وما عدا ذلك فحلال كالخيل وبهيمة الأنعام والدجاج والوحشي من الحمر والبقر والظباء والنعامة والأرنب وسائر الوحش
الشروح عليها
(وما عدا ذلك) الذي ذكرنا أنه حرام، (فحلال) على الأصل (كالخيل) لما سبق من حديث جابر، (وبهيمة الأنعام) وهي الإبل والبقر والغنم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} ، (والدجاج والوحشي من الحمر، و) من (البقر كالإبل والتيتل والوعل والمها، (و) كـ (الضباء والنعامة والأرنب وسائر الوحش) كالزرافة والوبر واليربوع،
وكذا الطاووس والببغاء والزاغ وغراب الزرع، لأن ذلك مستطاب، فيدخل في عموم قَوْله تَعَالَى:{وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ} .
ذلك) الذي ذكرنا أنه حرام (فحلال) على الأصل لعموم نصوص الإباحة.
(٦) والوحشي من الحمر و) من (البقر) كالإبل أي وكالبقر الوحشية على اختلاف أنواعها قال: كالإبل، حيوان من ذات الظلف، للذكور منه قرون متشعبة، لا تجويف فيها،
وأما الإناث فلا
قرون لها.
الوحش) كالزرافة والوبر، واليربوع . وكذا الطاووس، والببغاء الطاووس: حسن الشكل
قال في الإنصاف: لا أعلم فيه خلافا يتناول ما يأكل برجليه، كأكل الإنسان بيديه والببغاء بموحدتين مشدد طائر يسمى بالدرة، على قدر الحمامة، يتخذها الناس للانتفاع بصوتها، وأكثر ما تكون عند الملوك والرؤساء ترنم بما تسمع من الأخبار.
واليربوع . وكذا الطاووس، والببغاء والزاغ، وغراب الزرع وغراب البين، والزاغ، غراب نحو الحمامة أسود برأسه غبرة وغراب الزرع: أحمر المنقار والرجل، يأكل الزرع ويطير مع الزاغ، لأن مرعاهما الزرع والحبوب، ويقال: غراب الزرع والزاغ، شيء واحد، فهما مباحان، وهو المذهب وعليه الأصحاب.
{وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ} . (ويباح حيوان البحر كله) والمراد بالبحر جميع المياه، الحلوة والمالحة، والأنهار.
«وما عدا ذلك فحلال»«ما» موصولة، والمعنى والذي عدا ذلك، ويمكن أن نجعلها شرطية؛ لأن «عدا» فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدَّر على آخره، ولا يظهر عليه علامة الجزم، والأصل فيما ارتبط بالفاء أنه شرط؛ لأن «الفاء» الرابطة الأصل أن تأتي في الأدوات الشرطية؛ ولهذا إذا جاءت في خبر مبتدأ موصول نقول: شُبِّهَ الموصول بالشرط؛ لعمومه، وهذا يدل على أن الأصل هو الشرط،
فإذا لم يكن في الكلام ما يُعيِّن أن تكون «ما» موصولة فلتجعل «ما» شرطية؛ لأن الأصل أن الربط بالفاء إنما يكون للشرط.
إذاً قوله:«وما عدا ذلك» يعني ما تجاوزه، أي: ما سوى ذلك.
وقوله:«فحلال» خبر لمبتدأ محذوف، أي: فهو حلال.
فإذا قال قائل: ما الدليل؟
الجواب: الأصل، يعني أن الدليل هو عدم الدليل، أي: عدم الدليل على التحريم، مثاله: «كالخيل» وهنا قد نحتاج إلى دليل يدل على إباحة الخيل؛ لأن بعض العلماء حرَّم الخيل كأبي حنيفة، وبعضهم كرهها كمالكٍ، وبعضهم أباحها كالإمام أحمد.
فلو قلنا: إن الخيل لا نحتاج إلى الاستدلال لحلّها؛ لأنه الأصل، قلنا: هذا صحيح، لكن ما دام قد عارَضَنَا بعض أهل العلم مستدلاً بدليل من القرآن، فلا بد أن نأتي بدليل واضح على حلها، فما الدليل؟
الدليل: حديث جابر رضي الله عنه«أن النبي ﷺ نهى عن لحوم الحُمُر، وأذِنَ في لحوم الخيل»، فهذا واضح.
