عَلِيًّا رضي الله عنه كَانَ لَا يَحْضُرُ الْخُصُومَةَ، وَكَانَ يَقُولُ: إنَّ لَهَا لَحْمًا يَحْضُرُهَا الشَّيَاطِينُ، فَجَعَلَ الْخُصُومَةَ إلَى عَقِيلٍ رضي الله عنه فَلَمَّا كَبِرَ وَرَقَّ حَوَّلَهَا إلَيَّ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: مَا قُضِيَ لِوَكِيلِي فَلِيَ وَمَا قُضِيَ عَلَى وَكِيلِي فَعَلَيَّ.
-
وَمَعْلُومٌ أَنَّ سَيِّدَنَا عَلِيًّا رضي الله عنه لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ لَا يَرْضَى أَحَدٌ بِتَوْكِيلِهِ، فَكَانَ تَوْكِيلُهُ بِرِضَا الْخَصْمِ، فَدَلَّ عَلَى الْجَوَازِ بِرِضَا الْخَصْمِ، وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِهِ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ عُذْرِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ.
-
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يَجُوزُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله وَذَكَرَ الْجَصَّاصُ أَنَّهُ لَا فَصْلَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَالْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ لَكِنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا اسْتَحْسَنُوا فِي الْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ مُخَدَّرَةً غَيْرَ بَرِيزَةٍ، فَجَوَّزُوا تَوْكِيلَهَا، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ فِي مَوْضِعِهِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَجُوزُ إلَّا تَوْكِيلُ الْبِكْرِ، وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ لِمَا يُذْكَرُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمْ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ صَادَفَ حَقَّ الْمُوَكِّلِ،
-
فَلَا يَقِفُ عَلَى رِضَا الْخَصْمِ، كَالتَّوْكِيلِ بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، وَدَلَالَةُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّعْوَى حَقُّ الْمُدَّعِي، وَالْإِنْكَارُ حَقُّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَقَدْ صَادَفَ التَّوْكِيلُ مِنْ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقَّ نَفْسِهِ،
-
فَلَا يَقِفُ عَلَى رِضَا خَصْمِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ خَاصَمَهُ بِنَفْسِهِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الْحَقَّ هُوَ الدَّعْوَى الصَّادِقَةُ، وَالْإِنْكَارُ الصَّادِقُ، وَدَعْوَى الْمُدَّعِي خَبَرٌ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ، وَالْكَذِبَ، وَالسَّهْوَ وَالْغَلَطَ،
-
وَكَذَا إنْكَارُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ،
-
فَلَا يَزْدَادُ الِاحْتِمَالُ فِي خَبَرِهِ بِمُعَارَضَةِ خَبَرِ الْمُدَّعِي، فَلَمْ يَكُنْ كُلُّ ذَلِكَ حَقًّا، فَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ لَا يَلْزَمَ بِهِ جَوَابٌ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَلْزَمَ الْجَوَابَ لِضَرُورَةِ فَصْلِ الْخُصُومَاتِ، وَقَطْعِ الْمُنَازَعَاتِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى الْفَسَادِ، وَإِحْيَاءِ الْحُقُوقِ الْمَيِّتَةِ، وَحَقُّ الضَّرُورَةِ يَصِيرُ مَقْضِيًّا بِجَوَابِ الْمُوَكِّلِ،
-
فَلَا تَلْزَمُ الْخُصُومَةُ عَنْ جَوَابِ الْوَكِيلِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، مَعَ مَا أَنَّ النَّاسَ فِي الْخُصُومَاتِ عَلَى التَّفَاوُتِ بَعْضُهُمْ أَشَدُّ خُصُومَةً مِنْ الْآخَرِ، فَرُبَّمَا يَكُونُ الْوَكِيلُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ، فَيَعْجِزُ مَنْ يُخَاصِمُهُ عَنْ إحْيَاءِ حَقِّهِ، فَيَتَضَرَّرُ بِهِ، فَيُشْرَطُ رِضَا الْخَصْمِ، لِيَكُونَ لُزُومُ الضَّرَرِ مُضَافًا إلَى الْتِزَامِهِ وَإِذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ مَرِيضًا، أَوْ مُسَافِرًا، فَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ الدَّعْوَى، وَعَنْ الْجَوَابِ بِنَفْسِهِ،
-
فَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ النَّقْلَ إلَى غَيْرِهِ بِالتَّوْكِيلِ لَضَاعَتْ الْحُقُوقُ، وَهَلَكَتْ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
-
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُخَدَّرَةً مَسْتُورَةً؛ لِأَنَّهَا تَسْتَحْيِي عَنْ الْحُضُورِ لِمَحَافِلِ الرِّجَالِ، وَعَنْ الْجَوَابِ بَعْدَ الْخُصُومَةِ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا؛ فَيَضِيعُ حَقُّهَا.
-
(وَأَمَّا) فِي مَسْأَلَتِنَا فَلَا ضَرُورَةَ،
-
وَلَوْ وَكَّلَ بِالْخُصُومَةِ، وَاسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ وَتَزْكِيَةَ الشُّهُودِ فِي عَقْدِ التَّوْكِيلِ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ جَازَ، وَيَصِيرُ وَكِيلًا بِالْإِنْكَارِ، سَوَاءٌ كَانَ التَّوْكِيلُ مِنْ الطَّالِبِ أَوْ مِنْ الْمَطْلُوبِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
-
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا وَكَّلَ الطَّالِبُ، وَاسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ، يَجُوزُ،
-
وَإِنْ وَكَّلَ الْمَطْلُوبُ لَا يَجُوزُ،
-
وَالصَّحِيحُ جَوَابُ؛ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْإِقْرَارِ فِي عَقْدِ التَّوْكِيلِ إنَّمَا جَازَ لِحَاجَةِ الْمُوَكِّلِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ عَلَى مُوَكِّلِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ.
-
وَلَوْ أَطْلَقَ التَّوْكِيلَ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ لَتَضَرَّرَ بِهِ الْمُوَكِّلُ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ بَيْنَ التَّوْكِيلِ مِنْ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْتَاجُ إلَى التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ، هَذَا إذَا وَكَّلَ بِالْخُصُومَةِ، وَاسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ فِي الْعَقْدِ فَأَمَّا إذَا وَكَّلَ مُطْلَقًا،
-
ثُمَّ اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ فِي كَلَامٍ مُنْفَصِلٍ، يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَصِحُّ.
-
(وَأَمَّا) التَّوْكِيلُ بِالْإِقْرَارِ: فَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ، أَنَّهُ يَجُوزُ.
-
وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ مِنْ الْمُضَارِبِ، وَالشَّرِيكِ شَرِكَةَ الْعِنَانِ، وَالْمُفَاوَضَةِ، وَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ، وَالْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ الْخُصُومَةَ بِأَنْفُسِهِمْ، فَيَمْلِكُونَ تَفْوِيضَهَا إلَى غَيْرِهِمْ بِالتَّوْكِيلِ.
-
وَيَجُوزُ مِنْ الذِّمِّيِّ كَمَا يَجُوزُ مِنْ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَهُمْ مَصُونَةٌ مَرْعِيَّةٌ عَنْ الضَّيَاعِ كَحُقُوقِنَا وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ قَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ بِنَفْسِهِ فَيَحْتَاجُ
-
إلَى التَّفْوِيضِ إلَى غَيْرِهِ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، إلَّا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِقَبْضِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَبَدَلِ الصَّرْفِ، إنَّمَا يَجُوزُ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ إنَّمَا يَمْلِكُ الْقَبْضَ فِيهِ لَا فِي غَيْرِهِ،
-
وَإِذَا قَبَضَ الدَّيْنَ مِنْ الْغَرِيمِ بَرِئَ الْغَرِيمُ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ الصَّحِيحَ يُوجِبُ الْبَرَاءَةَ، وَتَجُوزُ الْوَكَالَةُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْقَضَاءَ بِنَفْسِهِ وَقَدْ لَا يَتَهَيَّأُ لَهُ الْقَضَاءُ بِنَفْسِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى التَّفْوِيضِ إلَى غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُوَكِّلُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا مَأْذُونًا أَوْ مُكَاتَبًا؛
-
لِأَنَّهُمَا يَمْلِكَانِ الْقَضَاءَ بِأَنْفُسِهِمَا فَيَمْلِكَانِ التَّفْوِيضَ إلَى غَيْرِهِمَا أَيْضًا،
-
وَيَجُوزُ بِطَلَبِ الشُّفْعَةِ وَبِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَبِالْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حُقُوقٌ يَتَوَلَّاهَا الْمَرْءُ بِنَفْسِهِ، فَيَمْلِكُ تَوْلِيَتَهَا غَيْرَهُ.
-
وَيَجُوزُ بِالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالْكِتَابَةِ وَالْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحِ عَلَى إنْكَارٍ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ بِنَفْسِهِ فَيَمْلِكُ تَفْوِيضَهَا إلَى غَيْرِهِ: وَتَجُوزُ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْإِعَارَةُ وَالْإِيدَاعُ وَالرَّهْنُ وَالِاسْتِعَارَةُ وَالِاسْتِيهَابُ وَالِارْتِهَانُ، لِمَا قُلْنَا وَيَجُوزُ بِالشَّرِكَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ لِمَا قُلْنَا.
-
وَيَجُوزُ بِالْإِقْرَاضِ وَالِاسْتِقْرَاضِ، إلَّا أَنَّ فِي التَّوْكِيلِ بِالِاسْتِقْرَاضِ لَا يَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ مَا اسْتَقْرَضَهُ الْوَكِيلُ، إلَّا إذَا بَلَغَ عَلَى وَجْهِ الرِّسَالَةِ بِأَنْ يَقُولَ: أَرْسَلَنِي فُلَانٌ إلَيْكَ لِيَسْتَقْرِضَ كَذَا وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالصُّلْحِ وَبِالْإِبْرَاءِ وَيَجُوزُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْإِجَارَةِ وَالِاسْتِئْجَارِ لِمَا قُلْنَا وَيَجُوزُ بِالسَّلَمِ وَالصَّرْفِ؛
-
لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُمَا بِنَفْسِهِ، فَيَمْلِكُ تَفْوِيضَهُمَا إلَى غَيْرِهِ إلَّا أَنَّ قَبْضَ الْبَدَلِ فِي الْمَجْلِسِ شَرْطُ بَقَاءِ الْعَقْدِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَالْعِبْرَةُ لِبَقَاءِ الْعَاقِدَيْنِ وَافْتِرَاقِهِمَا؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ رَاجِعَةٌ إلَيْهِمَا لِمَا نَذْكُرُ فَإِذَا تَقَابَضَ الْوَكِيلَانِ فِي الْمَجْلِسِ فَقَدْ وُجِدَ الْقَبْضُ الْمُسْتَحَقُّ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ فَيَبْقَى الْعَقْدُ عَلَى الصِّحَّةِ
-
بِخِلَافِ الرَّسُولَيْنِ إذَا تَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ ثُمَّ افْتَرَقَا أَنَّهُ يَبْطُلُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ لَا تَرْجِعُ إلَى الرَّسُولِ،
-
فَلَا يَقَعُ قَبْضُهُمَا عَنْ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ،
-
فَإِذَا افْتَرَقَا، فَقَدْ حَصَلَ الِافْتِرَاقُ لَا عَنْ قَبْضٍ فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ
-
بِخِلَافِ الْوَكِيلَيْنِ عَلَى مَا مَرَّ وَلَا تُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ لَا تَرْجِعُ إلَيْهِ، بَلْ هُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْهَا، فَبَقَاؤُهُ وَافْتِرَاقُهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ،
-
وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُمَا مِمَّا يَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ مُبَاشَرَتَهُمَا بِنَفْسِهِ فَيَمْلِكُ التَّفْوِيضَ إلَى غَيْرِهِ إلَّا أَنَّ لِجَوَازِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ شَرْطًا، وَهُوَ الْخُلُوُّ عَنْ الْجَهَالَةِ الْكَثِيرَةِ فِي أَحَدِ نَوْعَيْ الْوَكَالَةِ دُونَ النَّوْعِ الْآخَرِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالشِّرَاءِ نَوْعَانِ: عَامٌّ وَخَاصٌّ فَالْعَامُّ: أَنْ يَقُولَ لَهُ: اشْتَرِ لِي مَا شِئْتَ، أَوْ مَا رَأَيْتَ، أَوْ أَيَّ ثَوْبٍ شِئْتَ، أَوْ أَيَّ دَارٍ شِئْتَ، أَوْ مَا تَيَسَّرَ لَكَ مِنْ الثِّيَابِ،
-
وَمِنْ الدَّوَابِّ، وَيَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ النَّوْعِ وَالصِّفَةِ وَالثَّمَنِ لِأَنَّهُ فَوَّضَ الرَّأْيَ إلَيْهِ فَيَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ كَالْبِضَاعَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ.
-
وَالْخَاصُّ: أَنْ يَقُولَ: اشْتَرِ لِي ثَوْبًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ دَابَّةً أَوْ جَوْهَرًا أَوْ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً أَوْ فَرَسًا أَوْ بَغْلًا، أَوْ حِمَارًا أَوْ شَاةً وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْجَهَالَةَ إنْ كَانَتْ كَثِيرَةً تَمْنَعُ صِحَّةَ التَّوْكِيلِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةً لَا تَمْنَعُ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ.
-
وَالْقِيَاسُ أَنْ يُمْنَعَ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا،
-
وَلَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ بَيَانِ النَّوْعِ وَالصِّفَةِ وَمِقْدَارِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ لَا يَصِحَّانِ مَعَ الْجَهَالَةِ الْيَسِيرَةِ،
-
فَلَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِهِمَا أَيْضًا.
-
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ مَا رُوِيَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «دَفَعَ دِينَارًا إلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ لِيَشْتَرِيَ لَهُ بِهِ أُضْحِيَّةً» وَلَوْ كَانَتْ الْجَهَالَةُ الْقَلِيلَةُ مَانِعَةً مِنْ صِحَّةِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ لَمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّ جَهَالَةَ الصِّفَةِ لَا تَرْتَفِعُ بِذِكْرِ الْأُضْحِيَّةَ، وَبِقَدْرِ الثَّمَنِ؛
-
وَلِأَنَّ الْجَهَالَةَ الْقَلِيلَةَ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى التَّوْكِيلِ عَلَى الْفُسْحَةِ وَالْمُسَامَحَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْمُنَازَعَةُ فِيهِ عِنْدَ قِلَّةِ الْجَهَالَةِ
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُضَايَقَةِ، وَالْمُمَاكَسَةِ لِكَوْنِهِ مُعَاوَضَةَ الْمَالِ بِالْمَالِ فَالْجَهَالَةُ فِيهِ وَإِنْ قَلَّتْ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَتُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ فَهُوَ الْفَرْقُ.
-
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْجَهَالَةَ الْقَلِيلَةَ غَيْرُ مَانِعَةٍ فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ قَلَّتْ الْجَهَالَةُ، صَحَّ التَّوْكِيلُ بِالشِّرَاءِ وَإِلَّا فَلَا، فَيُنْظَرُ إنْ كَانَ اسْمُ مَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ مِمَّا يَقَعُ عَلَى أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِهِ، إلَّا بَعْدَ بَيَانِ النَّوْعِ وَذَلِكَ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: اشْتَرِ لِي ثَوْبًا لِأَنَّ اسْمَ الثَّوْبِ يَقَعُ عَلَى أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ ثَوْبِ الْإِبْرَيْسَمِ وَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَغَيْرِهِمْ، فَكَانَتْ الْجَهَالَةُ كَثِيرَةً، فَمَنَعَتْ صِحَّةَ التَّوْكِيلِ، فَلَا يَصِحُّ.
-
وَإِنْ سَمَّى الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ مُتَفَاحِشَةٌ فَلَا تَقِلُّ، إلَّا بِذِكْرِ النَّوْعِ: بِأَنْ يَقُولَ: اشْتَرِ لِي ثَوْبًا هَرَوِيًّا فَإِنْ سَكَتَ عَنْهُ كَثُرَتْ الْجَهَالَةُ، فَلَمْ يَصِحَّ التَّوْكِيلُ،
-
وَكَذَا إذَا قَالَ: اشْتَرِ لِي حَيَوَانًا، أَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَابَّةً، أَوْ أَرْضًا أَوْ مَمْلُوكًا أَوْ جَوْهَرًا أَوْ حُبُوبًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا اسْمُ جِنْسٍ، يَدْخُلُ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ،
-
فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النَّوْعِ بِأَنْ يَقُولَ: ثَوْبًا هَرَوِيًّا فَإِذَا سَكَتَ عَنْهُ كَثُرَتْ الْجَهَالَةُ فَلَمْ يَصِحَّ التَّوْكِيلُ، وَكَذَا إذَا قَالَ:
-
اشْتَرِ لِي دَارًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّارِ وَالدَّارِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَإِنْ عَيَّنَ الدَّارَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ الثَّمَنَ جَازَ أَيْضًا وَيَقَعُ عَلَى دُورِ الْمِصْرِ الَّذِي وَقَّعَ فِيهِ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ.
