أو لضرورة أو حكة أو مرض أو قمل أو حرب أو حشوا أو كان علما أربع أصابع فما دون أو رقاعا أو لبنة جيب وسجف فراء.
الشروح عليها
(أو) لبس الحرير الخالص (لضرورة أو حكة أو مرض أو قمل أو جرب) ولو بلا حاجة (أو) كان الحرير (حشوا) لجباب أو فرش فلا يحرم لعدم الفخر والخيلاء
بخلاف البطانة، ويحرم إلباس صبي ما يحرم على رجل، وتشبه رجل بأنثى في لباس وغيره وعكسه (أو) كان الحرير (علما) وهو طراز الثوب (أربع أصابع فما دون أو) كان (رقاعا أو لبنة جيب) وهو الزيق (وسجف فراء) جمع فروة ونحوها مما يسجف فكل ذلك يباح من الحرير، إذا كان قدر أربع أصابع فأقل. لما روى مسلم عن عمر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة» ،
ويباح أيضا كيس المصحف وخياطة وأزرار،
(أو) لبس الحرير الخالص (لضرورة (١) أو حكة بالكسر وهي علة توجب الحكاك كالجرب، إلا أنه معه بثور وهي لا بصور معها، وتعم أكثر البدن في الغالب،
ولو لم يؤثر لبسه في زوالها، لحديث أنس: رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في قميص الحرير في سفر من حكة كانت بهما متفق عليه.
أو قمل . (أو حرب) ولو بلا حاجة فلا يحرم لبسه إذا تراء الجمعان إلى انقضاء القتال، قال الشيخ: يجوز عند القتال للضرورة باتفاق المسلمين، وذلك بأن لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح والوقاية اهـ ولأن المنع لما فيه من الخيلاء، وذلك غير مذموم في الحرب،
ولو كان لبسه بلا حاجة، قال الشيخ: لباسه لإرهاب العدو فيه قولان أظهرهما جوازه.
كان الحرير (حشوا) لجباب أو فرش فلا يحرم لأنه ليس بلبس للحرير ولا افتراش، والجباب واحدها جبة، كغرفة، ثوب مقطوع الكم طويل، يلبس فوق الثياب، سمي جبابا لقطع كميه، والفرش واحدها فراش بالكسر.
. (أو كان) الحرير (علما) وهو طراز الثوب العلم هو رسم الثوب ورقمه، وأعلمت الثوب جعلت له علما من طراز وغيره، تنسج على حواشي الثوب، وطراز هو بكسر الطاء معرب، وجمعه طرز، فيباح لحديث ابن عباس: إنما نهى عن الثوب المصمت،
أما العلم وسدى الثوب فليس به بأس، رواه أبو داود،
وعنه يباح العلم وإن كان مذهبا، اختارها المجد والشيخ وتقدم. إجماعا ودون بالضم لقطعه عن الإضافة أي فما دون أربع أصابع.
(وسجف فراء) جمع فرو . ونحوها مما يسجف أي يركب على حواشيه حرير، وتخصيص الماتن الفراء بالسجوف ليس لاختصاص الحكم بل لأنها التي جرت العادة بتسجيفها،
فلو سجف غيرها به كما ذكر الشارح جاز، كما يسجف القباء وأمثاله، والكلاه والطربوش.
من الحرير إذا كان قدر أربع أصابع فأقل أي فكل الذي ذكره من العلم والرقاع والسجف ولبنة الجيب وغيرها يباح بشرطه، وهو ما إذا كان قدر أربع أصابع فأقل، يعني من أربع أصابع،
وأما ما زاد على أربع أصابع فلا.
«أو حِكَّةٍ»، أي: أنه إذا كان فيه حِكَّة جاز لُبْسه.
والحكمة: أن الحرير لنعومته ولينه يطفئ الالتهاب من الحِكَّة فلهذا أجازه الشَّارع. فقد رَخَّصَ النبيُّ ﷺ لعبد الرحمن بنِ عَوف والزُّبير رضي الله عنهما أن يلبسا الحرير من حِكَّة كانت بهما . فالحِكَّة إذاً تُبيح لُبْس الحرير.
