الوكالة
المعاملات
في متون المذاهب الأربعة
-
(قَالَ:) وَإِذَا خَطَبَ الرَّجُلُ امْرَأَةً عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ لَمْ يَأْمُرْهُ فَزَوَّجَتْ نَفْسَهَا أَوْ زَوَّجَهَا أَبُوهَا بِرِضَاهَا فَقَدِمَ الْغَائِبُ أَوْ بَلَغَهُ ذَلِكَ فَأَجَازَ النِّكَاحَ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: هُوَ بَاطِلٌ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْعُقُودَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ فِي الْبُيُوعِ مَعْرُوفَةٌ، وَعِنْدَنَا تَتَوَقَّفُ الْعُقُودُ عَلَى الْإِجَازَةِ، وَكُلُّ عَقْدٍ لَوْ سَبَقَ الْإِذْنُ بِهِ مِمَّنْ يَقَعُ لَهُ كَانَ صَحِيحًا فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِ فَإِذَا أَجَازَهُ فِي الِانْتِهَاءِ جُعِلَ ذَلِكَ كَالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ وَلَوْ عُقِدَ هَذَا الْعَقْدُ بِإِذْنِهِ فِي الِابْتِدَاءِ كَانَ صَحِيحًا فَكَذَلِكَ بِإِجَازَتِهِ فِي الِانْتِهَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّ رُكْنَ الْعَقْدِ هُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْمُتَعَاقِدِينَ، وَقَدْ أَضَافَهُ إلَى مَحِلٍّ قَابِلٍ لِلْعَقْدِ فَيَتِمُّ بِهِ الِانْعِقَادُ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْغَائِبِ فِي انْعِقَادِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا الضَّرَرُ عَلَيْهِ فِي الْتِزَامِ الْعَقْدِ، وَقَدْ يَتَرَاخَى الِالْتِزَامُ عَنْ أَصْلِ الْعَقْدِ فَتَثْبُتُ صِفَةُ الِانْعِقَادِ؛
-
لِأَنَّهُ حَقُّ الْمُتَعَاقِدِينَ، وَيَتَوَقَّفُ تَمَامُهُ وَثُبُوتُ حُكْمِهِ عَلَى إجَازَةِ مَنْ وَقَعَ الْعَقْدُ لَهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ،
-
وَلَوْ أَنَّ الْغَائِبَ وَكَّلَ هَذَا الْحَاضِرَ بِكِتَابٍ كَتَبَهُ إلَيْهِ حَتَّى زَوَّجَهَا مِنْهُ كَانَ صَحِيحًا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَتَبَ إلَيْهَا يَخْطُبُهَا فَزَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ كَانَ صَحِيحًا.
-
وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إلَى النَّجَاشِيِّ يَخْطُبُ أُمَّ حَبِيبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَزَوَّجَهَا
-
النَّجَاشِيُّ مِنْهُ وَكَانَ هُوَ وَلِيَّهَا بِالسَّلْطَنَةِ»، وَرُوِيَ «أَنَّهُ زَوَّجَهَا مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَكْتُبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ كِتَابَهُ» ، وَكِلَاهُمَا حُجَّةٌ لَنَا عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ تَلْحَقُهُ الْإِجَازَةُ،
-
وَأَنَّ الْخِطْبَةَ بِالْكِتَابِ تَصِحُّ، وَهَذَا لِأَنَّ الْكِتَابَ مِمَّنْ نَأَى كَالْخِطَابِ مِمَّنْ دَنَا فَإِنَّ الْكِتَابَ لَهُ حُرُوفٌ وَمَفْهُومٌ يُؤَدِّي عَنْ مَعْنًى مَعْلُومٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخِطَابِ مِنْ الْحَاضِرِ، وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالْكِتَابِ؛
-
لِعِظَمِ خَطَرِ أَمْرِ النِّكَاحِ، وَهَذَا فَاسِدٌ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مَأْمُورًا بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ} ، وَقَدْ بَلَّغَ تَارَةً بِالْكِتَابِ وَتَارَةً بِاللِّسَانِ فَإِنَّهُ كَتَبَ إلَى مُلُوكِ الْآفَاقِ يَدْعُوهُمْ إلَى الدِّينِ، وَكَانَ ذَلِكَ تَبْلِيغًا تَامًّا فَكَذَلِكَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ الْكِتَابُ بِمَنْزِلَةِ الْخِطَابِ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَتَبَ إلَيْهَا فَبَلَغَهَا الْكِتَابُ فَقَالَتْ: زَوَّجْت نَفْسِي مِنْهُ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الشُّهُودِ لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ كَمَا فِي حَقِّ الْحَاضِرِ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» .
-
وَلَوْ قَالَتْ بَيْنَ يَدَيْ الشُّهُودِ: زَوَّجْت نَفْسِي مِنْهُ لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ سَمَاعَ الشُّهُودِ كَلَامَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ شَرْطٌ لِجَوَازِ النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا سَمِعُوا كَلَامَهَا هُنَا لَا كَلَامَهُ، لَوْ كَانَتْ حِينَ بَلَغَهَا الْكِتَابُ قَرَأَتْهُ عَلَى الشُّهُودِ وَقَالَتْ: إنَّ فُلَانًا كَتَبَ إلَيَّ يَخْطُبُنِي فَاشْهَدُوا أَنِّي قَدْ زَوَّجْت نَفْسِي مِنْهُ فَهَذَا صَحِيحٌ؛
-
لِأَنَّهُمْ سَمِعُوا كَلَامَ الْخَاطِبِ بِإِسْمَاعِهَا إيَّاهُمْ إمَّا بِقِرَاءَةِ الْكِتَابِ أَوْ الْعِبَارَةِ عَنْهُ وَسَمِعُوا كَلَامَهُمَا حَيْثُ أَوْجَبَتْ الْعَقْدَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَلِهَذَا تَمَّ النِّكَاحُ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ إذَا قَالَ: هُنَاكَ بِعْت هَذِهِ الْعَيْنَ مِنْ فُلَانٍ بِكَذَا جَازَ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ أَوْ كَانَ بِحَضْرَتِهِمْ وَلَمْ يَقْرَأْ الْكِتَابَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ بِغَيْرِ شُهُودٍ كَمَا فِي الْحَاضِرِ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ فِي الْبَيْعِ: أَنَّهُ إذَا كَتَبَ إلَيْهِ أَنْ بِعْنِي كَذَا بِكَذَا فَقَالَ بِعْت: يَتِمُّ الْبَيْعُ، وَقَدْ طَعَنُوا فِي هَذَا فَقَالُوا: إنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْعَقِدُ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ الْحَاضِرِ فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: بِعْ عَبْدَك مِنِّي بِكَذَا فَقَالَ: بِعْت لَا يَنْعَقِدُ مَا لَمْ يَقُلْ الثَّانِي اشْتَرَيْت؛
-
لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْبَيْعِ مِنْ لَفْظَيْنِ هُمَا عِبَارَةٌ عَنْ الْمَاضِي.
-
بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ أَحَدُهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ الْمَاضِي وَالْآخَرُ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى سَوَّيَا بَيْنَهُمَا، وَالْفَرْقُ لِعُلَمَائِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْبَيْعَ يَقَعُ بِبَغْتَةٍ وَفَلْتَةٍ فَقَوْلُهُ بِعْنِي يَكُونُ اسْتِيَامًا عَادَةً فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بَعْدَهُ فَأَمَّا النِّكَاحُ يَتَقَدَّمُهُ خِطْبَةٌ وَمُرَاوَدَةٌ فَقَلَّمَا يَقَعُ بَغْتَةً فَقَوْلُهُ: زَوِّجْنِي يَكُونُ أَحَدَ شَطْرَيْ الْعَقْدِ.
-
تَوْضِيحُ الْفَرْقِ: أَنَّ قَوْلَهُ: زَوِّجِينِي نَفْسَك تَفْوِيضٌ لِلْعَقْدِ إلَيْهَا، وَكَلَامُ الْوَاحِدِ فِي بَابِ النِّكَاحِ يَصْلُحُ لِإِتْمَامِ الْعَقْدِ إذَا كَانَ الْأَمْرُ مُفَوَّضًا
-
إلَيْهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهَا زَوَّجْت نَفْسِي عَقْدًا تَامًّا، وَفِي بَابِ الْبَيْعِ كَلَامُ الْوَاحِدِ لَا يَصْلُحُ لِإِتْمَامِ الْعَقْدِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ،
-
وَإِنْ كَانَ مُفَوَّضًا إلَيْهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَكَانَ قَوْلُهُ بِعْت مِنْك شَطْرُ الْعَقْدِ،
-
فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ الشَّطْرُ الثَّانِي لِيَصِحَّ إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: مُرَادُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُنَا بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ فِي شَرْطِ الشُّهُودِ دُونَ اللَّفْظِ الَّذِي يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ أَوْ نَقُولُ بِعْنِي قَوْلُهُ مِنْ الْحَاضِرِ يَكُونُ اسْتِيَامًا عَادَةً فَأَمَّا مِنْ الْغَائِبِ إذَا كَتَبَ إلَيْهِ فَقَوْلُهُ بِعْنِي يَكُونُ أَحَدَ شَطْرَيْ الْعَقْدِ فَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهِ الثَّانِي تَمَّ الْبَيْعُ فَإِنْ جَاءَ الزَّوْجُ بِالْكِتَابِ مَخْتُومًا إلَى الشُّهُودِ، وَقَالَ: هَذَا كِتَابِي إلَى فُلَانَةَ فَاشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى يَعْلَمَ الشُّهُودُ مَا فِي الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَجُوزُ،
-
وَلَا يُشْتَرَطُ إعْلَامُ الشُّهُودِ بِمَا فِي الْكِتَابِ، وَأَصْلُ الْخِلَافِ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ وَالْخَتْمُ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ الشُّهُودُ مَا فِي الْكِتَابِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ مَا فِي الْكِتَابِ لَا نَفْسُ الْكِتَابِ، وَلَكِنْ اسْتَحْسَنَ أَبُو يُوسُفَ فَقَالَ: قَدْ يَشْتَمِلُ الْكِتَابُ عَلَى شَرْطٍ لَا يُعْجِبُهُمْ إعْلَامُ الشُّهُودِ بِذَلِكَ،
-
وَإِذَا كَانَ مَخْتُومًا يُؤْمَنُ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فِيهِ فَيَكُونُ صَحِيحًا ثُمَّ فِي هَذَا الْكِتَابِ قَالَ: يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَخْتُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَخْتُومٍ، وَذَكَرَ فِي الْأَمَالِي أَنَّ الْكِتَابَ إذَا كَانَ غَيْرَ مَخْتُومٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَصْلًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الشُّهُودُ مَا فِيهِ،
-
وَإِذَا كَانَ مَخْتُومًا فَحِينَئِذٍ هَلْ يُشْتَرَطُ إعْلَامُ الشُّهُودِ مَا فِيهِ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَكَمَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالْكِتَابِ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ وَسَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ؛ لِلْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا.
-
(قَالَ) : وَيَجُوزُ لِلْوَاحِدِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْعَقْدِ عِنْدَ الشُّهُودِ عَلَى الِاثْنَيْنِ إذَا كَانَ وَلِيًّا لَهُمَا أَوْ وَكِيلًا عَنْهُمَا، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَ وَلِيَّهُمَا جَازَ وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا لَا يَجُوزُ أَمَّا زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: النِّكَاحُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَا يُبَاشِرُهُ الْوَاحِدُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَعَقْدِ الْبَيْعِ، وَهُوَ قِيَاسٌ يُوَافِقُهُ الْأَثَرُ، وَهُوَ مَا رَوَيْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ نِكَاحٍ لَمْ يَحْضُرْهُ أَرْبَعَةٌ فَهُوَ سِفَاحٌ خَاطِبٌ وَوَلِيٌّ وَشَاهِدَا عَدْلٍ» وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِنَحْوِهِ يَسْتَدِلُّ فِي الْوَكِيلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ الْعَقْدُ بِعِبَارَتِهِ؛
-
لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي تَوْكِيلِ الْوَاحِدِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ وَلِيًّا مِنْ الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي تَنْفِيذِ الْعَقْدِ بِعِبَارَتِهِ ضَرُورَةً
-
وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرُهُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَيَكُونُ مَأْمُورُهُ قَائِمًا مَقَامَهُ، وَهُوَ الْوَلِيُّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ شَرْعًا فَيَمْلِكُ مُبَاشَرَةَ الْعَقْدِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قُلْتُمْ فِي الْأَبِ إذَا بَاعَ مَالَ وَلَدِهِ مِنْ نَفْسِهِ بِمِثْلِ قِيمَتَهُ يَجُوزُ،
-
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَوَجْهُ قَوْلِ عُلَمَائِنَا قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} أَيْ فِي نِكَاحِ الْيَتَامَى فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُزَوِّجَ وَلِيَّتَهُ مِنْ نَفْسِهِ،
-
وَكَذَا قَوْله تَعَالَى {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُزَوِّجَ وَلِيَّتَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ شُرَطَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَتَوْهُ بِشَيْخٍ مَعَ جَارِيَةٍ فَسَأَلَهُ عَنْ قِصَّتِهَا فَقَالَ: إنَّهَا ابْنَةُ عَمِّي، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنَّهَا إذَا بَلَغَتْ تَرْغَبُ عَنِّي فَتَزَوَّجْتُهَا فَقَالَ: خُذْ بِيَدِ امْرَأَتِك، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْعَاقِدَ فِي بَابِ النِّكَاحِ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ، وَالْوَاحِدُ كَمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَبِّرًا عَنْ الْوَاحِدِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَبِّرًا عَنْ اثْنَيْنِ، وَدَلِيلُ الْوَصْفِ أَنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الزَّوْجَيْنِ وَبِهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَسْتَغْنِي عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى غَيْرِهِ فَكَانَ مُبَاشِرًا لِلْعَقْدِ لَا مُعَبِّرًا.
-
تَوْضِيحُهُ: أَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ فِي بَابِ الْبَيْعِ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ فَإِذَا بَاشَرَ الْعَقْدَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ يُؤَدِّي إلَى تَضَادِّ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُطَالِبًا مُطَالَبًا مُسَلِّمًا مُسْتَلِمًا مُخَاصِمًا مُخَاصَمًا، وَفِي بَابِ النِّكَاحِ لَا تَتَعَلَّقُ الْحُقُوقُ بِالْعَاقِدِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى تَضَادِّ الْأَحْكَامِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: بِبَيْعِ الْأَبِ مَالَ وَلَدِهِ مِنْ نَصِيبِهِ؛
-
لِأَنَّهُ فِي جَانِبِ الصَّغِيرِ يَكُونُ مُلْزِمًا إيَّاهُ حُقُوقَ الْعَقْدِ بِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِ حَتَّى إذَا بَلَغَ كَانَتْ الْخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ إلَيْهِ دُونَ الْأَبِ
-
بِخِلَافِ بَيْعِهِ عَنْ غَيْرِهِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى تَضَادِّ الْأَحْكَامِ تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَسْمِيَةِ الثَّمَنِ فَإِذَا تَوَلَّاهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَانَ مُسْتَزِيدًا مُسْتَنْقِصًا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَالنِّكَاحُ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى هَذَا الْمَعْنَى إذَا بَاشَرَهُ الْوَاحِدُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَعَلَى هَذَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكِتَابَةِ أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يُبَاشِرُهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ؛
-
لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَسْمِيَةِ الْبَدَلِ فَأَمَّا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ فِي الْكِتَابَةِ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ بَلْ هُوَ مُعْتَبَرٌ كَمَا فِي النِّكَاحِ،
-
وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ هَذَا النِّكَاحَ قَدْ حَضَرَهُ أَرْبَعَةٌ مَعْنًى فَإِنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ وَصْفَانِ فِي وَاحِدٍ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُثَنَّى مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِاعْتِبَارِ كُلِّ صِفَةٍ عَلَى حِدَةٍ فَإِنَّ هَذَا الْوَاحِدَ إذَا كَانَ وَلِيًّا أَوْ وَكِيلًا مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ وَفُضُولِيًّا مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَلِيًّا،
-
وَلَا وَكِيلًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَلَكِنَّهُ فُضُولِيٌّ بَاشَرَ النِّكَاحَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الشُّهُودِ فَبَلَغَ الزَّوْجَيْنِ فَأَجَازَاهُ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلُ.
-
وَجَازَ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الزَّوْجُ بَيْنَ يَدَيْ الشُّهُودِ
-
اشْهَدُوا أَنِّي تَزَوَّجْت فُلَانَةَ وَلَمْ يُخَاطِبْ عَنْهَا أَحَدًا فَبَلَغَهَا فَأَجَازَتْ أَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ زَوَّجْت نَفْسِي مِنْ فُلَانٍ وَلَمْ تُخَاطِبْ عَنْهُ أَحَدًا فَبَلَغَهُ فَأَجَازَ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ،
-
وَلَوْ قَبِلَ فُضُولِيٌّ مِنْ جِهَةِ الْغَائِبِ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا بِالِاتِّفَاقِ حَتَّى لَوْ أَجَازَ يَجُوزُ.
-
أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْإِجَازَةُ فِي الِانْتِهَاءِ كَالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ،
-
وَإِذَا كَانَ كَلَامُ الْوَاحِدِ فِي بَابِ النِّكَاحِ عَقْدًا تَامًّا بِاعْتِبَارِ الْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ فَكَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْإِجَازَةِ فِي الِانْتِهَاءِ، وَجَعَلَ هَذَا قِيَاسَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِمَالٍ فَإِنَّ كَلَامَ الْوَاحِدِ فِيهِ لَمَّا كَانَ عَقْدًا تَامًّا عِنْدَ الْإِذْنِ كَانَ عَقْدًا مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الْغَائِبِ عِنْدَ عَدَمِ الْإِذْنِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَا: النِّكَاحُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مُحْتَمِلٌ لِلْفَسْخِ فَكَلَامُ الْوَاحِدِ فِيهِ يَكُونُ شَطْرَ الْعَقْدِ وَشَطْرُ الْعَقْدِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ كَمَا فِي الْبَيْعِ
-
بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَ وُقُوعِهِ أَصْلًا.
-
وَتَحْقِيقُهُ: أَنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ: طَلَّقْت فُلَانَةَ بِكَذَا أَوْ أَعْتَقْت عَبْدِي فُلَانًا بِكَذَا يَكُونُ تَعْلِيقًا لِلطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَهُمَا بِالشَّرْطِ صَحِيحٌ فَإِذَا بَلَغَهُمَا فَقَبِلَا وَقَعَ؛ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَفِي النِّكَاحِ قَوْلُهُ: زَوَّجْت فُلَانَةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ تَعْلِيقًا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ فَكَانَ هَذَا شَطْرَ الْعَقْدِ،
-
وَلَا يَدْخُلُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ قَالَ الزَّوْجُ بِمَحْضَرٍ مِنْهَا: طَلَّقْتُك بِكَذَا فَقَامَتْ عَنْ الْمَجْلِسِ قَبْلَ الْقَبُولِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ تَعْلِيقًا بِالشَّرْطِ لَمَا بَطَلَ بِقِيَامِهَا عَنْ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ مِنْ التَّعْلِيقَاتِ مَا يَقْتَصِرُ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ فِي الْمَجْلِسِ كَقَوْلِهِ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت يَقْتَصِرُ عَلَى وُجُودِ الْمَشِيئَةِ فِي الْمَجْلِسِ فَهَذَا مِثْلُهُ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَأْمُورًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ عِبَارَتُهُ تَنْتَقِلُ إلَيْهِمَا فَيَصِيرُ قَائِمًا مَقَامَ عِبَارَتِهِمَا فَإِنَّمَا يَكُونُ تَمَامُ الْعَقْدِ بِالْمُثَنَّى مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَهُنَا لَا تَنْتَقِلُ عِبَارَتُهُ إلَى الْغَيْرِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ فَإِذَا بَقِيَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ كَانَ شَطْرُ الْعَقْدِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: تَزَوَّجْتُك، وَهِيَ حَاضِرَةٌ كَانَ هَذَا شَطْرَ الْعَقْدِ حَتَّى لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهَا بَعْدَ قِيَامِهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَكَذَا إذَا قَالَ ذَلِكَ، وَهِيَ غَائِبَةٌ يَكُونُ هَذَا شَطْرَ الْعَقْدِ وَلَوْ كَانَ عَقْدُ النِّكَاحِ بَيْنَ فُضُولِيَّيْنِ خَاطَبَ أَحَدُهُمَا عَنْ الرَّجُلِ وَالْآخَرُ عَنْ الْمَرْأَةِ فَبَلَغَهُمَا فَأَجَازَا جَازَ ذَلِكَ الْعَقْدُ؛
-
لِأَنَّهُ جَرَى بَيْنَ اثْنَيْنِ وَلَوْ كَانَا وَكِيلَيْنِ كَانَ كَلَامُهُمَا عَقْدًا تَامًّا فَكَذَلِكَ إذَا كَانَا فُضُولِيَّيْنِ يَكُونُ كَلَامُهُمَا عَقْدًا مَوْقُوفًا
-
(قَالَ:) وَلَيْسَ عَلَى الْعَاقِدِ فِي بَابِ النِّكَاحِ وَلِيًّا كَانَ أَوْ وَكِيلًا حَقُّ قَبْضِ مَهْرِهَا بِدُونِ أَمْرِهَا؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ مُعَبِّرٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ، وَكَمَا لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ بِتَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ إلَيْهِ قَبْضُ الْبَدَلِ
-
وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ
-
مِنْ الْمَهْرِ شَيْءٌ كَمَا لَا يَكُونُ إلَيْهِ قَبْضُ الْمَعْقُودِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي قَوْلِهِ: الصَّدَاقُ عَلَى مَنْ أَخَذَ السَّاقَ إلَّا الْأَبَ فِي حَقِّ ابْنَتِهِ الْبَالِغَةِ فَإِنَّهُ يَقْبِضُ مَهْرَهَا فَيَجُوزُ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
-
(قَالَ) : وَإِذَا أَرْسَلَ إلَى الْمَرْأَةِ رَسُولًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا فَهُوَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ تَبْلِيغُ عِبَارَةِ الْمُرْسِلِ إلَى الْمُرْسَلِ إلَيْهِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ عِبَارَةٌ مَفْهُومَةٌ فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا أَلَا تَرَى أَنَّ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ الْهُدْهُدَ رَسُولًا فِي تَبْلِيغِ كِتَابِهِ إلَى بِلْقِيسَ فَالْآدَمِيُّ الْمُمَيِّزُ أَوْلَى أَنْ يَصْلُحَ لِذَلِكَ فَإِذَا بَلَّغَ الرِّسَالَةَ فَقَالَ: إنَّ فُلَانًا سَأَلَكِ أَنْ تُزَوِّجِيهِ نَفْسَك فَأَشْهَدَتْ أَنَّهَا قَدْ تَزَوَّجَتْهُ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا إذَا أَقَرَّ الزَّوْجُ بِالرِّسَالَةِ أَوْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ؛
-
لِأَنَّ الرَّسُولَ بَلَّغَهَا رِسَالَةَ الْمُرْسِلِ فَكَأَنَّهُ حَضَرَ بِنَفْسِهِ وَعَبَّرَ عَنْ نَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ الشُّهُودِ، وَقَدْ سَمِعَ الشُّهُودُ كَلَامَهَا أَيْضًا فَكَانَ نِكَاحًا بِسَمَاعِهِمَا كَلَامَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ،
-
وَإِذَا أَنْكَرَ الرِّسَالَةَ وَلَمْ تُقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ لَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ،
-
وَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ لَمَّا لَمْ تَثْبُتْ كَانَ الْمُخَاطِبُ فُضُولِيًّا وَلَمْ يَرْضَ الزَّوْجُ بِمَا صَنَعَ فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ الرَّسُولُ قَدْ خَطَبَهَا وَضَمِنَ لَهَا الْمَهْرَ وَزَوَّجَهَا إيَّاهُ وَقَالَ قَدْ أَمَرَنِي بِذَلِكَ فَالنِّكَاحُ لَازِمٌ؛ لِلزَّوْجِ إنْ أَقَرَّ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالْأَمْرِ وَالضَّمَانُ لَازِمٌ؛
-
لِلرَّسُولِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ زَعِيمًا بِالْمَهْرِ وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ،
-
وَإِنْ جَحَدَ الزَّوْجُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِالْأَمْرِ فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا؛ لِمَا قُلْنَا وَلِلْمَرْأَةِ عَلَى الرَّسُولِ نِصْفُ الصَّدَاقِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ قَدْ أَمَرَهُ،
-
وَأَنَّ النِّكَاحَ جَائِزٌ، وَأَنَّ الضَّمَانَ قَدْ لَزِمَهُ، وَإِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ صَحِيحٌ وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ: أَنَّ عَلَى الرَّسُولِ جَمِيعَ الْمَهْرِ بِحُكْمِ الضَّمَانِ فَقِيلَ: مَا ذَكَرَ هُنَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ، وَمَا ذَكَرَ هُنَاكَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرُ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ فَنَفَذَ قَضَاؤُهُ بِالْفُرْقَةِ هُنَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَسَقَطَ نِصْفُ الصَّدَاقِ عَنْ الزَّوْجِ فَيَسْقُطُ عَنْ الْكَفِيلِ أَيْضًا، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ بَاطِنًا فَيَبْقَى جَمِيعُ الْمَهْرِ وَاجِبًا عَلَى الزَّوْجِ، وَيَكُونُ الْكَفِيلُ مُطَالَبًا بِهِ؛
-
لِإِقْرَارِهِ وَقِيلَ: بَلْ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
-
وَجْهُ تِلْكَ الرِّوَايَةِ أَنَّ الزَّوْجَ مُنْكِرٌ لِأَصْلِ النِّكَاحِ، وَإِنْكَارُهُ أَصْلَ النِّكَاحِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا فَلَا يَسْقُطُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الصَّدَاقِ بِزَعْمِ الْكَفِيلِ، وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَنَّهُ أَنْكَرَ وُجُوبَ الصَّدَاقِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَالِكٌ لِإِسْقَاطِ نِصْفِ الصَّدَاقِ عَنْ نَفْسِهِ بِسَبَبٍ يَكْسِبُهُ فَيُجْعَلُ مُسْقِطًا فِيمَا يُمْكِنُهُ إسْقَاطُهُ،
-
وَمِنْ ضَرُورَةِ سُقُوطِ نِصْفِ
-
الصَّدَاقِ عَنْ الْأَصِيلِ سُقُوطُهُ عَنْ الْكَفِيلِ فَلِهَذَا كَانَ الْكَفِيلُ ضَامِنًا لِنِصْفِ الصَّدَاقِ.
-
(قَالَ:) فَإِنْ كَانَ الرَّسُولُ قَالَ: لَمْ يَأْمُرْنِي، وَلَكِنْ أُزَوِّجُهُ، وَأَضْمَنُ عَنْهُ الْمَهْرَ فَفَعَلَ ثُمَّ أَجَازَ الزَّوْجُ جَازَ عَلَيْهِ، وَلَزِمَ الزَّوْجَ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ فِي الِانْتِهَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ،
-
وَإِنْ أَبَى الزَّوْجُ أَنْ يُجِيزَ النِّكَاحَ لَمْ يَكُنْ عَلَى الرَّسُولِ شَيْءٌ مِنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ السَّبَبِ انْتَفَى بِرَدِّ الزَّوْجِ النِّكَاحَ فَيَنْتَفِي حُكْمُهُ، وَهُوَ وُجُوبُ الصَّدَاقِ، وَبَرَاءَةُ الْأَصِيلِ حَقِيقَةً تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْكَفِيلِ
-
(قَالَ:) وَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا عَلَى مَهْرٍ قَدْ سَمَّاهُ فَزَوَّجَهَا إيَّاهُ وَزَادَ عَلَيْهِ فِي الْمَهْرِ فَإِنْ شَاءَ الزَّوْجُ أَجَازَهُ،
-
وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى
-
بِخِلَافِ مَا أُمِرَ بِهِ فَكَانَ مُبْتَدِئًا فَيَتَوَقَّفُ عَقْدُهُ عَلَى إجَازَتِهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الزَّوْجُ بِذَلِكَ حَتَّى دَخَلَ بِهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ بِهَا كَانَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ امْتَثَلَ الْوَكِيلُ أَمْرَهُ فَلَا يَصِيرُ بِهِ رَاضِيًا بِمَا خَالَفَ فِيهِ الْوَكِيلُ فَإِنَّ الرِّضَا بِالشَّيْءِ لَا يَتَحَقَّقُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ فَكَانَ عَلَى خِيَارِهِ إنْ شَاءَ أَقَامَ مَعَهَا بِالْمَهْرِ الْمُسَمَّى،
-
وَإِنْ شَاءَ فَارَقَهَا وَكَانَ لَهَا الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى،
-
وَمِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ بِحُكْمِ النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ بِمَنْزِلَةِ الدُّخُولِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ فَيَسْقُطُ بِهِ الْحَدُّ؛ لِلشُّبْهَةِ،
-
وَيَجِبُ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى وَمِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ عُقُوبَةٍ أَوْ غَرَامَةٍ.
