ومن غسل ميتا أو أفاق من جنون أو إغماء بلا حلم سن له الغسل.
الشروح عليها
(ومن غسل ميتا) مسلما أو كافرا سن له الغسل لأمر أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بذلك، رواه أحمد وغيره، (أو أفاق من جنون أو إغماء بلا حلم) أي إنزال (سن له الغسل) لأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغتسل من الإغماء» متفق عليه، والجنون في معناه بل أولى، وتأتي بقية الأغسال المستحبة في أبواب ما تستحب له ويتيمم للكل
ولما يسن له الوضوء لعذر.
لا زيادة له على هذه المسألة.
إغماء بلا حلم) أي إنزال (سن له الغسل) أي منهما،
قال في المبدع: بغير خلاف نعلمه،
فإن أنزل وجب الغسل، لأنه من جملة الموجبات للغسل كالنائم، وقوله: أو أفاق أي رجع إليه عقله، وخص الحلم بالإنزال لأنه غلب عليه دون غيره مما يراه النائم لكثرة استعماله، والحلم في الأصل ما يراه النائم من المنامات، يقال: حرم في منامه واحتلم، وحلمت بكذا واحتلمت بكذا.
الله عليه وسلم اغتسل من الإغماء متفق عليه من حديث عائشة قالت: ثقل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أصلى الناس؟» فقلنا: لا، هم ينتظرونك، فقال: (ضعوا لي ماء في المخضب) فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق، فاغتسل متفق عليه،
ولا يجب حكاه ابن المنذر إجماعا.
في أبواب ما تستحب له . ويتيمم للكل أي لكل ما يستحب له الغسل، لحاجة تبيح له التيمم، كما إذا عدم الماء، أو تضرر باستعماله ونحوه مما يبيح التيمم.
. ويتيمم للكل ولما يسن له الوضوء لعذر أي ويتيمم لما يسن له الوضوء كقراءة وأذان وشك وغضب ونحوها لعذر يبيح التيمم، كتعذر الماء لعدم أو مرض، وتيمم عليه الصلاةوالسلام لرد السلام،
وقال: كرهت أن أذكر الله إلا على طهر.
«ومَنْ غَسَّلَ ميتاً»، هذا شروع في بيان الأَغْسال المسْتَحَبَّة فمنها: الاغتسال من تغسيل الميتِ،
فإِذا غَسَّل الإِنسان ميتاً، سُنَّ له الغُسْل،
والدَّليل على ذلك ما يلي:
١ ـ قوله ﷺ :«مَنْ غَسَّل ميتاً فَلْيَغْتَسِلْ، ومَنْ حَمَلَهُ فليتوضَّأ».
قالوا: وهذا الحديث فيه الأَمْرُ، والأَمْرُ الأصل فيه الوُجوب، لكن لمَّا كان فيه شيء من الضَّعف لم يَنتهضْ للإِلزام به. وهذا مبنيٌّ على قاعدة وهي: أنَّ النَّهْيَ إِذا كان في حديث ضعيف لا يكون للتَّحريم، والأمرُ إِذا كان في حديث ضعيف لا يكون للوُجوب، لأنَّ الإِلزام بالمنْعِ أو الفعل يحتاج إلى دليل تَبرأُ به الذِّمة لإِلزام العباد به .........
وهذه القاعدة أشار إليها ابنُ مفلح في «النُّكَت على المحرَّر» في باب موقف الإِمام والمأموم ؛ ومراده ما لم يكن الضَّعف شديداً بل محتَمِلاً للصِّحَّة، فيكون فِعْلُ المأمور وتَرْكُ المنهيّ من باب الاحتياط، والاحتياط لا يوجب الفعل أو الترك.
٢ ـ أنه ورد عن أبي هريرة أَنه أَمَرَ غاسل الميْت بالغُسْلِ .
وهذا القول الذي مشى عليه المؤلِّف هو القول الوسط والأقرب.
