إنما يصح من مطلق التصرف
الشروح عليها
كِتَابُ الْعِتْقِ. أَيْ الْإِعْتَاقِ الْمُحَصِّلِ لَهُ، وَهُوَ إزَالَةُ الرِّقِّ عَنْ الْآدَمِيِّ لَا إلَى مَالِكٍ بَلْ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مِنْ الْمُسْلِمِ قُرْبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى {فَكُّ رَقَبَةٍ} وَقَوْلُهُ {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ} أَيْ بِالْإِسْلَامِ {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} أَيْ بِالْعِتْقِ، وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ حَتَّى الْفَرْجَ بِالْفَرْجِ» .
وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: مُعْتِقٌ، وَعَتِيقٌ، وَصِيغَةٌ وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فَقَالَ: (إنَّمَا يَصِحُّ مِنْ) حُرٍّ كُلُّهُ مُخْتَارٌ (مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ) وَلَوْ كَافِرًا حَرْبِيًّا كَسَائِرِ التَّصَرُّفِ الْمَالِيِّ فَلَا يَصِحُّ مِنْ مُكَاتَبٍ وَمُبَعَّضٍ وَمُكْرَهٍ وَمَحْجُورٍ وَلَوْ بِفَلَسٍ نَعَمْ لَوْ أَوْصَى بِهِ السَّفِيهُ أَوْ أَعْتَقَ عَنْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ أَوْ أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ الْإِمَامُ قِنَّ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى مَا يَأْتِي وَالْوَلِيُّ عَنْ الصَّبِيِّ فِي كَفَّارَةِ قَتْلٍ أَوْ رَاهِنٌ مُوسِرٌ لِمَرْهُونٍ أَوْ وَارِثٌ مُوسِرٌ لِقِنِّ التَّرِكَةِ صَحَّ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ شَرْطَ الْعَتِيقِ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لَازِمٌ غَيْرَ عِتْقٍ يُمْنَعُ بَيْعُهُ كَرَهْنٍ وَالرَّاهِنُ مُعْسِرٌ،
بِخِلَافِ نَحْوِ إجَارَةٍ وَاسْتِيلَادٍ.
وَلَوْ بَاعَ قِنًّا فَاسِدًا وَقَالَ لِمُشْتَرِيهِ: أَعْتِقْهُ فَأَعْتَقَهُ عَتَقَ عَنْ الْبَائِعِ خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ إذْ الْعِتْقُ لَا يَقْدَحُ فِيهِ الْجَهْلُ، وَالْعِبْرَةُ فِيهِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا بِمَا فِي ظَنِّ الْمُكَلَّفِ،
وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ غَاصِبُ عَبْدٍ لِمَالِكِهِ: أَعْتِقْ عَبْدِي هَذَا فَأَعْتَقَهُ جَاهِلًا نَفَذَ عَلَى الْمَالِكِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْإِعْتَاقُ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْعِتْقَ مَجَازٌ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْمُسَبِّبِ وَإِرَادَةِ السَّبَبِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ لَازِمٌ مُطَاوِعٌ لِأَعْتَقَ، إذْ يُقَالُ أَعْتَقْت الْعَبْدَ فَعَتَقَ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ اسْتِعْمَالَهُ مُتَعَدِّيًا فَيُقَالُ عَتَقْت الْعَبْدَ وَأَعْتَقْتُهُ وَعَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّجَوُّزِ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ شَرْعًا، وَقَوْلُهُ: لَا إلَى مَالِكٍ هُوَ قَيْدٌ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لَا لِلِاحْتِرَازِ وَقَدْ يُقَالُ دُفِعَ بِهِ تَوَهُّمُ أَنْ يُرَادَ بِهِ إزَالَةُ مِلْكِهِ عَنْهُ وَلَوْ إلَى غَيْرِهِ فَيُصَدَّقُ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهِمَا
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مِنْ الْمُسْلِمِ قُرْبَةٌ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِحَثٍّ أَوْ مَنْعٍ أَوْ تَحْقِيقِ خَبَرٍ وَلَيْسَ مُرَادًا لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ تَعْلِيقَهُ إنَّمَا يَكُونُ قُرْبَةً إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَثٌّ أَوْ مَنْعٌ إلَخْ
(قَوْلُهُ: حَتَّى الْفَرْجَ بِالْفَرْجِ) نُصَّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ ذَنْبَهُ أَقْبَحُ وَأَفْحَشُ
(قَوْلُهُ: وَمُبَعَّضٍ) لَا يُقَالُ: الْمُبَعَّضُ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ فِيمَا مَلَكَهُ بِبَعْضِهِ الْحُرُّ فَلَمْ يَخْرُجْ بِقَوْلِهِ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ هُوَ الَّذِي لَا يَمْتَنِعُ تَصَرُّفُهُ بِحَالٍ، وَالْمُبَعَّضُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي غَيْرِ نَوْبَتِهِ إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ،
وَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْأُمُورِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُهَايَأَةِ أَنَّهُ خَارِجٌ بِقَوْلِهِ حُرٌّ كُلُّهُ