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ حَتَّى يُعَيِّنَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَارًا فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ حَبَّةَ لُؤْلُؤٍ أَوْ فَصَّ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ مُتَفَاحِشٌ وَالصِّفَةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِحَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ مَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا الصِّفَةُ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أَوْ مِقْدَارُ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛
-
لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَبِحَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا وَإِذَا ذَكَرَ الصِّفَةَ يَصِيرُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِحَالِ الْآمِرِ، فِيمَا يَشْتَرِيهِ أَمْثَالُهُ عَادَةً حَتَّى إنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْمُشْتَرِي عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.
-
كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيمَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي خَادِمًا مِنْ جِنْسِ كَذَا أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَى مَا يَتَعَامَلُهُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ،
-
فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ كَثِيرًا، لَا يَتَعَامَلُ النَّاسُ بِهِ لَمْ يَجُزْ عَلَى الْآمِرِ،
-
وَكَذَا الْبَدَوِيُّ إذَا قَالَ: اشْتَرِ لِي خَادِمًا حَبَشِيًّا فَهُوَ عَلَى مَا يَعْتَادُهُ أَهْلُ الْبَادِيَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ اعْتِبَارُ حَالِ الْمُوَكِّلِ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدَهُمَا أَصْلًا فَالْوَكَالَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فَحُشَتْ بِتَرْكِ ذَكَرِهِمَا جَمِيعًا، فَمَنَعَتْ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي حِمَارًا أَوْ بَغْلًا أَوْ فَرَسًا أَوْ بَعِيرًا وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ صِفَةً وَلَا ثَمَنًا قَالُوا إنَّهُ يَجُوزُ؛
-
لِأَنَّ النَّوْعَ صَارَ مَعْلُومًا بِذِكْرِ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَالْفَرَسِ وَالْبَعِيرِ، وَالصِّفَةُ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِحَالِ الْمُوَكِّلِ
-
وَكَذَا الثَّمَنُ فَيُنْظَرُ إنْ اشْتَرَى حِمَارًا بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ بِأَقَلَّ، أَوْ بِأَكْثَرَ، قَدْرَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ جَازَ عَلَى الْمُوَكِّلِ، إذَا كَانَ الْحِمَارُ مِمَّا يَشْتَرِي مِثْلَهُ الْمُوَكِّلُ،
-
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَشْتَرِي مِثْلَهُ الْمُوَكِّلُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْمُوَكِّلِ،
-
وَيَلْزَمُ الْوَكِيلَ وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ نَحْوُ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مُكَارِيًا فَاشْتَرَى الْوَكِيلُ حِمَارًا مِصْرِيًّا يَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ يَشْتَرِي الْحِمَارَ لِلْعَمَلِ وَالْحَمْلِ لَا لِلرُّكُوبِ.
-
وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي شَاةٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ صِفَةً وَلَا ثَمَنًا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الشَّاةَ وَالْبَقَرَةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةَ الصِّفَةِ بِحَالِ الْمُوَكِّلِ وَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَعْلُومًا لِمَا بَيَّنَّا.
-
وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي حِنْطَةً لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ مَا لَمْ يَذْكُرْ أَحَدَ شَيْئَيْنِ: إمَّا: قَدْرُ الثَّمَنِ،
-
وَإِمَّا قَدْرُ الْمُثَمَّنِ وَهُوَ الْمَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ لَا تَقِلُّ إلَّا بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا وَعَلَى هَذَا جَمِيعُ الْمُقَدَّرَاتِ مِنْ الْمَكِيلَاتِ، وَالْمَوْزُونَاتِ.
-
وَلَوْ وَكَّلَهُ لِيَشْتَرِيَ لَهُ طَيْلَسَانًا لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ وَالنَّوْعِ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ لَا تَقِلُّ إلَّا بَعْدَ بَيَانِ أَحَدِهِمَا وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ التَّوْكِيلِ.
-
فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ - حُكْمُ التَّوْكِيلِ صَيْرُورَةُ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَكِيلًا؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ إثْبَاتُ الْوَكَالَةِ وَلِلْوَكَالَةِ أَحْكَامٌ (مِنْهَا) : ثُبُوتُ وِلَايَةِ التَّصَرُّفِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ التَّوْكِيلُ فَيُحْتَاجُ إلَى بَيَانِ مَا يَمْلِكُهُ الْوَكِيلُ مِنْ التَّصَرُّفِ بِمُوجَبِ التَّوْكِيلِ بَعْدَ صِحَّتِهِ، وَمَا لَا يَمْلِكُهُ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ -: الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ عَلَى مُوَكِّلِهِ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَقَالَ زُفَرُ، وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -: لَا يَمْلِكُ، وَالْأَبُ وَالْوَصِيُّ وَأَمِينُ الْقَاضِي لَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ عَلَى الصَّغِيرِ بِالْإِجْمَاعِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ وَكِيلٌ بِالْمُنَازَعَةِ، وَالْإِقْرَارُ مُسَالَمَةٌ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ فَلَا يَمْلِكُهُ الْوَكِيلُ.
-
(وَلَنَا) : أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ وَكِيلٌ بِالْجَوَابِ الَّذِي هُوَ حَقٌّ عِنْدَ اللَّهِ عز وجل ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ إنْكَارًا، وَقَدْ يَكُونُ إقْرَارًا،
-
فَإِذَا أَقَرَّ عَلَى مُوَكِّلِهِ دَلَّ أَنَّ الْحَقَّ هُوَ الْإِقْرَارُ فَيَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ كَمَا إذَا أَقَرَّ عَلَى مُوَكِّلِهِ وَصَدَّقَهُ الْمُوَكِّلُ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا الثَّلَاثَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ قَالَ: أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ، يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي لَا فِي غَيْرِهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَصِحُّ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ التَّوْكِيلَ تَفْوِيضُ مَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ إلَى غَيْرِهِ، وَإِقْرَارُ الْمُوَكِّلِ لَا تَقِفُ صِحَّتُهُ عَلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي، فَكَذَا إقْرَارُ الْوَكِيلِ وَلَهُمَا أَنَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَيْهِ لَكِنْ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ أَوْ بِجَوَابِ الْخُصُومَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَاضِي، أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَوَابَ لَا يَلْزَمُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي؟
-
وَكَذَا الْخُصُومَةُ لَا تَنْدَفِعُ بِالْيَمِينِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي؛ فَتَتَقَيَّدُ بِمَجْلِسِ الْقَاضِي، إلَّا أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي يَخْرُجُ عَنْ الْوَكَالَةِ وَيَنْعَزِلُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ وَكِيلًا لَبَقِيَ وَكِيلًا بِالْإِقْرَارِ عَيْنًا؛ لِأَنَّ الْإِنْكَارَ لَا يُسْمَعُ مِنْهُ لِلتَّنَاقُضِ، وَالْإِقْرَارُ عَيْنًا غَيْرُ مُوَكَّلٍ بِهِ، وَالْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ فِي مَالٍ إذَا قَضَى الْقَاضِي بِهِ يَمْلِكُ قَبْضَهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَمْلِكُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ
-
الْمَطْلُوبَ مِنْ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ الِاهْتِدَاءُ وَمِنْ الْوَكِيلِ بِالْقَبْضِ الْأَمَانَةُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَهْتَدِي إلَى شَيْءٍ يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ،
-
فَلَا يَكُونُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ تَوْكِيلًا بِالْقَبْضِ.
-
(وَلَنَا) : أَنَّهُ لَمَّا وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ فِي مَالٍ فَقَدْ ائْتَمَنَهُ عَلَى قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ فِيهِ لَا تَنْتَهِي إلَّا بِالْقَبْضِ، فَكَانَ التَّوْكِيلُ بِهَا تَوْكِيلًا بِالْقَبْضِ، وَالْوَكِيلُ بِتَقَاضِي الدَّيْنِ يَمْلِكُ الْقَبْضَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ التَّقَاضِي لَا يَنْقَطِعُ إلَّا بِالْقَبْضِ، فَكَانَ التَّوْكِيلُ بِهِ تَوْكِيلًا بِالْقَبْضِ؛
-
وَلِأَنَّ التَّقَاضِيَ وَالِاقْتِضَاءَ وَالِاسْتِيفَاءَ وَاحِدٌ إلَّا أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالُوا إنَّهُ لَا يَمْلِكُ فِي عُرْفِ دِيَارِنَا؛ لِأَنَّ النَّاسَ فِي زَمَانِنَا لَا يَرْضَوْنَ بِقَبْضِ الْمُتَقَاضِي كَالْوُكَلَاءِ عَلَى أَبْوَابِ الْقُضَاةِ لِتُهْمَةِ الْخِيَانَةِ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ، وَالْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ فِي إثْبَاتِ الدَّيْنِ إذَا أَنْكَرَ الْغَرِيمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَا يَمْلِكُ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا فَيَمْلِكُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ
-
وَكَذَا لَوْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ اسْتَوْفَى مِنْهُ، أَوْ أَبْرَأَهُ عَنْهُ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا لَا تُقْبَلُ وَلَا يَمْلِكُ وَأَجْمَعُوا فِي الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الْعَيْنِ إذَا أَنْكَرَ مَنْ فِي يَدِهِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ حَتَّى لَا يَمْلِكَ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ وَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الَّذِي وَكَّلَهُ بِالْقَبْضِ لَا تُسْمَعُ مِنْهُ بَيِّنَتُهُ فِي إثْبَاتِ الشِّرَاءِ، وَلَكِنَّهَا تُسْمَعُ لِدَفْعِ خُصُومَةِ الْوَكِيلِ فِي الْحَالِ إلَى أَنْ يَحْضُرَ الْمُوَكِّلُ، وَقَالُوا فِي الْوَكِيلِ بِطَلَبِ الشُّفْعَةِ وَبِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَبِالْقِسْمَةِ إنَّهُ يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا: أَنَّ التَّوْكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ تَوْكِيلٌ بِاسْتِيفَاءِ عَيْنِ الْحَقِّ،
-
فَلَا يَتَعَدَّى إلَى الْخُصُومَةِ كَالتَّوْكِيلِ بِقَبْضِ الْعَيْنِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّوْكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ تَوْكِيلٌ بِالْمُبَادَلَةِ، وَالْحُقُوقُ فِي مُبَادَلَةِ الْمَالِ بِالْمَالِ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، وَدَلَالَةُ ذَلِكَ أَنَّ اسْتِيفَاءَ عَيْنِ الدَّيْنِ لَا يُتَصَوَّرُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ إمَّا أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْ الْفِعْلِ وَهُوَ فِعْلُ تَسْلِيمِ الْمَالِ،
-
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْ مَالٍ حُكْمِيٍّ فِي الذِّمَّةِ.
-
وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ اسْتِيفَاؤُهُ، وَلَكِنَّ اسْتِيفَاءَ الدَّيْنِ عِبَارَةٌ عَنْ نَوْعِ مُبَادَلَةٍ، وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَأْخُوذِ الْعَيْنِ بِمَا فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ وَتَمْلِيكُهُ بِهَذَا الْقَدْرِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْمَالِ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ وَالْخُصُومَةَ فِي حُقُوقِ مُبَادَلَةِ الْمَالِ بِالْمَالِ فَيَمْلِكُهُ الْوَكِيلُ،
-
بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَوْكِيلٌ بِاسْتِيفَاءِ عَيْنِ الْحَقِّ لَا بِالْمُبَادَلَةِ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ مَقْدُورُ الِاسْتِيفَاءِ فَلَا يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ فِيهَا إلَّا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ فَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ فَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ الْخُصُومَةَ لَا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ الْمُوَكَّلِ بِالْقَبْضِ؛
-
لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ قَامَتْ لَا عَلَى خَصْمٍ، وَلَكِنَّهَا تُسْمَعُ فِي دَفْعِ قَبْضِ الْوَكِيلِ،
-
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ مَسْمُوعَةً مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ كَمَنْ وَكَّلَ إنْسَانًا بِنَقْلِ زَوْجَتِهِ إلَى حَيْثُ هُوَ فَطَالَبَهَا الْوَكِيلُ بِالِانْتِقَالِ، فَأَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، تُسْمَعُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ فِي انْدِفَاعِ حَقِّ الْوَكِيلِ فِي النَّقْلِ وَلَا تُسْمَعُ فِي إثْبَاتِ الْحُرْمَةِ.
-
كَذَا هَذَا وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِأَخْذِ الدَّارَ بِالشُّفْعَةِ وَكِيلٌ بِالْمُبَادَلَةِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ
-
وَكَذَا الرَّدُّ بِالْعَيْبِ، وَالْقِسْمَةُ فِيهَا مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ، فَكَانَتْ الْخُصُومَةُ فِيهَا مِنْ حُقُوقِهَا فَيَمْلِكُهَا الْوَكِيلُ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ، وَالْوَكِيلُ بِالْقَبْضِ إذَا أَرَادَ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: (إمَّا) أَنْ كَانَتْ الْوَكَالَةُ عَامَّةً بِأَنْ قَالَ لَهُ وَقْتَ التَّوْكِيلِ بِالْقَبْضِ: اصْنَعْ مَا شِئْتَ أَوْ مَا صَنَعْتَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَيَّ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ:
-
(وَإِمَّا) أَنْ كَانَتْ خَاصَّةً بِأَنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عِنْدَ التَّوْكِيلِ بِالْقَبْضِ؛
-
فَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً يَمْلِكُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ بِالْقَبْضِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا يَخْرُجُ مَخْرَجَ الْعُمُومِ، إجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ خَاصَّةً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَتَصَرَّفُ بِتَفْوِيضِ الْمُوَكِّلِ فَيَمْلِكُ قَدْرَ مَا فَوَّضَ إلَيْهِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَقَبَضَ الْوَكِيلُ الثَّانِي لَمْ يَبْرَأْ الْغَرِيمُ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ تَوْكِيلَهُ بِالْقَبْضِ إذَا لَمْ يَصِحَّ فَقَبْضُهُ وَقَبْضُ الْأَجْنَبِيِّ سَوَاءٌ فَإِنْ وَصَلَ إلَى يَدِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ بَرِئَ الْغَرِيمُ؛
-
لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى يَدِ مَنْ هُوَ نَائِبُ الْمُوَكِّلِ فِي الْقَبْضِ.
-
وَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ ضَمِنَ الْقَابِضُ لِلْغَرِيمِ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ بِجِهَةِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، وَالْقَبْضُ بِجِهَةِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ قَبْضٌ بِجِهَةِ الْمُبَادَلَةِ عَلَى مَا مَرَّ، وَالْمَقْبُوضُ بِجِهَةِ الْمُبَادَلَةِ مَضْمُونٌ عَلَى الْقَابِضِ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ؛
-
لِأَنَّهُ صَارَ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ بِتَوْكِيلِهِ بِالْقَبْضِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ إذْ كُلُّ غَارٍّ ضَامِنٌ لِلْمَغْرُورِ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْعُهْدَةِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِضَمَانِ الْكَفَالَةِ.
