فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الاختيار لتعليل المختارالموصلي

كتاب الفرائض]] وَهِيَ جَمْعُ فَرِيضَةٍ، فَعِيلَةٌ مِنَ الْفَرْضِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: التَّقْدِيرُ وَالْقَطْعُ وَالْبَيَانُ. قَالَ تَعَالَى:{فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} أَيْ قَدَّرْتُمْ، وَيُقَالُ: فَرَضَ الْقَاضِي النَّفَقَةَ: أَيْ قَدَّرَهَا،

٧٬٦٦٣

وَقَالَ - تَعَالَى -: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} أَيْ بَيَّنَّاهَا، وَيُقَالُ: فَرَضَتِ الْفَأْرَةُ الثَّوْبَ: إِذَا قَطَعَتْهُ. وَالْفَرْضُ فِي الشَّرْعِ: مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ كَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَسُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْفِقْهِ فَرَائِضَ لِأَنَّهُ سِهَامٌ مُقَدَّرَةٌ مَقْطُوعَةٌ مُبَيَّنَةٌ ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ فَقَدِ اشْتَمَلَ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَوِ الشَّرْعِيِّ.

وَإِنَّمَا خُصَّ بِهَذَا الِاسْمِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ يُبْدَأُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِتَجْهِيزِهِ وَدَفْنِهِ عَلَى قَدْرِهَا ثُمَّ تُقْضَى دُيُونُهُ، ثُمَّ تُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، ثُمَ يُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ وَرَثَتِهِ، [الاختيار لتعليل المختار] اللَّهَ - تَعَالَى - سَمَّاهُ بِهِ، فَقَالَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ:{فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَيْضًا سَمَّاهُ بِهِ فَقَالَ:«تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ» ،

٧٬٦٦٤

وَالثَّانِي أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - ذَكَرَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْعِبَادَاتِ مُجْمَلًا وَلَمْ يُبَيِّنْ مَقَادِيرَهَا، وَذَكَرَ الْفَرَائِضَ وَبَيَّنَ سِهَامَهَا وَقَدَّرَهَا تَقْدِيرًا لَا يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، فَخَصَّ هَذَا النَّوْعَ بِهَذَا الِاسْمِ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَالْإِرْثُ فِي اللُّغَةِ الْبَقَاءُ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ» أَيْ عَلَى بَقِيَّةٍ مِنْ بَقَايَا شَرِيعَتِهِ، وَالْوَارِثُ الْبَاقِي وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى -: أَيِ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ، وَسُمِّيَ الْوَارِثُ لِبَقَائِهِ بَعْدَ الْمُوَرِّثِ.

٧٬٦٦٥

وَفِي الشَّرْعِ: انْتِقَالُ مَالِ الْغَيْرِ إِلَى الْغَيْرِ عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ، فَكَأَنَّ الْوَارِثَ لِبَقَائِهِ انْتَقَلَ إِلَيْهِ بَقِيَّةُ مَالِ الْمَيِّتِ.

٧٬٦٦٦

وَمِنْ شَرَفِ هَذَا الْعِلْمِ أَنَّ اللَّهَ تَوَلَّى بَيَانَهُ وَقِسْمَتَهُ بِنَفْسِهِ وَأَوْضَحَهُ وُضُوحَ النَّهَارِ بِشَمْسِهِ فَقَالَ:{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ،

٧٬٦٦٧

وَقَالَ سُبْحَانَهُ:{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَبَيَّنَ فِيهَا أَهَمَّ سِهَامِ الْفَرَائِضِ وَمُسْتَحِقِّيهَا، وَالْبَاقِي يُعْرَفُ بِالِاسْتِنْبَاطِ لِمَنْ تَأَمَّلَ فِيهَا، وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَ بِتَعْلِيمِهَا وَحَضَّ عَلَيْهِ فَقَالَ:«تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ، وَإِنَّهَا أَوَّلُ عِلْمٍ يَدْرُسُ» ،

٧٬٦٦٨

وَفِي رِوَايَةٍ:«أَوَّلُ عِلْمٍ يُنْتَزَعُ مِنْ أُمَّتِي» ، وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي فَضْلِهِ كَثِيرَةٌ.

قَالَ: (يُبْدَأُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِتَجْهِيزِهِ وَدَفْنِهِ عَلَى قَدْرِهَا، ثُمَّ تُقْضَى دُيُونُهُ، ثُمَّ تُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، ثُمَّ يُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ وَرَثَتِهِ) فَهَذِهِ الْحُقُوقُ الْأَرْبَعَةُ تَتَعَلَّقُ بِتَرِكَةِ الْمَيِّتِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ.