(قَوْلُهُ: وَمُكْرَهٍ) أَيْ بِغَيْرِ حَقٍّ،
أَمَّا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ وَامْتَنَعَ مِنْهُ فَأُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ، زَادَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ أَيْضًا: وَيُتَصَوَّرُ فِي الْوَلِيِّ عَنْ الصَّبِيِّ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ
(قَوْلُهُ: نَعَمْ لَوْ أَوْصَى بِهِ السَّفِيهُ) أَيْ أَوْ الْمُبَعَّضُ بِعِتْقِ مَا مَلَكَهُ بِبَعْضِهِ الْحُرُّ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ يَزُولُ عَنْهُ الرِّقُّ فَيَصِيرُ أَهْلًا لِلْوِلَايَةِ
(قَوْلُهُ: وَالْإِمَامُ لِقِنٍّ) اللَّامُ زَائِدَةٌ لِوُقُوعِهَا مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي وَمَفْعُولِهِ
(قَوْلُهُ: عَلَى مَا يَأْتِي) وَالْمُعْتَمَدُ مِنْهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ
(قَوْلُهُ: وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ شَرْطَ الْعَتِيقِ) لَعَلَّهُ عُلِمَ مِنْ عَدَمِ نُفُوذِ الْعِتْقِ مِنْ الْمُفْلِسِ وَمِنْ الرَّاهِنِ الْمِعْسَرِ بِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ وَالْمُرْتَهِنِ بِالْعَتِيقِ
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ نَحْوِ إجَارَةٍ) أَيْ فَلَا تَمْنَعُ إعْتَاقَهُ وَإِنْ أَعْتَقَهُ عَلَى عِوَضٍ مُؤَجَّلٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِتَابَةِ حَيْثُ لَا تَصِحُّ مِنْ الْمُؤَجِّرِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يُعْتَقُ إلَّا بِأَدَاءِ النُّجُومِ وَالْمُؤَجِّرُ عَاجِزٌ عَنْ التَّفَرُّغِ لِتَحْصِيلِهَا وَالْعِتْقُ يَحْصُلُ حَالًّا،
وَإِنْ تَأَخَّرَ أَدَاءُ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ لِمُعْسِرٍ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بَاعَ قِنًّا فَاسِدًا) أَيْ بَيْعًا فَاسِدًا
(قَوْلُهُ: لَا يَقْدَحُ فِيهِ الْجَهْلُ) أَيْ بِكَوْنِهِ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِهِ أَوْ خَرَجَ عَنْهُ فَهُوَ بِاعْتِبَارِ نَفْسِ الْأَمْرِ وَكِيلٌ عَنْ الْمَالِكِ الْمُلْتَمِسِ لِلْإِعْتَاقِ
(قَوْلُهُ أَيْ الْإِعْتَاقُ الْمُحَصِّلُ لَهُ) بَلْ مَرَّ عَنْ تَحْرِيرِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْعِتْقَ مَصْدَرٌ أَيْضًا لِعَتَقَ بِمَعْنَى أُعْتِقَ
(قَوْلُهُ: لَا إلَى مَالِكٍ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَنْ عَبَّرَ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ بَدَلَ إزَالَةِ الرِّقِّ لِيُخْرِجَ الْوَقْفَ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ لَهُ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ: عَلَى مَا يَأْتِي) الَّذِي يَأْتِي لَهُ الْجَزْمُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ لَا غَيْرُ، وَقَدْ تَبِعَ هُنَا ابْنَ حَجَرٍ وَذَاكَ ذَكَرَ كَلَامًا هُنَاكَ سَوَّغَ لَهُ هَذَا التَّعْبِيرَ
(قَوْلُهُ: عُلِمَ أَنَّ شَرْطَ الْعَتِيقِ) قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: وَقَدْ يُقَالُ هَذَا الضَّابِطُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الرَّهْنِ إذَا كَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ نَحْوِ إجَارَةٍ) أَيْ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَازِمًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ
(قَوْلُهُ: وَاسْتِيلَادٍ) هُوَ مِثَالٌ لِمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعِتْقِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(كِتَابُ الْعَتْقِ) أَيْ: الْإِعْتَاقِ الْمُحَصَّلِ لَهُ، وَهُوَ إزَالَةُ الرِّقِّ عَنْ الْآدَمِيِّ مِنْ عَتَقَ سَبَقَ أَوْ اسْتَقَلَّ وَمَنْ عَبَّرَ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ احْتَاجَ لِزِيَادَةٍ لَا إلَى مَالِكٍ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِيَخْرُجَ بِقَيْدِ الْآدَمِيِّ الطَّيْرُ وَالْبَهَائِمُ فَلَا يَصِحُّ عِتْقُهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: الْخِلَافُ فِيمَا يُمْلَكُ بِالِاصْطِيَادِ،