-
وَلَا يَبْرَأُ الْغَرِيمُ مِنْ الدَّيْنِ لِمَا قُلْنَا إنَّ تَوْكِيلَهُ بِالْقَبْضِ لَمْ يَصِحَّ فَكَانَ لِلطَّالِبِ أَنْ يَأْخُذَ الْغَرِيمَ بِدَيْنِهِ وَإِذَا أَخَذَ مِنْهُ رَجَعَ الْغَرِيمُ عَلَى الْوَكِيلِ الثَّانِي لِمَا قُلْنَا، وَيَرْجِعُ الْوَكِيلُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِحُكْمِ الْغُرُورِ لِمَا قُلْنَا إنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ لِلْمُوَكِّلِ عَلَى إنْسَانٍ مُعَيَّنٍ أَوْ فِي بَلَدٍ
-
مُعَيَّنٍ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَصَرِّفَ بِحُكْمِ الْآمِرِ لَا يَمْلِكُ التَّعَدِّيَ عَنْ مَوْضِعِ الْأَمْرِ وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ أَنْ يَأْخُذَ عِوَضًا عَنْ الدَّيْنِ؛ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ عَيْنًا مَكَانَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُعَاوَضَةٌ مَقْصُودَةٌ، وَأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ تَحْتَ التَّوْكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ وَهَذَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ قَبْضَ الدَّيْنِ حَقِيقَةً لَا يُتَصَوَّرُ لِمَا ذَكَرْنَا فَلَا يُتَصَوَّرُ التَّوْكِيلُ بِقَبْضِهِ حَقِيقَةً إلَّا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ جُعِلَ تَوْكِيلًا بِالْمُعَاوَضَةِ ضَرُورَةَ تَصْحِيحِ التَّصَرُّفِ وَدَفْعِ الْحَاجَةِ الْمُعَلَّقَةِ بِالتَّوْكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ.
-
وَحَقُّ الضَّرُورَةِ يَصِيرُ مَقْضِيًّا بِثُبُوتِهَا ضِمْنًا لِلْعَقْدِ فَبَقِيَتْ الْمُعَاوَضَةُ الْمَقْصُودَةُ خَارِجَةً عَنْ الْعَقْدِ أَصْلًا فَلَا يَمْلِكُهَا الْوَكِيلُ.
-
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَجَاءَ إنْسَانٌ إلَى الْغَرِيمِ وَقَالَ: إنَّ الطَّالِبَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْبِضَهُ مِنْكَ،
-
فَإِنْ صَدَّقَهُ الْغَرِيمُ وَأَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ،
-
وَإِنْ أَبَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ يُجْبَرُ عَلَى الدَّفْعِ فِي الدَّيْنِ وَفِي الْعَيْنِ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَالْفَرْقُ: أَنَّ التَّصْدِيقَ فِي الدَّيْنِ إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَكَانَ مَجْبُورًا عَلَى التَّسْلِيمِ، وَفِي الْعَيْنِ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِتَصْدِيقِ ذَلِكَ الْغَيْرِ،
-
وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الدَّفْعِ فَإِنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ ثُمَّ جَاءَ الطَّالِبُ فَإِنْ صَدَّقَهُ مَضَى الْأَمْرُ،
-
وَإِنْ كَذَّبَهُ وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ وَكَّلَهُ بِذَلِكَ فَهَذَا عَلَى وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: إمَّا أَنْ صَدَّقَهُ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ،
-
وَإِمَّا أَنْ كَذَّبَهُ وَمَعَ ذَلِكَ دَفَعَ إلَيْهِ.
-
وَأَمَّا إنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ وَلَمْ يُكَذِّبْهُ وَدَفَعَ إلَيْهِ،
-
فَإِنْ صَدَّقَهُ فِي الْوَكَالَةِ وَلَمْ يُضَمِّنْهُ فَجَاءَ الطَّالِبُ، يُقَالُ لَهُ: ادْفَعْ الدَّيْنَ إلَى الطَّالِبِ،
-
وَلَا حَقَّ لَكَ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَدَّقَهُ فِي الْوَكَالَةِ فَقَدْ أَقَرَّ بِوَكَالَتِهِ، وَإِقْرَارُهُ صَحِيحٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إنَّ الْوَكِيلَ كَانَ مُحِقًّا فِي الْقَبْضِ،
-
وَإِنَّ الطَّالِبَ ظَالِمٌ فِيمَا يَقْبِضُ مِنِّي،
-
وَإِنْ ظَلَمَ عَلَى مُبْطِلٍ فَلَا أَظْلِمُ عَلَى مُحِقٍّ،
-
وَإِنْ صَدَّقَهُ وَضَمَّنَهُ مَا دَفَعَ إلَيْهِ ثُمَّ حَضَرَ الطَّالِبُ فَأَخَذَ مِنْهُ يَرْجِعُ هُوَ عَلَى الْقَابِضِ؛ لِأَنَّ الْغَرِيمَ وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّ الْقَابِضَ مُحِقٌّ فِي الْقَبْضِ بِتَصْدِيقِهِ إيَّاهُ فِي الْوَكَالَةِ فَعِنْدَهُ أَنَّ الطَّالِبَ مُبْطِلٌ فِيهِ ظَالِمٌ فِيمَا يَقْبِضُ مِنْهُ؛
-
فَإِذَا ضَمِنَهُ فَقَدْ أَضَافَ الضَّمَانَ إلَى مَا يَقْبِضُهُ الطَّالِبُ عَنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِضَافَةُ الضَّمَانِ إلَى الْمَقْبُوضِ الْمَضْمُونِ صَحِيحٌ كَمَا إذَا قَالَ مَا غَصَبَكَ فُلَانٌ فَعَلَيَّ،
-
وَإِنْ كَذَّبَهُ فِي الْوَكَالَةِ وَمَعَ ذَلِكَ دَفَعَ إلَيْهِ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْوَكِيلَ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ مُبْطِلٌ فِي الْقَبْضِ وَإِنَّمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ عَلَى رَجَاءِ أَنْ يُجَوِّزَهُ الطَّالِبُ
-
وَكَذَا إذَا لَمْ يُصَدِّقْ وَلَمْ يُكَذِّبْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْإِقْرَارُ بِكَوْنِهِ مُحِقًّا فِي الْقَبْضِ فَيَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ إذَا قَبَضَهُ فَوَجَدَهُ مَعِيبًا فَمَا كَانَ لِلْمُوَكِّلِ رَدُّهُ فَلَهُ رَدُّهُ وَأَخْذُ بَدَلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فَهُوَ يَمْلِكُ قَبْضَ حَقِّهِ أَصْلًا وَوَصْفًا فَكَذَا الْوَكِيلُ وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلًا بِقَبْضِ دَيْنٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ وَغَابَ الطَّالِبُ فَادَّعَى الْغَرِيمُ أَنَّهُ قَدْ أَوْفَاهُ الطَّالِبَ لَا يَحْتَاجُ الْوَكِيلُ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ،
-
وَلَا إلَى إحْضَارِ الطَّالِبِ لِيُحَلِّفَهُ، لَكِنْ يُقَالُ لِلْغَرِيمِ: ادْفَعْ الدَّيْنَ إلَى الْوَكِيلِ،
-
ثُمَّ اتْبَعْ الطَّالِبَ وَحَلِّفْهُ إنْ أَرَدْتَ يَمِينَهُ فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا رَجَعْتَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِالدَّيْنِ، وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يُحْكَمُ بِسُقُوطِهِ بِدَعْوَى الْإِيفَاءِ مَعَ الِاحْتِمَالِ، بَلْ يُجْبَرُ عَلَى التَّسْلِيمِ إلَى الْوَكِيلِ،
-
وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِطَلَبِ الشُّفْعَةِ إذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ الشَّفِيعَ قَدْ سَلَّمَ لِلشُّفْعَةِ يُؤْمَرُ بِتَسْلِيمِ الدَّارِ إلَى الْوَكِيلِ،
-
ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: اتْبَعْ الشَّفِيعَ وَحَلِّفْهُ إنْ أَرَدْتَ يَمِينَهُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُقِرٌّ بِثُبُوتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ الشُّفْعَةِ بَعْدَ ثُبُوتِهَا يَكُونُ فَلَا يُبْطَلُ الْحَقَّ الثَّابِتَ بِدَعْوَى التَّسْلِيمِ مَعَ الِاحْتِمَالِ فَيُؤْمَرُ بِتَسْلِيمِ الْمُشْتَرَى إلَى الْوَكِيلِ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْوَكِيلِ حَقُّ الرَّدِّ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُوَكِّلُ فَيَحْلِفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى مَا رَضِيَ بِهَذَا الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ بِقَوْلِهِ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ، لَمْ يُقِرَّ بِثُبُوتِ حَقِّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ عَيْبٍ مُوجِبًا لِلرَّدِّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِعَيْبِهِ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الرَّدِّ مَعَ وُجُودِ الْعَيْبِ، فَيَتَوَقَّفُ عَلَى حُضُورِ الْمُوَكِّلِ وَيَمِينِهِ،
-
فَإِنْ أَرَادَ الْغَرِيمُ أَنْ يُحَلِّفَ الْوَكِيلَ بِاَللَّهِ عز وجل مَا يَعْلَمُ أَنَّ الطَّالِبَ قَدْ اسْتَوْفَى الدَّيْنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: وَأَبِي يُوسُفَ.
-
وَقَالَ زُفَرُ: يُحَلِّفُهُ عَلَى عِلْمِهِ،
-
فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ خَرَجَ عَنْ الْوَكَالَةِ وَلَمْ يَبْرَأْ الْغَرِيمُ وَكَانَ الطَّالِبُ عَلَى حُجَّتِهِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرَ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَوْ أَقَرَّ بِهِ الْوَكِيلُ لَلَزِمَهُ، وَسَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الْقَبْضِ،
-
فَإِذَا أَنْكَرَ يُسْتَحْلَفُ لِجَوَازِ أَنَّهُ يَنْكُلُ عَنْ الْيَمِينِ، فَيَسْقُطُ حَقُّهُ.
-
(وَلَنَا) قَوْلُ النَّبِيِّ: عليه الصلاة والسلام «وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَالْغَرِيمُ مَا ادَّعَى عَلَى الْوَكِيلِ شَيْئًا وَإِنَّمَا ادَّعَى عَلَى الْمُوَكِّلِ، فَكَانَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، وَالْيَمِينُ مِمَّا لَا تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ،
-
فَلَا يَثْبُتُ لِلْغَرِيمِ وِلَايَةُ اسْتِحْلَافِ الْوَكِيلِ.
-
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الطَّالِبُ، فَادَّعَى الْغَرِيمُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ اسْتَوْفَاهُ حَالَ حَيَاتِهِ، وَأَنْكَرَ الْوَارِثُ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْوَارِثَ عَلَى عِلْمِهِ
-
بِاَللَّهِ - تَعَالَى - مَا يَعْلَمُ أَنَّ الطَّالِبَ اسْتَوْفَى الدَّيْنَ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْوَارِثَ مُدَّعًى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْغَرِيمَ يَدَّعِي عَلَيْهِ بُطْلَانَ حَقِّهِ فِي الِاسْتِيفَاءِ الَّذِي هُوَ حَقُّهُ، فَلَمْ يَكُنِ اسْتِحْلَافُهُ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنْ الْمُوَرِّثِ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ عَلَى عِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ.
-
وَكُلُّ مَنْ يُسْتَحْلَفُ عَلَى فِعْلٍ بَاشَرَهُ غَيْرُهُ يُسْتَحْلَفُ عَلَى الْعِلْمِ لَا الْبَتِّ؛ لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ.
-
فَإِنْ أَقَامَ الْغَرِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِيفَاءِ سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
-
وَعِنْدَهُمَا لَا تُسْمَعُ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ هَلْ يَكُونُ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ فِيهِ؟ عِنْدَهُ يَكُونُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَكُونُ لِمَا تَقَدَّمَ،
-
وَكَذَلِكَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ إذَا أَقَامَ الْغَرِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَعْطَى الطَّالِبَ بِالدَّرَاهِمِ الدَّنَانِيرَ أَوْ بَاعَهُ بِهَا عَرَضًا فَبَيِّنَتُهُ مَسْمُوعَةٌ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ؛ لِأَنَّ إيفَاءَ الدَّيْنِ بِطَرِيقَيْ الْمُبَادَلَةِ وَالْمُقَاصَّةِ، وَيَسْتَوِي فِيهِمَا الْجِنْسُ وَخِلَافُ الْجِنْسِ فَكَانَ الْخِلَافُ فِي الْكُلِّ ثَابِتًا.
-
(وَأَمَّا) : الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ فَالتَّوْكِيلُ بِالْبَيْعِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا،
-
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا،
-
فَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا يُرَاعَى فِيهِ الْقَيْدُ بِالْإِجْمَاعِ، حَتَّى إنَّهُ إذَا خَالَفَ قَيْدَهُ لَا يَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَلَكِنْ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ خِلَافُهُ إلَى خَيْرٍ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْوَكِيلَ يَتَصَرَّفُ بِوِلَايَةٍ مُسْتَفَادَةٍ مِنْ قِبَلِ الْمُوَكِّلِ، فَيَلِي مِنْ التَّصَرُّفِ قَدْرَ مَا وَلَّاهُ،
-
وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ إلَى خَيْرٍ فَإِنَّمَا نَفَذَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ خِلَافًا صُورَةً فَهُوَ وِفَاقٌ مَعْنًى؛ لِأَنَّهُ آمِرٌ بِهِ دَلَالَةً فَكَانَ مُتَصَرِّفًا بِتَوْلِيَةِ الْمُوَكِّلِ، فَنَفَذَ بَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ إذَا قَالَ: بِعْ عَبْدِي هَذَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَبَاعَهُ بِأَقَلَّ مِنْ الْأَلْفِ لَا يَنْفُذُ،
-
وَكَذَا إذَا بَاعَهُ بِغَيْرِ الدَّرَاهِمِ، لَا يَنْفُذُ،
-
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ خِلَافٌ إلَى شَرٍّ؛ لِأَنَّ أَغْرَاضَ النَّاسِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَجْنَاسِ فَكَانَ فِي مَعْنَى الْخِلَافِ إلَى شَرٍّ وَإِنْ بَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ نَفَذَ؛ لِأَنَّهُ خِلَافٌ إلَى خَيْرٍ، فَلَمْ يَكُنْ خِلَافًا أَصْلًا،
-
وَكَذَلِكَ عَلَى هَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِالْبَيْعِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ حَالَّةً فَبَاعَهُ بِأَلْفٍ نَسِيئَةً لَمْ يَنْفُذْ بَلْ يَتَوَقَّفُ لِمَا قُلْنَا،
-
وَإِنْ وَكَّلَهُ بِأَنْ يَبِيعَهُ بِأَلْفِ - دِرْهَمٍ نَسِيئَةً، فَبَاعَهُ بِأَلْفٍ حَالَّةً نَفَذَ لِمَا قُلْنَا،
-
وَإِنْ وَكَّلَهُ بِأَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِطَ الْخِيَارَ لِلْآمِرِ، فَبَاعَهُ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْخِيَارَ، لَمْ يَجُزْ، بَلْ يَتَوَقَّفُ.
-
وَلَوْ بَاعَ وَشَرَطَ الْخِيَارَ لِلْآمِرِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُجِيزَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ الْإِجَازَةَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ فَائِدَةٌ، هَذَا إذَا كَانَ التَّوْكِيلُ بِالْبَيْعِ مُقَيَّدًا.
-
فَأَمَّا: إذَا كَانَ مُطْلَقًا فَيُرَاعَى فِيهِ الْإِطْلَاقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَيَمْلِكُ الْبَيْعَ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ إلَّا بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلَ قَوْلِهِمَا.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ مُطْلَقَ الْبَيْعِ يَنْصَرِفُ إلَى الْبَيْعِ الْمُتَعَارَفِ، وَالْبَيْعُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لَيْسَ بِمُتَعَارَفٍ،
-
فَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ كَالتَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ.
-
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي اللَّفْظِ الْمُطْلَقَ أَنْ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ،
-
وَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَالْعُرْفُ مُتَعَارِضٌ فَإِنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لِغَرَضِ التَّوَصُّلِ بِثَمَنِهِ إلَى شِرَاءِ مَا هُوَ أَرْبَحُ مِنْهُ مُتَعَارَفٌ أَيْضًا فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ مَعَ التَّعَارُضِ مَعَ مَا أَنَّ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ إنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَارَفًا فِعْلًا فَهُوَ مُتَعَارَفٌ ذِكْرًا وَتَسْمِيَةً؛
-
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَمَّى بَيْعًا أَوْ هُوَ مُبَادَلَةُ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ بِشَيْءٍ مَرْغُوبٍ لُغَةً وَقَدْ وُجِدَ، وَمُطْلَقُ الْكَلَامِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُتَعَارَفِ ذِكْرًا وَتَسْمِيَةً مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْفِعْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ لَحْمَ الْآدَمِيِّ أَوْ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ يَحْنَثُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَكْلُهُ مُتَعَارَفًا لِكَوْنِهِ مُتَعَارَفًا إطْلَاقًا وَتَسْمِيَةً كَذَا هَذَا.