فإذا قال قائل: لدينا قاعدة شرعية وهي: أن المحرَّم لا تُبيحه إلا الضَّرورة، وهنا الحِكَّة هل هي ضرورة؟
فالجواب: أنها قد تكون ضرورة، فأحياناً يُبتلى الإنسان بحِكَّة عظيمة لا تجعله يستقر، وعلى هذا فلا إشكال، لكن إذا كان لُبْسُه لحاجة فكيف يجوز ولا ضرورة؟ فالجواب: أن تحريم لُبْسِ الحرير من باب تحريم الوسائل، وذلك لأن الحريرَ نفسَه من اللباس الطيِّب ولِبَاس الزِّينة، ولكن لما كان مدعاة إلى تنعُّم الرَّجل كتنعُّم المرأة؛ بحيث يكون سبباً للفتنة؛ صار ذلك حراماً، فتحريمه إذاً من باب تحريم الوسائل، وقد ذكر أهلُ العلم أن ما حُرِّمَ تحريم الوسائل أباحته الحاجة، وضربوا لذلك مثلاً بالعَرَايا ، وهي بيع الرُّطب بالتَّمر، وبيع الرُّطب بالتَّمر حرام؛
لأن النبيَّ ﷺ لما سُئل عن بيع التمر بالرطب، قال:«أينقص الرُّطب إذا يَبسَ؟»، قالوا: نعم، فنهى عن ذلك لأنه رِبَا؛ إذ إن الجهل بالتساوي كالعلم بالتَّفاضل، لكن العَرَايا أُبيحت للحاجة، والحاجة هي أن الإنسانَ الفقيرَ الذي ليس عنده نقودٌ إذا كان عنده تمر، واحتاج إلى التَّفكُّة بالرُّطب، كما يتفكَّهُ النَّاسُ أباح له الشَّارع أن يشتري بالتَّمر رُطباً على رؤوس النخل، بشرط ألا تزيد على خمسة أوسق،
وأن يكون بالخَرْصِ، أي: أننا نَخْرِصُ الرُّطب لو كان تمراً بحيث يساوي التَّمر الذي أبدلناه به.
فهذا شيء من الرِّبا، ولكن أُبيح للحاجة. لماذا؟ لأن تحريم رِبَا الفضل من باب تحريم الوسائل،
بخلاف رِبَا النسيئة، فإن تحريم رِبَا النسيئة من باب تحريم المقاصد، ولهذا جاء في حديث أسامة بن زيد «لا رِبا إلا في النَّسيئة. أو: إنما الرِّبَا في النَّسيئة»، قال أهل العلم: المراد بهذا الرِّبَا الكاملُ المقصودُ،
أما رِبَا الفضل فإنه وسيلة .
أَوْ مَرَضٍ، أَوْ قَمْلٍ، أو حَرْبٍ أَو حَشْواً، ........ «أو مَرضٍ»، أي: يجوز لُبْس الحرير إذا كان فيه مرض يخفِّفُه الحرير أو يُبرئه، والمرجع في ذلك إلى الأطباء،
فإذا قالوا: هذا الرَّجل إذا لَبِسَ الحرير شُفي من المرض، أو هان عليه المرض، فله أن يَلْبَسَه. «أو قَمْلٍ»، أي: يجوز لُبْسُ الحرير لطرد القمل، لأنَّه محتاج لذلك
إمَّا حاجة نَفْسيَّة؛ إذ إنَّ الإنسان لا يُطيق أن يخرج إلى النَّاس وعلى ثيابه القمل،
وإمَّا حاجةً جسدية؛ لأن هذا القمل يقرصُ الإنسانَ ويتعبه، والحرير للُيُونته ونظافته ونعومته يطرد القملَ؛ لأنه أكثر ما يكون مع الوسخ. «أو حرب»،
أي: ويجوزُ لُبْس الحرير لحربٍ مع الكُفَّار،
وفي بعض النُّسخ «أو جَرَبٍ».