-
(قَالَ:) فَإِنْ كَانَ الرَّسُولُ ضَمِنَ لَهَا الْمَهْرَ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا الزَّوْجُ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ ثُمَّ رَدَّ الزَّوْجُ النِّكَاحَ؛ لِلزِّيَادَةِ فِي الْمَهْرِ فَعَلَى الرَّسُولِ نِصْفُ الْمُسَمَّى؛ لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ إنْكَارَ الزَّوْجِ الْأَمْرَ بِالزِّيَادَةِ بِمَنْزِلَةِ إنْكَارِهِ الْأَمْرَ أَصْلًا كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ
-
(قَالَ:) فَإِنْ قَالَ الرَّسُولُ: أَنَا أَغْرَمُ الْمَهْرَ وَأُلْزِمُك النِّكَاحَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا بَاشَرَ مِنْ الْعَقْدِ غَيْرُ مُمْتَثِلٍ أَمْرَهُ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْفُضُولِيِّ وَالْفُضُولِيُّ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُلْزِمَ عَلَيْهِ حُكْمَ الْعَقْدِ إلَّا بِرِضَاهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ،
-
وَإِنْ تَبَرَّعَ بِأَدَاءِ الزِّيَادَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَجِبَ عَلَى الزَّوْجِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ صَدَاقٌ وَالصَّدَاقُ مُطْلَقًا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إلْزَامُ الزَّوْجِ بِذَلِكَ وَانْعَدَمَ مِنْهَا الرِّضَا بِدُونِهِ
-
(قَالَ:) وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً فَزَوَّجَهَا إيَّاهُ وَضَمِنَ لَهَا عَنْهُ الْمَهْرَ جَازَ ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ الْوَكِيلُ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ أَمْرَهُ إيَّاهُ بِالنِّكَاحِ لَا يَكُونُ أَمْرًا بِالْتِزَامِ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالنِّكَاحِ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ لَا مُلْتَزِمٌ،
-
وَمَنْ ضَمِنَ عَنْ غَيْرِهِ دَيْنَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَبَرُّعَهُ بِالضَّمَانِ كَتَبَرُّعِهِ بِالْأَدَاءِ فَإِنْ كَانَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ رَجَعَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِالْأَدَاءِ
-
(قَالَ:) وَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ مِنْ الْوَكِيلِ بِشُهُودٍ جَازَ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى التَّوْكِيلِ شُهُودٌ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالنِّكَاحِ لَيْسَ بِنِكَاحٍ، وَالشُّهُودَ مِنْ خَصَائِصِ شَرَائِطِ
-
النِّكَاحِ وَإِنَّمَا شُرِطَ الشُّهُودُ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُ بِهِ الْبُضْعَ فَلِإِظْهَارِ خَطَرِهِ اُخْتُصَّ بِشُهُودٍ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي التَّوْكِيلِ فَإِنَّ الْبُضْعَ لَا يُتَمَلَّكُ بِالتَّوْكِيلِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّوْكِيلِ بِسَائِرِ الْعُقُودِ
-
(قَالَ:) وَإِذَا أُدْخِلَ عَلَى الرَّجُلِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ فَدَخَلَ بِهَا فَعَلَى الزَّوْجِ مَهْرُ الَّتِي دَخَلَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ بِهَا بِشُبْهَةِ النِّكَاحِ بِخَبَرِ الْمُخْبِرِ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فِي الْمُعَامَلَاتِ حُجَّةٌ فَيَصِيرُ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ فَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ وَجَبَ الْمَهْرُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْهُ،
-
وَلَا تَتَّقِي فِي عِدَّتِهَا مَا تَتَّقِي الْمُعْتَدَّةُ، وَبِنَحْوِهِ قَضَى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ، وَالْحِدَادُ: إظْهَارُ التَّحَزُّنِ عَلَى فَوَاتِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ، وَلَيْسَ لَهَا عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ بِاعْتِبَارِ مِلْكِ الْيَدِ الثَّابِتِ بِالنِّكَاحِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ؛
-
وَلِأَنَّهُ يَبْقَى بِالْعِدَّةِ مَا كَانَ ثَابِتًا مِنْ النَّفَقَةِ بِأَصْلِ النِّكَاحِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ مُسْتَحَقَّةٌ هُنَا؛ لِيَبْقَى ذَلِكَ بِبَقَاءِ الْعِدَّةِ،
-
وَلَا يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ عَلَى الَّذِي أَدْخَلَهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ عِوَضًا عَمَّا اسْتَوْفَى، وَهُوَ الَّذِي نَالَ اللَّذَّةَ بِالِاسْتِيفَاءِ فَلَا يَرْجِعُ بِالْعِوَضِ عَلَى غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمُخْبِرَ أَخْبَرَ بِكَذِبٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضْمَنَ لَهُ شَيْئًا، وَهَذَا الْعَقْدُ مِنْ الْغَرُورِ لَا يُثْبِتُ لَهُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ كَمَنْ أَخْبَرَهُ بِأَمْنِ الطَّرِيقِ فَسَلَكَ فِيهِ حَتَّى أَخَذَ اللُّصُوصُ مَتَاعَهُ.
-
(قَالَ:) فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ أُمَّ امْرَأَتِهِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ بِالْمُصَاهَرَةِ، لَهَا عَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ؛ لِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ،
-
وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ أَيْضًا؛ لِمَا قُلْنَا،
-
وَإِنْ كَانَتْ بِنْتَ امْرَأَتِهِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ بِالْمُصَاهَرَةِ، وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الَّتِي دَخَلَ بِهَا؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْدِ عَلَى الْأُمِّ لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الرَّبِيبَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ الَّتِي دَخَلَ بِهَا؛ لِأَنَّ بِالدُّخُولِ بِالْبِنْتِ تَحْرُمُ الْأُمُّ عَلَى التَّأْبِيدِ
-
بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ هُنَاكَ لَا يَتَزَوَّجُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا؛ لِوُجُودِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ عَلَى الْبِنْتِ، وَالدُّخُولِ بِالْأُمِّ وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ أُخْتَ امْرَأَتِهِ أَوْ ذَاتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا لَمْ يَقْرُبْ امْرَأَتَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا؛ لِأَنَّ أُخْتَهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ فَلَوْ قَرُبَهَا كَانَ جَامِعًا مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
-
(قَالَ:) اعْلَمْ أَنَّ الْكَفَاءَةَ فِي النِّكَاحِ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ حَيْثُ النَّسَبُ إلَّا عَلَى قَوْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا مُعْتَبَرَ فِي الْكَفَاءَةِ مِنْ حَيْثُ النَّسَبُ وَقِيلَ: أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْعَرَبِ فَتَوَاضَعَ وَرَأَى الْمَوَالِيَ أَكْفَاءً لَهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَانَ مِنْ الْمَوَالِي فَتَوَاضَعَ
-
وَلَمْ يَرَ نَفْسَهُ كُفُؤًا لِلْعَرَبِ، وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إنَّمَا الْفَضْلُ بِالتَّقْوَى» ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى {إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ طَفٌّ لِلصَّاعِ لَمْ يُمْلَأْ، وَقَالَ: النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً وَاحِدَةً» فَهَذِهِ الْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى الْمُسَاوَاةِ،
-
وَأَنَّ التَّفَاضُلَ بِالْعَمَلِ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ «، وَخَطَبَ أَبُو طَيْبَةَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: زَوِّجُوا أَبَا طَيْبَةَ إلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ فَقَالُوا: نَعَمْ وَكَرَامَةٌ» .
-
«وَخَطَبَ بِلَالٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى قَوْمٍ مِنْ الْعَرَبِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قُلْ لَهُمْ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُزَوِّجُونِي» ،
-
وَأَنَّ سَلْمَانَ خَطَبَ بِنْتَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَهَمَّ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ ثُمَّ لَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قُرَيْشٌ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ بَطْنٌ بِبَطْنٍ، وَالْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ قَبِيلَةٌ بِقَبِيلَةٍ وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ رَجُلٌ بِرَجُلٍ» ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَلَا لَا يُزَوِّجُ النِّسَاءَ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ، وَلَا يُزَوَّجْنَ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ» وَمَا زَالَتْ الْكَفَاءَةُ مَطْلُوبَةً فِيمَا بَيْنَ الْعَرَبِ حَتَّى فِي الْقِتَالِ.
-
بَيَانُهُ: فِي قِصَّةِ «الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِلْبِرَازِ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَالْوَلِيدُ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ ثَلَاثَةٌ مِنْ فِتْيَانِ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا لَهُمْ: انْتَسِبُوا فَانْتَسَبُوا فَقَالُوا: أَبْنَاءُ قَوْمٍ كِرَامٍ، وَلَكِنَّا نُرِيدُ أَكْفَاءَنَا مِنْ قُرَيْشٍ فَرَجَعُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: صَدَقُوا وَأَمَرَ حَمْزَةَ وَعَلِيًّا وَعُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - بِأَنْ يَخْرُجُوا إلَيْهِمْ» فَلَمَّا لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ طَلَبَ الْكَفَاءَةِ فِي الْقِتَالِ فَفِي النِّكَاحِ أَوْلَى، وَهَذَا لِأَنَّ النِّكَاحَ يُعْقَدُ لِلْعُمُرِ، وَيَشْتَمِلُ عَلَى أَغْرَاضٍ وَمَقَاصِدَ مِنْ الصُّحْبَةِ وَالْأُلْفَةِ وَالْعِشْرَةِ وَتَأْسِيسِ الْقَرَابَاتِ، وَذَلِكَ لَا يَتِمُّ إلَّا بَيْنَ الْأَكْفَاءِ، وَفِي أَصْلِ الْمِلْكِ عَلَى الْمَرْأَةِ نَوْعُ ذِلَّةٍ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «النِّكَاحُ رِقٌّ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ أَيْنَ يَضَعُ كَرِيمَتَهُ» ، وَإِذْلَالُ النَّفْسِ حَرَامٌ، قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» وَإِنَّمَا جُوِّزَ مَا جُوِّزَ مِنْهُ؛
-
لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، وَفِي اسْتِفْرَاشِ مَنْ لَا يُكَافِئُهَا زِيَادَةُ الذُّلِّ،
-
وَلَا ضَرُورَةَ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ فَلِهَذَا اُعْتُبِرَتْ الْكَفَاءَةُ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْآثَارِ الَّتِي رَوَاهَا فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ.
-
وَبِهِ نَقُولُ: إنَّ التَّفَاضُلَ فِي الْآخِرَةِ بِالتَّقْوَى، وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ النَّدْبُ إلَى التَّوَاضُعِ وَتَرْكِ طَلَبِ الْكَفَاءَةِ لَا الْإِلْزَامِ، وَبِهِ نَقُولُ: إنَّ عِنْدَ الرِّضَا يَجُوزُ الْعَقْدُ وَيُحْكَى عَنْ
-
الْكَرْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنْ لَا تُعْتَبَرَ الْكَفَاءَةُ فِي النِّكَاحِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْكَفَاءَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِيمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ النِّكَاحِ، وَهُوَ الدِّمَاءُ فَلَأَنْ لَا تُعْتَبَرُ فِي النِّكَاحِ أَوْلَى، وَلَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْكَفَاءَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي الدِّينِ فِي بَابِ الدَّمِ حَتَّى لَا يُقْتَلَ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ،
-
وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي النِّكَاحِ إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: الْكَفَاءَةُ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ (أَحَدُهَا) النَّسَبُ، وَهُوَ عَلَى مَا قَالَ: قُرَيْشٌ أَكْفَاءٌ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ فَإِنَّهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ يَتَفَاضَلُونَ، وَأَفْضَلُهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، وَمَعَ التَّفَاضُلِ هُمْ أَكْفَاءٌ أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، وَكَانَتْ تَيْمِيَّةَ وَتَزَوَّجَ حَفْصَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَكَانَتْ عَدَوِيَّةَ «وَزَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَانَ عَبْشَمِيًّا» فَعَرَفْنَا أَنَّ بَعْضَهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ.
-
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ نَسَبًا مَشْهُورًا نَحْوَ أَهْلِ بَيْتِ الْخِلَافَةِ فَإِنَّ غَيْرَهُمْ لَا يُكَافِئُهُمْ، وَكَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ؛ لِتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ وَتَعْظِيمِ الْخِلَافَةِ، لَا لِانْعِدَامِ أَصْلِ الْكَفَاءَةِ، وَالْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ فَإِنَّ فَضِيلَةَ الْعَرَبِ بِكَوْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ، وَنُزُولِ الْقُرْآنِ بِلُغَتِهِمْ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حُبُّ الْعَرَبِ مِنْ الْإِيمَانِ» «، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَلْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا تَبْغَضْنِي قَالَ: وَكَيْفَ أَبْغَضُك، وَقَدْ هَدَانِي اللَّهُ بِك؟ قَالَ: تَبْغَضُ الْعَرَبَ فَتَبْغَضُنِي» ،
-
وَلَا تَكُونُ الْعَرَبُ كُفُؤًا لِقُرَيْشٍ وَالْمَوَالِي لَا يَكُونُونَ كُفُؤًا لِلْعَرَبِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ» ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَوَالِيَ ضَيَّعُوا أَنْسَابَهُمْ فَلَا يَكُونُ التَّفَاخُرُ بَيْنَهُمْ بِالنَّسَبِ بَلْ بِالدِّينِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ سَلْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَ تَفَاخَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ بِذِكْرِ الْأَنْسَابِ فَلَمَّا انْتَهَى إلَى سَلْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالُوا: سَلْمَانُ ابْنُ مَنْ؟
-
فَقَالَ سَلْمَانُ: ابْنُ الْإِسْلَامِ فَبَلَغَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَبَكَى، وَقَالَ وَعُمَرُ ابْنُ الْإِسْلَامِ فَمَنْ كَانَ مِنْ الْمَوَالِي لَهُ أَبَوَانِ فِي الْإِسْلَامِ فَهُوَ كُفُؤٌ لِمَنْ لَهُ عَشَرَةُ آبَاءٍ؛ لِأَنَّ النِّسْبَةَ تَتِمُّ بِالِانْتِسَابِ إلَى الْأَبِ وَالْجَدِّ فَمَنْ كَانَ لَهُ أَبَوَانِ مُسْلِمَانِ فَلَهُ فِي الْإِسْلَامِ نَسَبٌ صَحِيحٌ وَمَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ كُفُؤًا؛
-
لِمَنْ لَهُ أَبٌ فِي الْإِسْلَامِ وَمَنْ أَسْلَمَ أَبُوهُ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِمَنْ لَهُ أَبَوَانِ فِي الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَحْتَاجُ فِي النِّسْبَةِ إلَى الْأَبِ الْكَافِرِ، وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا انْتَسَبَ إلَى تِسْعَةِ آبَاءٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هُوَ عَاشِرُهُمْ فِي النَّارِ» وَلَكِنَّ هَذَا إذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّفَاخُرِ دُونَ التَّعْرِيفِ
-
(وَالثَّانِي) : الْكَفَاءَةُ فِي الْحُرِّيَّةِ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِامْرَأَةٍ حُرَّةِ الْأَصْلِ،
-
وَكَذَلِكَ الْمُعْتَقُ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِحُرَّةِ الْأَصْلِ، وَالْمُعْتَقُ أَبُوهُ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِامْرَأَةٍ
-
لَهَا أَبَوَانِ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الرِّقَّ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْكُفْرِ، وَفِيهِ مَعْنَى الذُّلِّ فَكَانَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ أَصْلِ الدِّينِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الَّذِي أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ أَوْ أُعْتِقَ لَوْ أَحْرَزَ مِنْ الْفَضَائِلِ مَا يُقَابِلُ نَسَبَ الْآخَرِ كَانَ كُفُؤًا لَهُ
-
(وَالثَّالِثُ) : الْكَفَاءَةُ مِنْ حَيْثُ الْمَالُ فَإِنَّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَهْرِ امْرَأَةٍ وَنَفَقَتِهَا لَا يَكُونُ كُفُؤًا لَهَا؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ عِوَضُ بُضْعِهَا، وَالنَّفَقَةُ تَنْدَفِعُ بِهَا حَاجَتُهَا، وَهِيَ إلَى ذَلِكَ أَحْوَجُ مِنْهَا إلَى نَسَبِ الزَّوْجِ فَإِذَا كَانَتْ تَنْعَدِمُ الْكَفَاءَةُ بِضَعَةِ نَسَبِ الزَّوْجِ فَبِعَجْزِهِ عَنْ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ أَوْلَى، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: إذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى مَا يُعَجِّلُهُ، وَيَكْتَسِبُ فَيُنْفِقُ عَلَيْهَا يَوْمًا بِيَوْمٍ كَانَ كُفُؤًا لَهَا،
-
وَأَمَّا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ كَانَ كُفُؤًا لَهَا،
-
وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ صَاحِبَةَ مَالٍ عَظِيمٍ، وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اعْتَبَرُوا الْكَفَاءَةَ فِي كَثْرَةِ الْمَالِ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - رَأَيْت ذَا الْمَالِ مَهِيبًا وَرَأَيْت ذَا الْفَقْرِ مَهِينًا وَقَالَتْ: إنَّ أَحْسَابَ ذَوِي الدُّنْيَا الْمَالُ،
-
وَالْأَصَحُّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ الْمَالِ فِي الْأَصْلِ مَذْمُومٌ «قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلَكَ الْمُكْثِرُونَ إلَّا مَنْ قَالَ بِمَالِهِ: هَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي تَصَدَّقَ بِهِ»
-
(وَالرَّابِعُ) : الْكَفَاءَةُ فِي الْحِرَفِ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ أَصْلًا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ حَتَّى إنَّ الدَّبَّاغَ وَالْحَجَّامَ وَالْحَائِكَ وَالْكَنَّاسَ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِبِنْتِ الْبَزَّازِ وَالْعَطَّارِ، وَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَ الْعَادَةَ فِي ذَلِكَ، وَوَرَدَ حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «النَّاسُ أَكْفَاءٌ إلَّا الْحَائِكَ وَالْحَجَّامَ» وَلَكِنَّ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: الْحَدِيثُ شَاذٌّ لَا يُؤْخَذُ بِهِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَالْحِرْفَةُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ لَازِمٍ فَالْمَرْءُ تَارَةً يَحْتَرِفُ بِحِرْفَةٍ نَفِيسَةٍ، وَتَارَةً بِحِرْفَةٍ خَسِيسَةٍ
-
بِخِلَافِ صِفَةِ النَّسَبِ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ لَهُ، وَذُلُّ الْفَقْرِ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُفَارِقُهُ
-
(وَالْخَامِسُ:) الْكَفَاءَةُ فِي الْحَسَبِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: هُوَ مُعْتَبَرٌ حَتَّى إنَّ الَّذِي يَسْكَرُ فَيَخْرُجُ فَيَسْتَهْزِئُ بِهِ الصِّبْيَانُ لَا يَكُونُ كُفْئًا لِامْرَأَةٍ صَالِحَةٍ مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ،
-
وَكَذَلِكَ أَعْوَانُ الظَّلَمَةِ مَنْ يُسْتَخَفُّ بِهِ مِنْهُمْ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِامْرَأَةٍ صَالِحَةٍ مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَهِيبًا يَعْظُمُ فِي النَّاسِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: الَّذِي يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ فَإِنْ كَانَ يُسِرُّ ذَلِكَ فَلَا يَخْرُجُ سَكْرَانَ كَانَ كُفْئًا،
-
وَإِنْ كَانَ يُعْلِنُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كُفْئًا لِامْرَأَةٍ صَالِحَةٍ مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ،
-
وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِلَازِمٍ حَتَّى لَا يُمْكِنُ تَرْكُهُ
-
(قَالَ:) وَإِذَا زَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ فَلِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهَا
-
أَلْحَقَتْ الْعَارَ بِالْأَوْلِيَاءِ فَإِنَّهُمْ يَتَعَيَّرُونَ بِأَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ بِالْمُصَاهَرَةِ مَنْ لَا يُكَافِئُهُمْ فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يُخَاصِمُوا؛ لِدَفْعِ ذَلِكَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ،
-
وَلَا يَكُونُ التَّفْرِيقُ بِذَلِكَ إلَّا عِنْدَ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ بِسَبَبِ نَقْصٍ فَكَانَ قِيَاسُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي؛ وَلِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ نَوْعُ حُجَّةٍ فِيمَا يَقُولُ فَلَا يَكُونُ التَّفْرِيقُ إلَّا بِالْقَضَاءِ، وَمَا لَمْ يُفَرِّقْ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا فَحُكْمُ الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ وَالتَّوَارُثِ قَائِمٌ بَيْنَهُمَا؛
-
لِأَنَّ أَصْلَ النِّكَاحِ انْعَقَدَ صَحِيحًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا الضَّرَرُ عَلَيْهِمْ فِي اللُّزُومِ فَتَتَوَفَّرُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ فَإِذَا فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا كَانَتْ فُرْقَةً بِغَيْرِ طَلَاقٍ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْفَسْخِ لِأَصْلِ النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقُ تَصَرُّفٌ فِي النِّكَاحِ فَمَا يَكُونُ فَسْخًا لِأَصْلِ النِّكَاحِ عِنْدَنَا لَا يَكُونُ تَصَرُّفًا فِيهِ؛
-
وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ إلَى الزَّوْجِ فَتَفْرِيقُ الْقَاضِي مَتَى كَانَ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ عَنْ الزَّوْجِ كَانَ طَلَاقًا، وَهَذَا التَّفْرِيقُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ عَنْهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا قُلْنَا: لَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا،
-
وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا أَوْ خَلَا بِهَا فَلَهَا مَا سُمِّيَ مِنْ الْمَهْرِ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ النِّكَاحِ كَانَ صَحِيحًا فَيَتَقَرَّرُ الْمُسَمَّى بِالتَّسْلِيمِ إمَّا بِالدُّخُولِ أَوْ بِالْخَلْوَةِ، وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُدَبَّرُ نَظِيرُ الْعَبْدِ فِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِلْحُرَّةِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ فِيهِمَا قَائِمٌ قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ
-
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ غَيْرَ كُفْءٍ فَرَضِيَ بِهِ أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ جَازَ ذَلِكَ،
-
وَلَا يَكُونُ لِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْوِلَايَةِ أَوْ أَبْعَدُ مِنْهُ أَنْ يَنْقُضَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَقْرَبَ مِنْهُ فَحِينَئِذٍ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالتَّفْرِيقِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي نَوَادِرِ هِشَامٍ: إذَا رَضِيَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ بِغَيْرِ كُفْءٍ فَلِلْوَلِيِّ الَّذِي هُوَ مِثْلُهُ أَنْ لَا يَرْضَى بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ هَذَا الْوَلِيُّ الرَّاضِي هُوَ الَّذِي زَوَّجَهَا، وَالْخِلَافُ مَعَ الشَّافِعِيِّ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ هُنَا، وَجْهُ قَوْلِهِمْ أَنَّ طَلَبَ الْكَفَاءَةِ حَقُّ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ فَإِذَا رَضِيَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ فَقَدْ أَسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ وَحَقَّ غَيْرِهِ فَيَصِحُّ إسْقَاطُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ كَالدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ إذَا أُبْرِئَ أَحَدُهُمْ أَوْ ارْتَهَنَ رَجُلَانِ عَيْنًا ثُمَّ رَدَّهُ أَحَدُهُمَا أَوْ سَلَّمَ أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ الشُّفْعَةَ أَوْ عَفَا أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ عَنْ الْقِصَاصِ يَصِحُّ فِي حَقِّهِ دُونَ غَيْرِهِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَذَفَ أُمَّ جَمَاعَةٍ وَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمْ كَانَ لِلْبَاقِينَ الْمُطَالَبَةُ بِالْحَدِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهَا لَوْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ كَانَ لِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُفَرِّقُوا، وَلَمْ يَكُنْ رِضَاهَا بِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ مُبْطِلًا حَقَّ الْأَوْلِيَاءِ فَكَذَلِكَ هُنَا.
-
وَحُجَّتُنَا أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِلتَّجْزِيءِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِسَبَبٍ
-
لَا يَحْتَمِلُ التَّجْزِيءَ فَيُجْعَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالْمُنْفَرِدِ بِهِ كَمَا فِي الْأَمَانِ فَإِنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّ الِاسْتِغْنَامِ وَالِاسْتِرْقَاقِ ثُمَّ صَحَّ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي حَقِّ جَمَاعَتِهِمْ؛ لِلْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا، وَهَذَا لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ صَحِيحٌ فِي حَقِّ الْمُسْقِطِ بِالِاتِّفَاقِ فَإِذَا كَانَ الْحَقُّ وَاحِدًا، وَقَدْ سَقَطَ فِي حَقِّ الْمُسْقِطِ فَمِنْ ضَرُورَتِهِ سُقُوطُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ؛
-
لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْقُطْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لَكَانَ إذَا اسْتَوْفَاهُ يَصِيرُ حَقُّ الْغَيْرِ مُسْتَوْفًى أَيْضًا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَبْقَ بَعْدَ السُّقُوطِ لَا يَتَمَكَّنُ الْآخَرُ مِنْ الْمُطَالَبَةِ بِهِ
-
بِخِلَافِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ مُتَجَزِّئٌ فِي نَفْسِهِ، وَبِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِنَّا لَوْ نَفَيْنَا حَقَّ الْآخَرِ لَا يَصِيرُ حَقُّ الْمُسْقِطِ مُسْتَوْفًى، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَقَّ يَتَعَدَّدُ هُنَاكَ،
-
وَكَذَلِكَ فِي الشُّفْعَةِ، وَفِي الْقِصَاصِ مَا لَا يَحْتَمِلُ التَّجْزِيءُ لَا يَبْقَى بَعْدَ عَفْوِ أَحَدِهِمْ، وَإِنَّمَا يَبْقَى مَا يَحْتَمِلُ التَّجْزِيءُ، وَهُوَ الدِّيَةُ وَبِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ وَلَكِنَّ الْمُصَدِّقَ يُنْكِرُ سَبَبَ الْوُجُوبِ، وَهُوَ إحْصَانُ الْمَقْذُوفِ وَإِنْكَارُ سَبَبِ وُجُوبِ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ إسْقَاطًا لَهُ فَوِزَانُهُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ أَنْ لَوْ ادَّعَى أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ أَنْ الزَّوْجَ كُفُؤٌ، وَأَثْبَتَ الْآخَرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ التَّفْرِيقَ وَأَمَّا إذَا رَضِيَتْ هِيَ فَلِأَنَّ الْحَقَّ الثَّابِتَ لَهَا غَيْرُ الْحَقِّ الثَّابِتِ لِلْأَوْلِيَاءِ؛
-
لِأَنَّ الثَّابِتَ لَهَا صِيَانَةُ نَفْسِهَا عَنْ ذُلِّ الِاسْتِفْرَاشِ، وَلِلْأَوْلِيَاءِ صِيَانَةُ نَسَبِهِمْ عَنْ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ بِالْمُصَاهَرَةِ مَنْ لَا يُكَافِئُهُمْ، وَأَحَدُهُمَا غَيْرُ الْآخَرِ فَلَمْ يَكُنْ إسْقَاطُ أَحَدِهِمَا مُوجِبًا سُقُوطَ الْآخَرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لَهَا فِي مَوْضِعٍ لَا يَثْبُتُ؛
-
لِلْأَوْلِيَاءِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَتَى فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ؛ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ حَتَّى وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِي أَصْلِ النِّكَاحِ فَيَبْقَى ذَلِكَ بِبَقَاءِ الْعِدَّةِ، وَسُكُوتُ الْوَلِيِّ عَنْ الْمُطَالَبَةِ بِالتَّفْرِيقِ لَيْسَ بِرِضًا مِنْهُ بِالنِّكَاحِ،
-
وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ حَتَّى تَلِدَ، وَلَهُ الْخُصُومَةُ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ ثَابِتٌ لَهُ، وَالسُّكُوتُ لَيْسَ بِمُبْطِلٍ لِلْحَقِّ الثَّابِتِ بِصِفَةِ التَّأَكُّدِ؛ وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْخُصُومَةِ فِي الْمُطَالَبَةِ، وَقَدْ لَا يَرْغَبُ الْإِنْسَانُ بِالْخُصُومَةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَتَأْخِيرُهُ إلَى أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْهُ لَا يَكُونُ مُبْطِلًا حَقَّهُ
-
زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ غَيْرَ كُفْءٍ ثُمَّ فَارَقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِهِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ
-
(قَالَ) : وَإِذَا زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ غَيْرَ كُفْءٍ ثُمَّ فَارَقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِهِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ كَانَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَرِضَاهُ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ بَيْنَهُمَا لَا يَكُونُ رِضًا بِالْعَقْدِ الْآخَرِ كَمَا أَنَّ رِضَاهُ بِرَجُلٍ لَا يُكَافِئُهَا لَا يَكُونُ رِضًا بِرَجُلٍ آخَرَ إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ
-
تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ غَيْرَ كُفْءٍ ثُمَّ جَاءَ الْوَلِيُّ فَقَبَضَ مَهْرَهَا وَجَهَّزَهَا
-
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ غَيْرَ كُفْءٍ ثُمَّ جَاءَ الْوَلِيُّ فَقَبَضَ مَهْرَهَا وَجَهَّزَهَا فَهَذَا مِنْهُ رِضًا بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمَهْرِ تَقْرِيرٌ لِحُكْمِ الْعَقْدِ فَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الرِّضَا بِالْعَقْدِ ضَرُورَةً.