أَمَّا الْبَهَائِمُ الْإِنْسِيَّةُ فَإِعْتَاقُهَا مِنْ قَبِيلِ سَوَائِبِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا اهـ. وَرِوَايَةُ أَبِي نُعَيْمٍ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ يَشْتَرِي الْعَصَافِيرَ مِنْ الصِّبْيَانِ وَيُرْسِلُهَا تُحْمَلُ إنْ صَحَّتْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ رَأْيٌ لَهُ وَبِقَيْدِ لَا إلَى مَالِكٍ الْوَقْفُ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ تَعَالَى، وَلِذَا ضُمِنَ بِالْقِيمَةِ، وَمَا بَعْدَهُ لِتَحْقِيقِ الْمَاهِيَّةِ لَا لِإِخْرَاجِ الْكَافِرِ لِصِحَّةِ عِتْقِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْبَةً عَلَى أَنَّ قَصْدَ الْقُرْبَةِ يَصِحُّ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ لَهُ مَا قَصَدَهُ، وَأَصْلُهُ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى {فَكُّ رَقَبَةٍ} ، وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً»
وَفِي رِوَايَةٍ «امْرَأً مُسْلِمًا أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ مِنْ النَّارِ حَتَّى الْفَرْجِ بِالْفَرْجِ» وَصَحَّ خَبَرُ «أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ لِلَّهِ امْرَأً مُسْلِمًا كَانَ فَكًّا لَهُ مِنْ النَّارِ وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فَكًّا لَهُ مِنْ النَّارِ» وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ عِتْقَ الذَّكَرِ أَفْضَلُ
وَفِي رِوَايَةِ «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً كَانَتْ فِدَاءً لَهُ مِنْ النَّارِ» وَخُصَّتْ الرَّقَبَةُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ كَالْغُلِّ الَّذِي فِيهَا، وَهُوَ قُرْبَةٌ إجْمَاعًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ اكْتِفَاءً بِمَا سَيَذْكُرُهُ فِي الْكِتَابَةِ بِالْأُولَى
وَيُسَنُّ الِاسْتِكْثَارُ مِنْهُ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَأَكْثَرُ مَنْ بَلَغَنَا عَنْهُ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ أَعْتَقَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ نَسَمَةٍ وَعَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ثَمَانِيَةَ آلَافِ عَبْدٍ، وَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ عَتِيقٌ وَصِيغَةٌ وَمُعْتِقٌ، وَلِكَوْنِهِ الْأَصْلَ بَدَأَ بِهِ فَقَالَ: (إنَّمَا يَصِحُّ مِنْ) حُرٍّ كَامِلِ الْحُرِّيَّةِ مُخْتَارٍ (مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ) وَلَوْ كَافِرًا حَرْبِيًّا كَسَائِرِ التَّصَرُّفِ الْمَالِيِّ فَلَا يَصِحُّ مِنْ مُكَاتَبٍ وَمُبَعَّضٍ وَمُكْرَهٍ وَمَحْجُورٍ عَلَيْهِ،
وَلَوْ بِفَلَسٍ، نَعَمْ تَصِحُّ وَصِيَّةُ السَّفِيهِ بِهِ وَعِتْقُهُ قِنَّ الْغَيْرِ بِإِذْنِهِ وَعِتْقُ مُشْتَرٍ قَبْلَ قَبْضِهِ وَإِمَامٍ لِقِنِّ بَيْتِ الْمَالِ كَمَا يَأْتِي وَوَلِيٍّ لِقِنِّ مُوَلِّيهِ عَنْ كَفَّارَةٍ مُرَتَّبَةٍ عَلَى مَا مَرَّ وَرَاهِنٍ مُوسِرٍ لِمَرْهُونٍ وَوَارِثٍ مُوسِرٍ لِقِنِّ التَّرِكَةِ، وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ شَرْطَ الْعَتِيقِ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لَازِمٌ غَيْرُ عِتْقٍ يَمْنَعُ بَيْعَهُ كَرَهْنٍ وَالرَّاهِنُ مُعْسِرٌ
بِخِلَافِ نَحْوِ إجَارَةٍ وَاسْتِيلَادٍ، وَلَوْ قَالَ بَائِعٌ لِمُشْتَرِي قِنٍّ مِنْهُ شِرَاءً فَاسِدًا: اعْتِقْهُ فَأَعْتَقَهُ لَمْ يَعْتِقْ عَلَى الْبَائِعِ عَلَى مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكِهِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْدَفِعُ بِالْجَهْلِ، إذْ الْعِبْرَةُ فِيهِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا بِمَا فِي ظَنِّ الْمُكَلَّفِ،
وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ غَاصِبُ عَبْدٍ لِمَالِكِهِ أَعْتِقْ عَبْدِي هَذَا فَأَعْتَقَهُ جَاهِلًا نَفَذَ عَلَى الْمَالِكِ، وَبِهَذَا يَزِيدُ اتِّضَاحُ ضَعْفِ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ .
[كِتَابُ الْعَتْقِ] (قَوْلُهُ: أَيْ: الْإِعْتَاقُ إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْعِتْقَ مَجَازٌ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْمُسَبَّبِ وَإِرَادَةِ السَّبَبِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ لَازِمٌ مُطَاوِعٌ لِأَعْتَقَ إذْ يُقَالُ أَعْتَقْت الْعَبْدَ فَعَتَقَ وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ اسْتِعْمَالَهُ مُتَعَدِّيًا فَيُقَالُ عَتَقْت الْعَبْدَ وَأَعْتَقْته وَعَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّجَوُّزِ ع ش عِبَارَةُ الرَّشِيدِيِّ بَلْ مَرَّ عَنْ تَحْرِيرِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْعِتْقَ مَصْدَرٌ أَيْضًا لِعَتَقَ بِمَعْنَى أَعْتَقَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ إلَخْ) أَيْ: شَرْعًا مُغْنِي.