٧٬٦٦٩

أَمَّا الْبِدَايَةُ بِتَجْهِيزِهِ وَدَفْنِهِ فَلِأَنَّ اللِّبَاسَ وَسَتْرَ الْعَوْرَةِ مِنَ الْحَوَائِجِ اللَّازِمَةِ الضَّرُورِيَّةِ وَأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى الدُّيُونِ وَالنَّفَقَاتِ وَجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَمَاتِ وَبِالْإِجْمَاعِ إِلَّا حَقًّا تَعَلَّقَ بِعَيْنٍ كَالرَّهْنِ وَالْعَبْدِ الْجَانِي،

٧٬٦٧٠

فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ وَوَلِيَّ الْجِنَايَةِ أَوْلَى مِنْ تَجْهِيزِهِ ; لِأَنَّهُمَا أَحَقُّ بِذَلِكَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَكَذَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَيُكَفَّنُ فِي مِثْلِ مَا كَانَ يَلْبَسُهُ مِنَ الثِّيَابِ الْحَلَالِ حَالَ حَيَاتِهِ عَلَى قَدْرِ التَّرِكَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْتِيرٍ وَلَا تَبْذِيرٍ اعْتِبَارًا لِإِحْدَى الْحَالَتَيْنِ بِالْأُخْرَى، وَيُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبَرُّعٌ وَاللَّازِمُ أَوْلَى، وَعَلَى الْوَرَثَةِ لِأَنَّ الْمَالَ إِنَّمَا يَنْتَقِلُ إِلَيْهِمْ عِنْدَ غِنَائِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ حَالَ حَاجَتِهِ وَهِيَ مُدَّةُ حَيَاتِهِ لَا يَنْتَقِلُ إِلَيْهِمْ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» ، ثُمَّ تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْ جَمِيعِ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} وَأَنَّهُ يَقْتَضِي تَأَخُّرَ الْقِسْمَةِ عَنِ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ، وَلَا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ،

٧٬٦٧١

فَإِنَّ مَنْ قَالَ: أَعْطِ زَيْدًا بَعْدَ عَمْرٍو أَوْ بَكْرٍ لَا يَقْتَضِي وَيُسْتَحَقُّ الْإِرْثُ بِرَحِمٍ وَنِكَاحِ وَوَلَاءٍ، وَالْمُسْتَحِقُّونَ لِلتَّرِكَةِ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ مُرَتَّبَةٌ: ذَوُو السِّهَامِ ثُمَّ الْعَصَبَاتُ النَّسَبِيَّةُ ثُمَّ السَبَبِيَّةُ وَهُوَ الْمُعْتِقُ، ثُمَّ عَصَبَتُهُ، ثُمَّ الرَّدُّ، ثُمَّ ذَوُو الْأَرْحَامِ، ثُمَّ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ، ثُمَّ الْمُقَرُّ لَهُ بِنَسَبٍ لَمْ يَثْبُتْ، ثُمَّ الْمَوصَى لَهُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، ثُمَّ بَيْتُ الْمَالِ، وَالْمَانِعُ مِنَ الْإِرْثِ: الرِّقُّ وَالْقَتْلُ وَاخْتِلَافُ الْمِلَّتَيْنِ، وَاخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ حُكْمًا.

[الاختيار لتعليل المختار] تَقَدُّمَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لَكِنْ يَقْتَضِي تَأَخُّرَ زِيدٍ عَنْهُمَا فِي الْإِعْطَاءِ فَكَانَتِ الْآيَةُ مُجْمَلَةً، وَقَدْ بَلَغَنَا «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَدَّمَ الدَّيْنَ عَلَى الْوَصِيَّةِ» فَكَانَ بَيَانًا لِحُكْمِ الْآيَةِ، رَوَاهُ عَنْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَلِأَنَّ الدَّيْنَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، وَالْوَصِيَّةُ تُسْتَحَقُّ مِنْ جِهَتِهِ، وَالْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ أَوْلَى لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِهِ ; لِأَنَّ فَرَاغَ ذِمَّتِهِ مِنْ أَهَمِّ حَوَائِجِهِ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الدَّيْنُ حَائِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ» ، وَلِأَنَّ أَدَاءَ الْفَرَائِضِ أَوْلَى مِنَ التَّبَرُّعَاتِ، ثُمَّ تُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ،

٧٬٦٧٢

فَإِنْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِعَيْنٍ تُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ وَتُنَفَّذُ،

٧٬٦٧٣

وَإِنْ كَانَتْ بِجُزْءٍ شَائِعٍ كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فَالْمُوصَى لَهُ شَرِيكُ الْوَرَثَةِ يَزْدَادُ نَصِيبُهُ بِزِيَادَةِ التَّرِكَةِ وَيَنْقُصُ بِنُقْصَانِهَا فَيُحْسَبُ الْمَالُ وَيَخْرُجُ نَصِيبُ الْوَصِيَّةِ كَمَا يَخْرُجُ نَصِيبُ الْوَارِثِ وَتُقَدَّمُ عَلَى قِسْمَةِ التَّرِكَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ لِمَا تَلُونَا،

٧٬٦٧٤

فَإِنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي تَأَخُّرَ الْقِسْمَةِ عَنِ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ عَمَلًا بِكَلِمَةِ " بَعْدِ "، ثُمَّ يُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ وَرَثَتِهِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِلْآيَاتِ الثَّلَاثِ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.