كذلك حديث أسماء في البخاري قالت:«نحرنا فرساً في عهد النبي ﷺ ونحن في المدينة فأكلناه»، وقولها:«ونحن في المدينة» تعني أنه متأخر، وإنما نصَّت على أنه في المدينة؛ لأن سورة النحل التي فيها دليل من استدل على تحريمها مكية.
إذاً الخيل مباحة، ولها دليل إيجابي ودليل سلبي، فالسلبي عدم الدليل على التحريم فيكون الأصل الإباحة، والإيجابي حديث جابر وحديث أسماء رضي الله عنهما.
ولكن ذهب بعض العلماء إلى التحريم ـ كأبي حنيفة ـ واستدل بقوله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ *وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ *وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ *وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ *﴾ [النحل].
فالأنعام قال: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾، قال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾، فقسم الله سبحانه وتعالى هذه البهائم إلى قسمين: قسم له كذا، وقسم له كذا، وذكر الخيل فيما يحرم، وهي البغال، والحمير، فلتكن محرَّمة، وذكر الحكمة وهي الركوب والزينة،
ولو كان الأكل سائغاً لذكره؛ لأنه غاية لمن اقتناه.
وهذا الاستدلال لولا الأحاديث لكان له وجه، ولكن إذا كانت الأحاديث مُصرِّحَة بأن الخيل حلال، فإنه لا يمكن أن يكون هذا الدليل قائماً؛ لأن السُّنَّة تفسِّر القرآن وتبينه.
فإن قلت: إذاً لماذا هذا التقسيم؟
قلنا: لأن أَعمَّ منافع الخيل هو الركوب، والزينة، وفيه أيضاً إشارة ـ والله أعلم ـ أنه لا ينبغي أن تُجعَل الخيل للأكل، وإنما تُجعل للركوب، وللزينة، وللجهاد في سبيل الله،
أمَّا الأكل فهناك ما يكفي عنها وهي الأنعام، فالإبل أكبر منها أجساماً، وأكثر منها لحوماً، والبقر، والغنم، ولأنها لو اتخذت للأكل لفنيت، وبطل الانتفاع بها في الجهاد في سبيل الله.
فهذه هي الحكمة ـ والله أعلم ـ في أنها قرنت بالبغال والحمير.
وَبَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ، وَالدَّجَاجِ، وَالْوَحْشِيِّ مِنَ الْحُمُرِ، ........................ «وبهيمة الأنعام» وهي: الإبل، والبقر، والغنم، وسُمِّيت بهيمة؛ لأنها لا تتكلم، فأَمْرُها مُبْهَم عندنا، أرأيت الشاة في البيت هل إذا جاعت تقول: أعطني علفاً؟! لا، لكن ربما تثغو،
فإذا ثغت هل يتعين أن يكون ثُغَاؤهَا لطلب العلف؟ لا، ربما لطلب الماء، وربما لطلب الفَحْل، وربما لمرض فيها، المهم لها أسباب لا نعرفها فحاجتها بالنسبة لنا مبهمة ولهذا سميت بهيمة.
فما الدليل على حل بهيمة الأنعام؟
الجواب: نقول: لا نحتاج إلى دليل؛ لأن هذا هو الأصل، ومع ذلك ـ والحمد لله ـ توجد أدلة كثيرة، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ .
أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ . «والدجاج» وهو حلال بناءً على الأصل، وقد وردت فيه أحاديث أنها أكلت على عهد النبي عليه الصلاة والسلام. فيكون حل الدجاج ثابت بالنص وبالأصل. «والوحشي من الحُمر» الحمار الوحشي حلال، والدليل الأصل، ثم نقول: عندنا دليل إيجابي، وهو حديث الصعب بن جثَّامة ، وحديث أبي قتادة رضي الله عنهما ـ، وعندنا أيضاً حديث أنس بن مالك رضي الله عنه :«إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمرُ الأهلية»،
فإن مفهوم «الأهلية» يدل على حل الوحشية.
وَالْبَقَرِ وَالضبِ وَالظِّبَاءِ وَالنَّعَامَةِ وَالأَْرْنَبِ وَسَائِرِ الْوَحْشِ،
وَيُبَاحُ حَيَوَانُ الْبَحْرِ كُلُّهُ .......... «والبقر» أي: الوحشي من البقر ـ أيضاً ـ حلال بناءً على الأصل. «والضب» وهو حيوان معروف، وهو حلال، والدليل الأصل، وفيه ـ أيضاً ـ أحاديث صحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن النبي ﷺ لم يأكله؛ لأنه لم يكن في أرض قومه ، فكرهه كراهة نفسية لا شرعية. «والظباء» جمع «ظبي»، وهو معروف، وهو حلال، والدليل الأصل، ولأن في صيده في حال الإحرام فدية، وكل شيء فيه فدية فإنه حلال.