-
: (وَأَمَّا) التَّوْكِيلُ بِالشِّرَاءِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ " أَحَدُهُمَا " أَنَّ جَوَازَهُ ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، لِكَوْنِهِ أَمْرًا بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِ غَيْرِهِ، وَذِكْرُ الثَّمَنِ فِيهِ تَبَعٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ بِدُونِ ذِكْرِ الثَّمَنِ، إلَّا أَنَّهُ جُوِّزَ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ إذْ كُلُّ أَحَدٍ لَا يَتَهَيَّأُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِنَفْسِهِ فَيَحْتَاجَ إلَى مَنْ يُوَكِّلُ بِهِ غَيْرَهُ، وَالْحَاجَةُ إلَى التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ بِثَمَنٍ جَرَى التَّعَارُفُ بِشِرَاءِ مِثْلِهِ بِمِثْلِهِ فَيَنْصَرِفُ الْأَمْرُ بِمُطْلَقِ الشِّرَاءِ إلَيْهِ أَلْبَتَّةَ.
-
الثَّانِي الْمُشْتَرِي مُتَّهَمٌ بِهَذَا الِاحْتِمَالِ: أَنَّهُ يَشْتَرِي لِنَفْسِهِ فَلَمَّا تَبَيَّنَ فِيهِ الْغَبْنُ أَظْهَرَ الشِّرَاءَ لِلْمُوَكِّلِ، وَمِثْلُ هَذِهِ التُّهْمَةِ فِي الْبَيْعِ مُنْعَدِمَةٌ فَهُوَ الْفَرْقُ،
-
وَكَذَلِكَ يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِغَيْرِ الْأَثْمَانِ الْمُطْلَقَةِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَمْلِكُ.
-
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله .
-
وَيَمْلِكُ الْبَيْعَ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَمْلِكُ إلَّا بِالنَّقْدِ.
-
وَالْحُجَجُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْبَيْعِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ
-
وَلَوْ بَاعَ الْوَكِيلُ بَعْضَ مَا وُكِّلَ بِبَيْعِهِ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِي تَبْعِيضِهِ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِأَنْ كَانَ وَكِيلًا بِبَيْعِ عَبْدَيْنِ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا؛ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ فِي تَبْعِيضِهِ ضَرَرٌ بِأَنْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدٍ فَبَاعَ نِصْفَهُ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: رحمه الله ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِجَازَةِ
-
الْمُوَكِّلِ أَوْ بِبَيْعِ النِّصْفِ الْبَاقِي.
-
وَلَوْ كَانَ وَكِيلًا بِالشِّرَاءِ فَاشْتَرَى نِصْفَهُ لَمْ يَلْزَمْ الْآمِرَ إجْمَاعًا.
-
إلَّا أَنَّهُ يَشْتَرِي الْبَاقِي وَيُجِيزُهُ الْمُوَكِّلُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا الْجَمْعُ بَيْنَ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ بِجَامِعٍ، وَهُوَ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ وَوُجُوبُ دَفْعِ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِالشَّرِكَةِ فِي الْأَعْيَانِ؛ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى مَا مَرَّ.
-
أَلَا يُرَى أَنَّ عِنْدَهُ لَوْ بَاعَ الْكُلَّ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الثَّمَنِ يَجُوزُ فَلَأَنْ يَجُوزَ بَيْعُ الْبَعْضِ بِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ نَفَّعَ مُوَكِّلَهُ حَيْثُ أَمْسَكَ الْبَعْضَ عَلَى مِلْكِهِ وَبِهَذَا فَارَقَ الشِّرَاءَ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ إذَا اشْتَرَى النِّصْفَ بِثَمَنِ الْكُلِّ لَا يَجُوزُ، وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ يَمْلِكُ إبْرَاءَ الْمُشْتَرِي عَنْ الثَّمَنِ؛
-
وَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْهُ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ عِوَضًا، وَلَهُ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى شَيْءٍ وَيَحْتَالَ بِهِ عَلَى إنْسَانٍ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْإِبْرَاءِ، وَأَخَوَاتِهِ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْمُوَكِّلِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ فَلَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ فَعَلَهَا أَجْنَبِيٌّ (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ بِالْإِبْرَاءِ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الثَّمَنِ حَقُّهُ، فَكَانَ الْإِبْرَاءُ عَنْ الثَّمَنِ إبْرَاءً عَنْ قَبْضِهِ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
-
وَلَوْ أُسْقِطَ حَقُّ الْقَبْضِ لَسَقَطَ الدَّيْنُ ضَرُورَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ لَبَقِيَ دَيْنًا لَا يَحْتَمِلُ الْقَبْضَ أَصْلًا، وَهَذَا مِمَّا لَا نَظِيرَ لَهُ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ؛ وَلِأَنَّ دَيْنًا لَا يَحْتَمِلُ الْقَبْضَ، وَالِاسْتِيفَاءَ بِوَجْهٍ لَا يُفِيدُ فَيَسْقُطُ ضَرُورَةً وَيَضْمَنُ الثَّمَنَ لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ تَصَرَّفَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، لَكِنَّهُ تَعَدَّى إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ بِالْإِتْلَافِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ،
-
وَكَذَا إذَا أَخَذَ بِالثَّمَنِ عِوَضًا عَنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ مِنْهُ الْقَبْضَ الَّذِي هُوَ حَقُّهُ فَيَصِحُّ،
-
وَمَتَى مَلَكَ ذَلِكَ فَيَمْلِكُ رَقَبَةَ الدَّيْنِ ضَرُورَةً بِمَا أَخَذَهُ مِنْ الْعِوَضِ؛ وَيَضْمَنُ لِمَا ذَكَرْنَا؛
-
وَكَذَا إذَا صَالَحَهُ عَلَى شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ مُبَادَلَةٌ؛
-
وَكَذَا إذَا أَحَالَهُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى إنْسَانٍ وَقَبِلَ الْوَكِيلُ الْحَوَالَةَ؛ لِأَنَّهُ بِقَبُولِ الْحَوَالَةِ تَصَرَّفَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ بِالْإِبْرَاءِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مُبَرِّئَةٌ وَذَلِكَ يُوجِبُ سُقُوطَ الدَّيْنِ عَنْ الْمُحِيلِ فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَا وَيَضْمَنُ لِمَا قُلْنَا
-
وَكَذَلِكَ تَأْخِيرُ الدَّيْنِ مِنْ الْوَكِيلِ، تَأْخِيرُ حَقِّ الْمُطَالَبَةِ وَالْقَبْضِ وَأَنَّهُ صَادَفَ حَقَّ نَفْسِهِ فَيَصِحُّ لَكِنَّهُ تَعَدَّى إلَى الْمُوَكِّلِ بِثُبُوتِ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِلْكِهِ فَيَضْمَنُ وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْوَكَالَةِ عَلَى الْخُصُوصِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَتَصَرَّفُ بِوِلَايَةٍ مُسْتَفَادَةٍ مِنْ قِبَلِ الْمُوَكِّلِ فَيَمْلِكُ قَدْرَ مَا أَفَادَهُ،
-
وَلَا يَثْبُتُ الْعُمُومُ إلَّا بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِك وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ،
-
فَإِنْ وَكَّلَ غَيْرَهُ بِالْبَيْعِ فَبَاعَ الثَّانِي بِحَضْرَةِ الْأَوَّلِ جَازَ،
-
وَإِنْ بَاعَ بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْأَوَّلُ أَوْ الْمُوَكِّلُ،
-
وَكَذَا إذَا بَاعَهُ فُضُولِيٌّ فَبَلَغَ الْوَكِيلَ أَوْ الْمُوَكِّلَ، فَأَجَازَ يَجُوزُ هَذَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَكِيلِ الثَّانِي سَوَاءٌ كَانَ بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ أَوْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ.
-
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ وَالصَّحِيحُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ عِبَارَةَ الْوَكِيلِ لَيْسَتْ مَقْصُودَ الْمُوَكِّلِ، بَلْ الْمَقْصُودُ رَأْيُهُ.
-
فَإِذَا بَاعَ الثَّانِي بِحَضْرَتِهِ فَقَدْ حَصَلَ التَّصَرُّفُ بِرَأْيِهِ فَنَفَذَ وَإِذَا بَاعَهُ لَا بِحَضْرَتِهِ أَوْ بَاعَ فُضُولِيٌّ، فَقَدْ خَلَا التَّصَرُّفُ عَنْ رَأْيِهِ فَلَا يَنْفُذُ وَلَكِنَّهُ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الْوَكِيلِ أَوْ الْمُوَكِّلِ لِصُدُورِ التَّصَرُّفِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ أَنْ يَبِيعَ مِنْ نَفْسِهِ؛
-
لِأَنَّ الْحُقُوقَ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الْوَاحِدُ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ مُسَلِّمًا وَمُتَسَلِّمًا، مُطَالِبًا وَمُطَالَبًا وَهَذَا مُحَالٌ،
-
وَكَذَا لَا يَبِيعُ مِنْ نَفْسِهِ،
-
وَإِنْ أَمَرَهُ الْمُوَكِّلُ بِذَلِكَ لِمَا قُلْنَا؛ وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ الْكِبَارِ وَزَوْجَتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ عَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْبَيْعَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَمِنْ الْأَجْنَبِيِّ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمْلِكُهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْ صَاحِبِهِ ثُمَّ لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ مِنْ نَفْسِهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْبَيْعَ مِنْ هَؤُلَاءِ بَيْعٌ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِاتِّصَالِ مَنْفَعَةِ مِلْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ،
-
ثُمَّ لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ مِنْ نَفْسِهِ،
-
فَلَا يَمْلِكُهُ مِنْ هَؤُلَاءِ
-
بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ مِنْ عَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مِنْ عَبْدِهِ بَيْعٌ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ،
-
وَكَذَا الْمُكَاتَبُ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
-
كَذَا هَذَا يُحَقِّقُهُ أَنَّ اتِّصَالَ مَنَافِعِ الْأَمْلَاكِ بَيْنَهُمَا تُورِثُ التُّهْمَةَ، لِهَذَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ
-
بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ وَلَوْ عَمَّمَ التَّوْكِيلَ فَقَالَ: اصْنَعْ مَا شِئْتَ، أَوْ بِعْ مِنْ هَؤُلَاءِ، أَوْ أَجَازَ مَا صَنَعَهُ الْوَكِيلُ، جَازَ بَيْعُهُ بِالِاتِّفَاقِ.
-
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ مِنْ عَبْدِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحَالُ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا يَمْلِكُ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ، وَالْفَاسِدَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَيْعِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّوْعَيْنِ إذْ هُوَ مُبَادَلَةُ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ
-
بِشَيْءٍ مَرْغُوبٍ، وَقَدْ وُجِدَ
-
بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ مُطْلَقًا، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحَ الْحِلُّ، وَالنِّكَاحُ الْفَاسِدُ لَا يُفِيدُ الْحِلَّ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْبَيْعِ الْمِلْكُ، وَأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
-
وَأَمَّا: الْوَكِيلُ: بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَهَلْ يَمْلِكُ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - يَمْلِكُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَمْلِكُ وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله .
-
(وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ بَيْعٌ لَا يُفِيدُ الْحُكْمَ بِنَفْسِهِ،
-
وَالصَّحِيحُ يُفِيدُ الْحُكْمَ بِنَفْسِهِ، فَكَانَا مُخْتَلِفَيْنِ،
-
فَلَا يَكُونُ التَّوْكِيلُ بِأَحَدِهِمَا تَوْكِيلًا بِالْآخَرِ.
-
فَإِذَا بَاعَ بَيْعًا صَحِيحًا صَارَ مُخَالِفًا (وَلَهُمَا) أَنَّ هَذَا لَيْسَ
-
بِخِلَافٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ خَيْرٌ، وَكُلُّ مُوَكَّلٍ بِشَيْءٍ مُوَكَّلٌ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ دَلَالَةً، وَالثَّابِتُ دَلَالَةً كَالثَّابِتِ نَصًّا، فَكَانَ آتِيًا بِمَا وُكِّلَ بِهِ فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا.
-
(وَأَمَّا) الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ فَالتَّوْكِيلُ بِالشِّرَاءِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَ مُطْلَقًا أَوْ كَانَ مُقَيَّدًا،
-
فَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا يُرَاعَى فِيهِ الْقَيْدُ إجْمَاعًا لِمَا ذَكَرْنَا، سَوَاءٌ كَانَ الْقَيْدُ رَاجِعًا إلَى الْمُشْتَرَى أَوْ إلَى الثَّمَنِ، حَتَّى إنَّهُ إذَا خَالَفَ يَلْزَمُ الشِّرَاءَ إلَّا إذَا كَانَ خِلَافًا إلَى خَيْرٍ فَيَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ، مِثَالُ الْأَوَّلِ: إذَا قَالَ: اشْتَرِ لِي جَارِيَةً؛ أَطَؤُهَا، أَوْ أَسْتَخْدِمُهَا أَوْ أَتَّخِذُهَا أُمَّ وَلَدٍ، فَاشْتَرَى جَارِيَةً مَجُوسِيَّةً أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ مُرْتَدَّةً أَوْ ذَاتَ زَوْجٍ، لَا يَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَيَنْفُذُ عَلَى الْوَكِيلِ.
-
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: اشْتَرِ لِي جَارِيَةً تَخْدِمُنِي، فَاشْتَرَى جَارِيَةً مَقْطُوعَةَ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ أَوْ عَمْيَاءَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ مُقَيَّدٍ اعْتِبَارُ الْقَيْدِ فِيهِ إلَّا قَيْدًا لَا يُفِيدُ اعْتِبَارُهُ، وَاعْتِبَارُ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْقَيْدِ مُفِيدٌ
-
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: اشْتَرِ لِي جَارِيَةً تُرْكِيَّةً، فَاشْتَرَى جَارِيَةً حَبَشِيَّةً، لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ وَيَلْزَمُ الْوَكِيلَ لِمَا ذَكَرْنَا.
-
وَمِثَالُ الثَّانِي إذَا قَالَ: لَهُ اشْتَرِ لِي جَارِيَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَاشْتَرَى جَارِيَةً بِأَكْثَرَ مِنْ الْأَلْفِ، تَلْزَمُ الْوَكِيلَ دُونَ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ أَمْرَ الْمُوَكِّلِ، فَيَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ.
-
وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي جَارِيَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، أَوْ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَاشْتَرَى جَارِيَةً بِمَا سِوَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، لَا تَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ مُخْتَلِفٌ، فَيَكُونُ مُخَالِفًا وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَاشْتَرَاهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، قِيمَتُهَا مِائَةُ دِينَارٍ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ؛
-
لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ حَقِيقَةً، فَكَانَ التَّقْيِيدُ بِأَحَدِهِمَا مُفِيدًا.
-
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ، كَأَنَّهُ اعْتَبَرَهُمَا جِنْسًا وَاحِدًا فِي الْوَكَالَةِ كَمَا اُعْتُبِرَا جِنْسًا وَاحِدًا فِي الشُّفْعَةِ، وَهُوَ أَنَّ الشَّفِيعَ إذَا أَخْبَرَ أَنَّ الدَّارَ بِيعَتْ بِدَنَانِيرَ فَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ،
-
ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهَا بِيعَتْ بِدَرَاهِمَ وَقِيمَتُهَا مِثْلُ الدَّنَانِيرِ، صَحَّ التَّسْلِيمُ.
-
كَذَا هَهُنَا فَإِنْ اشْتَرَى جَارِيَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ،
-
فَإِنْ كَانَ مِثْلُهَا يُشْتَرَى بِأَلْفٍ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ أَوْ بِأَقَلَّ مِنْ أَلْفٍ مِقْدَارَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فَيَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.
-
وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ مِقْدَارَ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ لَزِمَ الْوَكِيلَ؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْوَكِيلِ مَعْرُوفٌ.
-
وَإِنْ اشْتَرَى جَارِيَةً بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ،
-
وَمِثْلُهَا يُشْتَرَى بِأَلْفٍ، لَزِمَ الْمُوَكِّلَ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ إلَى خَيْرٍ لَا يَكُونُ خِلَافًا مَعْنًى.
-
وَكَذَا إذَا وَكَّلَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ جَارِيَةً بِأَلْفٍ نَسِيئَةً، فَاشْتَرَى جَارِيَةً بِأَلْفٍ حَالَّةً، لَزِمَ الْوَكِيلَ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ قَيْدَ الْمُوَكِّلِ.
-
وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِأَلْفٍ حَالَّةً فَاشْتَرَى بِأَلْفٍ نَسِيئَةً، لَزِمَ الْمُوَكِّلَ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ خَالَفَ صُورَةً فَقَدْ وَافَقَ مَعْنًى وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعْنَى، لَا لِلصُّورَةِ.