وقال بعض أهل العِلْم: إنه يجب أن يَغْتَسِلَ . واستدلُّوا بحديث أبي هريرة السابق، والأصل في الأَمْرِ الوُجُوب.
وقال آخرون: لا يجب عليه أن يَغْتَسِل، ولا يُسَنُّ له .
واستدلُّوا على ذلك بما يلي:
١ - ضَعْف حديث أبي هريرة، فقد قال الإمام أحمد:«لا يَثْبُتُ في هذا الباب شيء»،
وإذا لم يَثْبُتْ فدعوى المشروعيَّة تحتاج إِلى دليل؛ ولا دليل.
٢ - أنَّ المؤمِن طاهر حيًّا وميْتاً،
فإِذا كان لا يُسَنُّ الغُسْلُ من تَغْسيل الحيِّ، فتغسيل الميتِ من باب أولى.
فإن قيل: أكثَرُ الذين كانوا يغسِلون الموتى في زمن النبيِّ ﷺ كما في حديث الذي وَقَصَتْهُ ناقته، وحديث أم عطيَّة ومَنْ معها من النِّساء اللاتي غسَّلن ابنته، لم يأمرهم النبيُّ ﷺ بالاغتسال .
فالجواب على ذلك:
١ ـ أن عدم الأمر في القضيَّة المعيَّنة لا يلزمُ منه نفيُ الأَمْرِ الوارد من طريق آخر إِذا صَحَّ.
٢ ـ أنَّنا لا نقول بوجوب هذا الغُسْلِ، فَعَدَمُ الأمر في موضعه يدلُّ على عَدَمِ الوُجوب، لكن لا يدلُّ على نفي المشروعيَّة مطلقاً إِذا جاء مِنْ طريق آخر صحيح.
أوْ أفاقَ من جُنُونٍ، إو إِغماءٍ ....... «أو أفاقَ مِنْ جُنُونٍ، أو إِغماءٍ»، هذا هو الثَّاني والثَّالث من الأغْسال المستحبَّة.
والجنون: زوال العقل، ومنه الصَّرَعُ فإِنَّه نوع من الجُنُون.
والإغماء: التَّغطية، ومنه الغَيْم الذي يُغطِّي السَّماء .....
فالإِغماء: تغطية العقل، وليس زواله، وله أسباب متعدِّدة منها: شِدَّة المَرضِ كما حَصَلَ للنبيِّ ﷺ، فإِنه في مَرَضِه أُغْمِيَ عليه ثم أفاق، فقال: أَصَلَّى الناسُ؟ قالوا: لا، وهم ينتظرونك، فأَمَرَ بماء في مِخْضَبٍ ـ وهو شبيه بالصَّحن ـ فاغتَسَلَ؛ فقام لِيَنُوءَ فأُغْمِيَ عليه مرَّة ثانية، فلما أفاق قال: أصلَّى الناسُ؟ قالوا: لا، وهم ينتظرونك» ، الحديث.
فهذا دليل على أنَّهُ يُغتسل للإِغماء، وليس على سبيل الوجوب، لأن فِعْلَهُ ﷺ المجرَّد لا يدُلُّ على الوُجوب. وهل هذا مشروع تعبُّداً، أو مشروع لتقوية البَدَنِ؟
يحتمل كلا الأمرين، والفقهاء رحمهم الله قالوا: إِنه على سبيل التعبُّد، ولهذا قالوا: يُسَنُّ أن يَغْتَسِلَ.
وأمَّا بالنِّسبة للجنون، فإِنهم قاسوه على الإِغماء،
قالوا: فإِذا شُرِعَ للإِغماء، فالجنون من باب أَوْلَى، لأنه أَشَدُّ .
بلا حُلْمٍ سُنَّ له الغُسْلُ، والغُسْلُ الكاملُ: أَنْ يَنْوي ......... «بلا حُلْمٍ سُنَّ له الغُسْلُ»، أي: بلا إِنزال،
فإِن أنزلَ حال الإِغماء وَجَبَ عليه الغُسْل كالنَّائم إذا احتلم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.