(قَوْلُهُ: مِنْ عَتَقَ سَبَقَ إلَخْ) أَيْ: مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ عَتَقَ الْفَرَسُ إذَا سَبَقَ وَعَتَقَ الْفَرْخُ إذَا طَارَ وَاسْتَقَلَّ فَكَأَنَّ الْعَبْدَ إذَا فُكَّ مِنْ الرِّقِّ يَخْلُصُ وَيَسْتَقِلُّ مُغْنِي.
(قَوْلُهُ: بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ) أَيْ: عَنْ الْآدَمِيِّ سَيِّدُ عُمَرَ.
(قَوْلُهُ: لَا إلَى مَالِكٍ) كَانَ الْمُرَادُ بِالْمَالِكِ هُنَا مَالِكَ مَا هُوَ مَمْلُوكٌ عَادَةً حَتَّى يُفَارِقَ الْعِتْقُ الْوَقْفَ وَإِلَّا فَالْعَتِيقُ مَمْلُوكٌ لِلَّهِ تَعَالَى كَسَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ سم.
(قَوْلُهُ: تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى) هَذَا مُعْتَبَرٌ عَلَى التَّعْبِيرَيْنِ مَعًا خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ صَنِيعُهُ مِنْ اخْتِصَاصِهِ بِالثَّانِي الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ السَّيِّدُ عُمَرُ فِيمَا يَأْتِي عَنْهُ.
(قَوْلُهُ: لِيَخْرُجَ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ احْتَاجَ إلَخْ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَعْطُوفِ الْآتِي فَقَطْ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ صَنِيعُهُ مِنْ تَوَقُّفِ خُرُوجِ نَحْوِ الطَّيْرِ بِقَيْدِ الْآدَمِيِّ إلَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَالْأَسْبَكُ السَّالِمُ أَنْ يَقُولَ مِنْ عَتَقَ سَبَقَ أَوْ اسْتَقَلَّ وَهُوَ إزَالَةُ الرِّقِّ عَنْ الْآدَمِيِّ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى،
وَمَنْ عَبَّرَ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ احْتَاجَ لِزِيَادَةِ لَا إلَى مَالِكٍ لِيَخْرُجَ بِهَا الْوَقْفُ إلَخْ وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْآدَمِيِّ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: تُحْمَلُ إلَخْ) إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا الْحَمْلِ لَوْ قَصَدَ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِإِرْسَالِ الْعَصَافِيرِ الْإِعْتَاقَ الشَّرْعِيَّ الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ صِحَّةِ تَمَلُّكِ الْخَلْقِ لِتِلْكَ الْعَصَافِيرِ بِوَجْهٍ
بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ بِذَلِكَ تَخْلِيصَهَا عَنْ إيذَاءِ الصِّبْيَانِ فَقَطْ فَإِنَّهُ لَا يُخَالِفُ الْمَذْهَبَ بَلْ يَنْبَغِي الْحَمْلُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ تَثْبُتَ الرِّوَايَةُ بِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ تَعَالَى) فِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْعَتِيقَ بَلْ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ مَمْلُوكٌ لَهُ تَعَالَى أَيْضًا وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مَمْلُوكٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ حُكْمًا وَلِذَا إلَخْ.
(قَوْلُهُ: لِتَحْقِيقِ الْمَاهِيَّةِ إلَخْ) لَك أَنْ تَقُولَ يَلْزَمُ مِنْ تَحْقِيقِهَا بِهِ اعْتِبَارُهُ فِيهَا وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِتَحْقِيقِهَا بِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ
وَيَلْزَمُ مِنْ اعْتِبَارِهِ فِيهَا إخْرَاجُ الْكَافِرِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ فِيهِ كَمَا هُوَ مَبْنِيُّ مَا قَبْلَ الْعِلَاوَةِ وَإِلَّا لَاتَّحَدَ مَعَهَا فَتَأَمَّلْ سم وَكَتَبَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ عُمَرُ أَيْضًا مَا نَصُّهُ هَذَا لَا يُلَائِمُ قَوْلَهُ آنِفًا احْتَاجَ لِزِيَادَةٍ إلَخْ إلَّا أَنْ يُقَالَ هَذَا أَيْضًا مُحْتَاجٌ إلَيْهِ فِي تَحْقِيقِ الْمَاهِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فِي الْجَامِعِيَّةِ وَالْمَانِعِيَّةِ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي التَّعْبِيرِ الْأَوَّلِ أَيْضًا وَلَيْسَ مِنْ مَدْخُولِ الزِّيَادَةِ كَمَا يُفِيدُهَا أَيْ: اللَّيْسِيَّةَ صَنِيعُ النِّهَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَخُصَّتْ الرَّقَبَةُ إلَخْ) أَيْ: فِي الْآيَةِ وَالْخَبَرِ.