-
وَمُبَاشَرَةَ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ دَلِيلُ الرِّضَا بِمَنْزِلَةِ التَّصْرِيحِ بِالرِّضَا أَلَا تَرَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفِعْلِ يَكُونُ إجَازَةً لِلْعَقْدِ فَلَأَنْ يَكُونُ رِضًا بِالْعَقْدِ النَّافِذِ كَانَ أَوْلَى،
-
وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا وَلَكِنْ خَاصَمَ زَوْجَهَا فِي نَفَقَتِهَا أَوْ فِي بَقِيَّةِ مَهْرِهَا عَلَيْهِ بِوَكَالَةٍ مِنْهَا فَفِي الْقِيَاسِ هَذَا لَا يَكُونُ رِضًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا خَاصَمَ فِي ذَلِكَ؛ لِيُظْهِرَ عَجْزَ الزَّوْجِ عَنْهُ، وَهُوَ أَحَدُ أَسْبَابِ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ، وَاشْتِغَالُهُ بِإِظْهَارِ سَبَبِ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ يَكُونُ تَقْرِيرًا لِحَقِّهِ لَا إسْقَاطًا، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَكُونُ هَذَا رِضًا بِالنِّكَاحِ؛
-
لِأَنَّهُ إنَّمَا يُخَاصِمُ فِي الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ؛ لِيَسْتَوْفِيَ، وَالِاسْتِيفَاءُ يَنْبَنِي عَلَى تَمَامِ الْعَقْدِ فَتَكُونُ خُصُومَتُهُ فِي ذَلِكَ رِضًا مِنْهُ بِتَمَامِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا
-
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ غَيْرَ كُفْءٍ وَدَخَلَ بِهَا وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِخُصُومَةِ الْوَلِيِّ، وَأَلْزَمَهُ الْمَهْرَ وَأَلْزَمَهَا الْعِدَّةَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا كَانَ لَهَا عَلَيْهِ الْمَهْرُ الثَّانِي كَامِلًا وَعَلَيْهَا عِدَّةٌ مُسْتَقْبَلَةٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ، وَعَلَيْهَا بَقِيَّةُ الْعِدَّةِ الْأُولَى، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ لَوْ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً ثَانِيَةً فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ فَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَجِبُ الْمَهْرُ الثَّانِي كَامِلًا، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَجِبُ نِصْفُ الْمَهْرِ الثَّانِي،
-
وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ يَلْزَمُهَا بَقِيَّةُ الْعِدَّةِ الْأُولَى؛ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} الْآيَةَ، وَقَالَ {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} ، وَفِي النِّكَاحِ الثَّانِي الطَّلَاقُ حَصَلَ قَبْلَ الْمَسِيسِ؛
-
لِأَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ غَيْرُ مَبْنِيٍّ عَلَى الْأَوَّلِ وَالدُّخُولُ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ لَمْ يُجْعَلْ دُخُولًا فِي النِّكَاحِ الثَّانِي.
-
أَلَا تَرَى أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ يُبِينُهَا فَصَارَ فِي حَقِّ الْعَقْدِ الثَّانِي كَأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يُوجَدْ أَصْلًا إلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُوجِبُ بَقِيَّةَ الْعِدَّةِ الْأُولَى احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْعِدَّةِ كَانَتْ وَاجِبَةً وَبِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ صَارَ النِّكَاحُ الثَّانِي كَالْمَعْدُومِ وَزُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْعِدَّةُ الْأُولَى سَقَطَتْ بِالنِّكَاحِ الثَّانِي، وَالسَّاقِطُ مِنْ الْعِدَّةِ لَا يَعُودُ، وَتَجَدُّدُ وُجُوبِ الْعِدَّةِ يَسْتَدْعِي تَجَدُّدَ السَّبَبِ، وَهُمَا قَالَا: الْعَقْدُ الثَّانِي يَتَأَكَّدُ بِنَفْسِهِ، وَالْفُرْقَةُ مَتَى حَصَلَتْ بَعْدَ تَأَكُّدِ الْعَقْدِ يَجِبُ كَمَالُ الْعِدَّةِ وَالْمَهْرِ، وَبَيَانُ التَّأَكُّدِ أَنَّ الْيَدَ وَالْفِرَاشَ يَبْقَى بِبَقَاءِ الْعِدَّةِ فَإِنَّمَا تَزَوَّجَهَا، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي يَدِهِ حُكْمًا فَيَصِيرُ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ كَالْغَاصِبِ إذَا اشْتَرَى مِنْ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ الْمَغْصُوبَ وَبِهِ يَتَأَكَّدُ حُكْمُ النِّكَاحِ سَوَاءٌ وُجِدَ الدُّخُولُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ كَمَا يَتَأَكَّدُ بِالْخَلْوَةِ، وَبِهِ يَبْطُلُ اعْتِمَادُهُمْ عَلَى حُصُولِ الْبَيْنُونَةِ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ فَإِنَّ بَعْدَ الْخَلْوَةِ صَرِيحَ الطَّلَاقِ يُبِينُهَا.
-
وَيَكُونُ النِّكَاحُ مُتَأَكَّدًا فِي حُكْمِ الْمَهْرِ وَالْعِدَّةِ؛ وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْعِدَّةِ؛ لِتَوَهُّمِ اشْتِغَالِ الرَّحِمِ بِالْمَاءِ عِنْدَ الْفُرْقَةِ، وَهَذَا قَائِمٌ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ فِي تَجْدِيدِ الْعَقْدِ فِي بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَقَدْ كَانَ تَوَهُّمُ الشُّغْلِ ثَابِتًا حَتَّى أَوْجَبْنَا الْعِدَّةَ عِنْدَ الْفُرْقَةِ الْأُولَى، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَلْزَمُ؛
-
لِأَنَّهُ يَلْزَمُهَا بَقِيَّةُ الْعِدَّةِ الْأُولَى بِاعْتِبَارِ تَوَهُّمِ الشُّغْلِ وَالْعِدَّةُ لَا تَتَجَزَّأُ فِي الْوُجُوبِ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ لَوْ كَانَتْ الْفُرْقَةُ بِسَبَبِ اللِّعَانِ أَوْ بِخِيَارِ الْبُلُوغِ أَوْ بِخِيَارِ الْعِتْقِ كُلُّهُ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ النِّكَاحُ الْأَوَّلُ فَاسِدًا أَوْ كَانَ دَخَلَ بِهَا بِشُبْهَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا نِكَاحًا صَحِيحًا فِي الْعِدَّةِ،
-
وَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ الْأَوَّلُ صَحِيحًا وَالثَّانِي فَاسِدًا فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَا يَجِبُ الْمَهْرُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ صَيْرُورَتَهُ قَابِضًا بِاعْتِبَارِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْقَبْضِ شَرْعًا، وَذَلِكَ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ لَا يَكُونُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَلْوَةَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا تُوجِبُ الْمَهْرَ وَالْعِدَّةَ فَهُنَا كَذَلِكَ الْعِدَّةُ الْأُولَى لَمْ تَسْقُطْ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ فَبَقِيَتْ مُعْتَدَّةً كَمَا كَانَتْ،
-
وَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ إذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ،
-
وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ الثَّانِي صَحِيحًا فَارْتَدَّتْ وَوَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ الَّذِي قُلْنَا: لَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَوْ كَانَ تَزَوَّجَهَا فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ كَانَ الْجَوَابُ عِنْدَهُمْ كَمَا هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْفُصُولِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛
-
لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ عَلَيْهَا تِلْكَ الْيَدُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَالتَّزَوُّجُ بِهَا وَبِأَجْنَبِيَّةٍ أُخْرَى سَوَاءٌ
-
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ رَجُلًا خَيْرًا مِنْهَا فَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْكَفَاءَةَ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ مِنْ جَانِبِ النِّسَاءِ فَإِنَّ الْوَلِيَّ لَا يَتَغَيَّرُ بِأَنْ يَكُونَ تَحْتَ الرَّجُلِ مَنْ لَا تُكَافِئُهُ؛ وَلِأَنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ يَكُونُ إلَى أَبِيهِ لَا إلَى أُمِّهِ أَلَا تَرَى أَنَّ إسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ مِنْ قَوْمِ إبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه لَا مِنْ قَوْمِ هَاجَرَ،
-
وَكَذَلِكَ إبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَا كَانَ قِبْطِيًّا، وَأَوْلَادُ الْخُلَفَاءِ مِنْ الْإِمَاءِ يَصْلُحُونَ لِلْخِلَافَةِ
-
(قَالَ) : وَإِذَا تَسَمَّى الرَّجُلُ لِامْرَأَةٍ بِغَيْرِ اسْمِهِ وَانْتَسَبَ لَهَا إلَى غَيْرِ نَسَبِهِ فَتَزَوَّجَتْهُ فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: (أَحَدُهَا) : أَنْ يَكُونَ النَّسَبُ الْمَكْتُومُ أَفْضَلَ مِمَّا أَظْهَرَهُ بِأَنْ أَخْبَرَهَا أَنَّهُ مِنْ الْعَرَبِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ قُرَيْشٍ، وَفِي هَذَا لَا خِيَارَ لَهَا،
-
وَلَا لِلْأَوْلِيَاءِ؛ لِأَنَّهَا وَجَدَتْهُ خَيْرًا مِمَّا شَرَطَ لَهَا فَهُوَ كَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ مَعِيبٌ فَإِذَا هُوَ سَلِيمٌ.
-
(وَالثَّانِي) : إذَا كَانَ نَسَبُهُ الْمَكْتُومُ دُونَ مَا أَظْهَرَهُ، وَلَكِنَّهُ فِي النَّسَبِ الْمَكْتُومِ غَيْرُ كُفْءٍ لَهَا بِأَنْ تَزَوَّجَ قُرَشِيَّةً عَلَى أَنَّهُ مِنْ قُرَيْشٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ
-
الْعَرَبِ أَوْ مِنْ الْمَوَالِي، وَفِي هَذَا لَهَا الْخِيَارُ،
-
وَإِنْ رَضِيَتْ هِيَ فَلِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا؛ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ.
-
(وَالثَّالِثُ:) إنْ كَانَ النَّسَبُ الْمَكْتُومُ دُونَ مَا أَظْهَرَ، وَلَكِنَّهُ فِي النَّسَبِ الْمَكْتُومِ كُفُؤٌ لَهَا بِأَنْ تَزَوَّجَ عَرَبِيَّةً عَلَى أَنَّهُ مِنْ قُرَيْشٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ الْعَرَبِ، وَفِي هَذَا لَيْسَ لِلْأَوْلِيَاءِ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِالْفُرْقَةِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْخُصُومَةِ لِلْأَوْلِيَاءِ؛ لِدَفْعِ الْعَارِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى لَا يُنْسَبَ إلَيْهِمْ بِالْمُصَاهَرَةِ مَنْ لَا يُكَافِئُهُمْ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا، وَلَكِنْ لَهَا الْخِيَارُ إنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعَهُ،
-
وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا خِيَارَ لَهَا كَمَا لَا يَثْبُتُ لِلْأَوْلِيَاءِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمُطَالَبَةِ بِالْكَفَاءَةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنَّا نَقُولُ: شَرَطَ لَهَا زِيَادَةَ مَنْفَعَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وَلَدُهَا مِنْهُ صَالِحًا لِلْخِلَافَةِ فَإِذَا لَمْ تَنَلْ هَذَا الشَّرْطَ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ كَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ كَاتِبٌ أَوْ خَبَّازٌ فَوَجَدَهُ لَا يُحْسِنُهُ، وَهَذَا لِأَنَّ فِي الِاسْتِفْرَاشِ ذُلًّا فِي جَانِبِهَا، وَالْمَرْأَةُ قَدْ تَرْضَى اسْتِفْرَاشَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا،
-
وَلَا تَرْضَى اسْتِفْرَاشَ مَنْ هُوَ مِثْلُهَا فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّهُ غَرَّهَا فَقَدْ تَبَيَّنَ انْعِدَامُ تَمَامِ الرِّضَا مِنْهَا فَلِهَذَا كَانَ لَهَا الْخِيَارُ.
-
بِخِلَافِ الْأَوْلِيَاءِ فَإِنَّ ثُبُوتَ الْخِيَارِ لَهُمْ؛ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ فَقَطْ وَلِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ مِثْلُ قَوْلِنَا وَقَوْلٌ مِثْلُ قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَوْلٌ آخَرُ: أَنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ هُوَ قُرَشِيٌّ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَلَكِنَّا نَقُولُ الْإِشَارَةُ مَعَ التَّسْمِيَةِ إذَا اجْتَمَعَا فَالْعِبْرَةُ لِلْإِشَارَةِ؛
-
لِأَنَّ التَّعْرِيفَ بِالْإِشَارَةِ أَبْلَغُ، وَبِهَذَا وَنَحْوِهِ نَسْتَدِلُّ عَلَى قِلَّةِ فِقْهِهِ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الْجَوَابِ لَا يَعْجِزُ عَنْهُ غَيْرُ الْفَقِيهِ،
-
وَمَنْ سُئِلَ عَنْ طَرِيقٍ فَقَالَ: إمَّا مِنْ هَذَا الْجَانِبِ وَإِمَّا مِنْ هَذَا الْجَانِبِ فَيُشِيرُ إلَى الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِالطَّرِيقِ أَصْلًا
-
(قَالَ:) وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي غَرَّتْ الزَّوْجَ وَانْتَسَبَتْ إلَى غَيْرِ نَسَبِهَا فَلَا خِيَارَ لَهُ فِيهِ إذَا عَلِمَ، وَهِيَ امْرَأَتُهُ إنْ شَاءَ طَلَّقَهَا،
-
وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَفُوتُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَقَاصِدِ النِّكَاحِ بِمَا ظَهَرَ مِنْ غُرُورِهَا لَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ،
-
وَلَا فِي وَلَدِهِ؛ وَلِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّخَلُّصِ مِنْهَا بِالطَّلَاقِ فَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ الْخِيَارِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
-
قَالَ: (وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أَنْ يُسْلِمَ لَهُ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنْطَةِ فَأَسْلَمَهَا الْوَكِيلُ بِشُرُوطِ السَّلَمِ وَدَفَعَ الدَّرَاهِمَ مِنْ عِنْدِهِ فَهُوَ جَائِزٌ) لِأَنَّ السَّلَمَ عَقْدُ تُمْلِيكِ الْآمِرِ بِمُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ فَيَجُوزُ مِنْهُ تَوْكِيلُ غَيْرِهِ بِهِ كَبَيْعِ الْعَيْنِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ وَهَذَا عَقْدُ يَمْلِكْ الْمَأْمُورُ مُبَاشَرَتِهِ لِنَفْسِهِ فَيَصِحُّ مِنْهُ مُبَاشَرَتُهُ لِغَيْرِهِ بِأَمْرِهِ كَالْبَيْعِ لِأَنَّ الْعَاقِدَ بَاشَرَ الْعَقْدَ بِأَهْلِيَّتِهِ وَوِلَايَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ سَوَاءً بَاشَرَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ
-
بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إلَى الْمَدِينَةِ} الْآيَةَ وَمَنْ دَفْعَ إلَى آخَرَ دَرَاهِمَ لِيَشْتَرِيَ بِهَا شَيْئًا فَإِنَّ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ يَكُونُ وَكِيلًا مِنْ جِهَةِ الدَّافِعِ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ دَفْعَ إلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَوْ إلَى عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ بِهِ أُضْحِيَّةً» فَدَلَّ أَنَّ التَّوْكِيلَ جَائِزٌ فِي الْبَيْعِ فَكَذَلِكَ فِي السَّلَمِ لِأَنَّ السَّلَمَ نَوْعُ بَيْعٍ عَلَى مَا عَرَفَ
-
وَكَذَلِكَ النَّاسُ تَعَامَلُوا مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى يَوْمِنَا هَذَا التَّوْكِيلُ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ جَمِيعًا فَإِذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ الْوَكِيلُ فِي السَّلَمِ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ حَتَّى تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ بِتَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ دُونَ الْمُوَكِّلِ
-
وَكَذَلِكَ حَقُّ قَبْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ يَكُونُ لِلْوَكِيلِ دُونُ الْمُوَكِّلِ وَهَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَلِكَ لِلْمُوَكِّلِ كُلُّهُ وَعَلَيْهِ وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِالْمُوَكِّلِ، قَالَ: (لِأَنَّ الْوَكِيلَ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ عَنْهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّسُولِ فَإِذَا عَقْدَ الْعَقْدَ خَرَجَ مِنْ الْوَسَطِ وَصَارَ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّ الْمُوَكِّلَ عَقَدَهُ بِنَفْسِهِ) أَلَا تَرَى أَنَّ مَا هُوَ حُكْمُ الْعَقْدِ وَهُوَ الْمِلْكُ يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ فَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ أَحْكَامِهِ وَشَبَّهَ هَذَا بِالْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ بِالصَّدَاقِ وَلَا يَكُونُ لَهُ حَقُّ قَبْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ لِلْمُوَكِّلِ
-
وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَتَتَعَلَّقُ أَحْكَامُهُ بِمِنْ قَصَدَ تَحْصِيلُهُ لِنَفْسِهِ دُونَ مَنْ عَبَّرَ عَنْهُ وَلَنَا أَنَّ الْعَاقِدَ هُوَ الْوَكِيلُ وَسَبَبُ تَعَلُّقِ حُقُوقُ الْعَقْدِ بِالْمَرْءِ مُبَاشَرَتُهُ الْعَقْدَ وَثُبُوته الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ فَإِذَا كَانَ هُوَ الْعَاقِدُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا تَتَعَلَّقُ حُقُوقُ الْعَقْدِ بِهِ كَمَا لَوْ بَاشَرَ الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ وَهَذَا لِأَنَّ وِلَايَتَهُ مُبَاشَرَةُ الْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ أَهْلِيَّتِهِ وَبِاعْتِبَارِ كَوْنِ مَا هُوَ رُكْنُ الْعَقْدِ وَهُوَ الْكَلَامُ مِنْ خَالِصِ حَقِّهِ وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِمُبَاشَرَتِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَنُفُوذِهِ شَرْعًا بِاعْتِبَارِ وِلَايَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ لَا أَنْ يُثْبِتَ لَهُ بِأَمْرِ الْمُوَكِّلِ إيَّاهُ وِلَايَةً لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً مِنْ قَبْلِ هَذَا لِبَيَانِ أَنَّهُ عَاقِدٌ حَقِيقَةً وَشَرْعًا وَمَنْ حَيْثُ الْحُكْمُ فَلِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ وَلَوْ كَانَ مُعَبِّرًا عَنْهُ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ ذِكْرِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ فَثَبَتَ أَنَّهُ عَاقِدٌ حُكْمًا مُبَاشِرٌ لِلْعَقْدِ
-
بِخِلَافِ الرَّسُولِ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ مَبْلَغِ الْأَمْرِ إلَى مَنْ أُرْسِلَ إلَيْهِ وَلَا يُسْتَغْنَى عَنْ الْإِضَافَةِ إلَيْهِ
-
وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالنِّكَاحِ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ حَتَّى لَوْ قَالَ: تَزَوَّجْتُكِ كَانَ النِّكَاحُ لَهُ دُونَ الْمُوَكِّلِ
-
فَأَمَّا حُكْمُ الْعَقْدِ وَهُوَ الْمِلْكُ فَفِيهِ طَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ يَثْبُتُ لِلْوَكِيلِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنْهُ إلَى الْمُوَكِّلِ مِنْ سَاعَتِهِ كَمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ بِالتَّوْكِيلِ السَّابِقِ وَمُبَاشَرَتِهِ السَّبَبِ تَسْتَدْعِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ إلَّا أَنَّهُ يَسْتَقِرُّ لَهُ فَيَثْبُتُ أَوَّلًا لَهُ
-
ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ قَرِيبَهُ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ لَا يُفْسِدُ النِّكَاحَ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي مِلْكًا مُسْتَقِرًّا وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ لِلْوَكِيلِ وَعَلَى الطَّرِيقِ الْآخَرِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِسَبَبٍ يَنْعَقِدُ حُكْمُهُ مُوجِبًا لِلْوَكِيلِ إلَّا أَنَّ الْمُوَكِّلَ قَامَ مَقَامَهُ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ بِالتَّوْكِيلِ السَّابِقِ فَيَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ عَلَى وَجْهِ الْخِلَافَةِ عَنْ الْوَكِيلِ كَالْعَبْدِ يَقْبَلُ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةِ وَيَصْطَادُ فَيَقَعُ الْمِلْكُ فِيهِ لِمَوْلَاهُ عَلَى وَجْهِ الْخِلَافَةِ وَإِذَا ثَبُتَ أَنَّ الْوَكِيلَ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ كَانَ هُوَ الْمُطَالَبُ بِتَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ فَإِذَا نَقَدَهُ مِنْ عِنْدِهِ رَجَعَ بِمِثْلِهِ عَلَى الْأَمْرِ لِأَنَّهُ نَقَدَ مَالَ نَفْسِهِ فِي عَقْدِ حَصَلَ مَقْصُودُ ذَلِكَ الْعَقْدِ لِلْآمِرِ فَأَمْرُهُ إيَّاهُ بِالْعَقْدِ يَكُونُ أَمْرًا بِأَدَاءِ رَأْسِ الْمَالِ مِنْ عِنْدِهِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ
-
وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ هُوَ الَّذِي يَقْبِضُ الطَّعَامَ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ بِمَنْزِلَةِ الْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ وَالْغُنْمُ بِمُقَابِلَةِ الْغُرْمِ فَإِذَا كَانَ هُوَ الْمُطَالِبُ بِتَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ كَانَ حَقُّ قَبْضِ الطَّعَامِ إلَيْهِ أَيْضًا فَإِذَا قَبَضَهُ كَانَ لَهُ حَبْسُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الدَّرَاهِمَ مِنْ الْمُوَكِّلِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ كَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ إذَا نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَقَبَضَ السِّلْعَةَ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ أَمَّا إذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَحْبِسَهُ فَإِنَّمَا يُهْلِكُ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَلِلْوَكِيلِ أَنْ يُرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى مِنْ الدَّرَاهِمِ لِأَنَّهُ فِي أَصْلِ الْقَبْضِ عَامِلٌ لَهُ حَتَّى يَتَعَيَّنَ بِهِ مِلْكُ الْمُوَكِّلِ فِي السَّلَمِ وَيَتِمُّ مِلْكُهُ بِهِ فِي الْمُشْتَرِي فَيَكُونُ هَلَاكُهُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ كَهَلَاكِهِ فِي يَد الْمُوَكِّلِ فَإِنْ لَمْ يُهْلِكْ وَأَرَادَ الْوَكِيلُ حَبْسُهُ بِالثَّمَنِ فَلَهُ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَقَالَ: زُفَرُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ صَارَ قَابِضًا بِقَبْضِ الْوَكِيلِ بِدَلِيلِ أَنَّ هَلَاكَهُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ كَهَلَاكِهِ فِي يَدِ الْمُوَكِّلِ فَكَأَنَّهُ قَبَضَ حَقِيقَةً ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى الْوَكِيلِ وَهَذَا لِمَعْنَيَيْنِ:
-
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْمَقْبُوضَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْوَكِيلِ وَالثَّمَنُ دَيْنٌ لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَيْسَ لِلْأَمِينِ أَنْ يَحْبِسَ الْأَمَانَةَ بِدَيْنِهِ عَلَى صَاحِبِهَا وَالثَّانِي أَنَّ الْوَكِيلَ لَمَا قَبَضَهُ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الْمُوَكِّلَ يَصِيرُ بِهِ قَابِضًا فَقَدْ رَضِيَ بِقَبْضِ الْمُوَكِّلِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ سَلَّمَهُ إلَيْهِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ أَوْ بِمَنْزِلَةِ بَائِعِ سَلَمِ السِّلْعَةِ إلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا لِلْحَبْسِ بِالثَّمَنِ وَلَنَا أَنَّ الْمُوَكِّلَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي بِعَقْدِ بَاشَرَهُ الْوَكِيلُ بِبَدَلٍ اسْتَوْجَبَهُ الْوَكِيلُ عَلَيْهِ حَالًا وَإِلَّا فَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْعَيْنَ بِهِ كَالْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي وَهَذَا لِأَنَّ الْوَكِيلَ مَعَ الْمُوَكِّلِ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي إمَّا لِأَنَّ الْمُوَكِّلِ يَتَلَقَّى الْمِلْكَ فِيهِ مِنْ الْوَكِيلِ بِعِوَضٍ وَلِهَذَا لَوْ اخْتَلَفَ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ فِي الثَّمَنِ تَحَالَفَا وَلَوْ وَجَدَ بِهِ الْمُوَكِّلُ عَيْبًا رَدَّهُ عَلَى الْوَكِيلِ قَوْلُهُ بِأَنْ الْمُوَكِّلَ صَارَ قَابِضًا بِقَبْضِ الْوَكِيلِ فَفِيهِ طَرِيقَتَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ قَبْضَ الْوَكِيلِ مُتَرَدَّدٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَضَمِّ مَقْصُودِ الْوَكِيلِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِأَحْيَاءِ
-
حَقِّ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ بِحَبْسِهِ فَكَانَ الْأَمْرُ فِيهِ مَوْهُومًا فِي الِابْتِدَاءِ إنْ لَمْ يَحْبِسْهُ عَنْهُ عَرَفْنَا أَنَّهُ كَانَ عَامِلًا لِلْمُوَكِّلِ وَإِنْ حَبَسَهُ عَنْهُ عَرَفْنَا أَنَّهُ كَانَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ وَإِنَّ الْمُوَكِّلَ لَمْ يَصِرْ قَابِضًا بِقَبْضِهِ
-
(وَالثَّانِي) إنَّ هَذَا قَبْضٌ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى الْحَبْسِ مَا لَمْ يَقْبِضْ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْبِضَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَصِيرُ الْمُوَكِّلُ بِهِ قَابِضًا وَمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّهُ فِي الْحَبْسِ لِأَنَّ سُقُوطَ حَقِّهِ بِاعْتِبَارِ رِضَاهُ بِتَسْلِيمِهِ وَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ الرِّضَا فِيمَا لَا طَرِيقَ لَهُ إلَّا التَّحَرُّزَ عَنْهُ فَإِذَا حَبَسَهُ الْوَكِيلُ وَهَلَكَ فِي يَدِهِ فَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ هُوَ غَاصِبٌ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مِثْلِهِ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يُهْلِكُ فِي يَدِهِ هَلَاكَ الرَّهْنِ مَضْمُونًا بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمَنْ الثَّمَنِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَهْلَكُ هَلَاكَ الْمَبِيعِ مَضْمُونًا بِالثَّمَنِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَهَذَا الْخِلَافُ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ فَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ إنَّمَا كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالْحَبْسِ بِحَقِّهِ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ مَضْمُونًا فَيَكُونُ فِي مَعْنَى الْمَرْهُونِ
-
بِخِلَافِ الْمَبِيعِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِنَفْسِ الْعَقْدِ حَبَسَهُ أَوْ لَمْ يَحْبِسْهُ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ لِيَسْتَوْفِيَ مَا أَدَّى عَنْهُ مِنْ الدَّيْنِ وَالْحَبْسِ لِلِاسْتِيفَاءِ حُكْمُ الرَّهْنِ وَلِأَنَّ بِهَلَاكِهِ لَا يَنْفَسِخُ أَصْلُ الْبَيْعِ