-
وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ وَيَشْتَرِطَ الْخِيَارَ لِلْمُوَكِّلِ فَاشْتَرَى بِغَيْرِ خِيَارٍ، لَزِمَ الْوَكِيلَ.
-
وَالْأَصْلُ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ إذَا خَالَفَ يَكُونُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ، وَالْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ إذَا خَالَفَ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ مُتَّهَمٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ فَأَمْكَنَ تَنْفِيذُهُ عَلَيْهِ، حَتَّى إنَّهُ لَوْ كَانَ صَبِيًّا مَحْجُورًا أَوْ عَبْدًا مَحْجُورًا لَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ؛
-
لِأَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ الشِّرَاءَ لِأَنْفُسِهِمَا،
-
فَلَا يُمْكِنُ التَّنْفِيذُ عَلَيْهِمَا فَتَوَقَّفَ،
-
وَكَذَا إذَا كَانَ الْوَكِيلُ مُرْتَدًّا، أَوْ كَانَ وَكِيلًا بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ، فَاشْتَرَى نِصْفَهُ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّنْفِيذِ عَلَيْهِ، فَاحْتُمِلَ التَّوَقُّفُ؛ وَمَعْنَى التُّهْمَةِ لَا يَتَعَذَّرُ مِنْ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ فَاحْتُمِلَ التَّوَقُّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ.
-
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ فَاشْتَرَاهُ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ مَالِ الْمُوَكِّلِ تُوُقِّفَ عَلَى الْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَاهُ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ، فَقَدْ بَاعَ الْعَيْنَ، وَالْبَيْعُ يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ هَذَا إذَا كَانَ التَّوْكِيلُ بِالشِّرَاءِ مُقَيَّدًا.
-
فَأَمَّا إذَا كَانَ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ يُرَاعَى فِيهِ الْإِطْلَاقُ مَا أَمْكَنَ، إلَّا إذَا قَامَ دَلِيلُ التَّقْيِيدِ مِنْ عُرْفٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَيَتَقَيَّدُ بِهِ، وَعَلَى هَذَا إذَا وَكَّلَ رَجُلًا بِشِرَاءِ جَارِيَةٍ وَسَمَّى نَوْعَهَا وَثَمَنَهَا حَتَّى صَحَّتْ الْوَكَالَةُ فَاشْتَرَى جَارِيَةً مَقْطُوعَةَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ، أَوْ عَوْرَاءَ، لَزِمَ الْمُوَكِّلَ،
-
وَكَذَا إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً مَقْطُوعَةَ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ أَوْ عَمْيَاءَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُ الْوَكِيلَ (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْجَارِيَةَ تُشْتَرَى لِلِاسْتِخْدَامِ عُرْفًا وَعَادَةً
-
وَغَرَضُ الِاسْتِخْدَامِ لَا يَحْصُلُ عِنْدَ فَوَاتِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ، فَيَتَقَيَّدُ بِالسَّلَامَةِ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: لَا يَجُوزُ تَحْرِيرُهَا عَنْ الْكَفَّارَةِ وَإِنْ كَانَ نَصُّ التَّحْرِيرِ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ السَّلَامَةِ لِثُبُوتِهَا دَلَالَةً كَذَا هَذَا.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ اسْمَ الْجَارِيَةِ بِإِطْلَاقِهَا يَقَعُ عَلَى هَذِهِ الْجَارِيَةِ كَمَا يَقَعُ عَلَى سَلِيمَةِ الْأَطْرَافِ،
-
فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَقَدْ وُجِدَ.
-
(وَأَمَّا) فِي بَابِ الْكَفَّارَةِ فَلِأَنَّ الْأَمْرَ تَعَلَّقَ بِتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ، وَالرَّقَبَةُ اسْمٌ لِذَاتٍ مُرَكَّبٍ مِنْ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ،
-
فَإِذَا فَاتَ مَا يَقُومُ بِهِ جِنْسٌ مِنْ مَنَافِعِ الذَّاتِ، انْتَقَضَ الذَّاتُ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقُ اسْمِ الرَّقَبَةِ فَأَمَّا اسْمُ الْجَارِيَةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى هَذِهِ الذَّاتِ بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ،
-
فَلَا يَقْدَحُ نُقْصَانُهَا فِي اسْمِ الْجَارِيَةِ،
-
بِخِلَافِ اسْمِ الرَّقَبَةِ حَتَّى إنَّ التَّوْكِيلَ لَوْ كَانَ بِشِرَاءِ رَقَبَةٍ لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْكَفَّارَةِ كَذَا قَالُوا.
-
وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ جَارِيَةً وَكَالَةً صَحِيحَةً، وَلَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا، فَاشْتَرَى الْوَكِيلُ جَارِيَةً، إنْ اشْتَرَى بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ بِزِيَادَةٍ يُتَغَابَنُ فِي مِثْلِهَا جَازَ عَلَى الْمُوَكِّلِ،
-
وَإِنْ اشْتَرَى بِزِيَادَةٍ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا يَلْزَمُ الْوَكِيلَ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْقَلِيلَةَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهَا فَلَوْ مَنَعْتَ النَّفَاذَ عَلَى الْمُوَكِّلِ لَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى الْوُكَلَاءِ وَلَامْتَنَعُوا عَنْ قَبُولِ الْوَكَالَاتِ وَبِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَيْهَا، فَمَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى تَحَمُّلِهَا وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْكَثِيرِ لِإِمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ، وَالْفَاصِلُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إنْ كَانَتْ زِيَادَةً تَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ فَهِيَ قَلِيلَةٌ، وَمَا لَا تَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِهِمْ فَهِيَ كَثِيرَةٌ؛
-
لِأَنَّ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ، لَا يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ زِيَادَةً وَمَا لَا يَدْخُلُ كَانَتْ زِيَادَتُهُ مُتَحَقَّقَةً، وَقَدَّرَ مُحَمَّدٌ الزِّيَادَةَ الْقَلِيلَةَ الَّتِي يُتَغَابَنُ فِي مِثْلِهَا فِي الْجَامِعِ بِنِصْفِ الْعُشْرِ فَقَالَ: إنْ كَانَتْ نِصْفَ الْعُشْرِ أَوْ أَقَلَّ فَهِيَ مِمَّا يُتَغَابَنُ فِي مِثْلِهَا،
-
وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْعُشْرِ فَهِيَ مِمَّا لَا يُتَغَابَنُ فِي مِثْلِهَا، وَقَالَ الْجَصَّاصُ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ، لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ التَّقْدِيرِ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ السِّلَعِ.
-
مِنْهَا مَا يُعَدُّ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ غَبْنًا فِيهِ، وَمِنْهَا مَا لَا يُعَدُّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ غَبْنًا فِيهِ، وَقَدَّرَ نَصْرُ بْنُ يَحْيَى: الْقَلِيلَ بالده ينم وَفِي الْحَيَوَانِ بالده يازده وَفِي الْعَقَارِ بالده دوازده، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
-
الْوَكِيلُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ إذَا اشْتَرَى نِصْفَهُ فَالشِّرَاءُ مَوْقُوفٌ إنْ اشْتَرَى بَاقِيَهُ قَبْلَ الْخُصُومَةِ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ امْتَثَلَ أَمْرَ الْوَكِيلِ، وَعِنْدَ زُفَرَ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ وَلَوْ خَاصَمَ الْمُوَكِّلُ الْوَكِيلَ إلَى الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْوَكِيلُ الْبَاقِيَ، وَأَلْزَمَ الْقَاضِي الْوَكِيلَ ثُمَّ إنَّ الْوَكِيلَ اشْتَرَى الْبَاقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ.
-
وَكَذَلِكَ هَذَا فِي كُلِّ مَا فِي تَبْعِيضِهِ ضَرَرٌ وَفِي تَشْقِيصِهِ عَيْبٌ، كَالْعَبْدِ وَالْأَمَةِ وَالدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ، فَبَاعَ نِصْفَهُ أَوْ جُزْءًا مِنْهُ مَعْلُومًا أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءٌ بَاعَ الْبَاقِيَ مِنْهُ أَوْ لَا، وَالْفَرْقُ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا.
-
وَلَوْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ مَا اشْتَرَى نِصْفَهُ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْبَاقِيَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ أَعْتَقَهُ الْمُوَكِّلُ جَازَ،
-
وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْوَكِيلُ لَمْ يَجُزْ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ ذَلِكَ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ: أَنَّ الْوَكِيلَ قَدْ خَالَفَ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ مُشْتَرِيًا لِلْمُوَكِّلِ فَكَيْفَ يَنْفُذُ مِنْهُ إعْتَاقُهُ وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ مُشْتَرٍ لِنَفْسِهِ، فَيَنْفُذُ إعْتَاقُهُ.
-
وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ إعْتَاقَ الْمُوَكِّلِ صَادَفَ عَقْدًا مَوْقُوفًا نَفَاذُهُ عَلَى إجَازَتِهِ، فَكَانَ الْإِعْتَاقُ إجَازَةً مِنْهُ، كَمَا إذَا صَرَّحَ بِالْإِجَازَةِ.
-
وَإِعْتَاقُ الْوَكِيلِ لَمْ يُصَادِفْ عَقْدًا مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَتِهِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا يَمْلِكُ الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَحْتَمِلْ التَّوَقُّفَ عَلَى إجَازَتِهِ؛ فَبَطَلَ.
-
وَإِنْ كَانَ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ لَيْسَ فِي تَبْعِيضِهِ ضَرَرٌ وَلَا فِي تَشْقِيصِهِ عَيْبٌ فَاشْتَرَى نِصْفَهُ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ،
-
وَلَا يَقِفُ لُزُومُهُ عَلَى شِرَاءِ الْبَاقِي.
-
نَحْوَ إنْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ كُرِّ حِنْطَةٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَاشْتَرَى نِصْفَ الْكُرِّ بِخَمْسِينَ،
-
وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدَيْنِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَاشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ، لَزِمَ الْمُوَكِّلَ إجْمَاعًا.
-
وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعَبِيدِ، فَاشْتَرَى وَاحِدًا مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الْوَكِيلُ بِشِرَاءِ عَشَرَةِ أَرْطَالِ لَحْمٍ بِدِرْهَمٍ إذَا اشْتَرَى عِشْرِينَ رَطْلًا بِدِرْهَمٍ مِنْ لَحْمٍ يُبَاعُ مِثْلُهُ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ بِدِرْهَمٍ، لَزِمَ الْمُوَكِّلَ مِنْهُ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَلْزَمُهُ الْعِشْرُونَ بِدِرْهَمٍ وَلَوْ اشْتَرَى عَشْرَةَ أَرْطَالٍ وَنِصْفَ رَطْلٍ بِدِرْهَمٍ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ اسْتِحْسَانًا.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ هَذَا خِلَافٌ صُورَةً لَا مَعْنًى لِأَنَّهُ خِلَافٌ إلَى خَيْرٍ، وَذَا لَا يَمْنَعُ النَّفَاذَ عَلَى الْمُوَكِّلِ.
-
كَمَا إذَا اشْتَرَى عَشَرَةَ أَرْطَالٍ وَنِصْفًا بِدِرْهَمٍ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ كَذَا هَذَا.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْوَكِيلَ يَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ الْآمِرِ،
-
فَلَا يَتَعَدَّى تَصَرُّفُهُ مَوْضِعَ الْأَمْرِ، وَقَدْ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ عَشَرَةِ أَرْطَالٍ فَلَا يَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ.
-
بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى عَشَرَةَ أَرْطَالٍ وَنِصْفَ رَطْلٍ بِدِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْقَلِيلَةَ لَا تَتَحَقَّقُ زِيَادَةً
-
لِدُخُولِهَا بَيْنَ الْوَزْنَيْنِ.
-
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِمِائَةٍ، فَاشْتَرَى بِهَا عَبْدَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَاوِي مِائَةً رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
-
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا وَكَّلَ رَجُلًا بِشِرَاءِ عَبْدَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ فَاشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ، لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ الثَّانِيَ بِبَقِيَّةِ الْأَلْفِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا، يَلْزَمُهُ وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ خِلَافًا وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
وَالْوَكِيلُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِنَفْسِهِ،
-
وَإِذَا اشْتَرَى يَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ شِرَاءَهُ لِنَفْسِهِ عَزْلٌ لِنَفْسِهِ عَنْ الْوَكَالَةِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْمُوَكِّلِ، كَمَا لَا يَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ عَزْلَهُ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْهُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّه - تَعَالَى -.
-
(وَأَمَّا) الْوَكِيلُ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ إذَا اشْتَرَى يَكُونُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ لِلْمُوَكِّلِ.
-
وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ: أَنَّهُ إذَا قَالَ: اشْتَرَيْتُهُ لِنَفْسِي، وَصَدَّقَهُ الْمُوَكِّلُ، فَالْمُشْتَرَى لَهُ،
-
وَإِذَا قَالَ الْمُوَكِّلُ: اشْتَرَيْتُهُ لِي وَصَدَّقَهُ الْوَكِيلُ، فَالْمُشْتَرَى لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ يَمْلِكُ الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ، كَمَا يَمْلِكُ لِلْمُوَكِّلِ، فَاحْتُمِلَ شِرَاؤُهُ لِنَفْسِهِ، وَاحْتُمِلَ شِرَاؤُهُ لِمُوَكَّلِهِ، فَيَحْكُمُ فِيهِ التَّصْدِيقُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بِتَصَادُقِهِمَا.
-
وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْوَكِيلُ: اشْتَرَيْتُهُ لِنَفْسِي، وَقَالَ الْمُوَكِّلُ: بَلْ اشْتَرَيْتَهُ لِي، يَحْكُمُ فِيهِ الثَّمَنُ،
-
فَإِنْ أَدَّى الْوَكِيلُ الثَّمَنَ مِنْ دَرَاهِمَ نَفْسِهِ.
-
فَالْمُشْتَرَى لَهُ، وَإِنْ أَدَّاهُ مِنْ دَرَاهِمَ مُوَكِّلِهِ؛ فَالْمُشْتَرَى لِمُوَكِّلِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ نَقْدُ الثَّمَنِ مِنْ مَالِ مَنْ يُشْتَرَى لَهُ، فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِلثَّمَنِ، فَكَانَ صَادِقًا فِي حُكْمِهِ.
-
(وَأَمَّا) إذَا لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ وَقْتَ الشِّرَاءِ، وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ يَحْكُمُ فِيهِ الثَّمَنُ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
-
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَكُونُ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مُتَصَرِّفًا لِنَفْسِهِ لَا لِغَيْرِهِ، فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِلْوَكِيلِ فَكَانَ الْمُشْتَرَى لَهُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الصَّلَاحِ وَالسَّدَادِ مَا أَمْكَنَ وَذَلِكَ فِي تَحْكِيمِ الثَّمَنِ عَلَى مَا مَرَّ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
-
الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ لَا يَمْلِكُ الشِّرَاءَ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ فِي بَابِ الشِّرَاءِ تَرْجِعُ إلَى الْوَكِيلِ، فَيُؤَدِّي إلَى الْإِحَالَةِ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الْوَاحِدُ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ مُسَلِّمًا وَمُتَسَلَّمًا مُطَالِبًا وَمُطَالَبًا؛ وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي الشِّرَاءِ مِنْ نَفْسِهِ.
-
وَلَوْ أَمَرَهُ الْمُوَكِّلُ بِذَلِكَ لَا يَصِحُّ، لِمَا ذَكَرْنَا
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى مِنْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شِرَاءٌ مِنْ نَفْسِهِ.
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى مِنْ عَبْدِهِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، أَوْ مُكَاتَبِهِ.
-
وَكَذَا الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ لَا يَمْلِكُ الشِّرَاءَ مِنْ أَبِيهِ، وَجَدِّهِ، وَوَلَدِهِ، وَوَلَدِ وَلَدِهِ، وَزَوْجَتِهِ، وَكُلِّ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
-
وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ إذَا اشْتَرَى بِمِثْلِ الْقِيمَةِ، أَوْ بِأَقَلَّ، أَوْ بِزِيَادَةٍ يُتَغَابَنُ فِي مِثْلِهَا.
-
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الشِّرَاءَ مِنْ عَبْدِهِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَمُكَاتَبِهِ، وَقَدْ مَرَّتْ الْمَسْأَلَةُ بِحُجَجِهَا مِنْ قَبْلُ.