أمَّا على نسخة «أو جَرَب» فعطفه على الحِكَّة من باب عطف الخاصِّ على العام؛ لأن الجَرَب حِكَّة.
وأمَّا على نسخة «أو حَرْب» فإنه عطف مباين على مباين،
وإذا تعارض عندنا أن يكون العطف مبايناً على مباين، أو عطف خاصٍّ على عام فالأَوْلى عطف مباين على مباين؛ لأن عطف الخاصِّ على العام شبه تكرار لبعض أفراده، وقد استُفيد هذا الفرد الذي عُطف من صيغة العموم، وعلى هذا فالنسخة الأُولى أَوْلَى.
فالحرب يجوز فيه لِبَاس الحرير لما في ذلك من إغاظة للكفَّار،
فإن الكُفَّار إذا رأوا المسلمين بهذا اللباس اغتاظوا، وانكسرت معنويَّاتهم، وعرفوا أن المسلمين في نعمة،
وأن المسلمين أيضاً غير مبالين بالحَرب؛ لأن الرَّجل الذي يتجمَّل بالحرير، كأنه يقول بلسان الحال: أنا لا أهتمُّ بالحرب، ولهذا ذَهَبْتُ ألبسُ هذا الثوب الناعم، ولهذا كانوا في الحرب، ربما يجعلون على عمائمهم ريش النَّعام؛ ليُعرف الرَّجُلُ أنَّه شُجَاع، وأنه غير مبالٍ بالحرب.
ورأى النبيُّ ﷺ أبا دُجَانة «سِماكَ بن خَرَشَة» يختال في مشيته بين الصفَّين في معركة أُحد، يعني يتبختر، فقال ﷺ :«إنها لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُها الله إلا في مثل هذا الموطن»، لأجل أن يُظهر العلوَّ والفخرَ على هؤلاء الكُفَّار. وكلُّ شيء يغيظ الكافر فإنه يُرضي الله عز وجل، وكلُّ شيء فيه إكرام للكافر فإنه يُغضبُ الله عز وجل؛ لأن إكرام الكافر معناه إظهار الإكرام لمن أهانه الله، وهذه مراغمة لله عز وجل، ولهذا قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام في اليهود والنَّصارى:«لا تَبْدَؤوا اليهودَ ولا النَّصارى بالسَّلام، وإذا لقيتم أحدَهُم في طريقٍ فاضْطَرُّوهُ إلى أضيقِهِ»،
فإذا تقابل المسلمون والكُفَّار في الطَّريق فلا بُدَّ أن يتمايز بعضُهم عن بعض، فهل نحن نتمايزُ حتى يَجتازوا؟ فالجواب: لا، بل نبقى نحن صامدين ونجعل الضِّيق عليهم، فهم الذي يتمايزون، وهذا معنَى الحديث، وليس معنى الحديث أن الإنسان إذا رأى الكافر ضايقه حتى يكون على الجدار، هذا لم يكن معروفاً في عهد الرَّسول عليه الصلاة والسلام، ولا أراده النبيُّ عليه الصلاة والسلام.
فكلُّ شيء فيه إكرام الكافر فإنه حرام لا يجوز، ولهذا قال الله عز وجل : ﴿وَلَا يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
وقال في وصف النبيِّ عليه الصلاة والسلام وأصحابه: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ .
وأما بِرُّ الكافر والإحسان إليه فلا حرج فيه، إذا كانوا لا يقاتلوننا في الدِّين، ولا يخرجوننا من ديارنا؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *﴾ [الممتحنة]. «أو حَشْواً»، بالنصب خبراً لكان المحذوفة، والتقدير: أو كان حشواً، أي: يجوز أن يلبس الإنسان ثوباً محشوًّا بالحرير،
فإذا قُدِّر أن رجلاً رأى ثوباً يُبَاع، وفيه حشوُ حرير، واشتراه ليلبسه، فلا بأس بذلك،
وإنْ رَأى فراشاً حَشْوه حرير واشتراه لينامَ عليه، فلا بأس بذلك.