-
بِخِلَافِ الْمَبِيعِ إذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَسُقُوطُ الثَّمَنِ هُنَاكَ لِانْفِسَاخِ الْبَيْعِ وَهُمَا يَقُولَانِ الْوَكِيلُ مَعَ الْمُوَكِّلِ كَالْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي بِدَلِيلِ مَا بَيَّنَّا فَكَمَا أَنَّ الْمَبِيعَ إذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْبَائِعِ سَقَطَ الثَّمَنُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَكَذَلِكَ هُنَا وَلَا نَقُولُ الْعَقْدُ لَا يَنْفَسِخُ هُنَا بَلْ انْفَسَخَ فِيمَا بَيْنَ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ وَإِنْ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي حَقِّ الْبَائِعِ وَهُوَ كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمُوَكِّلُ بِالْمُشْتَرِي عَيْبًا فَرَدَّهُ وَرَضِيَ بِهِ الْوَكِيلُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْوَكِيلُ وَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُوَكِّلُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ نَظِيرُ الرَّهْنِ أَنَّ هَذَا الْحَبْسَ ثَبَتَ فِي النِّصْفِ الشَّائِعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَالْحَبْسَ بِحُكْمِ الرَّهْنِ لَا يَثْبُتُ فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ بِحُكْمِ الْبَيْعِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ كَالْمَبِيعِ
-
قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ دَفْعَ رَأْسَ الْمَالِ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَأَخَذَ بِالسَّلَمِ كَفِيلًا أَوْ رَهْنًا فَهُوَ جَائِزٌ) لِأَنَّ مُوجِبَ الرَّهْنِ بِثُبُوتِ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ وَالْوَكِيلُ يَمْلِكُ الِاسْتِيفَاءَ حَقِيقَةً فَيَمْلِكُ أَخْذَ الرَّهْنِ بِهِ وَالْكَفَالَةِ لِلتَّوْثِيقِ وَالْوَكِيلُ هُوَ الْمُطَالِبُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَوَثَّقَ بِأَخْذِ الْكَفِيلِ بِهِ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمُطَالَبَةَ فَمَلَكَ التَّوَثُّقَ بِالْمُطَالَبَةِ
-
قَالَ: (فَإِنْ حَلَّ السَّلَمِ فَأَخَّرَهُ الْوَكِيلُ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَهُوَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَيَضْمَنُ طَعَامَ السَّلَمِ لِلْمُوَكِّلِ) وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا يَصِحُّ تَأْخِيرُهُ
-
وَكَذَلِكَ إنْ أَبْرَأَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ عَنْ طَعَامِ السَّلَمِ وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ طَعَامَ السَّلَمِ أَصْلٌ يَقْبَلُ
-
الْإِبْرَاءَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَأَصْلُ هَذَا فِيمَا إذَا عَقْدَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ أَبْرَأَهُ عَنْ طَعَامِ السَّلَمِ صَحَّ أَبَرَاؤُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يَقْبَلُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ فَإِذَا قَبِلَ كَانَ فَسْخًا لَعَقَدَ السَّلَمِ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَبِيعٌ وَتَمْلِيكُ الْمَبِيعِ مِنْ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يَقْبَلْ فَإِذَا قَبِلَ انْفَسَخَ الْعَقْدُ كَالْمُشْتَرَى إذَا وَهَبَ الْمَبِيعَ مِنْ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ دَيْنٌ لَا يَسْتَحِقُّ قَبْضَهُ فِي الْمَجْلِسِ فَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنْهُ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ
-
بِخِلَافِ بَدَلِ الصَّرْفِ أَوْ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ فَإِنَّ قَبْضَهُ فِي الْمَجْلِسِ مُسْتَحَقٌّ وَهَذَا لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ لِلتَّعْيِينِ الَّذِي هُوَ شَرَطَ الْعَقْدِ وَالْإِبْرَاءِ مُفَوِّتٌ لِذَلِكَ
-
وَأَمَّا الدَّيْنُ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ قَبْضَهُ فِي الْمَجْلِسِ فَتَعْيِينُهُ لَيْسَ شَرْطًا لِجَوَازِ إسْقَاطِ الْقَبْضِ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ دَيْنٌ يَجِبُ بِالْعَقْدِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَنِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَقْدَ يُضَافُ إلَيْهِ وَيُورِدُ عَلَيْهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَبِيعِ فَتُوَفِّرُ حَظَّهُ عَلَيْهِمَا فَنَقُولُ لِشَبَهِهِ بِالْبَيْعِ لَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلِشَبَهِهِ بِالثَّمَنِ يَجُوزُ إسْقَاطُ الْقَبْضِ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ إذَا ثَبَتَ هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ عَقْدُ السَّلَمِ فَنَقُولُ لِنَفْسِهِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ إذَا كَانَ وَكِيلًا يَصِحُّ أَبَرَاؤُهُ وَيَضْمَنُ مِثْلَهُ لِلْمُوَكِّلِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَلَا يَصِحُّ أَبَرَاؤُهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ
-
وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِي الْمُتَارَكَةِ إذَا تَارِكَ الْوَكِيلُ السَّلَمِ مَعَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ
-
وَكَذَلِكَ الْخِلَاف فِي الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا أَبْرَأَ الْمُشْتَرِي عَنْ الثَّمَنِ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ أَوْ أَجَّلَهُ فِيهِ صَحَّ ذَلِكَ وَضَمِنَهُ لِلْمُوَكِّلِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَسْتَحْسِنُ ذَلِكَ وَأَدْعُ الْقِيَاسَ فِيهِ قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ وَهَذَا عَجَبٌ مِنْ أَبِي يُوسُفَ يَقُولُ أَسْتَحْسِنُ وَالْقِيَاسَ مَا قَالَهُ لِأَنَّ الثَّمَنَ وَالْمُسْلَمَ فِيهِ مِلْكُ الْمُوَكِّلِ فَإِنَّهُ بَدَلُ مِلْكِهِ وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْبَدَلَ بِمِلْكِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّ بِقَبْضِهِ يَتَعَيَّنُ مِلْكُ الْمُوَكِّلِ وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِالْقَبْضِ مِلْكُ مِنْ كَانَ مَالِكًا قَبْلَهُ فَالْوَكِيلُ تَصْرِفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ
-
بِخِلَافِ مَا أَمَرَهُ بِهِ فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ كَمَا لَوْ قَبْضَهُ فَوَهَبَهُ مِنْهُ وَدَلِيلُ أَنَّ تَصَرُّفَهُ
-
بِخِلَافِ مَا أَمَرَهُ بِهِ فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ كَمَا لَوْ قَبَضَهُ فَوَهَبَهُ مِنْهُ وَدَلِيلُ أَنَّ تَصَرُّفَهُ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَنَّ الْوَكِيلَ ضَامِنٌ عِنْدَكُمْ وَلَا يَضْمَنُ إلَّا بِالْخِلَافِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مِلْكُ الْمُوَكِّلِ أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَبْرَأهُ عَنْهُ صَحَّ وَلَوْ قَبَضَهُ جَازَ قَبْضُهُ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى بِهِ شَيْئًا أَوْ صَالَحَ مِنْهُ عَلَى عَيْنٍ بِالثَّمَنِ صَحَّ وَلَوْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْمُوَكِّلِ دَيْن فَاشْتَرَى مِنْ الْوَكِيلِ شَيْئًا حَتَّى وَجَبَ لِلْمُوَكِّلِ عَلَى الْمُشْتَرِي دَيْنٌ أَيْضًا يَصِيرُ قِصَاصًا بِدَيْنِهِ فَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الثَّمَنَ الَّذِي يَجِبُ بِعَقْدِ الْوَكِيلِ مِلْكُ الْمُوَكِّلِ
-
وَإِنَّ الزَّكَاةَ فِي هَذَا الْمَالِ تَجِبُ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمِلْكَ لَهُ.
-
وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ الْوَكِيلَ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ حَقِّهِ فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ كَمَا لَوْ كَانَ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ وَبَيَانُ الْوَصْفِ فِي التَّأْجِيلِ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يُؤَخِّرُ الْمُطَالَبَةَ وَلَا يَسْقُطُ أَصْلُ الثَّمَنِ وَالْمُطَالَبَةُ حَقُّ الْوَكِيلِ حَتَّى يَنْفَرِدَ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ عَزْلَهُ عَنْهُ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُطَالِبَ إلَّا بِأَمْرِهِ
-
وَكَذَلِكَ الْإِبْرَاءُ فَإِنَّهُ إسْقَاطُ حَقِّ الْقَبْضِ وَالْقَبْضُ خَالِصُ حَقِّهِ لِأَنَّهُ حُكْمُ الْعَقْدِ وَهُوَ فِي حُكْمِ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ الْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَعْزِلُهُ أَحَدٌ عَنْهُ وَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يُجْبَرُ عَلَى التَّسْلِيمِ إلَّا إلَيْهِ وَإِنَّمَا يَخْلُفُهُ الْمُوَكِّلُ فِي مِلْكِ الْمَالِ بِمُقَابَلَةِ مِلْكِهِ وَالْمَالُ هُوَ الْمَقْبُوضُ دُونَ الدَّيْنِ وَالدَّيْنُ لَيْسَ بِمَالٍ حَتَّى أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَهُ دُيُونٌ عَلَى النَّاسِ لَا يَحْنَثُ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْقَبْضَ خَالِصٌ حَقُّهُ فَيَصِحُّ إسْقَاطُهُ بِالْأَبْرَاءِ ثُمَّ يَتَعَدَّى هَذَا التَّصَرُّفُ إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْمُوَكِّلِ فِي الْمَالِ بِاعْتِبَارِ الْمَالِ لِأَنَّهُ لَوْ قَبَضَ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِلْكَهُ وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ بِإِسْقَاطِهِ فَيَكُونُ ضَامِنًا لَهُ كَالرَّاهِنِ إذَا أَعْتَقَ الْمَرْهُونُ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ لِمُصَادِفَةِ حَقِّهِ وَيَضْمَنُ قِيمَةَ الْمَالِيَّةِ لِلْمُرْتَهِنِ لِأَنَّهُ تَلَفَهُ بِتَصَرُّفِهِ مِلْكَ الْمَالِيَّةِ
-
وَكَذَلِكَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ إذَا أَعْتَقَ وَهُوَ مَيْسُورٌ وَهُوَ مَسْقَطٌ لِلْقَبْضِ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُ تَمْلِيكِ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ إسْقَاطٌ صَحَّ مِنْهُ وَبَرِئَ الْمُشْتَرِي وَمَنْ حَيْثُ إنَّهُ تَمْلِيكُ الثَّمَنِ الَّذِي هُوَ حَقُّ الْمُوَكِّلِ مِنْ الْمُشْتَرِي صَارَ ضَامِنًا لَهُ كَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ إذَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ وَإِلَى الْمُوَكِّلِ أَنْ يَرْضَى بِهِ فَإِنَّ رِضَى الْوَكِيلِ يُعْتَبَرُ بِانْقِطَاعِ مُنَازَعَتِهِ مَعَ الْبَائِعِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي إلْزَامِ الْمُوَكِّلِ فَيَخْتَصُّ هُوَ بِضَرَرِهِ وَهَذَا لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ أَصْلٌ فِي الْإِبْرَاءِ وَمَعْنَى التَّمْلِيكِ بَيْعٌ وَلِهَذَا صَحَّ بِدُونِ الْقَبُولِ وَإِنْ كَانَ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَأَمَّا قَبْضُ الثَّمَنِ فَالْمَقْبُوضُ عَيْنُ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ فَهِبَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ تُصْرَفُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ
-
وَأَمَّا فَصْلُ الْمُقَاصَّة فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إنْ كَانَ دَيْنُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْوَكِيلِ وَهُوَ مِثْلُ الثَّمَنِ يَصِيرُ قِصَاصًا بِدَيْنِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَيَضْمَنُ لِلْمُوَكِّلِ مِثْلَهُ وَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُوَكِّلِ يَصِيرُ قِصَاصًا بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ الْمَالِ الْحَقِّ لِلْمُوَكِّلِ وَلِهَذَا لَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ الْمُشْتَرِي جَازَ قَبْضُهُ فَيَصِيرُ قِصَاصًا بِدَيْنِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَيَضْمَنُ الْمُوَكِّلُ مِثْلَهُ وَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُوَكِّلِ يَصِيرُ قِصَاصًا بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ بِاعْتِبَارِ الْمَالِ الْحَقُّ لِلْمُوَكِّلِ فَيَصِيرُ قِصَاصًا بِدَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ لَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ قِصَاصًا بِدَيْنِ الْوَكِيلِ لِأَنَّهُ لَوْ جَعَلَ قِصَاصًا بِدَيْنِ الْوَكِيلِ كَانَ ضَامِنًا لِلْمُوَكِّلِ مِثْلُهُ ثُمَّ يَحْتَاجُ إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ بِهِ وَإِذَا جَعَلَ قِصَاصًا بِدَيْنِ الْمُوَكِّلِ لَمْ يَضْمَنْ أَحَدٌ شَيْئًا فَرَجَّحْنَا هَذَا الْجَانِبَ لِهَذَا
-
وَالَابُّ وَالْوَصِيُّ
-
يَصِحُّ أَبَرَاؤُهُمَا وَتَأْجِيلُهُمَا فِيمَا وَجَبَ لِلصَّبِيِّ بِعَقْدِهِمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَا ضَامِنِينَ لَهُ فَأَمَّا فِيمَا وَجَبَ لَا بِعَقْدِهِمَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُمَا ثَابِتَانِ أَمَرَا بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَحْسَنِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِالْإِبْرَاءِ
-
قَالَ: (وَالتَّأْجِيلُ وَالْمُتَارَكَةُ مِنْ الْوَكِيلِ بِالثَّمَنِ صَحِيحٌ فِي حَقِّ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ
-
بِخِلَافِ الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ فَإِنَّ إقَالَتَهُ لَا تَصِحُّ) لِأَنَّ هُنَاكَ عَيْنَ الْمُشْتَرِي مَمْلُوكٌ لِلْمُوَكِّلِ فَالْإِقَالَةُ تُصْرَفُ مِنْهُ فِي مَحِلٍّ هُوَ حَقُّ الْغَيْرِ وَهُنَا الْمُسْلَمُ فِيهِ دَيْنٌ وَالثَّابِتُ بِهِ حَقُّ الْقَبْضِ مَا دَامَ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ حَقُّ الْوَكِيلُ وَإِنْ احْتَالَ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى مَلِيءٍ أَوْ غَيْرِ مَلِيءٍ جَازَ عَلَيْهِ خَاصَّةً وَيَضْمَنُ لِلْأُمِّ طَعَامَهُ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ حَقِّهِ بِالتَّحْوِيلِ مِنْ مَحِلٍّ إلَى مَحِلٍّ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّا فِي الْإِبْرَاءِ وَيَسْتَوْفِي فِي حُكْمِ الضَّمَانِ أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ أَعْلَى أَوْ أَسْفَلَ
-
بِخِلَافِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ فَإِنَّهُمَا لَوْ قَبِلَا الْحَوَالَةَ عَلَى مَنْ هُوَ أَعْلَى لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْهُمَا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ عَلَى وَجْهِ الْأَحْسَنِ وَهُمَا يَمْلِكَانِ الْمُبَادَلَةِ فِي حَقِّهِ بِصِفَةِ النَّظَرِ فَإِذَا بَادَلَا ذِمَّةً بِذِمَّةٍ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَمْ يَضْمَنَا وَالْوَكِيلُ لَا يَمْلِكُ مِثْلَهُ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ فَلِهَذَا ضَمِنَهُ
-
قَالَ: (وَإِنْ اقْتَضَى الطَّعَامُ أَدْوَنَ مِنْ شَرْطِهِ فَهُوَ جَائِزٌ) لِأَنَّهُ أَبْرَأَهُ عَنْ صِفَةِ الْجُودَةِ وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ أَصْلِهِ جَازَ وَضَمِنَ لِلْمُوَكِّلِ مِثْلَ طَعَامِهِ عِنْدَهُمَا فَكَذَلِكَ إذَا رَضِيَ بِدُونِ حَقِّهِ
-
وَإِذَا عَقَدَ الْوَكِيلُ السَّلَمَ ثُمَّ أَمَرَ الْمُوَكِّلَ بِأَدَاءِ رَأْسِ الْمَالِ وَذَهَبَ الْوَكِيلُ بَطَلَ السَّلَمُ لِأَنَّ وُجُوبَ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ وَهُوَ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ فِيهِ كَأَجْنَبِيِّ آخَرَ فَلَا مُعْتَبَرَ بِبَقَائِهِ فِي الْمَجْلِسِ بَعْدَ ذَهَابِ الْعَاقِدِ وَلَا بِذَهَابِهِ إذَا بَقِيَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي الْمَجْلِسِ
-
فَإِذَا وَكَّلَهُ أَنْ يُسْلِمَ لَهُ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ فَأَسْلَمَهَا فِي قَفِيزِ حِنْطَةٍ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ بِالشِّرَاءِ فَالْمُسْلَمُ فِيهِ مَبِيعٌ وَرَبُّ السَّلَمِ مُشْتَرٍ وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ لَا يَمْلِكُ الشِّرَاءِ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ لِمَا فِيهِ مِنْ التُّهْمَةِ أَنَّهُ بَاشَرَ التَّصَرُّفَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ لَمَّا عَلِمَ بِالْغَبْنِ أَرَادَ أَنْ يُلْزِمُهُ الْمُوَكِّلُ فَإِذَا نَفَذَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ ضَمِنَ لِلْمُوَكِّلِ كُلَّ دَرَاهِمِهِ لِأَنَّهُ قَضَى بِدَرَاهِمِهِ دَيْنَ نَفْسِهِ فَإِنْ أَسْلَمَهَا فِي حِنْطَةٍ يَكُونُ نُقْصَانُهَا عَنْ رَأْسِ الْمَالِ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ جَازَ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِأَنَّ هُنَا الْعُذْرَ لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ إلَّا بِحَرَجٍ فَكَانَ عَفْوًا فِي تَصَرُّفِهِ لِغَيْرِهِ شِرَاءً كَانَ أَوْ بَيْعًا
-
قَالَ: (وَإِذَا وَكَّلَهُ أَنْ يُسْلِمَ لَهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي طَعَامٍ فَالطَّعَامُ الدَّقِيقُ وَالْحِنْطَةُ عِنْدَنَا اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ هَذَا التَّوْكِيلُ بَاطِلٌ) لِأَنَّ اسْمَ الطَّعَامِ حَقِيقَةً لِكُلِّ مَطْعُومٍ بِدَلِيلِ مَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ طَعَامًا وَمَا أَوْصَى لِلْإِنْسَانِ بِطَعَامِهِ وَالْمَطْعُومَاتُ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ وَجَهَالَةُ الْجِنْسِ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ وَلَكِنْ
-
اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: السَّلَمُ بَيْعٌ وَالطَّعَامُ إذَا أُطْلِقَ عِنْدَ ذِكْرِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ يُرَادُ بِهِ الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا فَإِنَّ سُوقَ الطَّعَامِ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْحِنْطَةُ وَدَقِيقُهَا وَبَائِعُ الطَّعَامِ مِنْ يَبِيعُ الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِهَا دُونَ مِنْ يَبِيعْ الْفَوَاكِهِ وَهَذَا لِأَنَّ الشِّرَاءَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْبَائِعِ فَكُلُّ مَا يُسَمِّي بَائِعُهُ بَائِعُ الطَّعَامِ يَصِيرُ هُوَ بِهِ مُشْتَرِيًا لِلطَّعَامِ
-
بِخِلَافِ الْأَكْلِ فَإِنَّهُ يَتِمُّ بِالْآكِلِ وَالْوَصِيَّةِ تُتِمُّ بِالْمُوصَى فَاعْتَبَرْنَا فِيهِمَا حَقِيقَةَ الِاسْمِ قَالُوا وَهَذَا إذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ كَثِيرَةً فَأَمَّا إذَا كَانَتْ قَلِيلَةً فَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْخُبْزِ فَأَمَّا الدَّقِيقُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَفِي رِوَايَةٍ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحِنْطَةِ لِأَنَّهُ يُذْكَرُ كَمَا وَهَذَا الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ ثَابِتٌ فِي الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اسْمَ الطَّعَامِ يَتَنَاوَلُ الْحِنْطَةِ وَدَقِيقُهَا فَالتَّوْكِيلُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ إنْ كَثُرَتْ الدَّرَاهِمُ عَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ الْحِنْطَةُ فَإِذَا قُلْتَ عَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ الدَّقِيقُ وَالْمَعْلُومُ دَلَالَةً كَالْمَعْلُومِ نَصَّا فَنَقُولُ إذَا وَكَّلَهُ بِأَنْ يُسْلِمَ لَهُ دَرَاهِمَ فِي طَعَامٍ فَأَسْلَمَ فِي شَعِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ مُخَالِفٌ وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَضْمَنَ الْوَكِيلُ دَرَاهِمَهُ لِأَنَّ عَقْدَهُ نَفَذَ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ قَضَى بِدَرَاهِمِ الْآمِرِ دَيْنَ نَفْسِهِ وَإِنْ شَاءَ الْآمِرُ أَخَذَهَا مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ مِنْ الدَّرَاهِمِ عَيْنُ مِلْكِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فَإِنَّ أَخْذَهَا مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ يَبْطُلُ السَّلَمِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَكِيلِ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَارَقَهُ لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالَ اسْتَحَقَّ انْتَقَضَ الْقَبْضُ فِيهِ مِنْ الْأَصْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَارَقَهُ حَتَّى أَعْطَاهُ مِثْلَهَا كَانَ السَّلَمُ صَحِيحًا بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ لَمَّا اسْتَحَقَّ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ إلَى آخَرِ الْمَجْلِسِ وَعَقَدُ السَّلَمِ مَا تَعَلَّقَ بِعَيْنِ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ بَلْ تَعَلَّقَ بِمِثْلِهَا فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ الْوَكِيلِ يَبْقَى عَقْدُ السَّلَمِ بَيْنَهُمَا صَحِيحًا لِأَنَّهُ يَمْلِكُ رَأْسَ الْمَالِ بِالضَّمَانِ
-
وَإِذَا وَكَّلَهُ بِأَنْ يَأْخُذَهُ دَرَاهِمَ فِي طَعَامٍ مُسَمَّى فَأَخَذَهَا الْوَكِيلُ ثُمَّ دَفَعَهَا إلَى الْمُوَكِّلِ فَالطَّعَامُ عَلَى الْوَكِيلِ وَلِلْوَكِيلِ عَلَى الْمُوَكِّلِ دَرَاهِمُ قَرْضٍ لِأَنَّ أَصْلَ التَّوْكِيلِ بَاطِلٌ فَإِنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ أَمَرَهُ بِبَيْعِ الطَّعَامِ فِي ذِمَّتِهِ وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ عَيْنَ مَالِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ لِلْآمِرِ كَانَ بَاطِلًا فَكَذَلِكَ إذَا أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ طَعَامًا فِي ذِمَّتِهِ وَهَذَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ أَمْرَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْمَأْمُورُ بِدُونِ أَمَرَهُ وَهُوَ فِي قَبُولِ السَّلَمِ فِي الطَّعَامِ مُسْتَغْنٍ عَنْ أَمْرِ الْغَيْرِ وَقَبُولُ السَّلَمِ مِنْ صَنِيعِ الْمَفَالِيسِ فَالتَّوْكِيلُ بِهِ بَاطِلٌ كَالتَّكَدِّي فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّوْكِيلَ مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِقَبُولِ عَقْدِ السَّلَمِ بَاطِلٌ وَالتَّوْكِيلُ مِنْ رَبِّ السَّلَمِ بِإِعْطَاءِ الدَّرَاهِمِ فِي طَعَامِ السَّلَمِ جَائِزٌ وَإِذَا بَطَلَ التَّوْكِيلُ كَانَ الْوَكِيلُ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ فَيَجِبُ الطَّعَامُ فِي ذِمَّتِهِ وَرَأْسُ الْمَالِ مَمْلُوكٌ لَهُ فَإِذَا أَسْلَمَهُ إلَى الْآمِرِ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ مِنْهُ كَانَ قَرْضًا لَهُ عَلَيْهِ
-
قَالَ: (وَإِذَا دَفْعَ إلَيْهِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُسْلِمَهَا فِي ثَوْبٍ لَمْ تَصِحَّ الْوَكَالَةُ حَتَّى تَتَبَيَّنَ الْجِنْسَ) لِأَنَّ الثِّيَابَ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ وَمَعَ جَهَالَةِ الْجِنْسِ
-
لَا يَقْدِرُ الْوَكِيلُ عَلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِ الْمُوَكِّلِ فَيَبْطُلُ التَّوْكِيلُ فَإِنَّ الْوَكِيلَ كَانَ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ: يَنْظُرُ الْوَكِيلُ إلَى لِبَاسِ الْمُوَكِّلِ فَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ مِنْ جِنْسِ لِبَاس الْمُوَكِّلِ يَجُوزُ وَيَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يَأْمُرُ غَيْرُهُ بِشِرَاءِ الثَّوْبِ لِيَلْبَسَهُ فَيَعْتَبِرُ بِثِيَابِهِ فَإِنْ سَمَّى الْمُوَكِّلُ ثَوْبًا يَهُودِيًّا أَوْ غَيْرِهِ جَازَ لِأَنَّ الْجِنْسَ صَارَ مَعْلُومًا وَإِنَّمَا بَقِيَتْ الْجَهَالَةُ فِي الصِّفَةِ وَلَا تَأْثِيرَ لِجَهَالَةِ الصِّفَةِ فِي الْعُقُودِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى التَّوَسُّعِ وَالْوَكَالَةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنْ خَالَفَهُ الْوَكِيلُ فَأَسْلَمَ فِي غَيْرِهِ أَوْ إلَى غَيْرِ الْأَجَلِ الَّذِي سَمَّاهُ كَانَ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَضْمَنَهُ دَرَاهِمَهُ فَإِنْ ضَمِنَهُ إيَّاهَا جَازَ السَّلَمُ وَإِنْ ضَمِنَهَا الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بَطَلَ السَّلَمُ لِانْتِقَاضِ قَبَضَهُ فِي رَأْسِ الْمَالِ بَعْدَ الِانْتِقَاضِ مِنْ الْأَصْلِ
-
قَالَ: (وَإِذَا دَفْعَ الْوَكِيلُ الدَّرَاهِمَ سَلَّمَهَا عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ الْآمِرُ وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِالِاسْتِيفَاءِ ثُمَّ جَاءَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِدَرَاهِمَ زُيُوفٍ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ فَقَالَ: وَجَدْتُهَا فِيهَا فَهُوَ مُصَدَّقٌ) لِأَنَّهُ يُنْكِرُ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَيَقْضِي لَهُ عَلَى الْوَكِيلِ بِبَدَلِهِ وَيَرْجِعُ بِهِ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِأَنَّهُ فِي تَصَرُّفُهُ عَامِلٌ لَهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا يَلْحَقُهُ بِالْعُهْدَةِ وَإِنْ كَانَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِالِاسْتِيفَاءِ لَمْ يُصَدَّقْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى ادِّعَائِهِ أَنَّهُ زُيَّفٌ مَعْنَاهُ إذَا أَقَرَّ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِاسْتِيفَاءِ الْجِيَادِ أَوْ بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ أَوْ بِاسْتِيفَاءِ رَأْسِ الْمَالِ فَهُوَ مُنَاقِضٌ بَعْدَ ذَلِكَ فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ زُيُوفٌ فَلَا يُسْمَعُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَى خَصْمِهِ فَأَمَّا إذَا أَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ الدَّرَاهِمِ فَاسْمُ الدَّرَاهِمِ يَتَنَاوَلُ الزُّيُوفَ وَالْجِيَادَ فَلَا يَكُونُ مُنَاقِضًا فِي قَوْلِهِ وَجَدْتُهَا زُيُوفًا.