(قَوْلُهُ: كَالْغُلِّ الَّذِي فِيهَا) أَيْ: فِي رَقَبَةِ الرَّقِيقِ فَهُوَ مُحْبَسٌ بِهِ كَمَا تُحْبَسُ الدَّابَّةُ بِالْحَبْلِ فِي عُنُقِهَا فَإِذَا أَعْتَقَهُ أَطْلَقَهُ مِنْ ذَلِكَ الْغُلِّ الَّذِي كَانَ فِي رَقَبَتِهِ مُغْنِي.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ قُرْبَةٌ إلَخْ) أَيْ: الْعِتْقُ الْمُنَجَّزُ مِنْ الْمُسْلِمِ
أَمَّا الْمُعَلَّقُ فَفِي الصَّدَاقِ مِنْ الرَّافِعِيِّ أَنَّ التَّعْلِيقَ لَيْسَ عَقْدَ قُرْبَةٍ وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ حَثٌّ أَوْ مَنْعٌ أَيْ: أَوْ تَحْقِيقُ خَبَرٍ
بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ تَعْلِيقَهُ الْعَارِيَّ عَنْ قَصْدِ مَا ذُكِرَ كَالتَّدْبِيرِ وَهُوَ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا ظَاهِرٌ مُغْنِي وَيَأْتِي عَنْ النِّهَايَةِ مَا يُوَافِقُهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَذْكُرْهُ) أَيْ: كَوْنَ الْإِعْتَاقِ قُرْبَةً.
(قَوْلُهُ: بِالْأَوْلَى) أَيْ: لِعِلْمِهِ مِنْهُ بِالْأَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَأَكْثَرُ مَنْ بَلَغَنَا إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي. (فَائِدَةٌ)«أَعْتَقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثًا وَسِتِّينَ نَسَمَةً وَعَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً وَنَحَرَ بِيَدِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً» وَأَعْتَقَتْ عَائِشَةُ تِسْعًا وَسِتِّينَ نَسَمَةً وَعَاشَتْ كَذَلِكَ وَأَعْتَقَ أَبُو بَكْرٍ كَثِيرًا وَأَعْتَقَ الْعَبَّاسُ سَبْعِينَ وَأَعْتَقَ عُثْمَانُ وَهُوَ مُحَاصَرٌ عِشْرِينَ وَأَعْتَقَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ مِائَةً مُطَوَّقِينَ بِالْفِضَّةِ وَأَعْتَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَلْفًا وَاعْتَمَرَ أَلْفَ عُمْرَةٍ وَحَجَّ سِتِّينَ حَجَّةً وَحَبَسَ أَلْفَ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَعْتَقَ ذُو الْكُرَاعِ الْحِمْيَرِيُّ فِي يَوْمٍ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ وَأَعْتَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ثَلَاثِينَ أَلْفًا اهـ.
(قَوْلُهُ: وَعَنْ غَيْرِهِ إلَخْ) فِي عَطْفِهِ عَلَى قَوْلِهِ عَنْهُ أَنَّهُ إلَخْ مَا لَا يَخْفَى فَالْأَوْلَى عَطْفُهُ بِتَقْدِيرِ بَلَغَنَا عَلَى قَوْلِهِ وَأَكْثَرُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: كَامِلِ الْحُرِّيَّةِ) إلَى قَوْلِهِ نَعَمْ يَصِحُّ فِي الْمُغْنِي وَإِلَى قَوْلِ الْمَتْنِ وَإِضَافَتُهُ فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ: أَمَّا الْعِتْقُ إلَى وَيَجْرِي وَقَوْلَهُ: وَيَتَرَدَّدُ النَّظَرُ إلَى الْمَتْنِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَافِرًا إلَخْ) وَيَثْبُتُ وَلَاؤُهُ عَلَى عَتِيقِهِ الْمُسْلِمِ سَوَاءٌ أَعْتَقَهُ مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ مُغْنِي وَأَسْنَى.
(قَوْلُهُ: وَمُكْرَهٍ) بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْوِيَ الْعِتْقَ سم عِبَارَةُ ع ش أَيْ: بِغَيْرِ حَقٍّ
أَمَّا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ وَامْتَنَعَ مِنْهُ فَأُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ اهـ وَعِبَارَةُ الْمُغْنِي وَمُكْرَهٍ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ
وَيَصِحُّ مِنْ سَكْرَانَ وَلَا يَصِحُّ عِتْقُ مَوْقُوفٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْلُولٍ وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ بَقِيَّةِ الْبُطُونِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَصِيَّةُ السَّفِيهِ إلَخْ) أَيْ: أَوْ الْمُبَعَّضِ بِعِتْقِ مَا مَلَكَهُ بِبَعْضِهِ الْحُرِّ أَوْ تَدْبِيرِهِ أَوْ تَعْلِيقِ عِتْقِهِ بِصِفَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ يَزُولُ عَنْهُ الرِّقُّ فَيَصِيرُ أَهْلًا لِلْوِلَايَةِ ع ش.
(قَوْلُهُ: وَعِتْقُهُ) أَيْ: السَّفِيهِ.
(قَوْلُهُ: قِنَّ الْغَيْرِ إلَخْ) الْأَوْلَى لِقِنِّ الْغَيْرِ بِاللَّامِ.
(قَوْلُهُ: وَعِتْقُ مُشْتَرٍ إلَخْ) أَيْ: الْمَبِيعُ.