-
وَلَوْ كَانَتْ الْوَكَالَةُ عَامَّةً، بِأَنْ قَالَ لَهُ: اعْمَلْ مَا شِئْتَ، أَوْ قَالَ لَهُ: بِعْ مِنْ هَؤُلَاءِ، أَوْ أَجَازَ مَا صَنَعَهُ الْوَكِيلُ، جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْجَوَازِ التُّهْمَةُ وَقَدْ زَالَتْ بِالْأَمْرِ وَالْإِجَازَةِ.
-
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ دَرَاهِمَ، وَوَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِهَا طَعَامًا، فَهُوَ عَلَى الْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقِ لَا عَلَى الْفَاكِهَةِ وَاللَّحْمِ وَالْخُبْزِ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ كَانَ اسْمًا لِمَا يُطْعَمُ، لَكِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقِ بِقَرِينَةِ الشِّرَاءِ فِي الْعُرْفِ، وَلِهَذَا سُمِّيَ السُّوقُ الَّذِي تُبَاعُ فِيهِ الْحِنْطَةُ وَالدَّقِيقُ سُوقَ الطَّعَامِ دُونَ غَيْرِهِ، إلَّا إذَا كَانَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ قَلِيلًا، كَالدَّرَاهِمِ وَنَحْوِهِ، أَوْ كَانَ هُنَاكَ وَلِيمَةً فَيَنْصَرِفُ إلَى الْخُبْزِ،
-
وَقِيلَ: يَحْكُمُ الثَّمَنُ إنْ كَانَ قَلِيلًا يَنْصَرِفُ إلَى الْخُبْزِ،
-
وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ إلَيْهِمَا.
-
وَلَوْ قَالَ اشْتَرِ لِي بِدِرْهَمٍ لَحْمًا، يَنْصَرِفُ إلَى اللَّحْمِ الَّذِي يُبَاعُ فِي السُّوقِ، وَيَشْتَرِي النَّاسُ مِنْهُ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ لَحْمِ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَالْبَقَرِ وَالْإِبِلِ إنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِشِرَائِهِ.
-
وَلَا يَنْصَرِفُ إلَى الْمَشْوِيِّ وَالْمَطْبُوخِ، إلَّا إذَا كَانَ مُسَافِرًا وَنَزَلَ خَانًا، وَدَفَعَ إلَى إنْسَانٍ دِرْهَمًا لِيَشْتَرِيَ بِهِ لَحْمًا وَلَا إلَى لَحْمِ الطَّيْرِ وَالْوَحْشِ وَالسَّمَكِ وَلَا إلَى شَاةٍ حَيَّةٍ وَلَا إلَى مَذْبُوحَةٍ غَيْرِ مَسْلُوخَةٍ؛ لِانْعِدَامِ جَرَيَانِ الْعَادَةِ بِاشْتِرَائِهِ،
-
وَإِنْ اشْتَرَى مَسْلُوخًا جَازَ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْمَسْلُوخَ يُبَاعُ فِي الْأَسْوَاقِ فِي الْعَادَةِ،
-
وَلَا إلَى الْبَطْنِ وَالْكِرْشِ وَالْكَبِدِ وَالرَّأْسِ وَالْكُرَاعِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِلَحْمٍ،
-
وَلَا يُشْتَرَى مَقْصُودًا أَيْضًا بَلْ تَبَعًا لِلَّحْمِ فَلَا يَنْصَرِفُ مُطْلَقُ التَّوْكِيلِ إلَيْهِ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ ذِكْرًا وَتَسْمِيَةً، وَمَبْنَى الْوَكَالَةِ عَلَى الْعُرْفِ عَادَةً وَفِعْلًا أَلَا تَرَى أَنَّ حُكْمَ الْحِنْثِ يَلْزَمُ بِأَكْلِ الْقَدِيدِ.
-
وَلَوْ اشْتَرَى الْوَكِيلُ الْقَدِيدَ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ؛ لِانْعِدَامِ الْعَادَةِ بِبَيْعِ الْقَدِيدِ فِي الْأَسْوَاقِ فِي الْغَالِبِ.
-
وَلَا إلَى شَحْمِ الْبَطْنِ وَالْأَلْيَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِلَحْمٍ.
-
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ أَلْيَةٍ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَحْمًا؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ اسْمًا وَمَقْصُودًا.
-
وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ سَمَكًا بِدِرْهَمٍ فَهُوَ
-
عَلَى الطَّرِيِّ الْكِبَارِ دُونَ الْمَالِحِ وَالصِّغَارِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ شِرَاءُ الطَّرِيِّ الْكِبَارِ مِنْهُ دُونَ الْمَالِحِ وَدُونَ الصِّغَارِ؛
-
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ الرَّأْسِ فَهُوَ عَلَى النِّيءِ دُونَ الْمَطْبُوخِ وَالْمَشْوِيِّ، وَهُوَ عَلَى رَأْسِ الْغَنَمِ دُونَ الْبَقَرِ، وَالْإِبِلِ، إلَّا فِي مَوْضِعٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِذَلِكَ، وَالْمَذْكُورُ مِنْ الْخِلَافِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يَرْجِعُ إلَى اخْتِلَافِ الْعَصْرِ وَالزَّمَانِ دُونَ الْحَقِيقَةِ وَدُونَ رَأْسِ الْعُصْفُورِ وَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ لِانْعِدَامِ الْعَادَةِ.
-
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ دُهْنٍ، فَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَيَّ دُهْنٍ شَاءَ،
-
وَكَذَا إذَا وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ فَاكِهَةٍ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَيَّ فَاكِهَةٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ عَادَةً؛
-
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ الْبَيْضِ فَهُوَ عَلَى بَيْضِ الدَّجَاجِ.
-
وَإِنْ كَانَتْ الْيَمِينُ الْمُنْعَقِدَةُ عَلَيْهِ تَقَعُ عَلَى بَيْضِ الطُّيُورِ كُلِّهَا لِمَا ذَكَرْنَا.
-
وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَبَنًا فَهُوَ عَلَى مَا يُبَاعُ فِي عَادَةِ الْبَلَدِ فِي السُّوقِ مِنْ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالْإِبِلِ
-
وَكَذَا إذَا وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ السَّمْنِ فَإِنْ اسْتَوَيَا فَهُوَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَذُوقُ لَبَنًا إنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَى لَبَنِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالْإِبِلِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْعُرْفِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
-
الْوَكِيلُ بِشِرَاءِ الْكَبْشِ لَا يَمْلِكُ شِرَاءَ النَّعْجَةِ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ؛ لِأَنَّ الْكَبْشَ اسْمٌ لِلذَّكَرِ، وَالنَّعْجَةُ اسْمٌ لِلْأُنْثَى،
-
وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَنَاقٍ، فَاشْتَرَى جَدْيًا، أَوْ شِرَاءِ فَرَسٍ، أَوْ بِرْذَوْنٍ، فَاشْتَرَى رَمَكَةً، لَا يَجُوزُ عَلَى الْمُوَكِّلِ.
-
وَالْبَقَرُ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى،
-
وَكَذَا الْبَقَرَةُ فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قِيلَ: إنَّهَا كَانَتْ ذَكَرًا وَقَالَ سبحانه وتعالى : ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ وَإِثَارَةُ الْأَرْضِ عَمَلُ الثِّيرَانِ.
-
وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ رحمه الله أَنَّهَا تَقَعُ عَلَى الْأُنْثَى.
-
وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ الْجَامِعِ لِمَا ذَكَرْنَا.
-
وَالدَّجَاجُ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالدَّجَاجَةُ عَلَى الْأُنْثَى، وَالْبَعِيرُ عَلَى الذَّكَرِ، وَالنَّاقَةُ عَلَى الْأُنْثَى، وَالْبُخْتِيُّ ضَرْبٌ خَاصٌّ مِنْ الْإِبِلِ، وَالنَّجِيبَةُ ضَرْبٌ مَعْرُوفٌ بِسُرْعَةِ السَّيْرِ، وَهِيَ كَالْحِمَارَةِ فِي عُرْفِ بِلَادِنَا،
-
وَلَا يَقَعُ اسْمُ الْبَقَرِ عَلَى الْجَامُوسِ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْبَقَرِ حَتَّى يَتِمَّ بِهِ نِصَابُ الزَّكَاةِ لِبُعْدِهِ عَنْ أَوْهَامِهِمْ لِقِلَّتِهِ فِيهِمْ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
-
الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ إذَا أَمَرَ غَيْرَهُ، فَاشْتَرَى إنْ فَعَلَهُ بِحَضْرَةِ الْأَوَّلِ، أَوْ بِإِجَازَتِهِ أَوْ بِإِجَازَةِ الْمُوَكِّلِ، جَازَ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَإِلَّا فَلَا إلَّا إذَا كَانَتْ الْوَكَالَةُ عَامَّةً عَلَى مَا مَرَّ وَاَللَّهُ عز وجل أَعْلَمُ.
-
(فَصْلٌ) :
-
الْوَكِيلَانِ هَلْ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالتَّصَرُّفِ فِيمَا وُكِّلَا بِهِ؟ أَمَّا الْوَكِيلَانِ بِالْبَيْعِ فَلَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا التَّصَرُّفَ بِدُونِ صَاحِبِهِ.
-
وَلَوْ فَعَلَ لَمْ يَجُزْ، حَتَّى يُجِيزَ صَاحِبُهُ أَوْ الْمُوَكِّلُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ، وَالْمُوَكِّلُ إنَّمَا رَضِيَ بِرَأْيِهِمَا لَا بِرَأْيِ أَحَدِهِمَا، وَاجْتِمَاعُهُمَا عَلَى ذَلِكَ مُمْكِنٌ فَلَمْ يُمْتَثَلْ أَمْرُ الْمُوَكِّلِ فَلَا يَنْفُذُ عَلَيْهِ.
-
وَكَذَا الْوَكِيلَانِ بِالشِّرَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ مُسَمًّى، أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَكِيلُ الْآخَرُ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْبَيْعِ، إلَّا أَنَّ فِي الشِّرَاءِ إذَا اشْتَرَى أَحَدُهُمَا بِدُونِ صَاحِبِهِ يَنْفُذُ عَلَى الْمُشْتَرِي،
-
وَلَا يَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ، وَفِي الْبَيْعِ يَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ وَقَدْ مَرَّ الْفَرْقُ.
-
وَكَذَلِكَ الْوَكِيلَانِ بِالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ، وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ وَالْخُلْعِ، وَالْكِتَابَةِ، وَكُلِّ عَقْدٍ فِيهِ بَدَلٌ هُوَ مَالٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى الرَّأْيِ، وَلَمْ يَرْضَ بِرَأْيِ أَحَدِهِمَا بِانْفِرَادِهِ.
-
وَكَذَا مَا خَرَجَ مَخْرَجَ التَّمْلِيكِ بِأَنْ قَالَ لِرَجُلَيْنِ: جَعَلْتُ أَمْرَ امْرَأَتِي بِيَدِكُمَا، أَوْ قَالَ لَهُمَا: طَلِّقَا امْرَأَتِي إنْ شِئْتُمَا، لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالتَّطْلِيقِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ أَمْرَ الْيَدِ تَمْلِيكًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقِفُ عَلَى الْمَجْلِسِ؟ وَالتَّمْلِيكَاتُ هِيَ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْمَجْلِسِ، وَالتَّمْلِيكُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَشْرُوطٌ بِالْمَشِيئَةِ، كَأَنَّهُ قَالَ: طَلِّقَا امْرَأَتِي إنْ شِئْتُمَا وَهُنَاكَ لَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا التَّطْلِيقَ دُونَ صَاحِبِهِ؛
-
لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطَيْنِ لَا يَنْزِلُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِهِمَا فَكَذَا هَذَا،
-
وَكَذَا الْوَكِيلَانِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ لَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَقْبِضَ دُونَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الدَّيْنِ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى الرَّأْيِ وَالْأَمَانَةِ، وَقَدْ فَوَّضَ الرَّأْيَ إلَيْهِمَا جَمِيعًا لَا إلَى أَحَدِهِمَا وَرَضِيَ بِأَمَانَتِهِمَا جَمِيعًا لَا بِأَمَانَةِ أَحَدِهِمَا،
-
فَإِنْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا لَمْ يُبَرِّئْهُ الْغَرِيمُ حَتَّى يَصِلَ مَا قَبَضَهُ إلَى صَاحِبِهِ، فَيَقَعُ فِي أَيْدِيهِمَا جَمِيعًا، أَوْ يَصِلُ إلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَصَلَ الْمَقْبُوضُ إلَى صَاحِبِهِ أَوْ إلَى الْمُوَكِّلِ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْقَبْضِ فَصَارَ كَأَنَّهُمَا قَبَضَاهُ جَمِيعًا ابْتِدَاءً.
-
(وَأَمَّا) الْوَكِيلَانِ بِالطَّلَاقِ عَلَى غَيْرِ مَالٍ، وَالْعِتْقُ عَلَى غَيْرِ مَالٍ وَالْوَكِيلَانِ بِتَسْلِيمِ الْهِبَةِ وَرَدِّ الْوَدِيعَةِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ، فَيَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالتَّصَرُّفِ فِيمَا وُكِّلَا بِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مِمَّا لَا تَحْتَاجُ إلَى الرَّأْيِ، فَكَانَ إضَافَةُ التَّوْكِيلِ إلَيْهِمَا تَفْوِيضًا لِلتَّصَرُّفِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ.
-
(وَأَمَّا) الْوَكِيلَانِ بِالْخُصُومَةِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَصَرَّفُ بِانْفِرَادِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَنْفَرِدُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْخُصُومَةَ مِمَّا يَحْتَاجُ، إلَى الرَّأْيِ، وَلَمْ يَرْضَ بِرَأْيِ أَحَدِهِمَا،
-
فَلَا يَمْلِكُهَا أَحَدُهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ: أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ
-
الْخُصُومَةِ إعْلَامُ الْقَاضِي بِمَا يَمْلِكُهُ الْمُخَاصِمُ، وَاسْتِمَاعُهُ وَاجْتِمَاعُ الْوَكِيلِينَ عَلَى ذَلِكَ يُخِلُّ بِالْإِعْلَامِ وَالِاسْتِمَاعِ؛ لِأَنَّ ازْدِحَامَ الْكَلَامِ يُخِلُّ بِالْفَهْمِ، فَكَانَ إضَافَةُ التَّوْكِيلِ إلَيْهِمَا تَفْوِيضًا لِلْخُصُومَةِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَأَيُّهُمَا خَاصَمَ كَانَ تَمْثِيلًا، إلَّا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا الْقَبْضَ دُونَ صَاحِبِهِ وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ يَمْلِكُ الْقَبْضَ عِنْدَنَا؛
-
لِأَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى الْقَبْضِ مُمْكِنٌ فَلَا يَكُونُ رَاضِيًا بِقَبْضِ أَحَدِهِمَا بِانْفِرَادِهِ.
-
(وَأَمَّا) الْمُضَارِبَانِ فَلَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا التَّصَرُّفَ بِدُونِ إذْنِ صَاحِبِهِ إجْمَاعًا.
-
وَفِي الْوَصِيَّيْنِ خِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا نَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
-
الْوَكِيلُ هَلْ يَمْلِكُ الْحُقُوقَ؟ جُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ: أَنَّ الْمُوَكَّلَ بِهِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ لَا حُقُوقَ لَهُ، إلَّا مَا أَمَرَ بِهِ الْمُوَكِّلُ، كَالْوَكِيلِ بِتَقَاضِي الدَّيْنِ، وَالتَّوْكِيلِ بِالْمُلَازَمَةِ وَنَحْوِهِ.
-
وَنَوْعٌ لَهُ حُقُوقٌ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَنَحْوِهِ.
-
(أَمَّا) التَّوْكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: فَحُقُوقُهَا تَرْجِعُ إلَى الْوَكِيلِ، فَيُسَلَّمُ الْمَبِيعَ، وَيَقْبِضُهُ وَيَقْبِضُ الثَّمَنَ وَيُطَالِبُ بِهِ وَيُخَاصِمُ فِي الْعَيْبِ وَقْتَ الِاسْتِحْقَاقِ.
-
وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى إضَافَتِهِ إلَى الْمُوَكِّلِ وَيَكْتَفِي فِيهِ بِالْإِضَافَةِ إلَى نَفْسِهِ، فَحُقُوقُهُ رَاجِعَةٌ إلَى الْعَاقِدِ كَالْبِيَاعَاتِ وَالْأَشْرِبَةِ.