-
قَالَ: (وَاذَا وَكَّلَهُ بِأَنْ يُسْلِمَ لَهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ فِي حِنْطَةٍ فَأَسْلَمَهَا لَهُ فَهُوَ عَاقِدٌ لِنَفْسِهِ حَتَّى يَقْبِضَ الطَّعَامَ فَيُرِدْهُ إلَى الْآمِرِ مَكَانَ دَيْنِهِ) فَحِينَئِذٍ يُسْلِمُ لِلْآمِرِ إذَا تُرَاضِيَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هُوَ جَائِزٌ عَلَى الْآمِرِ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَصْرِفَهَا لَهُ بِدَنَانِيرَ أَوْ يُشْتَرَى لَهُ بِهَا شَيْئًا سَمَّاهُ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الدَّيْنَ فِي ذِمَّةِ الْمَدْيُونِ مِلْكُ صَاحِبِ الدَّيْنِ بِدَلِيلِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالتَّسْلِيمِ وَيَنْفَرِدُ بِاسْتِيفَاءِ جِنْسِهِ مِنْ مَالِهِ وَيُشْتَرَى مِنْهَا شَيْئًا فَيَجُوزُ فَإِنَّمَا أَضَافَ التَّوْكِيلُ إلَى مُلْكِهِ وَذَلِكَ صَحِيحٌ كَمَا لَوْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ وَدِيعَةً لَهُ فِي يَدِهِ أَوْ غَصْبًا فَوَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَسْلَمَهَا فِي طَعَامٍ إلَى فُلَانٍ أَوْ عَيَّنَ الْبَائِعُ أَوْ الْمَبِيعَ بِقَوْلِهِ اشْتَرِ لِي بِهَا عَبْدَ فُلَانٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فَكَذَلِكَ إذَا أُطْلِقَ لِأَنَّ تَسْمِيَةَ مِنْ يُعَامِلُهُ الْوَكِيلُ لَيْسَ بِشَرْطِ لِصِحَّةِ الْوَكَالَة يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: تَصَدَّقْ بِمَا لِي عَلَيْكَ عَلَى الْمَسَاكِينِ يَجُوزُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى فُلَانٍ فَكَذَلِكَ إذَا أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ بِهِ وَلَأَبِي حَنِيفَةَ حَرْفَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ
-
أَمَرَهُ بِصَرْفٍ فِي الدَّيْنِ إلَى مِنْ يَخْتَارُهُ الْمَدْيُونُ بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ كَمَا لَوْ قَالَ: ادْفَعْ مَا لِي عَلَيْكَ مِنْ الدَّيْنِ إلَى مِنْ يَثْبُتُ أَوْ أَلْقِهِ فِي الْبَحْرِ كَانَ صَحِيحًا وَالْمَعْنَى فِي الْفَرْقِ أَنَّ الْمَدْيُونَ إنَّمَا يَقْضِي الدَّيْنَ بِمِلْكِ نَفْسِهِ وَهُوَ فِي تَصَرُّفِهِ فِي مِلْكِ نَفْسه بِالدَّفْعِ إلَى الْغَيْرِ لَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْآمِرِ فَكَانَ وُجُودُ أَمْرِهِ كَعَدَمِهِ فَأَمَّا فِي الْعَيْنِ تَصَرُّفُهُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ وَهَذَا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا عَيَّنَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ أَوْ الْبَائِعُ لِأَنَّ مِنْ أَمَرَهُ بِالصَّرْفِ إلَيْهِ هُنَاكَ مَعْلُومًا فَكَانَ أَمْرُهُ مُعْتَبَرًا فِي تَوْكِيلِهِ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِالْقَبْضِ لَهُ أَوَّلًا ثُمَّ لِنَفْسِهِ
-
وَكَذَلِكَ إذَا عَيَّنَ الْمَتَاعَ لِأَنَّ بِتَعَيُّنِهِ يَتَعَيَّنُ الْمَالِكُ فَالْإِنْسَانُ فِي الْعَادَةِ يُشْتَرَى الشَّيْءَ مِنْ مَالِكِهِ وَهُنَا لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارَ أَمْرِهِ فِي تَوْكِيلِ الْقَابِضِ بِقَبْضِهِ لِأَنَّهُ تَوْكِيلُ الْمَجْهُولِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ وَهَذَا
-
بِخِلَافِ قَوْلِهِ تَصَدَّقْ بِمَا لِي عَلَيْكَ لِأَنَّ الْمُتَصَدِّقَ يَجْعَلُ الْمَالَ لِلَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يَصْرِفُهُ إلَى الْفَقِيرِ لِيَكُونَ كِفَايَةً لَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا جَهَالَةَ فِيمَنْ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ لَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ إلَى آدَمِيٍّ عَيْنِهِ
-
(وَالثَّانِي) أَنَّ بِعَقْدِ السَّلَمِ يَجِبُ رَأْسُ الْمَالِ عَلَى الْوَكِيلِ ثُمَّ يَجِبُ لَهُ مِثْلُهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ مُقْرِضًا لَهُ فِي ذِمَّتِهِ لِيَقْضِيَ بِهِ دِينًا عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَوْ أَمَرَهُ لَهُ بِأَنْ يَقْبِضَ مِنْ نَفْسِهِ ثُمَّ يَقْضِي بِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ يُوَضِّحُهُ أَنْ يُقِيمَ الْوَكِيلُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِيمَا يَأْمُرُهُ بِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ وَهُوَ بِنَفْسِهِ لَهُ أَسْلَمَ الدَّيْنَ الَّذِي لَهُ عَلَى زَيْدٍ إلَى عَمْرٍو فِي طَعَامٍ لَا يَجُوزُ فَكَذَلِكَ إذَا وَكَّلَ الْمَدْيُونَ بِأَنْ يَفْعَلَ لَهُ ذَلِكَ وَبِهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ وَلَكِنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْحَرْفِ الْأَوَّلِ
-
قَالَ: (وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَيْنِ إنْ يُسْلَمَا لَهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي طَعَامٍ فَأَسْلَمَهَا أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ عَقْدَ السَّلَمِ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ كَبَيْعِ الْعَيْنِ وَهُوَ إنَّمَا رَضِيَ بِرَأْيِ الْمَثْنَى وَرَأْيُ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ كَرَأْيِ الْمَثْنَى فَإِنْ أَسْلَمَاهَا ثُمَّ تَارَكَ أَحَدُهُمَا مَعَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ السَّلَمُ لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالسَّلَمِ لَا يَمْلِكُ الْمُشَارَكَةَ وَلَوْ تَارِكًا لَمْ يَجُزْ فَكَذَلِكَ إذَا تَارَكَ أَحَدُهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّ الْوَكِيلَيْنِ لَوْ عَقَدَا لِأَنْفُسِهِمَا ثُمَّ تَارِكَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ رِضَى الْآخَرِ فَإِذَا كَانَ وَكِيلَيْنِ أَوْلَى
-
قَالَ: (وَإِذَا عَقْدَ الْوَكِيلُ السَّلَمَ ثُمَّ اقْتَضَى الْآمِرُ الطَّعَامَ فَهُوَ جَائِزٌ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ) لِأَنَّ الْقَبْضَ مِنْ حُكْمِ الْعَقْدِ وَالْمُوَكِّلِ مِنْهُ كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِيفَاءَ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِطَلَبِهِ فَكَذَلِكَ لَا يَبْرَأُ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنْ يَقْبِضَ الْوَكِيلُ بِتْعَيْنِ مُلْكِ الْمُوَكِّلِ فَكَانَ الْمُوَكِّلُ فِي هَذَا الْقَبْضِ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فِي تَعْيِينِ مِلْكِهِ فَهُوَ يَكْفِي
-
الْوَكِيلَ مَئُونَةُ الْقَبْضِ وَالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ ضَرَرٌ فِي تَصَرُّفِهِ يُوَضِّحُهُ أَنَّا لَوْ نَقَضْنَا قَبْضَهُ احْتَجْنَا إلَى إعَادَتِهِ بِعَيْنِهِ فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ يَرُدُّهُ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَيَقْبِضَهُ الْوَكِيلُ مِنْهُ ثُمَّ يُسَلِّمُهُ إلَى الْمُوَكِّلِ وَهَذَا اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ وَالْقَاضِي لَا يَشْتَغِلُ بِمَا لَا يُفِيدُ وَلَا يَنْقُصُ شَيْئًا لِيُعِيدَ وَإِنْ تَارَكَ السَّلَمَ إلَيْهِ مَعَ الْمُوَكِّلِ جَازَ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْعَاقِدِ فِي مِلْكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَتَصِحُّ مِنْهُ الْمُتَارَكَةُ كَمَا تَصِحُّ مِنْ وَارِثِ رَبِّ السَّلَمِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ يُتَارِكُهُ فَأَرَادَ قَبْضَ الطَّعَامِ مِنْهُ فَلِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ دَفْعِهِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالتَّسْلِيمِ تَتَوَجَّهُ بِالْعَقْدِ وَالْمُوَكِّلُ مِنْ الْعَقْدِ أَجْنَبِيٌّ فَمُطَالَبَتُهُ لَا تُلْزِمُ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ الدَّفْعَ إلَيْهِ
-
، قَالَ: (وَإِذَا دَفْعَ إلَى رَجُلٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ لِيُسْلِمَهَا فِي طَعَامٍ فَنَاوَلَ الْوَكِيلُ رَجُلًا فَبَايَعَهُ فَإِنْ أَضَافَ الْعَقْدُ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ كَانَ الْعَقْدُ لِلْآمِرِ وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى دَرَاهِمِ نَفْسِهِ كَانَ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ وَلِأَنَّ فِعْلَهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يُحْمَلُ وَفِيمَا يَعْقِدُ لِنَفْسِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ إضَافَةَ الْعَقْدِ إلَى دَرَاهِمِ غَيْرِهِ وَإِنَّ عَقْدَ السَّلَمِ بِعَشْرَةٍ مُطْلَقَةٍ ثُمَّ نَوَاهَا لِلْآمِرِ فَالْعَقْدُ لَهُ وَإِنْ لَمْ تَحْضُرْهُ نِيَّةً فَإِنْ دَفْعَ دَرَاهِمَ نَفْسِهِ فَالْعَقْدُ لَهُ وَإِنْ دَفْعَ دَرَاهِمَ الْآمِرِ فَهُوَ لِلْآمِرِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ: مُحَمَّدٌ هُوَ عَاقِدٌ لِنَفْسِهِ مَا لَمْ يَنْوِ عِنْدَ الْعَقْدِ أَنَّهُ لِلْآمِرِ وَإِنْ تُكَاذَبَا فِي النِّيَّةِ فَقَالَ: الْآمِرُ نَوَيْتَهُ لِي وَقَالَ: الْمَأْمُورُ نَوَيْتُهُ لِنَفْسِي فَالطَّعَامُ لِلَّذِي نَقَدَ دَرَاهِمَهُ بِالِاتِّفَاقِ فَمُحَمَّدٌ يَقُولُ الْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِعَمَلِهِ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ وَذَلِكَ بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى دَرَاهِمِ الْغَيْرِ أَوْ النِّيَّةِ لِلْغَيْرِ فَإِذَا انْعَدَمَ ذَلِكَ كَانَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ نَقْدَ الدَّرَاهِمِ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ نَقْدَ الدَّرَاهِمِ لَا يَقْتَرِنُ بِالْعَقْدِ بَلْ يَكُونُ بَعْدَهُ وَبَعْدَ مَا أَوْقَعَ الْعَقْدُ لَهُ لَا يَتَحَوَّلُ إلَى غَيْرِهِ وَإِنَّ دَرَاهِمَ الْغَيْرِ وَبِهِ فَارَقَ التَّكَاذُبُ لِأَنَّ النَّقْدَ مَوْجُودٌ عِنْدَ التَّكَاذُبِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ دَلِيلًا مِنْ حَيْثُ شَهَادَةِ الظَّاهِرِ لِأَحَدِهِمَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ فِيمَا عَقَدَ لِنَفْسِهِ لَا يَنْقُدُ دَرَاهِمَ الْغَيْرِ فَإِذَا كَانَ الْمَنْقُودُ دَرَاهِمَ الْآمِرِ فَالظَّاهِرُ يَشْهَدُ لَهُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ يُوَضِّحُهُ أَنَّ بِقَبُولِ الْوَكَالَةِ مِنْ الْغَيْرِ لَا يُحِيلُ وِلَايَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَقَبْلَ قَبُولِ الْوَكَالَةِ كَانَ مُطْلَقُ عَقْدِهِ لِنَفْسِهِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ قَبُولِ الْوَكَالَةِ لِأَنَّ تِلْكَ الْوِلَايَةِ بَاقِيَةٌ بَعْدَ قَبُولِ الْوَكَالَةِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَهُ وَلِأَنَّ مُوجِبَ الْعَقْدِ وُقُوعُ الْمِلْكِ لَهُ فِي الطَّعَامِ لِلْعَاقِدِ إلَّا أَنَّهُ إذَا نَوَى لِلْمُوَكِّلِ فَالْمُوَكِّلُ يَخْلُفُهُ فِي ذَلِكَ الْمِلْكِ وَالْمَصِيرُ إلَى الْخَلْفِ عِنْدَ فَوَاتِ مَا هُوَ الْأَصْلُ وَعِنْدَ إطْلَاقِ الْعَقْدِ مَا هُوَ الْأَصْلُ مُمْكِنُ الِاعْتِبَارِ فَلَا يُضَافُ إلَى الْخَلْفِ وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ الْعَقْدُ وَالنَّقْدُ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ حُكْمًا لِأَنَّ النَّقْدَ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْعَقْدِ صُورَةً فَهُوَ كَالْمُقْتَرِنِ بِالْعَقْدِ إذْ لَوْ لَمْ
-
يَجْعَلْ كَذَلِكَ كَانَ دِينًا بِدَيْنٍ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ
-
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ بَعْدَ مَا نَقَدَ الدَّرَاهِمَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَرِدّهَا لِيُعْطِيَ غَيْرَهَا لَمْ يَمْلِكْ كَمَا لَوْ اُقْتُرِنَ التَّعْيِينُ بِالْعَقْدِ بِأَنْ أَضَافَ الْعَقْدُ إلَى دَرَاهِمِ الْآمِرِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ غَيْرَهَا وَيَجْعَلَ الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ فَإِذَا صَارَ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَهُوَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى مَنْ وَقَعَ الْعَقْدُ لَهُ فَيَجِبُ تَحَكُّمُهُ كَمَا فِي حَالَةِ التَّكَاذُبِ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ بَعْدَ قَبُولِ الْوَكَالَةِ يَعْقِدُ لِلْمُوَكِّلِ بِوِلَايَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ كَمَا يَعْقِدُ لِنَفْسِهِ وَلِهَذَا تَعَلَّقَ بِهِ حُقُوقُ الْعَقْدِ فِي الْوَجْهَيْنِ فَإِذَا اسْتَوَى الْجَانِبَانِ يُصَارُ إلَى تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا بِالنَّقْدِ كَمَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّكَاذُبِ وَفَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمَأْمُورِ بِالْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ إذَا أَطْلَقَ النِّيَّةَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ فَإِنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ وَالْعِبَادَاتُ لَا تَتَأَدَّى إلَّا بِالنِّيَّةِ فَكَانَ مَأْمُورًا بِأَنْ يُنْوِيَ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ وَلَمْ يَفْعَلْ فَصَارَ مُخَالِفًا بِتَرْكِ مَا هُوَ الرُّكْنُ وَأَمَّا فِي الْمُعَامَلَاتِ فَالنِّيَّةُ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ فَلَا يَصِيرُ بِتَرْكِ النِّيَّةِ عَنْ الْآمِرِ مُخَالِفًا فَيَبْقَى حُكْمُ عَقْدِهِ مَوْقُوفًا عَلَى النَّقْدِ.
-
قَالَ (وَإِنْ وَكَّلَهُ بِثَوْبٍ يَبِيعُهُ بِدَرَاهِمَ فَأَسْلَمَهُ فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ فَهُوَ عَاقِدٌ لِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ خَالَفَ مَا أَمَرَهُ بِهِ نَصًّا وَإِنْ أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ الثَّمَنَ فَأَسْلَمَهُ فِي طَعَامٍ جَازَ عَلَى الْآمِرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِهِمَا
-
وَهَذِهِ فُصُولٌ (أَحَدُهَا) أَنَّ الْوَكِيلَ فِي الْبَيْعِ مُطْلَقًا يَبِيعُ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَبِيعُ إلَّا بِالنَّقْدِ لِأَنَّ مُطْلَقَ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ مُعْتَبَرٌ بِمُطْلَقِ إيجَابِ الْبَيْعِ وَمُطْلَقُ إيجَابِ الْبَيْعِ يَنْصَرِفُ إلَى الثَّمَنِ الْحَالِّ دُونَ النَّسِيئَةِ فَكَذَلِكَ مُطْلَقُ التَّوْكِيلِ وَهَذَا لِأَنَّ الْأَجَلَ شَرْطٌ زَائِدٌ عَلَى مَا يَتِمُّ بِهِ الْعَقْدُ فَلَا يَثْبُتُ الْإِذْنُ فِيهِ إلَّا بِالتَّنْصِيصِ وَلَكِنَّا نَقُولُ أَمَرَهُ بِبَيْعٍ مُطْلَقٌ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ التَّقْيِيدِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَالتَّقْيِيدُ بِالثَّمَنِ الْحَالِّ بِعَدَمِ صِفَةِ الْإِطْلَاقِ وَلَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ فِي كَلَامِهِ نَصًّا وَلَا عُرْفًا فَالْبَيْعُ بِالنَّسِيئَةِ مُعْتَادٌ بَيْنَ التُّجَّارِ كَالْبَيْعِ بِالنَّقْدِ وَرُبَّمَا يَكُونُ الْبَيْعُ بِالنَّسِيئَةِ أَقْرَبُ إلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِمَا وَهُوَ الرِّبْحُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُضَارِبَ وَالْأَبَ وَالْوَصِيَّ يَمْلِكُونَ الْبَيْعَ بِالنَّسِيئَةِ وَأَمَّا مُطْلَقُ إيجَابِ الْبَيْعِ فَإِمَّا يَحْمِلُهُ عَلَى النَّقْدِ لِتَعَذُّرِ اعْتِبَارِ الْإِطْلَاقِ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَسْتَدْعِي صِفَةً مُعِينَةً فِي الثَّمَنِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بِعْتُهُ مِنْكَ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ لَا يَجُوزُ وَفِي التَّوْكِيلِ لَا يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا فَالتَّوْكِيلُ صَحِيحٌ بِدُونِ تَعْيِينِ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ حَتَّى لَوْ قَالَ بِعْتُهُ بِالنَّقْدِ أَوْ بِالنَّسِيئَةِ يَجُوزُ ثُمَّ قِيلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ طَالَتْ الْمُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَجُوزُ بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ وَلَوْ أَجَلَّهُ مُدَّةٍ غَيْرَ مُتَعَارِفَةٍ فِي مِثْلِ تِلْكَ السِّلْعَةِ لَا يَجُوزُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ بِالْغَبْنِ الْفُحْشُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ
-
قَالَ (إنْ أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ عَلَى وَجْهِ التِّجَارَةِ فَلَهُ)
-
أَنْ يَبِيعَهُ بِالنَّسِيئَةِ أَمَّا إذَا أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ لِحَاجَتِهِ إلَى النَّفَقَةِ أَوْ إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِالنَّسِيئَةِ وَلَوْ بَاعَهُ بِغَبْنٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءً كَانَ الْغَبْنُ يَسِيرًا أَوْ فَاحِشًا وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَبْنِ فَاحِشٍ لِأَنَّ دَلِيلَ الْعُرْفِ يُفِيدُ مُطْلَقَ التَّوْكِيلِ حَتَّى يَتَقَيَّدَ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ الْأُضْحِيَّةِ بِأَيَّامِ النَّحْرِ وَالتَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ الْفَحْمِ زَمَانَ الشِّتَاءِ وَالْجَمْدِ بِزَمَانِ الصَّيْفِ فَإِنَّهُ إذَا وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ جَمْدًا فِي الشِّتَاءِ يَكُونُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ التَّوْكِيلُ مُطْلَقًا فَصَحَّ مَا ذَكَرْنَا وَالْبَيْعُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لَيْسَ بِمُتَعَارَفٍ فَالظَّاهِرُ إنَّمَا يَسْتَعِينُ بِغَيْرِهِ فِيمَا يَعْجِزُ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَعْجِزُ عَنْ بَيْعِ مَا يُسَاوِي مِائَةَ دِرْهَمٍ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ وَقَاسَا بِالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ فَإِنَّ شِرَاءَهُ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ لَا يَنْفُذُ عَلَى الْأَمْرِ كَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَ بِمَا هُوَ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ
-
وَكَذَلِكَ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ لَا يَمْلِكَانِ بَيْعَ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَبْنِ فَاحِشٍ لِهَذَا الْمَعْنَى وَلِأَنَّ الْمُحَابَاةَ الْفَاحِشَةَ كَالْهِبَةِ حَتَّى إذَا حَصَلَتْ مِنْ الْمَرِيضِ تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ وَالْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ لَا يَمْلِكُ الْهِبَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ أَمَرَهُ بِمُطْلَقِ الْبَيْعِ وَقَدْ أَتَى بِهِ لِأَنَّ الْبَيْعَ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ شَرْطًا وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فَمَا مِنْ جُزْءٍ مِنْ الْمَبِيعِ إلَّا وَيُقَابِلهُ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَنِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَبِيعَ لَوْ كَانَ دَارًا يَجِبُ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةَ فِي جَمِيعِهِ وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ بَيْعٌ وَلَيْسَ بِهِبَةٍ وَبِأَنَّ اُعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ وَإِنَّ الْوَكِيلَ لَا يَمْلِكُهُ كَالْبَيْعِ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ حَلِفَ لَا يَبِيعُ فَبَاعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ يَحْنَثُ وَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِكَمَالِ الشَّرْطِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ بَيْعٌ مُطْلَقٌ فَيَصِيرُ الْوَكِيلُ بِهِ مُمْتَثِلًا لِلْآمِرِ فَإِنَّا لَوْ قَيَّدْنَا بِالْبَيْعِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَبْطَلْنَا حُكْمَ الْإِطْلَاقِ مِنْ كَلَامِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ
-
فَأَمَّا الْعُرْفُ الَّذِي قَالَ قُلْنَا هَذَا مُشْتَرَكٌ فَالْإِنْسَانُ قَدْ يَبِيعُ الشَّيْءَ تَبَرِّيًا مِنْهُ وَلَا يُبَالِي عِنْدَ ذَلِكَ بِقِلَّةِ الثَّمَنِ وَكَثْرَتِهِ وَقَدْ يَبِيعُهُ لِطَلَبِ الرِّبْحِ فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَبِيعُهُ بِالْغَبْنِ عَادَةً وَبِالْمُشْتَرَكِ لَا يَبْطُلُ حُكْمُ الْإِطْلَاقِ ثُمَّ الْبَيْعُ بِالْغَبْنِ مُتَعَارَفٌ فَالْمَقْصُودُ مِنْ الْبَيْعِ الرِّبْحِ وَذَلِكَ لَا يُحَصَّلُ إلَّا وَأَنْ يَصِيرَ أَحَدُهُمَا مَغْبُونًا وَالْإِنْسَانُ يَرْغَبُ فِي شِرَاءِ مَا يُسَاوِي عَشْرَةً بِدِرْهَمٍ وَلَكِنْ لَا يَجِدُ ذَلِكَ فَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونُ مُتَعَارَفًا فَلَائِمُ الْعُرْفَ لَا يُعَارِضُ النَّصَّ وَالْإِطْلَاقُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ فَلَا يَبْطُلُ بِالْعُرْفِ كَمَا فِي الْيَمِينِ فَإِنَّ الْعُرْفَ كَمَا يُعْتَبَرُ فِي الْوَكَالَةِ يُعْتَبَرُ فِي الْيَمِينِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ مَسْأَلَةِ الْأُضْحِيَّةِ وَغَيْرِهَا فَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ
-
فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُعْتَبَرُ الْإِطْلَاقُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَدَلِيلُ التَّقْيِيدِ التُّهْمَةُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَثْبُتُ التَّقْيِيدُ فِيهِ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ لَا يَبِيعُ مِنْ أَبِيهِ وَابْنِهِ لِلتُّهْمَةِ وَلَا تُهْمَةَ
-
فِي بَيْعِهِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ بِقَلِيلِ الْقِيمَةِ لِأَنَّ مَا يُسْتَوْفَى مِنْ الثَّمَنِ يُسَلِّمَهُ إلَى الْآمِرِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَبِهِ فَارَقَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ فَهُنَاكَ التُّهْمَةُ مُتَمَكِّنَةٌ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِالْغَبْنِ أَرَادَ أَنْ يُلْزِمُهُ الْآمِرُ وَلِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ كَمَا يَسْتَوْجِبُ الثَّمَنَ فِي ذِمَّةِ نَفْسِهِ يُوجِبُ لِنَفْسِهِ مِثْلَهُ فِي ذِمَّةِ الْآمِرِ وَالْإِنْسَانُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَلَا يَمْلِكُ أَنْ يُلْزِمَ ذِمَّةَ الْآمِرِ الثَّمَنَ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ بِإِزَائِهِ مَا يَعْدِلُهُ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ اشْتَرَيْتُ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ وَهَلَكَ فِي يَدِي فَهَاتِ الثَّمَنَ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ
-
بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ بِعْتُ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ وَهَلَكَ عِنْدِي كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ وَلِأَنَّ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ يُلَاقِي مِلْكُ الْغَيْرِ وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ وِلَايَةً مُطْلَقَةً فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَلَا يُعْتَبَرُ إطْلَاقُ أَمْرِهِ فِيهِ
-
بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّ أَمَرَهُ يُلَاقِي مِلْكَ نَفْسِهِ وَلَهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ وِلَايَةٌ مُطْلَقَةٌ وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ فِي الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ غَيْرُ مُمْكِنٌ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَ ذَلِكَ اشْتَرَى ذَلِكَ الْمَتَاعَ بِجَمِيعِ مَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ وَبِمَا لَا يَمْلِكُهُ مِنْ الْمَالِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ وَهُوَ الشِّرَاءُ بِالنَّقْدِ بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ وَفِي جَانِبِ الْبَيْعِ اعْتِبَارُ الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ مُمْكِنٌ لِأَنَّهُ لَا يَتَسَلَّطُ بِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ سِوَى الْمَبِيعِ الَّذِي رَضِيَ بِزَوَالِ مُلْكِهِ وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ لِأَنَّ وِلَايَتَهُمَا مُقَيَّدَةٌ بِالْأَنْظَرِ وَالْأَصْلَحِ وَلَا يُوجَدُ فِي الْبَيْعِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ
-
وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ بَاعَهُ الْوَكِيلُ بِعَرْضٍ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ الْبَيْعَ بِعَرْضِ شِرَاءٍ مِنْ وَجْهٍ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي بَدَلِ صَاحِبِهِ مُشْتَرٍ وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ فَلَا يَمْلِكُ بِهِ مَا هُوَ مُتَرَدَّدٌ بَيْن الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ فَعَلَهُ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ الْآمِرُ بَيْعٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّهُ يُزِيلُهُ عَنْ مِلْكِهِ بِعَرْضٍ هُوَ مَالٌ وَالْبَيْعُ لَيْسَ إلَّا هَذَا ثُمَّ جَانِبُ الْبَيْعِ يَتَرَجَّحُ عَلَيَّ جَانِبِ الشِّرَاءِ فِي الْبَيْعِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَ الْمُضَارِبَيْنِ إذَا اشْتَرَى بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ كَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ وَلَوْ بَاعَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ صَاحِبِهِ فَإِنْ بَاعَهُ بِعَرْضٍ يَتَوَقَّفُ أَيْضًا فَإِنْ أَجَازَ صَاحِبَهُ كَانَ تَصَرُّفِهِ عَلَى الْمُضَارَبَة فَعَرَفْنَا أَنَّ جَانِبَ الْبَيْعِ يَتَرَجَّحُ فِيهِ وَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَهُ الْوَكِيلُ بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ عَلَى الْآمِرِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَبِيعَهُ بِالنَّقْدِ إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ إذَا أَسْلَمَ الثَّوْبَ فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ فَقَدْ أَزَالَ الثَّوْبَ عَنْ مِلْكِهِ بِالطَّعَامِ وَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى الْأَمْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْهُ بِالنَّقْدِ وَالتَّوْكِيلِ انْصَرَفَ إلَيْهِ خَاصَّةً
-
قَالَ (وَإِذَا وَكَلَهُ بِالسَّلَمِ فَأَدْخَلَ الْوَكِيلُ فِي الْعَقْدِ شَرْطًا أَفْسَدَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ الْوَكِيلُ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْوَكِيلُ بِالْخِلَافِ لَا بِالْإِفْسَادِ)
-
وَهَذَا لِأَنَّا لَوْ ضَمِنَاهُ بِإِفْسَادِ الْعَقْدِ تَحَرَّزَ النَّاسُ عَنْ قَبُولِ الْوَكَالَاتِ فَكُلُّ أَحَدٍ لَا يَكُونُ كَأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ وَالْأَسْبَابِ الْمُقَيِّدَةِ لِلْعَقْدِ.