(قَوْلُهُ: عَلَى مَا يَأْتِي) كَذَا فِي النِّهَايَةِ قَالَ ع ش قَوْلُهُ: عَلَى مَا يَأْتِي
وَالْمُعْتَمَدُ مِنْهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ اهـ وَقَالَ الرَّشِيدِيُّ الَّذِي يَأْتِي لَهُ الْجَزْمُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ لَا غَيْرُ وَقَدْ تَبِعَ هُنَا ابْنَ حَجَرٍ وَكَلَامُ الْخَطِيبِ فِي شَرْحِ الْغَايَةِ فِي فَصْلِ الْوَلَاءِ مُوَافِقٌ لِابْنِ حَجَرٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ شَرْطَ الْعَتِيقِ إلَخْ) لَعَلَّهُ عُلِمَ مِنْ عَدَمِ نُفُوذِ الْعِتْقِ مِنْ الْمُفْلِسِ وَمِنْ الرَّاهِنِ الْمُعْسِرِ بِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ وَالْمُرْتَهِنِ بِالْعَتِيقِ ع ش.
(قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ إلَخْ) بِأَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ أَصْلًا أَوْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ جَائِزٌ كَالْمُعَارِ أَوْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لَازِمٌ وَهُوَ عِتْقٌ كَالْمُسْتَوْلَدَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ أَوْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لَازِمٌ غَيْرُ عِتْقٍ لَا يَمْنَعُ بَيْعَهُ كَالْمُؤَجَّرِ بُجَيْرِمِيٌّ.
(قَوْلُهُ: غَيْرُ عِتْقٍ) صِفَةٌ لِقَوْلِهِ حَقٌّ لَازِمٌ وَقَوْلُهُ: يَمْنَعُ بَيْعَهُ صِفَةٌ أُخْرَى لَهُ وَالْمُتَبَادِرُ أَنَّهُ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ غَيْرُ عِتْقٍ عَنْ الِاسْتِيلَادِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِعِتْقٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْعِتْقِ مَا يَتَضَمَّنُ حَقَّ الْعِتْقِ وَقَدْ يُقَالُ هَذَا الضَّابِطُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الرَّهْنِ إذَا كَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا فَلْيُتَأَمَّلْ سم وَرَشِيدِيٌّ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ نَحْوِ إجَارَةٍ) أَيْ: فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَازِمًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ رَشِيدِيٌّ عِبَارَةُ ع ش أَيْ: فَلَا يَمْنَعُ إعْتَاقَهُ وَإِنْ أَعْتَقَهُ عَلَى عِوَضٍ مُؤَجَّلٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِتَابَةِ حَيْثُ لَا تَصِحُّ مِنْ الْمُؤَجَّرِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَعْتِقُ إلَّا بِأَدَاءِ النُّجُومِ وَالْمُؤَجَّرُ عَاجِزٌ عَنْ التَّفَرُّغِ لِتَحْصِيلِهَا وَالْعِتْقُ يَحْصُلُ حَالًا وَإِنْ تَأَخَّرَ أَدَاءً مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ لِمُعْسِرٍ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لَا يَنْدَفِعُ بِالْجَهْلِ) أَيْ: بِكَوْنِهِ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِهِ أَوْ خَرَجَ عَنْهُ فَهُوَ بِاعْتِبَارِ نَفْسِ الْأَمْرِ وَكِيلٌ عَنْ الْمَالِكِ الْمُلْتَمِسِ لِلِاعْتِبَارِ ع ش.
(قَوْلُهُ: جَاهِلًا) أَيْ: بِكَوْنِهِ عَبْدَهُ.
(قَوْلُهُ: وَبِهَذَا) أَيْ: بِتَصْرِيحِهِمْ بِذَلِكَ .
(قَوْلُهُ: لَا إلَى مَالِكٍ) كَانَ الْمُرَادُ بِالْمَالِكِ هُنَا مَالِكُ مَا هُوَ مَمْلُوكٌ عَادَةً حَتَّى يُفَارِقَ الْعِتْقُ الْوَقْفَ، وَإِلَّا فَالْعَتِيقُ مَمْلُوكٌ لِلَّهِ تَعَالَى كَسَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ.
(قَوْلُهُ: لِتَحْقِيقِ الْمَاهِيَّةِ إلَخْ) لَكَ أَنْ تَقُولَ: يَلْزَمُ مِنْ تَحْقِيقِهَا اعْتِبَارُهُ فِيهَا، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِتَحْقِيقِهَا بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ
وَيَلْزَمُ مِنْ اعْتِبَارِهِ فِيهَا إخْرَاجُ الْكَافِرِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ فِيهِ كَمَا هُوَ مَبْنِيُّ مَا قَبْلَ الْعِلَاوَةِ، وَإِلَّا لَاتَّحَدَ مَعَهَا فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الرِّقَّ كَالْغُلِّ) أَيْ: أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْغُلِّ، وَمَحَلُّ الْغُلِّ الرَّقَبَةُ قَوْلُهُ: غَيْرُ عِتْقٍ) صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: حَقٌّ لَازِمٌ، وَقَوْلُهُ: يَمْنَعُ بَيْعَهُ صِفَةٌ أُخْرَى وَالْمُتَبَادِرُ أَنَّهُ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: غَيْرُ عِتْقٍ عَنْ الِاسْتِيلَادِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِعِتْقٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْعِتْقِ مَا يَتَضَمَّنُ حَقَّ الْعِتْقِ، وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا الضَّابِطُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الرَّهْنِ إذَا كَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَرُدَّ بِأَنَّ الْعِتْقَ) كَتَبَ عَلَيْهِ م ر قَوْلُهُ: نَعَمْ عَقْدُ التَّعْلِيقِ لَيْسَ قُرْبَةً)
قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ نَقْلًا عَنْ الرَّافِعِيِّ: وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ حَثٌّ أَوْ مَنْعٌ أَيْ: أَوْ تَحْقِيقُ خَبَرٍ
بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ قَالَ: وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ تَعْلِيقَهُ الْعَارِيَ عَنْ قَصْدِ مَا ذَكَرَ كَالتَّدْبِيرِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ اهـ.