-
وَالْإِجَارَاتِ وَالصُّلْحِ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ، فَحُقُوقُ هَذِهِ الْعُقُودِ تَرْجِعُ لِلْوَكِيلِ وَعَلَيْهِ، وَيَكُونُ الْوَكِيلُ فِي هَذِهِ الْحُقُوقِ كَالْمَالِكِ، وَالْمَالِكُ كَالْأَجْنَبِيِّ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْمُوَكِّلُ مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْوَكِيلِ بِالثَّمَنِ وَلَوْ طَالَبَهُ فَأَبَى لَا يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ إلَيْهِ.
-
وَلَوْ أَمَرَهُ الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الثَّمَنِ مَلَكَ الْمُطَالَبَةَ، وَأَيُّهُمَا طَالَبَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ يُجْبَرُ عَلَى التَّسْلِيمِ إلَيْهِ.
-
وَلَوْ نَهَاهُ الْوَكِيلُ عَنْ قَبْضِ الثَّمَنِ صَحَّ نَهْيُهُ.
-
وَلَوْ نَهَى الْمُوَكِّلُ الْوَكِيلَ عَنْ قَبْضِ الثَّمَنِ لَا يَعْمَلُ نَهْيُهُ، غَيْرَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا نَقَدَ الثَّمَنَ إلَى الْمُوَكِّلِ يَبْرَأُ عَنْ الثَّمَنِ اسْتِحْسَانًا،
باب في أحكام الوكالة ١
-
صحة الوكالة في قابل النيابة من فسخ
-
وَقَبْضِ حَقٍّ
-
وَعُقُوبَةٍ
-
وَحَوَالَةٍ
-
وَإِبْرَاءٍ وَإِنْ جَهِلَهُ الثلاثة
-
وحج
-
وَوَاحِدٍ فِي خُصُومَةٍ وَإِنْ كَرِهَ خَصْمَهُ:
-
لَا أَنْ قَاعَدَ خَصْمَهُ كَثَلَاثٍ إلَّا لِعُذْرٍ
-
وَحَلِفٍ في: كسفر
-
وَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ: عَزْلُهُ
-
وَلَا لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ
-
وَلَا الْإِقْرَارُ إنْ لَمْ يُفَوَّضْ لَهُ أو يجعل له
-
ولخصمه اضطراره إليه
-
قَالَ: وَإِنْ قَالَ: أَقَرَّ عَنِي بِأَلْفٍ فَإِقْرَارٌ
-
لا في: كيمين
-
ومعصية: كظهار
-
بما يدل عرفا
-
لا بمجرد وكلتك
-
بل حتى يفوض فيمضي النظر
-
إلا أن يقول وغير النظر
-
إلَّا الطَّلَاقَ وَإِنْكَاحَ بِكْرِهِ وَبَيْعِ دَارِ سُكْنَاهُ وعبده
-
أو يعين بنص أو قرينة
-
وتخصص وتقيد بالعرف
-
فلا يعده
-
إلَّا عَلَى بَيْعٍ فَلَهُ طَلَبُ الثَّمَنِ وَقَبْضُهُ
-
أو اشتراء فله قبض المبيع
-
ورد المغيب إن لم يعينه موكله
-
وَطُولِبَ بِثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْبَرَاءَةِ:
-
كَبَعَثَنِي فُلَانٌ لِتَبِيعَهُ
-
لَا لِأَشْتَرِيَ مِنْك
-
وَبِالْعُهْدَةِ ما لم يعلم
-
وَتَعَيَّنَ فِي الْمُطْلَقِ نَقْدُ الْبَلَدِ
-
وَلَائِقٌ بِهِ
-
إلا أن يسمي الثمن فتردد
-
وثمن المثل
-
وإلا خير
-
كفلوس
-
إلا ما شأنه ذلك لخفته
-
كصرف ذهب بفضة
-
إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّأْنُ
-
وَكَمُخَالَفَتِهِ مُشْتَرِي عَيْنٍ أو سوقا أو زمانا
-
أَوْ بَيْعُهُ بِأَقَلَّ
-
أَوْ اشْتِرَائِهِ بِأَكْثَرَ كَثِيرًا
-
إلا كدينارين في أربعين
-
وصدق في دفعهما وإن سلم من لم يطل
-
وَحَيْثُ خَالَفَ فِي اشْتِرَاءٍ لَزِمَهُ إنْ لَمْ يرضه موكله
-
كَذِي عَيْبٍ
-
إلَّا أَنْ يَقِلَّ وَهُوَ فُرْصَةٌ
-
أو في بيع فيخير موكله
-
ولو ربويا بمثله
-
إنْ لَمْ يَلْتَزِمْ الْوَكِيلُ الزَّائِدَ عَلَى الْأَحْسَنِ
-
لَا إنْ زَادَ فِي بَيْعٍ أَوْ نَقَصَ في اشتراء
-
أَوْ اشْتَرِ بِهَا فَاشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَنَقَدَهَا
-
وعكسه
-
أَوْ شَاةً بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى بِهِ أَثْنَتَيْنِ لَمْ يمكن إفرادهما
-
وإلا خير في الثانية
-
أَوْ أَخَذَ فِي سَلَمِك حَمِيلًا أَوْ رَهْنًا
-
وضمنه قبل علمك به ورضاك
-
وفي بذهب بدراهم وعكسه قولان
-
وحنث بفعله في لا أفعله إلا بنية
-
وَمَنْعُ ذِمِّيٍّ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ تقاض
-
وعدو على عدوه
-
وَالرِّضَا بِمُخَالَفَتِهِ فِي سَلَمٍ إنْ دَفَعَ لَهُ الثمن
-
وَبَيْعُهُ لِنَفْسِهِ وَمَحْجُورُهُ
-
بِخِلَافِ زَوْجَتِهِ وَرَقِيقِهِ إنْ لم يحاب
-
وَاشْتِرَاؤُهُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ إنْ عَلِمَ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ مُوَكِّلُهُ
-
وَعَتَقَ عَلَيْهِ
-
وَإِلَّا فَعَلَى آمِرِهِ
-
وَتَوْكِيلُهُ
-
إلَّا أَنْ لَا يَلِيقَ بِهِ أَوْ يكثر
-
فلا ينعزل الثاني بعزل الأول
-
وفي رضاه إن تعدى به تأويلان
-
وَرِضَاهُ بِمُخَالَفَتِهِ فِي سَلَمٍ إنْ دَفَعَ الثَّمَنَ بمسماه
-
أَوْ بِدَيْنٍ إنْ فَاتَ وَبِيعَ فَإِنَّ وَفَّى بالتسمية أو القيمة
-
وإلا غرم
-
وإن سأل غرم التسمية أو القيمة ويصبر لِيَقْبِضَهَا وَيَدْفَعَ الْبَاقِيَ: جَازَ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مثلها فأقل
-
وإن أمره ببيع سلعة فأسلمها فِي طَعَامٍ: أُغْرِمَ التَّسْمِيَةَ أَوْ الْقِيمَةَ
-
وَاسْتُؤْنِيَ بِالطَّعَامِ لِأَجْلِهِ فَبِيعَ وَغَرِمَ النَّقْصَ وَالزِّيَادَةَ لَك
-
وضمن إن أقبض الدين ولم يشهد
-
أَوْ بَاعَ بِكَطَعَامٍ نَقْدًا مَا لَا يُبَاعُ به وادعى الإذن فنوزع
-
أَوْ أَنْكَرَ الْقَبْضَ فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بالتلف:
-
كالمديان
-
ولو قال غير المفوض: قبضت وتلف برىء
-
ولم يبرأ الغريم إلا ببينة
-
وَلَزِمَ الْمُوَكِّلُ: غُرْمَ الثَّمَنِ إلَى أَنْ يَصِلَ لربه إن لم يدفعه له
-
وَصَدَقَ فِي الرَّدِّ: كَالْمُودَعِ
-
فَلَا يُؤَخَّرُ لِلْإِشْهَادِ
-
ولأحد الوكيلين: الاستبداد
-
إلا لشرط
-
وإن بعت وباع فالأول
-
إلا بقبض
-
وَلَك قَبْضُ سَلَمِهِ لَك إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ
-
وَالْقَوْلُ لَك إنْ ادَّعَى الْإِذْنَ أَوْ صِفَةً له
-
إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ فَزَعَمْت أَنَّك أَمَرْته بغيره وحلف
-
كَقَوْلِهِ: أَمَرْت بِبَيْعِهِ بِعَشَرَةٍ وَأَشْبَهَتْ وَقُلْت بِأَكْثَرَ وَفَاتَ الْمَبِيعُ بِزَوَالِ عَيْنِهِ أَوْ لَمْ يَفُتْ ولم تحلف
-
وَإِنْ وَكَّلْته عَلَى أَخْذِ جَارِيَةٍ فَبَعَثَ بِهَا فَوُطِئَتْ ثُمَّ قَدِمَ بِأُخْرَى وَقَالَ هَذِهِ لَك وَالْأُولَى وَدِيعَةٌ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ وَحَلَفَ: أَخَذَهَا
-
إلَّا أَنْ تَفُوتَ بِكَوَلَدٍ أَوْ تَدْبِيرٍ
-
إلَّا لبينة
-
ولزمتك الأخرى
-
وَإِنْ أَمَرْته بِمِائَةٍ فَقَالَ: أَخَذْتهَا بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَإِنْ لَمْ تَفُتْ: خُيِّرْت فِي أَخْذِهَا بِمَا قال
-
وإلا لم يلزمك إلا المائة
-
وإن ردت دراهمك لزيف فإن عرفها مأمورك لزمتك
-
وهل وإن قبضت؟ تأويلان:
-
وإلا فإن قبلها حلفت
-
وهل مطلقا أو لعدم المأمور ما دفعت إلا جيادا في علمك ولزمته؟ تأويلان
-
وَإِلَّا حَلَفَ كَذَلِكَ
-
وَحَلَفَ الْبَائِعُ
-
وَفِي الْمَبْدَأِ: تأويلان
-
وَانْعَزَلَ بِمَوْتِ مُوَكِّلِهِ إنْ عَلِمَ
-
وَإِلَّا فَتَأْوِيلَانِ
-
وفي عزله بعزله ولم يعلم: خلاف
-
وَهَلْ لَا تَلْزَمُ أَوْ إنْ وَقَعَتْ بِأُجْرَةٍ أو جعل فكهما وإلا لم تلزم تردد
-
شرط الموكل صحة مباشرته ما وكل فيه بملك أو ولاية
-
فلا يصح توكيل صبي
-
ولا مجنون
-
ولا المرأة والمحرم في النكاح
-
ويصح توكيل الولي في حق الطفل
-
ويستثنى توكيل أعمى في البيع والشراء فيصح
-
وشرط الوكيل صحة مباشرته التصرف لنفسه
-
لا صبي ومجنون
-
وكذا المرأة والمحرم في النكاح
-
لكن الصحيح اعتماد قول صبي في الإذن في دخول دار وإيصال هدية
-
والأصح صحة توكيل عبد في قبول نكاح ومنعه في الإيجاب
-
وشرط الموكل فيه أن يملكه الموكل
-
فلو وكل ببيع عبد سيملكه وطلاق من سينكحه بطل في الأصح
-
وأن يكون قابلا للنيابة
-
فلا يصح في عبادة أي الحج وتفرقة زكاة وذبح أضحية
-
ولا في شهادة وإيلاء ولعان وسائر الأيمان
-
ولا في الظهار في الأصح
-
ويصح في طرفي بيع وهبة وسلم ورهن ونكاح وطلاق وسائر العقود والفسوخ وقبض الديون وإقباضها والدعوى والجواب
-
وكذا في تملك المباحات كالأحياء والاصطياد والاحتطاب في الأظهر
-
لا في الإقرار في الأصح
-
ويصح في استيفاء عقوبة آدمي كقصاص وحد قذف
-
وقيل: لا يجوز إلا بحضرة الموكل
-
وليكن الموكل فيه معلوما من بعض الوجوه ولا يشترط علمه من كل وجه
-
فلو قال وكلتك في كل قليل وكثير أو في كل أموري أو فوضت إليك كل شيء لم يصح
-
وإن قال في بيع موالي وعتق أرقائي صح
-
وإن وكله في شراء عبد وجب بيان نوعه
-
أو دار وجب بيان المحلة والسكة
-
لا قدر الثمن في الأصح
-
ويشترط من الموكل لفظ يقتضي رضاه كوكلتك في كذا أو فوضته إليك أو أنت وكيلي فيه
-
فلو قال بع أو اعتق حصل الإذن
-
ولا يشترط القبول لفظا
-
وقيل: يشترط
-
وقيل: يشترط صيغ العقود كوكلتك دون صيغ
-
ومتى عزلتك فأنت وكيل صحت في الحال في الأصح
-
وفي عوده وكيلا بعد العزل الوجهان في تعليقها
-
ويجريان في تعليق العزل.
فصل
-
الوكيل بالبيع مطلقا ليس له البيع بغير نقد البلد
-
ولا بنسيئة
-
ولا بغبن فاحش وهو ما لا يحتمل غالبا
-
فلو باع على أحد هذه الأنواع وسلم المبيع ضمن
-
فان وكله ليبيع مؤجلا وقدر الأجل فذاك
-
وإن أطلق صح في الأصح وحمل على المتعارف في مثله
-
ولا يبيع لنفسه وولده الصغير
-
والأصح أنه يبيع لأبيه وابنه البالغ
-
وأن الوكيل بالبيع له قبض الثمن وتسليم المبيع
-
ولا يسلمه حتى يقبض الثمن
-
فإن خالف ضمن
-
وإذا وكله في شراء لا يشتري معيبا
-
فإن اشتراه في الذمة وهو يساوي مع العيب ما اشتراه به وقع عن الموكل إن جهل العيب
-
وإن علمه فلا في الأصح
-
وإن لم يساوه لم يقع عنه إن علمه
-
وإن جهله وقع في الأصح
-
وإذا وقع للموكل فلكل من الوكيل والموكل الرد
-
وليس لوكيل أن يوكل بلا إذن أن تأتي منه ما وكل فيه
-
وإن لم يتأت لكونه لا يحسنه أو لا يليق به فله التوكيل
-
ولو كثر وعجز عن الإتيان بكله فالمذهب أنه يوكل فيما زاد على الممكن
-
ولو أذن في التوكيل وقال وكل عن نفسك ففعل فالثاني وكيل الوكيل
-
والأصح أنه ينعزل بعزله وانعزاله
-
وإن قال عنى فالثاني وكيل الموكل
-
وكذا لو أطلق في الأصح.
-
قلت: وفي هاتين الصورتين لا يعزل أحدهما الآخر ولا ينعزل بانعزاله
-
وحيث جوزنا للوكيل التوكيل يشترط أن يوكل أمينا إلا أن يعين الموكل غيره
-
ولو وكل أمينا ففسق لم يملك الوكيل عزله في الأصح. والله أعلم.
فصل
-
قال: بع لشخص معين أو في زمن أو مكان معين تعين
-
وفي المكان وجه إذا لم يتعلق به غرض
-
وإن قال بع بمائة لم يبع بأقل
-
وله أن يزيد إلا أن يصرح بالنهي
-
ولو قال اشتر بهذا الدينار شاة ووصفها فاشترى به شاتين بالصفة فإن لم تساو واحدة دينارا لم يصح الشراء للموكل
-
وإن ساوته كل واحدة فالأظهر الصحة وحصول الملك فيهما للموكل
-
ولو أمره بالشراء بمعين فاشترى في الذمة لم يقع للموكل
-
وكذا عكسه في الأصح
-
ومتى خالف الموكل في بيع ماله أو الشراء بعينه فتصرفه باطل
-
ولو اشترى في الذمة ولم يسم الموكل وقع للوكيل
-
وإن سماه فقال: البائع بعتك فقال: اشتريت لفلان فكذا في الأصح
-
وإن قالت: بعت موكلك زيدا فقال: اشتريت له فالمذهب بطلانه
-
ويد الوكيل يد أمانة وإن كان بجعل
-
فإن تعدى ضمن
-
ولا ينعزل في الأصح
-
وأحكام العقد تتعلق بالوكيل دون الموكل فيعتبر في الرؤية ولزوم العقد بمفارقة المجلس والتقابض في المجلس حيث يشترط الوكيل دون الموكل
-
وإذا اشترى الوكيل طالبه البائع بالثمن إن كان دفعه إليه الموكل وإلا فلا إن كان الثمن معينا
-
وإن كان في الذمة طالبه إن أنكر وكالته أو قال لا أعلمها
-
وإن اعترف بها طالبه أيضا في الأصح كما يطالب الموكل
-
ويكون الوكيل كضامن والموكل كأصيل
-
وإذا قبض الوكيل بالبيع الثمن وتلف في يده وخرج المبيع مستحقا رجع عليه المشتري وإن اعترف بوكالته في الأصح
-
ثم يرجع الوكيل على الموكل.