-
قَالَ (وَأَكْرَهُ تَوْكِيلُ الذِّمِّيِّ يَعْقِدُ لَهُ السَّلَمَ وَإِنْ فَعَلَهُ يَجُوزُ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَتَحَرَّزُ عَنْ الرِّبَا وَعَنْ مُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ إمَّا لِجَهْلِهِ بِذَلِكَ أَوْ لِاعْتِقَادِهِ أَوْ قَصْدِهِ أَنْ يُوَكِّلَ الْمُسْلِمَ الْحَرَامَ فَلِهَذَا يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَأْتَمِنَهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَجُوزُ لَهُ إنْ فَعَلَهُ) لِأَنَّ عَقْدَ السَّلَمِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَسْتَوُونَ بِالْمُسْلِمِينَ
-
قَالَ (وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ بِالسِّلْمِ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ بِهِ) لِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْمُوَكَّلِ رَضِيَ بِرَأْيِهِ دُونَ رَأْي غَيْرِهِ
-
بِخِلَافِ الْمُضَارِبِ يُوَكَّلْ بِالسَّلَمِ فَيَجُوزُ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ قَدْ رَضِيَ بِرَأْيِهِ وَبِتَوْكِيلِهِ حِينَ فَوَّضَ إلَيْهِ الِاسْتِرْبَاحَ عَامًا وَذَلِكَ بِتِجَارَةٍ حَاضِرَةٍ وَغَائِبَةٍ وَإِذَا اشْتَغَلَ بِأَحَدِهِمَا بِنَفْسِهِ فَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَسْتَعِينَ فِيهِ بِالْآخَرِ
-
بِخِلَافِ الْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ قَالَ لَهُ مَا صَنَعَتْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ أَجَازَ صَنِيعَهُ عَامًا وَالتَّوْكِيلُ مِنْ صُنْعِهِ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ إجَازَتِهِ
-
وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ عَقْدُ بَيْعٍ وَلَا يُسَلِّمَ لِنَفْسِهِ عَلَى الْخَمْرِ وَلَا لِلْكَافِرِ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَ بِمَالِ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَهُوَ الْعَاقِدُ عَلَيْهَا سَوَاءً عَقَدَهُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِكَافِرٍ
-
بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ يَتَوَكَّلُ عَنْ الْمَجُوسِيِّ فِي أَنْ يُزَوِّجَهُ مَجُوسِيَّةً فَيَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي النِّكَاحِ مُعَبَّرٌ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ فَيَعْتَبِرُ جَانِبَ الْمُوَكِّلِ وَفِي الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ هُوَ عَاقِدٌ لِنَفْسِهِ عَنْ الْإِضَافَةِ فِي الْعَقْدِ إلَى غَيْرِهِ فَيَعْتَبِرُ جَانِبَهُ
-
قَالَ (وَإِنْ وَكَّلَ الْمُسْلِمُ الذِّمِّيَّ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ خَمْرًا أَوْ يُسْلَمَ لَهُ فِيهَا فَفَعَلَ ذَلِكَ مَعَ ذِمِّيٍّ جَازَ عَلَى الْآمِرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى هُوَ مُشْتَرٍ لِنَفْسِهِ) لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَمْلِكُ هَذَا الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ فَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُ غَيْرِهِ بِهِ كَمَا لَوْ وَكَّلَ الْمُسْلِمُ مَجُوسِيًّا بِأَنْ يُزَوِّجَهُ مَجُوسِيَّةً وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ نَفِدَ عَقْدُهُ عَلَى الْآمِرِ مَلَكَ الْمُسْلِمُ الْخَمْرَ بِالْعَقْدِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ الْمُسْلِمُ الْخَمْرَ بِعَقْدِ التِّجَارَةِ وَهَذَا مِنْهُمَا نَوْعُ اسْتِحْسَانٍ فَكَأَنَّهُمَا يَقُولَانِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ طَرَفَانِ طَرَفُ الْعَقْدِ وَطَرَفُ الْمِلْكِ فَكَمَا أَنَّ الْكَافِرَ إذَا وَكَّلَ بِهِ الْمُسْلِمَ لَا يَجُوزُ لِاعْتِبَارِ طَرَفِ الْعَقْدِ فَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ إذَا وَكَّلَ الْكَافِرَ بِهِ لَا يَجُوزُ لِاعْتِبَارِ طَرَفِ الْمِلْكِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الْعَقْدَ سَبَبُ الْمِلْكِ وَالثَّابِتُ بِهِ الْمِلْكُ فِي الْمَحِلِّ وَهُوَ الْمَقْصُودُ فَإِذَا وَجَبَتْ مُرَاعَاةُ جَانِبِ الْعَقْدِ فَلَأَنْ تَجِبَ مُرَاعَاةُ جَانِبِ الْمِلْكِ أَوْلَى وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ الَّذِي وَلَّى الصَّفْقَةَ هُوَ الْوَكِيلُ وَالْخَمْرُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِ يَمْلِكُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِنَفْسِهِ فَيَمْلِكُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِغَيْرِهِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ هَهُنَا بِسَبَبِ الْإِسْلَامِ هُوَ الْعَقْدُ عَلَى الْخَمْرِ فَالْمُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَمْلِكَ الْخَمْرَ أَلَا تَرَى
-
أَنَّهُ إذَا تُخَمَّرَ عَصِيرُ الْمُسْلِمُ يَبْقَى مَمْلُوكًا لَهُ وَإِذَا مَاتَ قَرِيبُهُ عَنْ خَمْرٍ يَمْلِكُهَا بِالْإِرْثِ وَهُنَا إنْ اعْتَبَرْنَا جَانِبَ الْعَقْدِ فَالْعَاقِدُ مِنْ أَهْلِهِ وَهُوَ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ وَإِنْ اعْتَبَرْنَا جَانِبَ الْمِلْكِ فَلِلْمُسْلِمِ مِنْ أَهْلِ مِلْكِ الْخَمْرِ فَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي جَانِبِ الْعَقْدِ إفْسَادُ التَّوْكِيلِ إذَا كَانَ الْوَكِيلُ مُسْلِمًا يُعْتَبَرُ جَانِبُ الْعَقْدِ دُونَ الْمِلْكِ فَكَذَلِكَ فِي جَانِبٍ تَصِحُّ الْوَكَالَةُ وَبِهِ فَارَقَ النِّكَاحُ فَالْوَكِيلُ فِي بَابِ النِّكَاحِ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ فَكَانَ الْعَاقِدُ هُوَ الْمُوَكَّلُ وَقَوْلُهُ بِأَنَّ الْمُوَكَّلَ يَمْلِكُ الْخَمْرَ بِالْعَقْدِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْعَقْدُ يُوجِبُ الْمِلْكَ لِلْعَاقِدِ ثُمَّ الْمُوَكِّلِ يَخْلُفُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَرَّرْنَا وَالْمُسْلِمُ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَمْلِكَ الْخَمْرَ بِهَذَا الطَّرِيقِ كَمَا إذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ الْكَافِرِ فِي التِّجَارَةِ فَاشْتَرَى الْعَبْدُ خَمْرًا فَإِنَّ الْمَوْلَى يَمْلِكُهَا عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ عَنْهُ
-
وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ إذَا كَانَ كَافِرًا وَاشْتَرَى خَمْرًا ثُمَّ عَجَزَ فَمَوْلَاهُ الْمُسْلِمُ يَمْلِكهَا بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْهُ وَفَرْقُهُمَا أَنَّ الْعَبْدَ وَالْمَكَاتِبَ يَتَصَرَّفَانِ لِأَنْفُسِهِمَا وَلِهَذَا لَا يَرْجِعَانِ عَلَى الْمَوْلَى بِعُهْدَةِ تَصْرِفُهُمَا فَلِهَذَا اعْتَبَرْنَا حَالَهُمَا فَأَمَّا الْوَكِيلُ فَيَتَصَرَّفُ لِلْمُوَكَّلِ حَتَّى يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْعُهْدَةِ وَيَكُونُ الْمُوَكِّلُ فِي قَرَارِ الْعُهْدَةِ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ بَاشَرَ التَّصَرُّفَ بِنَفْسِهِ فَكَذَلِكَ فِي عَقْدِ الْوَكِيلِ لَهُ عَلَى الْخَمْرِ فَإِذَا تَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْعَقْدِ عَلَى الْآمِرِ نَفَّذَ الْعَقْدَ عَلَى الْوَكِيلِ
-
قَالَ (وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بِدَرَاهِمَ يُسَلِّمُهَا لَهُ فِي طَعَامٍ فَصَرَفَهَا الْوَكِيلُ بِدَرَاهِمَ غَيْرِهَا فَقَدْ خَالَفَ الْعَقْدُ فَكَانَ مُبَاشِرًا الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ ضَامِنًا لَمَا صَرَفَهُ مِنْ دَرَاهِمِ الْآمِرِ بَعْدَ ذَلِكَ)
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَدْفُوعُ دِينَارًا فَصَرَفَهُ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ أَسْلَمَهَا فِي طَعَامٍ فَهُوَ لِلْوَكِيلِ لِأَنَّهُ خَالَفَ فِي الْعَقْدِ وَالْبَدَلِ ثُمَّ أَسْلَمَ بِدَرَاهِمَ نَفْسِهِ فِي الطَّعَامِ فَكَانَ الطَّعَامُ لَهُ وَهُوَ ضَامِنٌ لِلدَّنَانِيرِ
-
قَالَ (وَإِذَا وَكَّلَهُ رَجُلَانِ أَنَّ يُسْلَمَ لَهُمَا فِي طَعَامٍ وَاحِدٍ وَلَكِنْ مِنْ غَيْرِ خَلْطٍ جَازَ لِأَنَّهُ حَصَّلَ مَقْصُودَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكَمَالِهِ) فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي عُقْدَةٍ أَوْ عُقْدَتَيْنِ وَإِذَا خَلَطَ الدَّرَاهِمَ ثُمَّ أَسْلَمَهَا كَانَ مُخَالِفًا ضَامِنًا لِأَنَّ دَرَاهِمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي يَدِهِ أَمَانَةً فَيَصِيرُ بِالْخَلْطِ ضَامِنًا مُتَمَلِّكًا كَمَا هُوَ أَصْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ أَضَافَ عَقْدُ السَّلَمِ إلَى دَرَاهِمِ نَفْسِهِ فَكَانَ الطَّعَامُ لَهُ
-
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَلَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ خَلْطٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ وَإِنَّمَا حَصَلَ الِاخْتِلَاطُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ حُكْمًا لِاتِّحَادِ الْعَقْدِ حُكْمًا وَبِمِثْلِهِ لَا يَصِيرُ الْأَمِينُ ضَامِنًا وَإِنْ أَسْلَمَ دَرَاهِمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ حِدَةٍ إلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَضَى شَيْئًا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَيْ الْآمِرَيْنِ أَنَّهُ مِنْ حَقِّهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمِلْكُ لَمَا يُوفِي مِنْ الطَّعَامِ فَرَجَعَ فِي بَيَانِ مَا يَتَمَلَّكُ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ هُوَ غَائِبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَلِأَنَّ
-
كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا يَتَمَلَّكُ بِعَقْدٍ بَاشَرَهُ الْوَكِيلُ فَعِنْدَ الِاشْتِبَاهِ يَرْجِعُ فِي الْبَيَانِ إلَيْهِ فَإِذَا قَدَّمَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ وَكَذَبَ الْوَكِيلُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَيَانِ وَسَقَطَ اعْتِبَارُ الْخَلْفِ عِنْدَ ظُهُورِ الْأَصْلِ
-
وَإِنْ أَسْلَمَ الْوَكِيلُ إلَى نَفْسِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْوَاحِدَ فِي عَقْدِ التِّجَارَةِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُبَاشِرًا لِلْعَقْدِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَضَادِّ الْأَحْكَامِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُمَلَّكًا مُتَمَلِّكًا مُسْلِمًا مُتَسَلِّمًا مُخَاصِمًا مُتَخَاصِمًا وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التُّهْمَةَ تَخْصُصْ الْآمِرَ الْمُطْلَق
-
وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ إلَى شَرِيكٍ لَهُ مُفَاوِضٍ لِأَنَّهُمَا بِعَقْدِ الْمُفَاوَضَةِ صَارَا كَشَخْصٍ وَاحِدٍ فِي عُقُودِ التِّجَارَةِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُطَالَبٌ بِمَا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ فَهُوَ وَمَا لَوْ أَسْلَمَ إلَى نَفْسِهِ سَوَاءٌ
-
وَكَذَلِكَ إنْ أَسْلَمَ إلَى عَبْدِهِ لِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ فَهُوَ مُتَّهَمٌ فِي ذَلِكَ،
-
وَكَذَلِكَ، إلَى مَكَاتِبِهِ لِأَنَّ لَهُ حَقُّ الْمِلْكِ فِي كَسْبِ الْمُكَاتَبِ وَيَنْقَلِبُ ذَلِكَ صَحِيحًا حَقِيقَةَ مِلْكِ يُعْجِزُهُ
-
فَإِنْ أَسْلَمَ إلَى شَرِيكٍ لَهُ عَنَانٍ جَازَ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ تِجَارَتِهِمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ فِيمَا لَيْسَ مِنْ تِجَارَتِهِمَا حَتَّى تَجُوزُ شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِيمَا لَيْسَ مِنْ تِجَارَتِهِمَا
-
فَإِنْ أَسْلَمَهَا إلَى ابْنِهِ أَوْ إلَى أَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ زَوْجَتِهِ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَالِ صَاحِبهِ مِلْكٌ وَلَا حَقُّ مِلْكٍ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَسْلَمَ إلَى أَخِيهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَهَذَا
-
بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مُمَثَّلٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَلَا يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الصِّدْقِ فِيهَا مَعَ تَمَكُّنِ تُهْمَةِ الْمِيلِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ مُطْلَقُ الْوَكَالَةِ تَتَقَيَّدُ بِالتُّهْمَةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ فَكَانَ إسْلَامُهُ إلَى عَبْدِهِ وَمُكَاتِبِهِ وَهَذَا لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِّ الْمَرْءِ إيثَارُ وَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَسِوَى هَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ كَلَامٌ وَخِلَافٌ فِي مُعَامَلَةِ الْوَكِيلِ مَعَ هَؤُلَاءِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ وَقَدْ أَمْلَيْنَا تَمَامَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ
-
وَاذَا وَكَّلَ الْوَكِيلُ بِالسَّلَمِ رَجُلًا بِقَبْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِمَّنْ عَلَيْهِ فَقَبَضَهُ بَرِئَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مِنْهُ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي حَقِّ الْقَبْضِ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ حَتَّى يَخْتَصَّ بِالْمُطَالَبَةِ بِهِ وَلَوْ كَانَ عَاقِدًا لِنَفْسِهِ كَانَ قَبْضُ وَكِيلِهِ فِي بَرَاءَةِ الْمُسْلَمِ كَقَبْضِهِ بِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ الثَّانِي عَبْدًا لِلْوَكِيلِ الْأَوَّلِ أَوْ ابْنِهِ فِي عِيَالِهِ أَوْ أَجِيرٍ لَهُ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الْآمِرِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْآمِرِ وَالْمُرَادُ الْأَجِيرُ الْخَاصِّ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ مُشَاهَرَةً أَوْ مُسَانَهَةً لِأَنَّ يَدَ هَؤُلَاءِ فِي الْحِفْظِ كَيَدِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَبَضَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ سَلَّمَ إلَى
-
وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ ثُمَّ هَلَكَ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ الثَّانِي أَجْنَبِيًّا فَالْوَكِيلُ الْأَوَّلُ ضَامِنٌ لِلطَّعَامِ إنْ ضَاعَ فِي يَدِ وَكِيلِهِ لِأَنَّ قَبْضَ وَكِيلِهِ كَقَبْضِهِ بِنَفْسِهِ وَلَوْ قَبْضَهُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى أَجْنَبِيٍّ كَانَ ضَامِنًا فَكَذَلِكَ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِي هَلْ يَكُونُ ضَامِنًا فِي حَقِّ رَبِّ السَّلَمِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَكُونُ ضَامِنًا بِمَنْزِلَةِ مُودِعِ الْمُودِعِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَ فِيهِ فِي الْوَدِيعَةِ وَإِنْ وَصَلَ إلَى الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ بَرِئَ هُوَ وَوَكِيلُهُ عَنْ ضَمَانِهِ كَمَا لَوْ قَبَضَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ بِنَفْسِهِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَصِلَ إلَى يَدِهِ مِنْ يَدِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ أَوْ مِنْ يَدِ وَكِيلِهِ فَلِهَذَا لَا ضَمَانَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ
-
فَإِذَا أَسْلَمَ الْوَكِيلُ الدَّرَاهِمَ إلَى امْرَأَةٍ جَازَ، كَذَلِكَ، لَوْ كَانَ الْمُوَكِّلُ أَوْ الْوَكِيلُ امْرَأَةً يَجُوزُ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُعَامَلَاتِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
-
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا تَصَارَفَ الْوَكِيلَانِ لَمْ يَنْبَغِ لَهُمَا أَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَتَقَابَضَا كَمَا لَوْ بَاشَرَا الْعَقْدَ لِأَنْفُسِهِمَا؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ،
-
وَلَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ مُبَاشَرَتُهُ لِغَيْرِهِ، وَمُبَاشَرَتُهُ لِنَفْسِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَسْتَغْنِي عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى غَيْرِهِ،
-
وَلَا يَضُرُّهُمَا غَيْبَةُ الْمُوَكِّلِينَ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ.
-
وَإِنْ، وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلَيْنِ بِالصَّرْفِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِمَا مَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرَّأْي، وَرَأْيُ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ كَرَأْيِ الْمُثَنَّى،
-
فَإِنْ عَقَدَا جَمِيعًا، ثُمَّ ذَهَبَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَتْ حِصَّتُهُ، وَحِصَّةُ الْبَاقِي جَائِزَةٌ كَمَا لَوْ بَاشَرَا الْعَقْدَ لِأَنْفُسِهِمَا.
-
وَإِنْ، وَكَّلَا جَمِيعًا رَبَّ الْمَالِ بِالْقَبْضِ، أَوْ الْأَدَاءِ، وَذَهَبَا بَطَلَ الصَّرْفُ؛ لِوُجُودِ الِافْتِرَاقِ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ قَبْلَ التَّقَابُضِ، وَرَبُّ الْمَالِ فِي حُقُوقِ الْعَقْدِ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ.
-
وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي أَنْ يَصْرِفَ لَهُ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ فَصَرَفَهَا، وَتَقَابَضَا، وَأَقَرَّ الَّذِي قَبَضَ الدَّرَاهِمَ بِالِاسْتِيفَاءِ،
-
ثُمَّ وَجَدَ فِيهَا دِرْهَمًا زَائِفًا فَقَبِلَهُ الْوَكِيلُ، وَأَقَرَّ أَنَّهُ مِنْ دَرَاهِمِهِ، وَجَحَدَهُ الْمُوَكِّلُ، فَهُوَ لَازِمٌ لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لِلْقَابِضِ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الزِّيَافَةِ بَعْدَ مَا أَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ، وَإِنَّمَا يَرُدُّهُ عَلَى الْوَكِيلِ بِإِقْرَارِهِ، وَإِقْرَارُهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُوَكِّلِ؛
-
فَلِهَذَا كَانَ لَازِمًا لِلْوَكِيلِ، قَالَ:
-
وَإِنْ رَدَّهُ الْقَاضِي عَلَى الْوَكِيلِ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِأَدَاءِ يَمِينٍ، وَلَمْ يَكُنْ الْقَابِضُ أَقَرَّ بِالِاسْتِيفَاءِ لَزِمَ الْآمِرَ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ،
-
فَإِنَّ الْقَابِضَ إذَا لَمْ يُقِرَّ بِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ،
-
وَلَا بِاسْتِيفَاءِ الْجِيَادِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِي، أَنَّهُ زُيُوفٌ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ قَبْضَ حَقِّهِ،
-
وَلَا حَاجَةَ لَهُ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ،
-
وَلَا يَمِينَ عَلَى الْوَكِيلِ الَّذِي عَاقَدَهُ إنَّمَا الْيَمِينُ عَلَيْهِ،
-
فَإِنَّ مَنْ جُعِلَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ شَرْعًا، يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَإِنَّمَا يَرُدُّ إذَا حَلَفَ لَا إذَا أَتَى الْيَمِينَ فَعَرَفْنَا أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ مُخْتَلٌّ،
-
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ، وَرَدَّهُ عَلَى الْوَكِيلِ فَهُوَ لَازِمٌ لِلْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فِيمَا هُوَ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْآمِرِ،
-
وَإِذَا وَكَّلَهُ بِأَنْ يَصْرِفَ لَهُ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ فَصَرْفهَا، فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الدَّنَانِيرِ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ قَدْ انْتَهَتْ، وَالدَّنَانِيرُ الْمَقْبُوضَةُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ لِلْمُوَكِّلِ،
-
فَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِغَيْرِ أَمْرٍ.
-
وَإِنْ، وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ إبْرِيقَ فِضَّةٍ بِعَيْنِهِ مِنْ رَجُلٍ، فَاشْتَرَاهُ بِدَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ، جَازَ عَلَى الْآمِرِ، وَجَازَ إنْ نَوَاهُ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ يَنْصَرِفُ إلَى الشِّرَاءِ بِالنَّقْدِ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ قَصَدَ عَزْلَ نَفْسِهِ فِي مُوَافَقَةِ أَمِرِ الْآمِرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ مِنْ الْوَكَالَةِ، إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْآمِرِ،
-
وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِشَيْءٍ مِمَّا يُكَالُ، أَوْ يُوزَنُ بِعَيْنِهِ، أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ يَتَقَيَّدُ بِالشِّرَاءِ بِالنَّقْدِ،، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْبُيُوعِ فَإِذَا اشْتَرَاهُ بِشَيْءٍ آخَرَ كَانَ مُخَالِفًا، وَكَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ.
-
فَإِنْ وَكَّلَهُ بِفِضَّةٍ لَهُ بَيْعُهَا، وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ الثَّمَنَ فَبَاعَهَا بِفِضَّةٍ أَكْثَرَ مِنْهَا، لَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ بَاعَهَا الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ،
-
وَلَا يَضْمَنُ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ، وَالْوَكِيلُ إنَّمَا يَضْمَنُ بِالْخِلَافِ لَا بِفَسَادِ الْعَقْدِ، وَالْمُوَكِّلُ أَحَقُّ بِهَذِهِ الْفِضَّةِ مِنْ الْوَكِيلِ يَقْبِضُ مِنْهَا وَزْنَ فِضَّتِهِ؛ لِأَنَّ فِضَّتَهُ صَارَتْ دَيْنًا عَلَى الْقَابِضِ، وَقَدْ ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ مِنْ مَالِ الْمَدْيُونِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ مِقْدَارَ حَقِّهِ، وَالْبَاقِي فِي يَدِ الْوَكِيلِ حَتَّى يَرُدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ.
-
وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ رَجُلًا بِبَيْعِ تُرَابٍ فِضَّةٍ فَبَاعَهُ بِفِضَّةٍ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي ذَلِكَ، فَبَيْعُهُ كَبَيْعِ الْمُوَكِّلِ فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْفِضَّةَ فِي التُّرَابِ مِثْلُ الثَّمَنِ وَزْنًا فَرَضِيَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلتُّرَابِ، وَالْعِلْمُ بِالْمُسَاوَاةِ وَزْنًا فِي الْمَجْلِسِ كَالْعِلْمِ بِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَلَهُ الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ لِيَنْكَشِفَ الْحَالُ لَهُ كَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا لَمْ يَرَهُ،
-
ثُمَّ رَآهُ فَإِنْ رَدَّهُ بِغَيْرِ حُكْمٍ جَازَ عَلَى الْآمِرِ، بِمَنْزِلَةِ الرَّدِّ بِخِيَارِ الشَّرْطِ، وَالرُّؤْيَةِ.
-
وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْمُسَاوَاةِ شَرْطُ هَذَا الْعَقْدِ كَالْقَبْضِ، وَكَمَا أَنَّ الْقَبْضَ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ لَا يُصْلِحُ الْعَقْدَ فَكَذَلِكَ الْعِلْمُ بِالْمُسَاوَاةِ.
-
وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً عَلَى هَذَا التُّرَابِ، وَهُوَ تُرَابُ مَعْدِنٍ فَزَوَّجَهُ بِهِ، كَانَ جَائِزًا إنْ كَانَ فِيهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فِضَّةٍ، أَوْ أَكْثَرُ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ تُرَابُ ذَهَبٍ، وَفِيهِ قِيمَةُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ أَكْثَرُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَشَرَةٌ، يُكْمَلْ لَهَا عَشَرَةٌ كَمَا لَوْ فَعَلَ الْمُوَكِّلُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ أَدْنَى الصَّدَاقِ عِنْدَنَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ
-
وَإِنْ وَكَّلَهُ بِأَنْ يَبِيعَ لَهُ سَيْفًا مُحَلَّى، فَبَاعَهُ بِنَسِيئَةٍ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ؛ لِلْأَجَلِ الْمَشْرُوطِ فِي الصَّرْفِ،
-
وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ، فَالْبَيْعُ عَادَةً يَكُونُ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْوَكِيلُ بِالْخِلَافِ لَا بِالْفَسَادِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَ فِيهِ الْخِيَارَ، وَبَاعَهُ بِأَقَلَّ مِمَّا فِيهِ نَقْدًا
-
فَهُوَ فَاسِدٌ كَمَا لَوْ بَاعَهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ،
-
وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْهُ.