كِتَابُ الْعِتْقِ] ِ بِمَعْنَى الْإِعْتَاقِ، وَهُوَ لُغَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَتَقَ الْفَرَسُ إذَا سَبَقَ، وَعَتَقَ الْفَرْخُ إذَا طَارَ وَاسْتَقَلَّ، فَكَأَنَّ الْعَبْدَ إذَا فُكَّ مِنْ الرِّقِّ خَلَصَ وَاسْتَقَلَّ. وَشَرْعًا: إزَالَةُ الرِّقِّ عَنْ الْآدَمِيِّ وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ قَوْله تَعَالَى: {فَكُّ رَقَبَةٍ} وقَوْله تَعَالَى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ}- أَيْ بِالْإِسْلَامِ - {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} أَيْ بِالْعِتْقِ كَمَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ،
وَفِي غَيْرِ مَوْضِعٍ {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ مِنْ النَّارِ حَتَّى الْفَرْجَ بِالْفَرْجِ» وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً كَانَتْ فِدَاءَهُ مِنْ النَّارِ» وَخُصَّتْ الرَّقَبَةُ بِالذِّكْرِ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ السَّيِّدِ الرَّقِيقَ كَالْغُلِّ فِي رَقَبَتِهِ، فَهُوَ مُحْتَبَسٌ بِهِ كَمَا تُحْبَسُ الدَّابَّةُ بِالْحَبْلِ فِي عُنُقِهَا،
فَإِذَا أَعْتَقَهُ أَطْلَقَهُ مِنْ ذَلِكَ الْغُلِّ الَّذِي كَانَ فِي رَقَبَتِهِ.
فَائِدَةٌ: أَعْتَقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثًا وَسِتِّينَ نَسَمَةً، وَنَحَرَ بِيَدِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً، وَأَعْتَقَتْ عَائِشَةُ تِسْعًا وَسِتِّينَ، وَعَاشَتْ كَذَلِكَ، وَأَعْتَقَ أَبُو بَكْرٍ كَثِيرًا، وَأَعْتَقَ الْعَبَّاسُ سَبْعِينَ، وَأَعْتَقَ عُثْمَانُ وَهُوَ مُحَاصَرٌ عِشْرِينَ، وَأَعْتَقَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ مِائَةً مُطَوَّقِينَ بِالْفِضَّةِ، وَأَعْتَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَلْفًا، وَاعْتَمَرَ أَلْفَ عُمْرَةٍ، وَحَجَّ سِتِّينَ حَجَّةً، وَحَبَسَ أَلْفَ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَعْتَقَ ذُو الْكَلَاعِ الْحِمْيَرِيُّ فِي يَوْمٍ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ، وَأَعْتَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ثَلَاثِينَ أَلْفًا.
وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«اللَّهُمَّ اسْقِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ مِنْ سَلْسَلِ الْجَنَّةِ» - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَحَشَرَنَا مَعَهُمْ آمِينَ. وَالْعِتْقُ الْمُنْجَزُ مِنْ الْمُسْلِمِ قُرْبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ
أَمَّا الْمُعَلَّقُ، فَفِي الصَّدَاقِ مِنْ الرَّافِعِيِّ أَنَّ التَّعْلِيقَ لَيْسَ عَقْدَ قُرْبَةٍ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ حَثٌّ أَوْ مَنْعٌ أَيْ أَوْ تَحْقِيقُ خَبَرٍ،
بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ، وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ تَعْلِيقَهُ الْعَارِي عَنْ قَصْدِ مَا ذُكِرَ كَالتَّدْبِيرِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا ظَاهِرٌ. وَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ: مُعْتِقٌ، وَعَتِيقٌ، وَصِيغَةٌ. وَقَدْ شَرَعَ فِي الرُّكْنِ الْأَوَّلِ فَقَالَ (إنَّمَا) (يَصِحُّ مِنْ) مَالِكٍ (مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ) أَهْلٍ لِلتَّبَرُّعِ وَالْوَلَاءِ مُخْتَارًا،
وَمِنْ وَكِيلٍ أَوْلَى فِي كَفَّارَةٍ لَزِمَتْ مُوَلِّيهِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ بِلَا إذْنٍ، وَلَا مِنْ غَيْرِ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، وَلَا مِنْ مُبَعَّضٍ وَمُكَاتَبٍ وَمُكْرَهٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ،
وَيَصِحُّ مِنْ سَكْرَانَ، وَمِنْ كَافِرٍ وَلَوْ حَرْبِيًّا، وَيَثْبُتُ وَلَاؤُهُ عَلَى عَتِيقِهِ الْمُسْلِمِ سَوَاءٌ أَعْتَقَهُ مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ،
وَلَا يَصِحُّ عِتْقُ مَوْقُوفٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ بَقِيَّةِ الْبُطُونِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْحَافِ
كِتَابُ الْعِتْقِ بِمَعْنَى الْإِعْتَاقِ (إنَّمَا يَصِحُّ مِنْ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ) فَلَا يَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَسَفِيهٍ
وَيَصِحُّ مِنْ ذِمِّيٍّ وَحَرْبِيٍّ
قَوْلُهُ: (بِمَعْنَى الْإِعْتَاقِ) أَيْ فَهُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ لَأَعْتَقَ لَا مَصْدَرٌ لَعَتَقَ مُطَاوِعُهُ بِقَرِينَةِ عَوْدِ ضَمِيرٍ يَصِحُّ إلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ الْعَامَّةُ تَقُولُ عَتَقَهُ وَهُوَ خَطَأٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ أَعْتَقَهُ وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ الشَّيْخَيْنِ «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ حَتَّى الْفَرْجَ بِالْفَرْجِ» وَإِنَّمَا خَصَّ الْفَرْجَ بِالذِّكْرِ لِاخْتِلَافِهِ ذُكُورَةً وَأُنُوثَةً أَوْ لِعِظَمِ جَرِيمَتِهِ بِالزِّنَا، وَلَا تَرِدُ الرِّدَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَا عِتْقَ فِيهَا وَذَكَرَ الرَّجُلَ وَالْمُسْلِمَ لِلْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُمَا.
