لا يصح الضمان إلا من جائز التصرف
الشروح عليها
باب الضمان] مأخوذ من الضمن، فذمة الضامن في ذمة المضمون عنه، ومعناه شرعا: التزام ما وجب على غيره مع بقائه وما قد يجب،
ويصح بلفظ ضمين وكفيل وقبيل وحميل وزعيم، وتحملت دينك أو ضمنته أو هو عندي ونحو ذلك، وبإشارة مفهومة من أخرس. (ولا يصح) الضمان (إلا من جائز التصرف) لأنه إيجاب مال، فلا يصح من صغير ولا سفيه،
ويصح من مفلس؛ لأنه تصرف في ذمته،
ومن قن ومكاتب بإذن سيدهما، ويؤخذ مما بيد مكاتب، ومما يضمنه قن من سيده.
من الضمن فذمة الضامن في ذمة المضمون عنه يعني فاشتقاقه من الضمن، وهذا قول ابن عقيل،
وقال القاضي: مشتق من التضمن، لأن ذمة الضامن تتضمن الحق.
وقال الموفق وغيره: مشتق من الضم، يعني اشتقاقًا أكبر، فالضمان ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه، في التزام الحق، فيثبت في ذمتهما جميعًا،
وفي التلخيص معناه: تضمين الدين في ذمة الضامن.
- وما قد يجب ويصح بلفظ ضمين، وكفيل أي
ويصح الضمان بلفظ: أنا ضمين وكفيل. فهما صريحان فيه، يقال: ضمن الشيء ضمانا، فهو ضامن، وضمين. كفله، والكفيل هو الضمين، عند أهل اللغة.
يجب ويصح بلفظ ضمين، وكفيل وقبيل وحميل، وزعيم أي
ويصح الضمان بلفظ: أنا قبيل. وهو الكفيل، والضامن "وحميل" كأمير، أي كفيل "وزعيم" أيضًا كفيل،
وقال ابن عباس: «وأنا به زعيم» الزعيم الكفيل.
وكذا صبير، وقال الموفق وغيره: هي بمعنى واحد.
عندي، ونحو ذلك . وبإشارة مفهومة من أَخرس أي
ويصح الضمان بإشارة مفهومة من أخرس، كسائر تصرفاته، لأنها كاللفظ في الدلالة على المراد، لا بكتابة منفردة عن إشارة، يفهم منها قصد الضمان، ولا بإشارة غير مفهومة.
ويصح ضمان مريض بلا نزاع،
فإن مات من مرضه المخوف فمن ثلثه كوصية.
و (لا يصح) الضمان (إلا من جائز التصرف) أي ممن يصح تصرفه في مال، وهو الحر غير المحجور عليه، رجلا كان أو امرأة.
ومكاتب بإذن سيدهما . ويؤخذ مما بيد مكاتب أي يؤخذ ما ضمنه مكاتب بإذن سيده مما بيد المكاتب، كثمن ما اشتراه ونحوه.
مما بيد مكاتب وما ضمنه قن من سيده أي ويؤخذ ما ضمنه قن بإذن سيده من سيده، لتعلقه بذمته، كاستدانته وإن أذن له في الضمان ليقضي مما بيده تعلق به،
وكذا حر ضمن على أن يؤخذ من مال عينه.
بَابُ الضمان «باب الضمان». الضمان هو النوع الثاني من عقود التوثقة، والضمان لغة مشتق من الضِّمن، والضمن معناه دخول الشيء في الشيء؛ لأن ذمة الضامن دخلت في ذمة المضمون عنه.
وأما في الشرع: فهو التزام جائز التصرف ما وجب أو يجب على غيره، من حق مالي.
مثال الأول: التزام ما وجب: أن يكون شخص مديناً لآخر بدراهم فيمسكه صاحب الدين، ويقول: أعطني ديني الآن، وإلا رفعت أمرك إلى السلطات، فيأتي إنسان من أهل الخير ويقول: أنا أضمن دينه.
ومنه ضمان أبي قتادة رضي الله عنه دين الميت الأنصاري، حين قُدِّم إلى الرسول ﷺ ليصلي عليه فقال:«أعليه دين»؟ قالوا: نعم، فتأخر وقال:«صلوا على صاحبكم»، فقال أبو قتادة: الديناران عليَّ، فتقدم النبي ﷺ فصلى عليه .
أما التزام ما يجب: فمثل أن يكتب شخص لآخر ورقة: أنا ضامن كل ما يستدينه هذا الرجل من هذا المحل التجاري، أي: إنسان أراد أن يشتري بضاعة من صاحب دكان وليس معه مال، فجاء إلى رجل آخر غنيٍّ فقال له: أنا أريد أن أشتري بضاعة من المحل الفلاني، ولكن ليس معي نقود، أعطني ورقة ضمان فيعطيه ورقة ضمان، يقول فيها: ما استدانه هذا الرجل من هذا المحل فضمانه عليَّ، فهذا التزام ما قد يجب وهو لم يجب بعد.