-
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِحُلِّي ذَهَبٍ فِيهِ لُؤْلُؤٌ وَيَاقُوتٌ يَبِيعُهُ لَهُ فَبَاعَهُ بِدَرَاهِمَ،
-
ثُمَّ تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ،
-
فَإِنْ كَانَ اللُّؤْلُؤُ، وَالْيَاقُوتُ يُنْزَعُ مِنْهُ بِغَيْرِ ضَرَرٍ، يَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي حِصَّةِ الصَّرْفِ؛ لِعَدَمِ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ، وَجَازَ فِي حِصَّةِ اللُّؤْلُؤِ؛ لِتَمَكُّنِ التَّسْلِيمِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَالْبَيْعُ فِي حَقِّهِ بَيْعُ عَيْنٍ بِدَيْنٍ،
-
وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يُنْزَعُ إلَّا بِضَرَرٍ لَمْ يَجُزْ شَيْءٌ مِنْهُ؛ لِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِ ضَرَرٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ بَيْعَهُ ابْتِدَاءً فِي هَذَا الْفَصْلِ لَا يَجُوزُ، فَكَذَلِكَ لَا يَبْقَى بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
-
وَإِنْ وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ فُلُوسًا بِدِرْهَمٍ فَاشْتَرَاهَا، وَقَبَضَهَا فَكَسَدَتْ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَهَا إلَى الْآمِرِ، فَهِيَ لِلْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ بِقَبْضِ الْوَكِيلِ صَارَ قَابِضًا،
-
فَإِنَّ الْوَكِيلَ فِي الْقَبْضِ عَامِلٌ لَهُ، وَبِالْقَبْضِ يَنْتَهِي حُكْمُ الْعَقْدِ فِيهِ، فَالْكَسَادُ بَعْدَهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ،
-
وَلَوْ كَسَدَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْوَكِيلُ كَانَ الْوَكِيلُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهَا،
-
وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَقَدْ ذَكَرَ قَبْلَ هَذَا أَنَّ الْعَقْدِ يَفْسُدُ بِكَسَادِ الْفُلُوسِ قَبْلَ الْقَبْضِ - اسْتِحْسَانًا - فَقَبِلَ التَّفْرِيعَ الْمَذْكُورَ هُنَا عَلَى جَوَابِ الْقِيَاسِ،
-
وَقِيلَ مُرَادُهُ مِنْ قَوْلِهِ هُنَاكَ: إنَّ الْعَقْدَ يُفْسِدُ، أَنَّهُ: لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبْضِ الْفُلُوسِ الْكَاسِدَةِ،
-
فَأَمَّا إذَا اخْتَارَ الْأَخْذَ فَلَهُ ذَلِكَ كَمَا فَسَّرَهُ هُنَا فَقَالَ: الْوَكِيلُ بِالْخِيَارِ،
-
فَإِذَا أَخَذَهَا فَهِيَ لَازِمَةٌ لَهُ دُونَ الْآمِرِ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْآمِرُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفُلُوسٍ حَتَّى كَسَدَتْ، إنَّمَا هِيَ الْآنَ صِفْرٌ، مَعْنَاهُ: لَيْسَتْ بِفُلُوسٍ رَائِجَةٍ هِيَ ثَمَنٌ، وَذَلِكَ مَقْصُودُ الْآمِرِ.
-
وَإِنْ وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدًا بِعَيْنِهِ فَاشْتَرَاهُ،
-
ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْوَكِيلُ، فَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ، وَالْوَكِيلُ فِيهِ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ فَمَا دَامَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ فَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ رَدِّهَا بِدُونِ اسْتِطْلَاعِ رَأْيِ الْمُوَكِّلِ،
-
فَإِنْ أَخَذَهُ وَرَضِيَهُ، وَكَانَ الْعَيْبُ غَيْرَ مُسْتَهْلَكٍ لَهُ فَهُوَ لَازِمٌ لِلْآمِرِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ فَاحِشًا يُسْتَهْلَكُ الْعَبْدُ فِيهِ، لَزِمَ الْوَكِيلَ دُونَ الْآمِرِ اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْآمِرُ، وَذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْعَيْبُ الْيَسِيرُ، وَالْفَاحِشُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَهُوَ لَازِمٌ لِلْآمِرِ إنْ اشْتَرَاهُ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ؛
-
لِأَنَّ أَخْذَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ كَشِرَائِهِ ابْتِدَاءً مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ،
-
وَمِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ الْعَيْبَ الْمُسْتَهْلَكَ لَا يَمْنَعُ الْوَكِيلَ مِنْ الشِّرَاءِ لِلْآمِرِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْقَبْضِ، وَالرِّضَا بِهِ عِنْدَ الْأَخْذِ،
-
وَمِنْ أَصْلِهِمَا أَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ شِرَاءَهُ لِلْآمِرِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ، وَهُوَ مَعْلُومٌ عُرْفًا فَكَذَلِكَ رِضَاهُ عِنْدَ الْأَخْذِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ كِتَابِ الْوَكَالَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هُنَاكَ، وَلَئِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي قَوْلِهِمْ كَمَا أَطْلَقَ فِي الْكِتَابِ، فَوَجْهُهُ: أَنَّ الرِّضَا بِالْعَيْبِ الْيَسِيرِ
-
مِنْ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ، مُلْزِمٌ لِلْآمِرِ
-
بِخِلَافِ الْعَيْبِ الْفَاحِشِ، فَكَذَلِكَ الرِّضَا بِالْعَيْبِ الْيَسِيرِ يَكُونُ مُلْزِمًا لِلْآمِرِ
-
بِخِلَافِ الرِّضَا بِالْعَيْبِ الْفَاحِشِ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْآمِرُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بِالْعَبْدِ عَيْبًا، وَلَكِنَّهُ قُتِلَ عِنْدَ الْبَائِعِ، فَالْوَكِيلُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَسْخَ الْبَيْعَ،
-
وَإِنْ شَاءَ أَجَازَهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ تَحَوَّلَ مِنْ جِنْسٍ إلَى جِنْسٍ، وَتَأْثِيرُ ذَلِكَ فِي إثْبَاتِ الْخِيَارِ فَوْقَ تَأْثِيرِ الْعَيْبِ،
-
فَإِنْ أَجَازَهُ كَانَتْ الْقِيمَةُ لَهُ دُونَ الْآمِرِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْآمِرِ تَحْصِيلُ الْعَبْدِ لَهُ،
-
وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْقِيمَةِ فَرَضَا الْوَكِيلُ، بِهَا لَا يَلْزَمُ الْآمِرَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَخَذَ ذَلِكَ فَيَكُونُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهَا بَدَلُ مِلْكِهِ فَالْمِلْكُ فِي الْعَبْدِ بِالشِّرَاءِ، وَقَعَ لَهُ فَإِذَا رَضِيَ أَنْ يَأْخُذَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ.
-
وَإِذَا وَكَّلَهُ بِطَوْقِ ذَهَبٍ يَبِيعُهُ فَبَاعَهُ، وَنَقَدَ الثَّمَنَ، وَقَبَضَ الطَّوْقَ،
-
ثُمَّ قَالَ الْمُشْتَرِي، وَجَدْته صَغِيرًا مُمَوَّهًا بِالذَّهَبِ، فَأَقَرَّ بِهِ الْوَكِيلُ، لَزِمَ الْوَكِيلَ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي غَيْرُ مَقْبُولِ الْقَوْلِ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ، فَإِنَّهُ قَبَضَ عَيْنَ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَقْدُ،
-
ثُمَّ ادَّعَى بَعْد ذَلِكَ فَسَادَ الْعَقْدِ لِسَبَبٍ لَا يُعْرَفُ فِي مِثْلِهِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَإِقْرَارُ الْوَكِيلُ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ دُونَ الْآمِرِ، غَيْرَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْآمِرَ؛ لِأَنَّ الْآمِرَ لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ لَزِمَهُ،
-
فَإِذَا أَنْكَرَ كَانَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ أَنْكَرَ الْوَكِيلُ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِالْبَيِّنَةِ لَزِمَ الْآمِرَ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْآمِرِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ رَدَّ عَلَيْهِ بِإِبَاءِ الْيَمِينِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ إبَاءَ الْوَكِيلِ الْيَمِينَ كَإِقْرَارِهِ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْوَكِيلُ مُضْطَرٌّ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْلِفَ كَاذِبًا، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ لَهُ يَعْمَلُ بِهَا لِلْمُوَكِّلِ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهِ،
-
فَإِنْ وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِهِ طَوْقَ ذَهَبٍ بِعَيْنِهِ فِيهِ مِائَةُ دِينَارٍ فَاشْتَرَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَنَقَدَ الثَّمَنَ، وَلَمْ يَقْبِضْ الطَّوْقَ حَتَّى كَسَرَهُ رَجُلٌ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، فَإِجْبَارُ الْوَكِيلِ تَضْمِينُ الْكَاسِرِ قِيمَتَهُ مَصُوغًا مِنْ الْفِضَّةِ؛ جَازَ ذَلِكَ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فَاتَ، وَاخْتَلَفَ بَدَلًا، وَالْوَكِيلُ فِي اخْتِيَارِ قَبْضِ الْبَدَلِ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ فِي حَقِّهِ،
-
وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لِلْآمِرِ تَحْصِيلُ الطَّوْقِ لَهُ،
-
وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْقِيمَةِ، وَتَصَرُّفُ الْوَكِيلِ عَلَى الْآمِرِ إنَّمَا يَنْفُذُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ، قَالَ: وَيَبْرَأُ مِنْهُ بَائِعُ الطَّوْقِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ تَعَيَّنَ فِي ضَمَانِ الْقِيمَةِ فِي ذِمَّةِ الْكَاسِرِ،
-
فَإِذَا أَخَذَ الْوَكِيلُ الضَّمَانَ مِنْ الْكَاسِرِ يُصَدَّقُ بِالْفَضْلِ إنْ كَانَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ غَرِمَ فِي الثَّمَنِ حُسْنَ مَا عَادَ إلَيْهِ، فَيَظْهَرُ الرِّبْحُ، وَهُوَ رِبْحٌ حَصَلَ لَا عَلَى ضَمَانِهِ فَيَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ.
-
وَأَكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ تَوْكِيلَ الذِّمِّيِّ أَوْ الْحَرْبِيِّ، بِأَنْ يَصْرِفَ لَهُ دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ، وَأُجِيزُهُ إنْ فَعَلَ؛ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ هَذَا الْعَقْدِ مِنْهُ تَصِحُّ لِنَفْسِهِ فَكَذَلِكَ لِغَيْرِهِ بِأَمْرِهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُتَحَرَّزُ
-
عَنْ الْحَرَامِ، إمَّا لِاسْتِحْلَالِهِ ذَلِكَ، أَوْ لِجَهْلِهِ بِهِ، أَوْ قَصْدِهِ إلَى تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ حَرَامًا؛ فَلِهَذَا أَكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ.
-
وَإِذَا وَكَّلَهُ أَنْ يَصْرِفَ لَهُ الدَّرَاهِمَ فَصَرَفَهَا مَعَ عَبْدِ الْمُوَكِّلِ، وَالْوَكِيلُ يَعْلَمُ، أَوْ لَا يَعْلَمُ،
-
فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيلِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ مَالُ الْمُوَكِّلِ، صَرَفَ بَعْضَهُ فِي بَعْضٍ،
-
وَلَا يَكُونُ الْوَكِيلُ بِتَصَرُّفِهِ مُفَوِّتًا عَلَى الْمُوَكِّلِ شَيْئًا.
-
وَإِذَا وَكَّلَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ يَصْرِفُهَا لَهُ، فَبَاعَهَا بِدَنَانِيرَ، وَحَطَّ عَنْهُ مَا لَا يَتَغَابَنُ فِي مِثْلِهِ، لَمْ يَجُزْ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَصَارِفَيْنِ فِي الْعِوَضِ الَّذِي مِنْ جِهَةِ صَاحِبِهِ مُشْتَرٍ، وَلِأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بِالْمُعَيَّنِ إنَّمَا لَا يَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِلتُّهْمَةِ، فَإِنَّهُ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّهُ عَقَدَ لِنَفْسِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِالْعَيْنِ أَرَادَ أَنْ يُلْزِمَ ذَلِكَ الْمُوَكَّلَ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ هُنَا،
-
فَإِنَّ الْوَكِيلَ يَمْلِكُ عَقْدَ الصَّرْفِ لِنَفْسِهِ،
-
وَإِنْ صَرَفَهَا بِسِعْرِهَا عِنْدَ مُفَاوِضٍ لِلْوَكِيلِ، أَوْ شَرِيكٍ لَهُ فِي الصَّرْفِ، أَوْ مُضَارِبٍ لَهُ مِنْ الْمُضَارَبَةِ لَمْ يَجُزْ؛ لِكَوْنِهِ مُتَّهَمًا فِي ذَلِكَ، كَمَا لَوْ صَرَفَهَا مَعَ نَفْسِهِ،
-
فَإِنَّ مَنْ يَحْصُلُ بِتَصَرُّفٍ مِنْ عَامِلِهِ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا،
-
وَإِنْ صَرَفَهَا عِنْدِ تَفَاوُضِ الْآمِرِ لَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ صَرَفَهَا الْآمِرُ بِنَفْسِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي هَذَا الْعَقْدِ فَمَا يَقْبِضُ، وَيُعْطِي يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا،
-
وَإِنْ صَرَفَهَا عِنْدَ شَرِيكِ الْآمِرِ فِي الصَّرْفِ غَيْرَ مُفَاوِضٍ فَهُوَ جَائِزٌ،
-
وَكَذَلِكَ مُضَارِبُهُ؛ لِأَنَّ الْآمِرَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ جَازَ؛ لِكَوْنِهِ مُفِيدًا، وَهُوَ أَنَّهُ يَدْخُلُ بِهِ فِي الشَّرِكَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ، وَيَخْرُجُ بِهِ مِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ، فَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ.
-
وَإِذَا وَكَّلَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ يَصْرِفُهَا لَهُ، وَهُمَا فِي الْكُوفَةِ، وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ مَكَانًا، فَفِي أَيِّ نَاحِيَةٍ مِنْ الْكُوفَةِ صَرَفَهَا، فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ نَوَاحِيَ الْمِصْرِ فِي حُكْمِ مَكَان وَاحِدٍ، وَمَقْصُودُهُ أَنَّ التَّوْكِيلَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالسُّوقِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ سِعْرُ الْكُوفَةِ، لَا سُوقُ الْكُوفَةِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ بِهَا إلَى الْحِيرَةِ أَوْ إلَى الْبَصْرَةِ، أَوْ إلَى الشَّامِ فَصَرَفَهَا هُنَاكَ جَازَ،
-
وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْآمِرَ مُطْلَقٌ،
-
وَلَا يَتَقَيَّدُ بِمَكَانٍ إلَّا بِدَلِيلٍ يُفِيدُهُ بِهِ، وَفِيمَا لَا حِمْلَ لَهُ،
-
وَلَا مُؤْنَةَ، وَلَا يُوجَدُ دَلِيلٌ الْمُقَيَّدِ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ، فَفِي أَيِّ مَكَان صَرَفَهَا لَهُ كَانَ مُمْتَثِلًا أَمْرَهُ.
-
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدٍ لَهُ، أَوْ عَرَضٍ لَهُ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ فَاسْتَأْجَرَ، وَخَرَجَ بِهَا مِنْ الْكُوفَةِ إلَى مَكَّةَ، فَبَاعَهَا هُنَاكَ؛ أَجَزْتُ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّ الْآمِرَ بِالْبَيْعِ مُطْلِقٌ، فَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ بَاعَهُ فَهُوَ مُمْتَثِلٌ،
-
وَلَا أُلْزِمُ الْآمِرَ مِنْ الْآخَرِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِالِاسْتِئْجَارِ، فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ فِيمَا الْتَزَمَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ: أَجَزْتُ الْبَيْعَ إذَا بَاعَهُ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ فِيهِ، وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -؛
-
لِأَنَّ عِنْدَهُمَا التَّوْكِيلَ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا، يَتَقَيَّدُ بِالْبَيْعِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ، لَوْ بَاعَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَكَذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ
-
آخَرَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ إذَا بَاعَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَكَذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَأَعَادَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ، وَقَالَ فِي جَوَابِهَا: لَمْ أُجِزْ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْخُرُوجِ بِهِ، اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَرِوَايَةُ أَبِي حَفْصٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛
-
لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَ مُطْلَقَ الْأَمْرِ حَتَّى يَجُوزَ بَيْعُهُ فِي مَكَان آخَرَ؛ لَكَانَتْ مُؤْنَةُ النَّقْلِ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ عَلَى الْمُوَكِّلِ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ إحْضَارَ السِّلْعَةِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِيَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ، وَيُسَلِّمَ الْمَبِيعَ،
-
وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ هَذِهِ الْمُؤْنَةِ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا يَبْلُغُ ذَلِكَ ثَمَنَ السِّلْعَةِ، أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ، فَهَذَا دَلِيلٌ مُقَيِّدٌ لِمُطْلَقِ الْأَمْرِ بِالْمِصْرِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْمَتَاعُ؛ فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي مَكَان آخَرَ،
-
بِخِلَافِ مَا لَا حِمْلَ لَهُ،
-
وَلَا مُؤْنَةَ، وَبِمِثْلِ هَذَا قَالَ فِي الْكِتَابَيْنِ: لَوْ ضَاعَ، أَوْ سُرِقَ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ: لَا يَكُونُ مَأْذُونًا مِنْ جِهَتِهِ فِي الْإِخْرَاجِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ بِهِ، وَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ بَيْعُهُ، كَانَتْ مُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَيْهِ دُونَ الْآمِرِ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ كَالْغَاصِبِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
-
وَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ دَرَاهِمَ يَشْتَرِي بِهَا ثَوْبًا سَمَّاهُ، وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ الْمَكَانَ فَاشْتَرَاهُ بِغَيْرِ الْكُوفَةِ؛ كَانَ جَائِزًا؛ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حِمْلٌ،
-
وَلَا مُؤْنَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشِّرَاءِ وُجِدَ طَلْقًا.
-
فَإِنْ وَكَّلَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ يَصْرِفُهَا لَهُ،
-
ثُمَّ إنَّ الْمُوَكِّلَ صَرْفَ تِلْكَ الْأَلْفَ فَجَاءَ الْوَكِيلُ إلَى بَيْتِ الْمُوَكِّلِ، فَأَخَذَ أَلْفًا غَيْرَهَا فَصَرَفَهَا، فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ إنَّمَا حَصَلَ بِالصَّرْفِ بِدَرَاهِمَ فِي الذِّمَّةِ؛ إذْ النُّقُودُ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعُقُودِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ صَرَفَ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ كَانَ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَمْنَعَهَا، وَيُعْطِيَ غَيْرَهَا، فَصَرْفُ الْمُوَكِّلِ تِلْكَ الْأَلْفَ بِنَفْسِهِ، لَا يَكُونُ تَصَرُّفًا مِنْهُ، فِيمَا تَتَنَاوَلُهُ الْوَكَالَةُ،
-
فَلَا يُوجِبُ عَزْلَ الْوَكِيلِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الْأُولَى بَاقِيَةً، وَأَخَذَ الْوَكِيلُ غَيْرَهَا فَصَرَفَهَا؛ لِأَنَّ الصَّرْفَ انْعَقَدَ بِدَرَاهِمَ فِي ذِمَّتِهِ سَوَاءٌ أَضَافَهُ إلَى تِلْكَ الْأَلْفِ، أَوْ غَيْرِهَا فَيَكُونُ مُمْتَثِلًا أَمْرَهُ فِي ذَلِكَ،
-
وَكَذَلِكَ الدَّنَانِيرُ، وَالْفُلُوسُ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ تِلْكَ الْأَلْفَ لَوْ هَلَكَتْ بَعْدَ التَّسْلِيمِ إلَى الْوَكِيلِ، قَبْلَ أَنْ يَصْرِفَهَا بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ؟
-
وَلَوْ لَمْ تَتَعَلَّقْ الْوَكَالَةُ بِهَا لَمَا بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ بِهَلَاكِهَا، قُلْنَا: الْوَكَالَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهَا حَتَّى لَوْ صَرَفَهَا،
-
ثُمَّ هَلَكَتْ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، كَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْمُوَكِّلَ بِأَلْفٍ أُخْرَى،
-
فَأَمَّا إذَا هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَصْرِفَهَا، إنَّمَا بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ لِمَعْنَى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُوَكِّلِ فَرُبَّمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ أَدَاءُ أَلْفٍ أُخْرَى بَعْدِ هَلَاكِ تِلْكَ الْأَلْفِ،
-
وَلَا ضَرَر عَلَى الْوَكِيلِ فِي إبْطَالِ الْوَكَالَةِ؛ إذَا هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَصْرِفَهَا، وَهَذَا لَا يُوجَدُ إذَا كَانَتْ قَائِمَةً فِي يَدِ الْمُوَكِّلِ، أَوْ صَارَفَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي إبْقَاءِ الْوَكَالَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي انْعَقَدَتْ فِي الِابْتِدَاءِ، وَهُوَ الصَّرْفُ بِدَرَاهِمَ فِي الذِّمَّةِ،
-
وَلَوْ أَمَرَهُ بِبَيْعِ فِضَّةٍ بِعَيْنِهَا، أَوْ ذَهَبٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ عَرَضٍ مِنْ عُرُوضٍ، فَبَاعَ غَيْرَهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ؛ لِأَنَّ
-
الْوَكَالَةَ تَعَلَّقَتْ بِتِلْكَ الْعَيْنِ، فَإِنَّهَا أُضِيفَتْ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ مِمَّا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ.
-
وَإِذَا وَكَّلَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ يَصْرِفُهَا لَهُ بِدَنَانِيرَ فَصَرَفَهَا الْوَكِيلُ بِدَنَانِيرَ كُوفِيَّةٍ، فَهُوَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ وَزْنَ الْكُوفِيَّةِ كُوفِيَّةٌ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -: أَمَّا الْيَوْمَ فَإِنْ صَرَفَهَا بِكُوفِيَّةٍ مُقَطَّعَةٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ وَزْنَ الْكُوفِيَّةِ الْيَوْمَ عَلَى الشَّامِيَّةِ الثِّقَالِ، وَإِنَّمَا جَازَ قَبْلَ الْيَوْمِ،
-
فَإِنْ صَرَفَهَا بِكُوفِيَّةٍ مُقَطَّعَةٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ وَزْنَ الْكُوفِيَّةِ كَانَ عَلَى الْكُوفِيَّةِ الْمُقَطَّعَةِ النَّقْصِ، وَهَذَا اخْتِلَافُ عَصْرِنَا، فَأَبُو حَنِيفَةَ أَفْتَى بِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْمُعَامَلَةُ فِي عَصْرِهِ، وَهُمَا كَذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ: يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ مَكَان وَزَمَانٍ مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ مَقْصُودَ الْمُوَكِّلِ ذَلِكَ بِغَالِبِ الرَّأْيَ.
-
وَلَوْ قَالَ اشْتَرِ لِي بِهَذِهِ الدَّنَانِيرِ غَلَّةً، وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ غَلَّةَ الْكُوفَةِ، أَوْ بَغْدَادَ فَاشْتَرَى لَهُ غَلَّةَ الْكُوفَةِ جَازَ،
-
وَإِنْ اشْتَرَى لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ غَلَّةِ الْبَصْرَةِ، أَوْ بَغْدَادَ أَوْ دَرَاهِمَ غَيْرَ الْغَلَّةِ، لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلَ غَلَّةِ الْكُوفَةِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ إنَّمَا يَصِيرُ مُمْتَثِلًا إذَا حَصَلَ مَقْصُودُ الْمُوَكِّلِ، وَمَقْصُودُهُ غَلَّةُ الْكُوفَةِ،
-
فَإِنْ كَانَ مَا اشْتَرَى مِثْلَ غَلَّةِ الْكُوفَةِ فَقَدْ حَصَلَ مَقْصُودُهُ.
-
وَإِنْ قَالَ لَهُ: بِعْ هَذِهِ الْأَلْفَ دِرْهَمٍ بِدَنَانِيرَ شَامِيَّةٍ فَبَاعَهَا بِالْكُوفِيَّةِ،
-
فَإِنْ كَانَتْ الْكُوفِيَّةُ غَيْرَ مُقَطَّعَةٍ، وَكَانَ وَزْنُهَا شَامِيَّةً فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الْآمِرِ؛ لِحُصُولِ مَقْصُودِهِ قَالَ: وَلَيْسَ الدَّنَانِيرُ فِي هَذَا كَالدَّرَاهِمِ فَإِنَّ مَقْصُودَهُ مِنْ شِرَاءِ الْغَلَّةِ الْإِنْفَاقُ فِي حَوَائِجِهِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بَغْلَةِ الْكُوفَةِ، أَوْ مِثْلِهَا، وَمَقْصُودُهُ مِنْ الدَّنَانِيرِ الرِّبْحُ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْوَزْنِ فَإِنْ كَانَ وَزْنُ الْكُوفِيَّةِ مِثْلَ وَزْنِ الشَّامِيَّةِ؛
-
فَقَدْ حَصَلَ مَقْصُودُهُ، وَلَوْ قَالَ: بِعْهَا بِدَنَانِيرَ عِتْقٍ فَبَاعَهَا بِالشَّامِيَّةِ، لَا يَجُوزُ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِهَذَا لِمَا لِلْعِتْقِ مِنْ الصَّرْفِ عَلَى الشَّامِيَّةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
-
(قَالَ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَيَجُوزُ لِلشَّفِيعِ أَنْ يُوَكِّلَ بِطَلَبِ الشُّفْعَةِ وَالْخُصُومَةِ فِيهَا وَكِيلًا كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ بِطَلَبِ سَائِرِ حُقُوقِهِ، فَقَدْ يَحْتَاجُ إلَى التَّوْكِيلِ فِي ذَلِكَ لِقِلَّةِ هِدَايَتِهِ فِي الْخُصُومَاتِ، أَوْ لِكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ،
-
وَلَا يُقْبَلُ مِنْ وَكِيلِهِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْوَكَالَةِ، إلَّا وَخَصْمُهُ مَعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ؛ لِيَقْضِيَ لَهُ بِالْوَكَالَةِ،
-
وَلَا يَقْضِي بِبَيِّنَةٍ قَامَتْ لَا عَلَى خَصْمٍ حَاضِرٍ وَإِذَا أَقَرَّ الْمُشْتَرِي بِشِرَاءِ الدَّارِ، وَهِيَ فِي يَدِهِ وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ لِلشَّفِيعِ فِيهَا وَخَصْمُهُ الْوَكِيلُ،
-
وَلَا أَقْبَلُ مِنْ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ صَاحِبِهَا إذَا كَانَ صَاحِبُهَا غَائِبًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَيْهِ بِالشُّفْعَةِ بِإِقْرَارِهِ لَا يَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيْعِ،
-
فَإِنَّ مَنْ فِي يَدِهِ عَيْنٌ إذَا أَقَرَّ بِحَقٍّ فِيهِ لِغَيْرِهِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ، وَالْوَكِيلُ الَّذِي حَضَرَ لَيْسَ بِخَصْمٍ عَنْ صَاحِبِ الدَّارِ، فَالْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيِّنَةِ لَا يَجُوزُ، إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْخَصْمِ حَتَّى إذَا أُجِّرَتْ الدَّارُ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَبْطَلْتَ الْبَيْعَ، وَالشُّفْعَةَ، وَرُدَّتْ الدَّارُ عَلَيْهِ لِتَصَادُقِهِمْ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْمِلْكِ كَانَ لَهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا بَاعَهُ، إلَّا أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِمَحْضَرٍ مِنْهُ وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ مَقْبُولَةٌ مِنْ الشَّفِيعِ، وَالْمُشْتَرِي جَمِيعًا؛
-
لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَثْبُتُ عَقْدُهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَالشَّفِيعُ يَثْبُتُ حَقُّهُ فِي الشُّفْعَةِ
-
وَإِذَا طَلَبَ وَكِيلُ الشَّفِيعِ لَهُ الشُّفْعَةَ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: أُرِيدُ يَمِينَ الشَّفِيعِ مَا سَلَّمَ لِي، فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالدَّارِ بِهَذَا وَيُقَالُ لَهُ انْطَلِقْ فَاطْلُبْ يَمِينَ الْآمِرِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: لَا يَقْضِي بِهَا حَتَّى يَحْضُرَ الشَّفِيعُ وَيَحْلِفَ وَهَذِهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ (أَحَدُهَا) مَا بَيَّنَّا (وَالثَّانِي) وَكِيلُ صَاحِبِ الدَّيْنِ إذَا طَالَبَ الْمَدْيُونَ بِإِيفَاءِ الدَّيْنِ وَقَالَ الْمَدْيُونُ أُرِيدُ يَمِينَ الْمُوَكِّلِ مَا أَبْرَأَنِي، فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْمَالِ وَيُقَالُ لَهُ انْطَلِقْ
-
فَاطْلُبْ يَمِينَ الطَّالِبِ (وَالثَّالِثُ) وَكِيلُ الْمُشْتَرِي إذَا أَرَادَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ، فَقَالَ الْبَائِعُ: أُرِيدُ يَمِينَ الْمُوَكِّلِ مَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ فَلَهُ ذَلِكَ،
-
وَلَا يُرَدُّ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُشْتَرِي فَيَحْلِفَ فَأَبُو يُوسُفَ يَجْعَلُ مَسْأَلَةَ الشُّفْعَةِ نَظِيرَ مَسْأَلَةِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ فِي فَصْلِ الشُّفْعَةِ قَضَاءً بِالْمِلْكِ، وَالْعَقْدِ،
-
فَإِنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ كَمَا أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ قَضَاءٌ بِفَسْخِ الْعَقْدِ وَإِعَادَةِ الْمَبِيعِ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ. وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ سَوَّى بَيْنَ الشُّفْعَةِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ بِالتَّسْلِيمِ سَقَطَ الْحَقُّ بَعْدَ الْوُجُوبِ،
-
وَلَا يَنْعَدِمُ السَّبَبُ كَمَا فِي الْإِبْرَاءِ عَنْ الدَّيْنِ
-
بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَهُنَاكَ يَنْعَدِمُ السَّبَبُ الْمُثْبِتُ لِحَقِّ الرَّدِّ، وَهُوَ حَقُّ الْمُشْتَرِي فِي الْمُطَالَبَةِ بِتَسْلِيمِ الْجُزْءِ الْفَائِتِ، يُوَضِّحُ الْفَرْقَ: أَنَّ هُنَاكَ لَوْ فُسِخَ الْعَقْدُ نَفَذَ قَضَاؤُهُ بِالْفَسْخِ لِقِيَامِ السَّبَبِ، وَهُوَ الْعَيْبُ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ الْبَائِعُ ضَرَرًا لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ؛
-
لِأَنَّهُ لَا يُطَالِبُ الْمُشْتَرِي بِالْيَمِينِ بَعْدَ ذَلِكَ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْفَائِدَةِ، فَإِنَّهُ،
-
وَإِنْ نَكَلَ لَا يَعُودُ الْعَقْدُ وَفِي مَسْأَلَةِ قَضَاءِ الدَّيْنِ لَوْ أَمَرَ الْمَدْيُونَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ لَا يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ ضَرَرَ إبْطَالِ حَقِّهِ فِي الْيَمِينِ، بَلْ هُوَ عَلَى حَقِّهِ مِنْ اسْتِحْلَافِ الطَّالِبِ وَمَتَى نَكَلَ رَدَّ عَلَيْهِ الْمَالَ،
-
وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ، فَالْمُشْتَرِي لَا يَتَضَرَّرُ بِالْقَضَاءِ بِالشُّفْعَةِ مِنْ حَيْثُ إبْطَالُ حَقِّهِ فِي الْيَمِينِ، بَلْ هُوَ عَلَى حَقِّهِ فِي اسْتِحْلَافِ الشَّفِيعِ وَإِذَا نَكَلَ رَدَّ عَلَيْهِ الدَّارَ؛ فَلِهَذَا لَا يَتَأَخَّرُ الْقَضَاءُ بِالشُّفْعَةِ لِأَجْلِ يَمِينِ الْمُوَكِّلِ.