أو كَانَ عَلَماً أَرْبعُ أَصابِع فَمَا دُونَ ........... «أو كان عَلَماً»، هذه معطوفة على ما قبلها، أي: يجوز لُبْس الحرير إذا كان عَلَماً في ثوبٍ، والعَلَمُ معناه: الخَطُّ يُطرَّز به الثَّوب. وتطريزُ الثَّوب قد يكون من أسفل، وقد يكون في الجَيْبِ، وقد يكون في الأكمام، وقد يكون ثوباً مفتوحاً فيكون التَّطريز من جوانبه.
المهمُّ: إذا كان في الثَّوب عَلَم، أي: خطٌّ من الحرير، فهو جائز لكن بشرطٍ ذكره المؤلِّف في قوله:«أربعُ أصابِع فما دونَ»، أي: أن العَلَمَ يكون قدْرَ أربعة أصابع فما دون، والمرادُ أصابع إنسان متوسِّط، ومثلُ هذا يُرجع فيه إلى الوسط، ولهذا قال الرَّسول ﷺ :«إيَّاك وكرائمَ أموالهم»، حتى لا تأخذ الأعلى، ولا تأخذ الأدنى أيضاً، فنأخذ بالوسط.
فإذا كان العَلَمُ أربعة أصابع في مكان واحد فما دون فهذا لا بأس به؛ لحديث عمر رضي الله عنه :«أنَّه لم يُرخِّصْ في الحرير إلا إذا كان عَلَماً أربع أصابعٍ فما دون»، ولا فرق بين أن يكون عَلَماً مستطيلاً في الثَّوب أو في بُقْعَةٍ منه.
فإن قيل: كيف نجمع بين هذا وبين قوله فيما سبق: «وما هو أكثرُه ظُهوراً»؟ لأنَّنا لو أخذنا بظاهر العبارة السَّابقة لقلنا: إذا كان عَلَماً عرضه خمس أصابع، وإلى جنبه عَلَم من القُطن عرضه ستَّة أصابع،
فإن نظرنا إلى ظاهر ما سبق قلنا: إنَّه جائز. ولكن ما سبق مقيَّد بما يلحق، فيكون مراده فيما سبق إذا كان الثَّوب مشجَّراً، أو إذا كان فيه أعلام أقلُّ من أربع أصابع، أو أعلامٌ كثيرةٌ مفرَّقة، فهنا نعتبر الأكثر،
أما إذا كان عَلَماً متَّصِلاً فإن الجائز ما كان أربع أصابع فما دونها.
أو رِقَاعاً، أَوْ لَبِنَةَ جَيْبٍ وَسُجُفِ فِرَاءٍ.
وَيُكْرَهُ الْمُعَصْفَرُ والمُزَعْفَرُ للرِّجَال ....... «أو رِقَاعاً أو لَبنة جَيْبٍ»، الرِّقَاع: جمع رُقْعَة، أي: لو رَقَّعَ الثَّوبَ بالحرير فإنَّه يجوز، لكن يجب أن نلاحظ أنه يُقيد بأن يكون أربع أصابع فما دون،
وكذلك «لَبنة الجَيْب». والجَيْبُ: هو الذي يدخل معه الرَّأس، و «لَبِنَتهُ» هي: ما يُوضع من حرير على هذا الطَّوق وهو معروف في بعض الثِّياب الآن. «وسُجُفِ فِرَاءٍ»، الفِراء: جمع فروة، و «سُجُفها» أطرافها، والفروة مفتوحة من الأمام، «فسجفُها» أي: أطرافها. فهذا لا بأس به، لكن بشرط أن يكون أربع أصابع فما دون.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.