«والنعامة» معروفة، وهي حلال للأصل، ولأن الصحابة رضي الله عنهم قَضَوا فيها إذا صادها المحرم ببدنة ، وهذا دليل على الحل. «والأرنب» معروف، وهو حلال بناءً على الأصل. «وسائر الوحش» والمراد بالوحش هنا غير المألوف من سائر جنس الحيوانات. أي: سائر الوحش غير ما استُثني فيما سبق من المحرمات فإنه حلال، يقول في الروض:«كالزرافة، والوبر، واليربوع، وكذا الطاووس، والببَّغاء»، فكل هذه حلال، بناءً على الأصل.
«ويباح حيوان البحر كله»«كل» من ألفاظ التوكيد، لكن هل هي توكيد للبحر، أو هي توكيد للحيوان؟
الجواب: هي توكيد للحيوان، والدليل الاستثناء؛ حيث قال:«إلا الضفدع».
وقوله:«ويباح حيوان البحر كله» والدليل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ، والدليل الخاص قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ ، قال ابن عباس: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ ما أخذ حياً، ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما أخذ ميتاً . فيباح حيوان البحر كله ولو كان على صفة الحمار، أو الكلب، أو الإنسان، إلا ثلاثة أشياء،
قال:
إِلاَّ الضِّفْدِعَ، وَالتِّمْسَاحَ، وَالْحَيَّةَ،
وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى مُحَرَّمٍ ـ غَيْرَ السُّمِّ ـ حَلَّ لَهُ مِنْهُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ، ...........
«إلا الضفدع، والتمساح، والحية» فهذه الثلاثة لا تُباح. «الضفدع»
قال في الروض: «لأنها مستخبثة»، مع أن الضفدع في الواقع بري بحري، إذاً ليس من حيوان البحر؛ لأن حيوان البحر هو الذي لا يعيش إلا في الماء،
وإذا كانت العلةُ الاستخباث فإننا نرجع إلى ما سبق، وهو هل الاستخباث يعتبر علة مؤثرة؟
وقوله:«والتمساح» فهذا ـ أيضاً ـ يحرم،
ولو كان من حيوان البحر،
قال في الروض:«لأنه ذو ناب يفترس به».
فهل هذا صحيح؟
الجواب: نعم، لكنه ليس من السباع، ولهذا ليس ما يحرم في البر يحرم نظيره في البحر، فالبحر شيء مستقل، حتى إنه يوجد غير التمساح مما له ناب يفترس به، مثل القرش، ويوجد ـ أيضاً ـ أشياء غريبة إذا شاهدت الإنسان ارتَقَت فوقه ـ كما حدثني الذين يغوصون في البحر ـ فتكون فوقه كالغمامة، ثم تنزل شيئاً فشيئاً حتى تكبس عليه،
فإذا كبست عليه فإنه يموت، لكن يقول لي أحد البحَّارة: ـ سبحان الله ـ لها محل يخرج منه فضلات الطعام، إذا حكه الإنسان ارتفعت، فينجون.
والحاصل أنه توجد أشياء تقتل، ومع ذلك فإنها حلال، وعليه فإننا نقول: الصحيح أنه لا يُستثنى التمساح، وأنه يؤكل.
وقوله:«والحيَّة» أي: أنها حرام، قال في الروض:«من المستخبثات»،
وهذه العلة:
أولاً: فيها نظر كما سبق.
ثانياً: ليس ما يُستخبث في البر يكون نظيره في البحر مُستخبثاً.
وعليه فالصواب أنه لا يُستثنى من ذلك شيء،
وأن جميع حيوانات البحر التي لا تعيش إلا في الماء حلال، حيُّها وميتها، لعموم الآية الكريمة التي ذكرناها من قبل.
وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى نَفْعِ مَالِ الْغَيْرِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ لِدَفْعِ بَرْدٍ، أَوِ اسْتِسْقَاءِ مَاءٍ، وَنَحْوِهِ، وَجَبَ بَذْلُهُ لَهُ مَجَّاناً، .......
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.