-
قلت: وللمشتري الرجوع على الموكل ابتداء في الأصح. والله أعلم.
فصل
-
الوكالة جائزة من الجانبين
-
فإذا عزله الموكل في حضوره أو قال رفعت الوكالة أو أبطلتها أو أخرجتك منها انعزل
-
فإن عزله وهو غائب انعزل في الحال
-
وفي قول لا حتى يبلغه الخبر
-
ولو قال عزلت نفسي أو رددت بالوكالة انعزل
-
وينعزل بخروج أحدهما عن أهلية التصرف بموت أو جنون
-
وكذا إغماء في الأصح
-
وبخروج محل التصرف عن ملك الموكل
-
وإنكار الوكيل الوكالة لنسيان أو لغرض في الإخفاء ليس بعزل
-
فإن تعمد ولا عوض انعزل
-
وإذا اختلف في أصلها أو صفتها بأن قال: وكلتني في البيع نسيئة أو الشراء بعشرين فقال: بل نقدا أو بعشرة صدق الموكل بيمينه
-
ولو اشترى جارية بعشرين وزعم أن الموكل أمره فقال: بلى بعشرة وحلف فإن اشترى بعين مال الموكل وسماه في العقد أو قال: بعده اشتريته لفلان والمال له وصدقه البائع فالبيع باطل
-
وإن كذبه حلف على نفي العلم بالوكالة ووقع الشراء للوكيل
-
وكذا إن اشترى في الذمة ولم يسم الموكل
-
وكذا إن سماه وكذبه البائع في الأصح
-
وإن صدقه بطل الشراء
-
وحيث حكم بالشراء للوكيل يستحب للقاضي أن يرفق بالموكل ليقول للوكيل إن كنت أمرتك بعشرين فقد بعتكها بها ويقول هو اشتريت لتحل له
-
ولو قال أتيت بالتصرف المأذون فيه وأنكر الموكل صدق الموكل
-
وفي قول الوكيل
-
وقول الوكيل في تلف المال مقبول بيمنيه
-
وكذا في الرد
-
وقيل: إن كان بجعل فلا
-
ولو ادعى الرد على رسول الموكل وأنكر الرسول صدق الرسول
-
ولا يلزم الموكل تصديق الوكيل على الصحيح
-
ولو قالت قبضت الثمن وتلف وأنكر الموكل صدق الموكل إن كان قبل تسليم المبيع وإلا فالوكيل على المذهب
-
ولو وكله بقضاء دين فقال قضيته وأنكر المستحق صدق المستحق بيمينه
-
والأظهر أنه لا يصدق الوكيل على الموكل إلا ببينة
-
وقيم اليتيم وإذا ادعى دفع المال إليه بعد البلوغ يحتاج إلى بينة على الصحيح
-
وليس لوكيل ولا مودع أن يقول بعد طلب المالك لا أرد المال إلا بإشهاد في الأصح
-
وللغاصب ومن لا يقبل قوله في الرد ذلك
-
ولو قال رجل وكلني المستحق بقبض ماله عندك من دين أو عين وصدقه فله دفعه إليه
-
والمذهب أنه لا يلزمه إلا ببينة على وكالته
-
ولو قال أحالني عليك وصدقه وجب الدفع في الأصح.
-
قلت: وإن قال أنا وارثه وصدقه وجب الدفع على المذهب. والله أعلم.
-
تصح بكل قول يدل على الإذن.
-
وعنه: يعتبر لفظ التوكيل.
-
ويصح توقيتها وتعليقها بشرط، وقبولها على الفور والتراخي بكل قولٍ وفعلٍ يدل عليه.
-
وتصحّ في كل حق آدمي من عقد وفسخ وطلاق ورجعة وعتق وإثبات حق واستيفائة وإبراء وتملك مباح، والتوكيل في الإقرار إقرار.
-
ولا تصح في ظهار ولعان ويمين أخرى،
-
ولا في حق لله عز وجل غير حج وصرف زكاة وتكفير بمال واستيفاء حد. وفي إثباته وجهان.
-
وما صح التوكيل فيه جاز استيفاؤه حضر الموكل أو غاب، رضى أو سخط.
-
وعنه: إلا القود وحدّ القذف مع غيبته.
-
ومن له التصرف في شيء فله التوكل والتوكيل فيه، ومن لا فلا.
-
وفي قبول الفاسق النكاح لعدل، والسفيه لغيره بلا إذن وليّه، والعبد بلا إذن سيده: وجهان. وفي المميّز روايتان.
-
ويصح قبول حر يجد الطوب نكاح أمة لفائدة.
-
ويقبض الغني الزكاة لفقير.
-
والوكيل الخاص ليس وكيلًا عامًا.
-
ومن وكّل في بيع فله تسليم المبيع قبل قبض الثمن. وفي قبض ثمنه بلا قرينة وجهان. وما له الإبراء.
-
فإن تلف الثمن أو بان المبيع مستحقًا أو معيبًا لم يغرم الوكيل.
-
ويملك وكيل الشراء تسليم الثمن،
-
فلو أخّره بلا عذر فتلف ضمنه ودفع الموكل بدله.
-
ومن وكّل عبد غيره بلا إذنه لم يصحّ،
-
وإن وكّله بإذنه في شراء نفسه منه صحّ.
-
وقيل: لا.
-
وليس لوكيل أن يوكل فيما يباشره مثله إلا بإذن على الأصح، وله فيما لا يباشره مثله أو يشق لكثرته.
-
وكذا الحاكم والوصيّ ونحوهم.
-
ومن وكّل اثنين في شيءٍ لم ينفرد أحدهما به إلا إذنه.
-
وقيل: إلّا في الخصومة.
-
ومن وكّل في بيع لم يبع من نفسه،
-
فإن باعه لولده أو والده أو مكاتبه فوجهان.
-
وعنه: يجوز إذا زاد عن ثمنه المبذول في سوقه بالنداء، أو وكّل من يُوجِب ويقبل هو.
-
وقيل: أو استقصى الثمن بالنداء في الأسواق.
-
وكذا شراؤه من نفسه،
-
ومن تردّ شهادته له.
-
فإن أذن الموكل صحّا وتولّى طرفي العقد.
-
وكذا شراء الحاكم والوصيّ من مال اليتيم.
-
وللأب فقط البيع والشراء لولده الصغير من نفسه.
-
ولا يصحّ بيع وكيلٍ مطلقٍ بعرضٍ ولا نساءٍ ولا بغير نقد البلد أو غالبه على الأصحّ،
-
فإن ادّعاه أو الشراء بكذا قبل قوله.
-
وقيل: قول المالك مع يمينه، كإنكار الوكالة بعد مباشرة ما يحتاج إلى يمين لو أنكره.
-
فإن باع بدون ثمن المثل، أو دون ما قدّره له، أو اشترى بأزيد؛ صحّ فيهما، ويضمن النقص والزيادة، نصّ عليه.
-
وقيل: هو كفضوليّ.
-
وعنه: يبطلان.
-
وإن قال: بع لفلان أو في يوم كذا أو بنقد كذا أو إلى أجل كذا، فخالف؛ بطل.
-
وإن قال في سوق كذا، فباع في غيره، أو: بكذا، فباع به وزاد من جنسه أو غيره، أو: اشتر بكذا حالًا، فاشترى بأقل، وهو ما يساوي المقدَّر أو: به مؤجلًا؛ صحّ ما لم ينهه.
-
وإن قال: بع بدرهم، أو مؤجلًا، قباع بدينار أو حالًا؛ فوجهان.
-
وقيل: إن انضر بحلوله بطل.
-
وإن قال: اشتر بهذا الدرهم شاةً، فاشترى به شاتين تسواه إحداهما؛ صحّ للموكل.
-
وإن لم تسواه إحداهما لم يلزمه.
-
وقيل: والزائد على الثمن والمثمن المقدّرين للوكيل.
-
وإن اشترى ما علم عيبه لزمه إن لم يرض موكله،
-
وإن جهله ردّه وأخذ سليمًا.
-
فإن قال البائع: موكلك علم ورضي، أو قال الغريم لوكيل غائب في أخذ حقه: استوفاه موكّلك، أو أبرأني منه؛ حلف أنه لا يعلم ذلك وردّ وقبض في الحال.
-
وقيل: يقف الأمر على حلف الموكل إن طلبه المنكر.
-
وللحاكم إلزامه إن رآه،
-
فإن صدّق موكله البائع قبل فسخ الوكيل وردّه فله أخذ المبيع،
-
وكذا بعد فسخه وردّه.
-
وقيل: إن جدّد عقدا.
-
وكذا إن قال: اشتر هذا، ففعل فبان معيبًا.
-
وقيل: إن أذن ردّه، وإلا فلا.
-
وإن قال اشتر بعين هذا الثمن، فاشترى في ذمته ثم نقده؛ صحّ للوكيل.
-
وعنه: إن أجازه الآمر لزمه.
-
وإن قال: اشتر في ذمتك ثم أنقده، فاشترى بعينه؛ صح للموكّل.
-
وقيل: إن رضى، وإلا بطل.
-
وإن وكّل في بيعٍ فاسدٍ فباع بيعًا صحيحًا، أو في بيع عبد فباع بعضه؛ لم يصحّ.
-
وقيل: إن باع بعضه بثمن كله صحّ، وله بيع باقيه.
-
وفيه احتمال.
-
وإن وكل في بيع عبدين فله بيع أحدهما.
-
وإن وكله في بيع ماله كله أو المطالبة بكل حقوقه صحّ،
-
وإن وكّله في كلّ قليلٍ وكثيرٍ فلا.
-
وكذا إن قال: اشتر لي ما شئت، أو عبدًا بما أردت، حتى يذكر النوع وقدر الثمن والمثمن.
-
وقيل: يصحّ.
-
ومن وُكِّل في خصومةٍ لم يقبض ولم يقر ولم يبرئ.
-
وإن وكّل في قبضٍ فله الخصومة في الأصحّ.
-
ويقبل إقرار الوكيل فيما وكّل فيه على الموكّل، وبعيب المبيع، نصّ عليه.
-
فإن قال: تزوج لي فلانة، فقال: قد فعلت، فأنكر الوكالة؛ قُبِلَ قول الموكّل.
-
ولو قال: وكلتني أن أتزوجها ففعلت، وصدّقته فلانة، فأنكر الوكالة؛ قًبِلَ قوله ولم يحلف له، نصّ عليه. وعلى الوكيل فيهما نصف المهر.
-
وعنه: لا.
-
ويطلقها الموكل.
-
وقيل: لا يلزمه.
-
ولو قال: اخلع زوجتي على محرمٍ، ففعل؛ وقع الخلع.
-
فإن خالع على مباحٍ صحّ وفسد العوض وله قيمته.
-
ومن وكّل في بيع شيء بجُعْلٍ معلومٍ، أو قال: بعه بكذا فما زاد فلك؛ صحّ، نصّ على هذه.
-
وإن جعل الجعل مجهولًا فسدت، وصحّ التصرف بالإذن، وله أجرة المثل.
-
وإن قال: اقبض حقّي من زيد، فمات؛ لم يقبضه من ورثته.
-
وإن قال الذي قَبِلَهُ، أو عنده؛ فله ذلك.
-
والوكالة عقد جائز، تبطل بفسخ أحدهما، وموته، وحجر السفه دون الإغماء والسكر والنوم.
-
وفي الجنون، وجحد التوكيل، وتعدّي الوكيل مع بقاء العين، والردّة - وقيل: من الموكّل- وجهان.
-
وكذا كلّ عقدٍ جائزٍ.
-
وإن وكّل زوجته ثم طلّقها لم تنعزل،
-
وإن وكّل عبده ثم أعتقه فوجهان.
-
وإن وكّل أحدًا في عتقه ثم كاتبه أو دبّره انعزل.
-
ويحتمل صحة عتقه.
-
وينفذ تصرف الوكيل قبل علمه بالانفساخ بموتٍ أو عزلٍ أو غيرهما.
-
وعنه: يبطل.
-
وإن عزل نفسه انعزل.
-
وحقوق العقد تتعلق بالموكل وحده، كنقل الملك، والمطالبة بالثمن، والردّ بالعيب، وضمان العهدة.
-
فلو وكل مسلم ذميَا في شراء خمر بطل العقدان.
-
والوكيل أمين الموكل لا يضمن ما تلف بيده من ثمن ومثمن وغيرهما بلا تعد أو تفريط.
-
ويقبل قوله في نفيهما وفي الهلاك مع يمينه،
-
وكذا في رد المال إلى موكله.
-
وقيل: إن كان بجُعل فلا.
-
وإن قال: لم يدفع إليّ شيئًا؛ صُدّق.
-
ثم إن أقر أو ثبت الدفع ببيّنة،
-
ثم ادّعى حصول التلف أو الرد قبل الجحد؛ لم يقبل قوله. وكذلك بينته بذلك.
-
وقيل: تقبل ويسقط الضمان.
-
وإن شهدت بالرد بعد الجحد قبلت،
-
وإن شهدت بالتلف بعده فوجهان.
-
ولو قال: لا تستحق عليّ شيئًا؛ قُبل قوله فيهما.
-
وإن قال: بعت ثوبك فقبضت الثمن فتلف، فأنكرهما؛ قبل قول الوكيل.
-
وإن وكل في قضاء دين مطلقًا، فقضاه في غيبته، ولم يُشْهِد، فأنكر الغريم؛ ضمن، كما لو أمر أن يشهد.
-
وعنه: لا، كما لو قضاه بحضرته، أو وكّل في الإيداع.
-
وإن وكّل في قبض وديعة اليوم فليس له ذلك بعده.
-
وكل أمين قُبل قُوله هل له تأخير الرد لتعذر الإشهاد؟
-
فيه وجهان.
-
ومن لا يقبل قوله ولا حجة عليه بالأخذ لم يؤخّره للإشهاد،
-
وإن كان عليه حجة فله التأخير له.
-
ومن قال: إنه وكيل زيد في أخذ حقه من عمرو، فكذَّبه؛ لم يحلّفه.
-
وإن صدّقه فله الدفع وتركه،
-
فإن دفعه، فأنكر زيد الوكالة؛ حلف وأخذه من عمرو.
-
وإن كان عينًا تلفت بيد الوكيل أخذ منه أو من عمرو، فكذّبه؛ لم يحلفه.
-
وإن صدّقه فله الدفع وتركه،
-
فإن دفعه، فأنكر زيد الوكالة؛ حلف وأخذه من عمرو.
-
وإن كان عينًا تلفت بيد الوكيل أخذ منه أو من عمرو، وأيهما ضمن لم يرجع على الآخر.
-
وإن كانت باقية أخذها. وكذا الوديعة.
-
وإن قال: مات موكّلك، أو عزلك، حلف الوكيل على نفي العلم.
-
وقيل: لا يحلف.
-
وإن ادّعى أن زيدًا مات وأنه يرثه وحده، فكذّبه؛ حلف.
-
وإن صدّقه دفعه إليه.
-
وإن ادّعى أنه أحاله لزم في الأصح الدفع إن صدّقه، واليمين إن كذّبه.
-
وللوكيل في الخصومة إثبات وكالته من غير حضور الخصم.
-
وقيل: لا.
في كتب الخلاف
الإجماعابن المنذركتاب قتال أهل البغي١١ مسألة
التجريدالقدوريمسألة ٧٥٣، مسألة ٧٥٤، مسألة ٧٥٥٣١ مسألة
المبسوطالسرخسيبَابُ الْوَكَالَةِ فِي النِّكَاحِ، بَابُ الْأَكْفَاءِ، بَابُ الْوَكَالَةِ فِي السَّلَمِ٢٬٦٧٧ مسألة
بداية المجتهدابن رشدكِتَابُ الْوَكَالَةِ [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَرْكَانِ الوكالة]، الباب الأول: في أركانها، وهي النظر فيما فيه التوكيل، وفي الموكل.، الْبَابُ الثَّانِي٤٥ مسألة
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»كتاب الوكالة٧٣٨ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»لا كلام له في هذا الباب
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»بَابُ الْوَكَالَةِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ٥٩٣ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريتعريفها، - دليلها وأركانها، - شروط الوكالة٣٤٢ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونلا كلام له في هذا الباب
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقاف١١ - الوكالة، * حكمة مشروعية الوكالة:، * الحقوق ثلاثة أنواع:٢٧ مسألة
عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: الوكالة