وإنما توسع الفقهاء في ذلك من أجل التيسير على الناس حتى تسير أمورهم بسهولة؛ ولأن الأصل في المعاملات كلها الحل إلا ما قام الدليل على منعه، وهذا مصلحة ـ أي: ضمان ما يجب ـ، فلا ينبغي أن يكون ممنوعاً وإن كان فيه جهالة؛ لأنه قد يشتري شيئاً كثيراً، وقد يشتري شيئاً قليلاً، لكن نظراً للمصلحة المترتبة على ذلك صار جائزاً،
وإن شاء الضامن حدد فقال: أنا أضمن ما اشترى من هذا التاجر في حدود ألف ريال ـ مثلاً ـ فهذا ضمان شيء محدد، وهذا أولى أي: أن الأولى للضامن إذا ضمن ما لم يجب، أن يحدد مقدار ما يضمنه؛ لئلا يستدين المضمون شيئاً يجحف بمال الضامن.
أما حكم الضمان، فنقول: في حق المضمون عنه جائز؛ لأنه لو جاء شخص،
وقال لآخر: اضمني جاز كما يجوز أن يقول: أقرضني.
أما في حق الضامن فهو سنة مستحبة؛ لأنه من الإحسان، والله يحب المحسنين، ولكنه سنة بقيد وهو قدرة الضامن على الوفاء،
فإن لم يكن قادراً فلا ينبغي أن تأخذه العاطفة في مساعدة أخيه لمضرة نفسه،
فإن هذا من الخطأ، ويوجد الآن أناس غارمون، وسبب الغرم الضمان، فنقول: هذا خطأ لا تحسن إلى غيرك وتسيء إلى نفسك؛
فإن هذا ليس من الحكمة.
والضمان من عقود التوثيقات، ففيه توثيق صاحب الدَّين بدينه وقد مر علينا الرهن وسيأتينا ـ إن شاء الله ـ الكفالة من الشهادة، فالأشياء التي تحفظ بها الحقوق: الشهادة، وهذه يستوفى بها الحق، والضمان والكفالة والرهن، وهذه يستوفى منها الحق، فالضمان مما يتوثق به الحق؛ لأنني إذا لم أتمكن من قبضه من المضمون عنه أخذته من الضامن.
وللضمان شروط منها:
لَا يَصِحُّ إِلاَّ مِن جَائِزِ التَّصَرُّفِ وَلِرَبِّ الحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فِي الحَيَاةِ وَالمَوْتِ. «لا يصح إلا من جائز التصرف»، «لا يصح» الفاعل يعود على الضمان، وجائز التصرف، هو البالغ العاقل، الحر، الرشيد،
أي: من جمع أربعة أوصاف:
الأول: أن يكون بالغاً، وضده الصغير، والصغير لا يعطى ماله، حتى وإن كان يحسن التصرف؛ لقول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ، فاشترط الله لدفع المال شرطين:
الأول: ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾.
الثاني: أن نبصر منهم الرشد، لقوله: ﴿آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾.
والرشد: هو إحسان التصرف في المال، وهو في كل موضع بحسبه، فمثلاً الرشد في الدين استقامة الدين، الرشد في باب الولي في النكاح، معرفة الكفء ومصالح النكاح، والرشيد في العبادات هو الذي قام بالواجبات وترك المحرمات، والرشد في المال إحسان التصرف فيه؛ لأن هناك كلمات تفسر في كل موضع بما يناسب.
الثاني: أن يكون عاقلاً، وضده المجنون، ودليله أن الله اشترط إيناس الرشد، والرشد لا يكون مع الجنون أبداً.
الثالث: أن يكون حراً، والحر ضده العبد، فالعبد لا يصح أن يضمن؛ لأن العبد لا يتصرف إلا بإذن سيده.
الرابع: أن يكون رشيداً، والرشيد هو الذي يحسن التصرف في ماله، قال الفقهاء رحمهم الله بألا يصرف المال في محرم، ولا فيما لا
فائدة فيه.
فهل هذا القيد مقبول؟
الجواب: لا؛ لأننا لو قبلنا هذا لكان جميع المدخنين سفهاء غير رشيدين، ولحجرنا عليهم كلهم.
لكن نقول: الرشيد هو من أحسن التصرف في ماله بيعاً وشراء وتأجيراً وإيجاراً ورهناً وارتهاناً، وما أشبه ذلك.
أما كونه لا يصرفه في المحرم أو ما أشبه ذلك، فلا شك أن الذي يصرفه في المحرم سفيه، لكنه ليس السفه الذي يمنع من التصرف، وإلا لوجب أن نحجر على كل من يتعامل بشيء محرم.
فلا يصح من صغير، فلو أراد الصغير أن يضمن، فإنه لا يصح حتى وإن كان شيئاً يسيراً،
فلو أن صبياناً يتبايعون في الدجاج، فباع أحدهم على الآخر،
وقال البائع: لا أقبل حتى تأتي بضامن، فقال: هذا صاحبي، وصاحبه مثله صبي، فهذا لا يصح؛ لأنه ليس جائز التصرف، لكونه صغيراً.
وكذلك يقال في المجنون وفي السفيه.
هذا الذي ذكره شرط، والشرط التالي ما سيأتي ـ إن شاء الله ـ في آخر الباب، وهو أن يكون الدين واجباً، أو مآله إلى الوجوب،
فإن كان غير واجب ولا مآله إلى الوجوب، فلا يصح ضمانه كما سيأتي.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.