-
وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي لِلْوَكِيلِ بِالشُّفْعَةِ فَأَبَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا كَتَبَ الْقَاضِي بِقَضَائِهِ كِتَابًا وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ الشُّهُودَ كَمَا أَنَّهُ يَقْضِي لَهُ بِالشُّفْعَةِ،
-
وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُمْتَنِعًا مِنْ التَّسْلِيمِ، وَالِانْقِيَادِ لَهُ فَكَذَلِكَ يَكْتُبُ لَهُ حُجَّةً بِقَضَائِهِ وَيُشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ نَظَرًا لَهُ وَإِذَا كَانَ فِي سَائِرِ الْخُصُومَاتِ يُعْطِي الْقَاضِي الْمَقْضِيَّ لَهُ سِجِلًّا إذَا الْتَمَسَ ذَلِكَ؛ لِيَكُونَ حُجَّةً لَهُ فَكَذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ بِالشُّفْعَةِ يُعْطِيهِ ذَلِكَ وَإِذَا أَقَرَّ الْمُشْتَرِي بِالشِّرَاءِ وَقَالَ لَيْسَ لِفُلَانٍ فِيهَا شُفْعَةٌ سَأَلْتُ الْوَكِيلَ الْبَيِّنَةَ عَنْ الْحَقِّ الَّذِي وَجَبَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ مِنْ شَرِكَةٍ أَوْ جِوَارٍ؛
-
لِأَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى إثْبَاتِ حَقِّ الْمُوَكِّلِ، إلَّا بِإِثْبَاتِ سَبَبِهِ،
-
فَإِذَا أَقَامَهَا قَضَيْتُ لَهُ بِالشُّفْعَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ الدَّارَ الَّتِي إلَى جَنْبِ الدَّارِ الْمَبِيعَةِ مِلْكٌ لِمُوَكِّلِهِ فُلَانٍ،
-
فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الدَّارَ الَّتِي إلَى جَنْبِ الدَّارِ الْمَبِيعَةِ فِي يَدِ مُوَكِّلِهِ لَمْ أَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ لَهُ فِيهَا بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ، فَالْأَيْدِي تَتَنَوَّعُ وَلَوْ عَلِمَ الْقَاضِي أَنَّهَا فِي يَدِهِ لَمْ يَقْضِ لَهُ بِالشُّفْعَةِ بِذَلِكَ فَكَذَلِكَ إذَا أَثْبَتَ الْيَدَ بِالْبَيِّنَةِ وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَنْكَرَ كَوْنَ الدَّارِ الَّتِي فِي يَدِ الشَّفِيعِ مِلْكًا لَهُ فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَقْضِي الْقَاضِي لِلشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ حَتَّى يَثْبُتَ مِلْكُهُ بِالْبَيِّنَةِ
-
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الشَّفِيعِ فِي ذَلِكَ فَيَقْضِي لَهُ بِالشُّفْعَةِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ الْمِلْكِ الْيَدُ؛ وَلِهَذَا تَجُوزُ
-
الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ لِذِي الْيَدِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ وَكَمَا أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي، إلَّا بِعِلْمٍ، فَالشَّاهِدُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ، إلَّا بِعِلْمٍ،
-
ثُمَّ بِاعْتِبَارِ ظَاهِرِ الْيَدِ يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمِلْكِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِالْمِلْكِ لِذِي الْيَدِ وَبِقَضَائِهِ بِهَذَا يَظْهَرُ اسْتِحْقَاقُ الشُّفْعَةِ وَإِذَا كَانَ يَقْضِي لِذِي الْيَدِ بِالْمِلْكِ إذَا حَلَفَ مَعَ وُجُودِ خَصْمٍ يُنَازِعُهُ فِيهَا وَيَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ فَلَأَنْ يَجُوزُ لَهُ الْقَضَاءُ بِذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ هُنَاكَ خَصْمٌ يَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ أَوْلَى.
كتاب آخر
باب في أحكام الوكالة ١
-
صحة الوكالة في قابل النيابة من فسخ
-
وَقَبْضِ حَقٍّ
-
وَعُقُوبَةٍ
-
وَحَوَالَةٍ
-
وَإِبْرَاءٍ وَإِنْ جَهِلَهُ الثلاثة
-
وحج
-
وَوَاحِدٍ فِي خُصُومَةٍ وَإِنْ كَرِهَ خَصْمَهُ:
-
لَا أَنْ قَاعَدَ خَصْمَهُ كَثَلَاثٍ إلَّا لِعُذْرٍ
-
وَحَلِفٍ في: كسفر
-
وَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ: عَزْلُهُ
-
وَلَا لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ
-
وَلَا الْإِقْرَارُ إنْ لَمْ يُفَوَّضْ لَهُ أو يجعل له
-
ولخصمه اضطراره إليه
-
قَالَ: وَإِنْ قَالَ: أَقَرَّ عَنِي بِأَلْفٍ فَإِقْرَارٌ
-
لا في: كيمين
-
ومعصية: كظهار
-
بما يدل عرفا
-
لا بمجرد وكلتك
-
بل حتى يفوض فيمضي النظر
-
إلا أن يقول وغير النظر
-
إلَّا الطَّلَاقَ وَإِنْكَاحَ بِكْرِهِ وَبَيْعِ دَارِ سُكْنَاهُ وعبده
-
أو يعين بنص أو قرينة
-
وتخصص وتقيد بالعرف
-
فلا يعده
-
إلَّا عَلَى بَيْعٍ فَلَهُ طَلَبُ الثَّمَنِ وَقَبْضُهُ
-
أو اشتراء فله قبض المبيع
-
ورد المغيب إن لم يعينه موكله
-
وَطُولِبَ بِثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْبَرَاءَةِ:
-
كَبَعَثَنِي فُلَانٌ لِتَبِيعَهُ
-
لَا لِأَشْتَرِيَ مِنْك
-
وَبِالْعُهْدَةِ ما لم يعلم
-
وَتَعَيَّنَ فِي الْمُطْلَقِ نَقْدُ الْبَلَدِ
-
وَلَائِقٌ بِهِ
-
إلا أن يسمي الثمن فتردد
-
وثمن المثل
-
وإلا خير
-
كفلوس
-
إلا ما شأنه ذلك لخفته
-
كصرف ذهب بفضة
-
إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّأْنُ
-
وَكَمُخَالَفَتِهِ مُشْتَرِي عَيْنٍ أو سوقا أو زمانا
-
أَوْ بَيْعُهُ بِأَقَلَّ
-
أَوْ اشْتِرَائِهِ بِأَكْثَرَ كَثِيرًا
-
إلا كدينارين في أربعين
-
وصدق في دفعهما وإن سلم من لم يطل
-
وَحَيْثُ خَالَفَ فِي اشْتِرَاءٍ لَزِمَهُ إنْ لَمْ يرضه موكله
-
كَذِي عَيْبٍ
-
إلَّا أَنْ يَقِلَّ وَهُوَ فُرْصَةٌ
-
أو في بيع فيخير موكله
-
ولو ربويا بمثله
-
إنْ لَمْ يَلْتَزِمْ الْوَكِيلُ الزَّائِدَ عَلَى الْأَحْسَنِ
-
لَا إنْ زَادَ فِي بَيْعٍ أَوْ نَقَصَ في اشتراء
-
أَوْ اشْتَرِ بِهَا فَاشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَنَقَدَهَا
-
وعكسه
-
أَوْ شَاةً بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى بِهِ أَثْنَتَيْنِ لَمْ يمكن إفرادهما
-
وإلا خير في الثانية
-
أَوْ أَخَذَ فِي سَلَمِك حَمِيلًا أَوْ رَهْنًا
-
وضمنه قبل علمك به ورضاك
-
وفي بذهب بدراهم وعكسه قولان
-
وحنث بفعله في لا أفعله إلا بنية
-
وَمَنْعُ ذِمِّيٍّ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ تقاض
-
وعدو على عدوه
-
وَالرِّضَا بِمُخَالَفَتِهِ فِي سَلَمٍ إنْ دَفَعَ لَهُ الثمن
-
وَبَيْعُهُ لِنَفْسِهِ وَمَحْجُورُهُ
-
بِخِلَافِ زَوْجَتِهِ وَرَقِيقِهِ إنْ لم يحاب
-
وَاشْتِرَاؤُهُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ إنْ عَلِمَ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ مُوَكِّلُهُ
-
وَعَتَقَ عَلَيْهِ
-
وَإِلَّا فَعَلَى آمِرِهِ
-
وَتَوْكِيلُهُ
-
إلَّا أَنْ لَا يَلِيقَ بِهِ أَوْ يكثر
-
فلا ينعزل الثاني بعزل الأول
-
وفي رضاه إن تعدى به تأويلان
-
وَرِضَاهُ بِمُخَالَفَتِهِ فِي سَلَمٍ إنْ دَفَعَ الثَّمَنَ بمسماه
-
أَوْ بِدَيْنٍ إنْ فَاتَ وَبِيعَ فَإِنَّ وَفَّى بالتسمية أو القيمة
-
وإلا غرم
-
وإن سأل غرم التسمية أو القيمة ويصبر لِيَقْبِضَهَا وَيَدْفَعَ الْبَاقِيَ: جَازَ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مثلها فأقل
-
وإن أمره ببيع سلعة فأسلمها فِي طَعَامٍ: أُغْرِمَ التَّسْمِيَةَ أَوْ الْقِيمَةَ
-
وَاسْتُؤْنِيَ بِالطَّعَامِ لِأَجْلِهِ فَبِيعَ وَغَرِمَ النَّقْصَ وَالزِّيَادَةَ لَك
-
وضمن إن أقبض الدين ولم يشهد
-
أَوْ بَاعَ بِكَطَعَامٍ نَقْدًا مَا لَا يُبَاعُ به وادعى الإذن فنوزع
-
أَوْ أَنْكَرَ الْقَبْضَ فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بالتلف:
-
كالمديان
-
ولو قال غير المفوض: قبضت وتلف برىء
-
ولم يبرأ الغريم إلا ببينة
-
وَلَزِمَ الْمُوَكِّلُ: غُرْمَ الثَّمَنِ إلَى أَنْ يَصِلَ لربه إن لم يدفعه له
-
وَصَدَقَ فِي الرَّدِّ: كَالْمُودَعِ
-
فَلَا يُؤَخَّرُ لِلْإِشْهَادِ
-
ولأحد الوكيلين: الاستبداد
-
إلا لشرط
-
وإن بعت وباع فالأول
-
إلا بقبض
-
وَلَك قَبْضُ سَلَمِهِ لَك إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ
-
وَالْقَوْلُ لَك إنْ ادَّعَى الْإِذْنَ أَوْ صِفَةً له
-
إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ فَزَعَمْت أَنَّك أَمَرْته بغيره وحلف
-
كَقَوْلِهِ: أَمَرْت بِبَيْعِهِ بِعَشَرَةٍ وَأَشْبَهَتْ وَقُلْت بِأَكْثَرَ وَفَاتَ الْمَبِيعُ بِزَوَالِ عَيْنِهِ أَوْ لَمْ يَفُتْ ولم تحلف
-
وَإِنْ وَكَّلْته عَلَى أَخْذِ جَارِيَةٍ فَبَعَثَ بِهَا فَوُطِئَتْ ثُمَّ قَدِمَ بِأُخْرَى وَقَالَ هَذِهِ لَك وَالْأُولَى وَدِيعَةٌ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ وَحَلَفَ: أَخَذَهَا
-
إلَّا أَنْ تَفُوتَ بِكَوَلَدٍ أَوْ تَدْبِيرٍ
-
إلَّا لبينة
-
ولزمتك الأخرى
-
وَإِنْ أَمَرْته بِمِائَةٍ فَقَالَ: أَخَذْتهَا بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَإِنْ لَمْ تَفُتْ: خُيِّرْت فِي أَخْذِهَا بِمَا قال
-
وإلا لم يلزمك إلا المائة
-
وإن ردت دراهمك لزيف فإن عرفها مأمورك لزمتك
-
وهل وإن قبضت؟ تأويلان:
-
وإلا فإن قبلها حلفت
-
وهل مطلقا أو لعدم المأمور ما دفعت إلا جيادا في علمك ولزمته؟ تأويلان
-
وَإِلَّا حَلَفَ كَذَلِكَ
-
وَحَلَفَ الْبَائِعُ
-
وَفِي الْمَبْدَأِ: تأويلان
-
وَانْعَزَلَ بِمَوْتِ مُوَكِّلِهِ إنْ عَلِمَ
-
وَإِلَّا فَتَأْوِيلَانِ
-
وفي عزله بعزله ولم يعلم: خلاف
-
وَهَلْ لَا تَلْزَمُ أَوْ إنْ وَقَعَتْ بِأُجْرَةٍ أو جعل فكهما وإلا لم تلزم تردد
-
شرط الموكل صحة مباشرته ما وكل فيه بملك أو ولاية
-
فلا يصح توكيل صبي
-
ولا مجنون
-
ولا المرأة والمحرم في النكاح
-
ويصح توكيل الولي في حق الطفل
-
ويستثنى توكيل أعمى في البيع والشراء فيصح
-
وشرط الوكيل صحة مباشرته التصرف لنفسه
-
لا صبي ومجنون
-
وكذا المرأة والمحرم في النكاح
-
لكن الصحيح اعتماد قول صبي في الإذن في دخول دار وإيصال هدية
-
والأصح صحة توكيل عبد في قبول نكاح ومنعه في الإيجاب
-
وشرط الموكل فيه أن يملكه الموكل
-
فلو وكل ببيع عبد سيملكه وطلاق من سينكحه بطل في الأصح
-
وأن يكون قابلا للنيابة
-
فلا يصح في عبادة أي الحج وتفرقة زكاة وذبح أضحية
-
ولا في شهادة وإيلاء ولعان وسائر الأيمان
-
ولا في الظهار في الأصح
-
ويصح في طرفي بيع وهبة وسلم ورهن ونكاح وطلاق وسائر العقود والفسوخ وقبض الديون وإقباضها والدعوى والجواب
-
وكذا في تملك المباحات كالأحياء والاصطياد والاحتطاب في الأظهر
-
لا في الإقرار في الأصح
-
ويصح في استيفاء عقوبة آدمي كقصاص وحد قذف
-
وقيل: لا يجوز إلا بحضرة الموكل
-
وليكن الموكل فيه معلوما من بعض الوجوه ولا يشترط علمه من كل وجه
-
فلو قال وكلتك في كل قليل وكثير أو في كل أموري أو فوضت إليك كل شيء لم يصح
-
وإن قال في بيع موالي وعتق أرقائي صح
-
وإن وكله في شراء عبد وجب بيان نوعه
-
أو دار وجب بيان المحلة والسكة
-
لا قدر الثمن في الأصح
-
ويشترط من الموكل لفظ يقتضي رضاه كوكلتك في كذا أو فوضته إليك أو أنت وكيلي فيه
-
فلو قال بع أو اعتق حصل الإذن
-
ولا يشترط القبول لفظا
-
وقيل: يشترط
-
وقيل: يشترط صيغ العقود كوكلتك دون صيغ
-
ومتى عزلتك فأنت وكيل صحت في الحال في الأصح
-
وفي عوده وكيلا بعد العزل الوجهان في تعليقها
-
ويجريان في تعليق العزل.
فصل
-
الوكيل بالبيع مطلقا ليس له البيع بغير نقد البلد
-
ولا بنسيئة
-
ولا بغبن فاحش وهو ما لا يحتمل غالبا
-
فلو باع على أحد هذه الأنواع وسلم المبيع ضمن
-
فان وكله ليبيع مؤجلا وقدر الأجل فذاك
-
وإن أطلق صح في الأصح وحمل على المتعارف في مثله
-
ولا يبيع لنفسه وولده الصغير
-
والأصح أنه يبيع لأبيه وابنه البالغ
-
وأن الوكيل بالبيع له قبض الثمن وتسليم المبيع
-
ولا يسلمه حتى يقبض الثمن
-
فإن خالف ضمن
-
وإذا وكله في شراء لا يشتري معيبا
-
فإن اشتراه في الذمة وهو يساوي مع العيب ما اشتراه به وقع عن الموكل إن جهل العيب
-
وإن علمه فلا في الأصح
-
وإن لم يساوه لم يقع عنه إن علمه
-
وإن جهله وقع في الأصح
-
وإذا وقع للموكل فلكل من الوكيل والموكل الرد
-
وليس لوكيل أن يوكل بلا إذن أن تأتي منه ما وكل فيه
-
وإن لم يتأت لكونه لا يحسنه أو لا يليق به فله التوكيل
-
ولو كثر وعجز عن الإتيان بكله فالمذهب أنه يوكل فيما زاد على الممكن
-
ولو أذن في التوكيل وقال وكل عن نفسك ففعل فالثاني وكيل الوكيل
-
والأصح أنه ينعزل بعزله وانعزاله
-
وإن قال عنى فالثاني وكيل الموكل
-
وكذا لو أطلق في الأصح.
-
قلت: وفي هاتين الصورتين لا يعزل أحدهما الآخر ولا ينعزل بانعزاله
-
وحيث جوزنا للوكيل التوكيل يشترط أن يوكل أمينا إلا أن يعين الموكل غيره
-
ولو وكل أمينا ففسق لم يملك الوكيل عزله في الأصح. والله أعلم.
فصل
-
قال: بع لشخص معين أو في زمن أو مكان معين تعين
-
وفي المكان وجه إذا لم يتعلق به غرض
-
وإن قال بع بمائة لم يبع بأقل
-
وله أن يزيد إلا أن يصرح بالنهي
-
ولو قال اشتر بهذا الدينار شاة ووصفها فاشترى به شاتين بالصفة فإن لم تساو واحدة دينارا لم يصح الشراء للموكل
-
وإن ساوته كل واحدة فالأظهر الصحة وحصول الملك فيهما للموكل
-
ولو أمره بالشراء بمعين فاشترى في الذمة لم يقع للموكل
-
وكذا عكسه في الأصح
-
ومتى خالف الموكل في بيع ماله أو الشراء بعينه فتصرفه باطل
-
ولو اشترى في الذمة ولم يسم الموكل وقع للوكيل
-
وإن سماه فقال: البائع بعتك فقال: اشتريت لفلان فكذا في الأصح
-
وإن قالت: بعت موكلك زيدا فقال: اشتريت له فالمذهب بطلانه
-
ويد الوكيل يد أمانة وإن كان بجعل
-
فإن تعدى ضمن
-
ولا ينعزل في الأصح
-
وأحكام العقد تتعلق بالوكيل دون الموكل فيعتبر في الرؤية ولزوم العقد بمفارقة المجلس والتقابض في المجلس حيث يشترط الوكيل دون الموكل
-
وإذا اشترى الوكيل طالبه البائع بالثمن إن كان دفعه إليه الموكل وإلا فلا إن كان الثمن معينا
-
وإن كان في الذمة طالبه إن أنكر وكالته أو قال لا أعلمها
-
وإن اعترف بها طالبه أيضا في الأصح كما يطالب الموكل
-
ويكون الوكيل كضامن والموكل كأصيل
-
وإذا قبض الوكيل بالبيع الثمن وتلف في يده وخرج المبيع مستحقا رجع عليه المشتري وإن اعترف بوكالته في الأصح
-
ثم يرجع الوكيل على الموكل.
-
قلت: وللمشتري الرجوع على الموكل ابتداء في الأصح. والله أعلم.
فصل
-
الوكالة جائزة من الجانبين
-
فإذا عزله الموكل في حضوره أو قال رفعت الوكالة أو أبطلتها أو أخرجتك منها انعزل
-
فإن عزله وهو غائب انعزل في الحال
-
وفي قول لا حتى يبلغه الخبر
-
ولو قال عزلت نفسي أو رددت بالوكالة انعزل
-
وينعزل بخروج أحدهما عن أهلية التصرف بموت أو جنون
-
وكذا إغماء في الأصح
-
وبخروج محل التصرف عن ملك الموكل
-
وإنكار الوكيل الوكالة لنسيان أو لغرض في الإخفاء ليس بعزل
-
فإن تعمد ولا عوض انعزل
-
وإذا اختلف في أصلها أو صفتها بأن قال: وكلتني في البيع نسيئة أو الشراء بعشرين فقال: بل نقدا أو بعشرة صدق الموكل بيمينه
-
ولو اشترى جارية بعشرين وزعم أن الموكل أمره فقال: بلى بعشرة وحلف فإن اشترى بعين مال الموكل وسماه في العقد أو قال: بعده اشتريته لفلان والمال له وصدقه البائع فالبيع باطل
-
وإن كذبه حلف على نفي العلم بالوكالة ووقع الشراء للوكيل
-
وكذا إن اشترى في الذمة ولم يسم الموكل
-
وكذا إن سماه وكذبه البائع في الأصح
-
وإن صدقه بطل الشراء
-
وحيث حكم بالشراء للوكيل يستحب للقاضي أن يرفق بالموكل ليقول للوكيل إن كنت أمرتك بعشرين فقد بعتكها بها ويقول هو اشتريت لتحل له
-
ولو قال أتيت بالتصرف المأذون فيه وأنكر الموكل صدق الموكل
-
وفي قول الوكيل
-
وقول الوكيل في تلف المال مقبول بيمنيه
-
وكذا في الرد
-
وقيل: إن كان بجعل فلا
-
ولو ادعى الرد على رسول الموكل وأنكر الرسول صدق الرسول
-
ولا يلزم الموكل تصديق الوكيل على الصحيح
-
ولو قالت قبضت الثمن وتلف وأنكر الموكل صدق الموكل إن كان قبل تسليم المبيع وإلا فالوكيل على المذهب
-
ولو وكله بقضاء دين فقال قضيته وأنكر المستحق صدق المستحق بيمينه
-
والأظهر أنه لا يصدق الوكيل على الموكل إلا ببينة
-
وقيم اليتيم وإذا ادعى دفع المال إليه بعد البلوغ يحتاج إلى بينة على الصحيح
-
وليس لوكيل ولا مودع أن يقول بعد طلب المالك لا أرد المال إلا بإشهاد في الأصح
-
وللغاصب ومن لا يقبل قوله في الرد ذلك
-
ولو قال رجل وكلني المستحق بقبض ماله عندك من دين أو عين وصدقه فله دفعه إليه
-
والمذهب أنه لا يلزمه إلا ببينة على وكالته
-
ولو قال أحالني عليك وصدقه وجب الدفع في الأصح.
-
قلت: وإن قال أنا وارثه وصدقه وجب الدفع على المذهب. والله أعلم.
-
تصح بكل قول يدل على الإذن
-
ويصح القبول على الفور والتراخي بكل قول أو فعل دال عليه
-
ومن له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه.
-
ويجوز التوكيل في كل حق آدمي من العقود والفسوخ والعتق والطلاق والرجعة وتملك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه
-
لا الظهار واللعان والأيمان
-
وفي كل حق لله تدخله النيابة من العبادات والحدود في إثباتها واستيفائها
-
وليس للموكل أن يوكل فيما وكل فيه
-
إلا أن يجعل إليه.
-
والوكالة: عقد جائز
-
وتبطل بفسخ أحدهما وموته وعزل الوكيل وحجر السفيه.
-
ومن وكل في بيع أو شراء لم يبع ولم يشتر من نفسه وولده
-
ولا يبيع بعرض
-
ولا نساء
-
ولا بغير نقد البلد
-
وإن باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل أو مما قدره له صح وضمن النقص والزيادة
-
وإن باع بأزيد أو قال: بع بكذا مؤجلا فباع به حالا أو اشتر بكذا حالا فاشترى به مؤجلا ولا ضرر فيهما صح وإلا فلا.
فصل
-
وإن اشترى ما يعلم عيبه لزمه إن لم يرض موكله
-
فان جهل رده
-
ووكيل البيع يسلمه
-
ولا يقبض الثمن بغير قرينة
-
"ويسلم وكيل الشراء الثمن فلو أخره بلا عذر وتلف ضمنه" .
-
وإن وكله في بيع فاسد "فباع صحيحا" أو وكله في كل قليل وكثير أو شراء ما شاء أو عينا بما شاء ولم يعين لم يصح.
-
والوكيل في الخصومة لا يقبض
-
والعكس بالعكس
-
واقبض حقي من زيد لا ينبغي من ورثته
-
إلا أن يقول الذي قبله
-
ولا يضمن وكيل الإيداع إذا لم يشهد.
فصل
-
والوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط
-
ويقبل قوله في نفيه والهلاك مع يمينه.
-
ومن ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو لم يلزمه دفعه إن صدقه
-
ولا اليمين إن كذبه
-
فإن دفعه فأنكر زيد الوكالة حلف وضمنه عمرو
-
وإن كان المدفوع وديعة أخذها
-
فإن تلفت ضمن أيهما شاء.
في كتب الخلاف
الإجماعابن المنذركتاب قتال أهل البغي١١ مسألة
التجريدالقدوريمسألة ٧٥٣، مسألة ٧٥٤، ولأنه توكيل٧٤٢ مسألة
المبسوطالسرخسيبَابُ الْوَكَالَةِ فِي النِّكَاحِ، بَابُ الْأَكْفَاءِ، بَابُ الْوَكَالَةِ فِي السَّلَمِ٢٬٦٨٨ مسألة
بداية المجتهدابن رشدكِتَابُ الْوَكَالَةِ [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَرْكَانِ الوكالة]، الباب الأول: في أركانها، وهي النظر فيما فيه التوكيل، وفي الموكل.، الْبَابُ الثَّانِي٤٥ مسألة
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»كتاب الوكالة٧٣٨ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»لا كلام له في هذا الباب
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»بَابُ الْوَكَالَةِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ٥٩٣ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريتعريفها، - دليلها وأركانها، - شروط الوكالة٣٤٣ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونلا كلام له في هذا الباب
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقاف١١ - الوكالة، * حكمة مشروعية الوكالة:، * الحقوق ثلاثة أنواع:٢٧ مسألة
عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: الوكالة