فَائِدَةٌ:«أَعْتَقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثًا وَسِتِّينَ رَقَبَةً بِقَدْرِ عُمْرِهِ» وَأَعْتَقَتْ عَائِشَةُ تِسْعًا وَسِتِّينَ رَقَبَةً بِقَدْرِ عُمْرِهَا وَأَعْتَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ثَلَاثِينَ أَلْفًا وَأَعْتَقَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ مِائَةَ رَقَبَةٍ مُطَوَّقَةً بِالذَّهَبِ وَأَعْتَقَ ذُو الْكُرَاعِ الْحِمْيَرِيُّ فِي يَوْمٍ ثَمَانِيَةَ آلَافِ رَقَبَةٍ،
قَوْلُهُ: (إنَّمَا يَصِحُّ إلَخْ) أَيْ شَرْطُ صِحَّتِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتِقُ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ فَالْمُعْتِقُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهِ الثَّلَاثِ، وَثَانِيهَا الصِّيغَةُ وَسَيَذْكُرُهَا وَثَالِثُهَا الْعَتِيقُ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ شَرْطَهُ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ مَا يَمْنَعُ بَيْعَهُ غَيْرَ الْعِتْقِ كَرَهْنٍ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ
بِخِلَافِ مَا لَا يَمْنَعُ بَيْعَهُ.
كَإِجَارَةٍ أَوْ مَا يَمْنَعُهُ وَهُوَ عِتْقٌ كَاسْتِيلَادٍ وَكِتَابَةٍ،
قَوْلُهُ: (مِنْ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ) وَلَوْ كَافِرًا حَرْبِيًّا وَيَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ عَلَى عَتِيقِهِ وَلَوْ مُسْلِمًا، وَهَذَا إذَا أَرَادَ الْعِتْقَ الْمُنْجَزَ عَنْ نَفْسِهِ فَخَرَجَ الْمُعَلَّقُ وَالْعِتْقُ عَنْ الْغَيْرِ وَسَيَأْتِيَانِ، وَالْمُرَادُ بِإِطْلَاقِ التَّصَرُّفِ نُفُوذُ تَصَرُّفِهِ فِيهِ فِي ذَاتِهِ،
وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَى شَيْءٍ فَدَخَلَ عِتْقُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ قَبْضِهِ وَعِتْقُ الرَّاهِنِ الْمُوسِرِ وَعِتْقُ الْوَارِثِ الْمُوسِرِ قِنَّ التَّرِكَةِ وَعِتْقُ الْإِمَامِ قِنَّ بَيْتِ الْمَالِ، وَخَرَجَ مَحْجُورُ الْفَلَسِ وَنَحْوُهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ) خَرَجَ الْإِعْتَاقُ عَنْهُ مِنْ وَلِيِّهِ عَنْ كَفَّارَةِ قَتْلِهِ فَصَحِيحٌ،
قَوْلُهُ: (وَسَفِيهٍ) أَيْ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا مَرَّ
أَمَّا عَنْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ فَصَحِيحٌ وَلَا مِنْ مُكَاتَبِ لِعَدَمِ إطْلَاقِ تَصَرُّفِهِ أَيْضًا وَلَا مِنْ مُكْرَهٍ لِذَلِكَ إلَّا بِحَقٍّ كَإِكْرَاهِ الْحَاكِمِ مِنْ الْمُشْتَرِي بِشَرْطِ الْعِتْقِ عَلَيْهِ، وَإِكْرَاهُهُ وَلِيَّ الصَّبِيِّ عَلَى الْعِتْقِ عَنْ كَفَّارَةِ قَتْلِ الْعَمْدِ وَشِبْهِهِ لِوُجُوبِ الْفَوْرِ فِيهِ،
بِخِلَافِ الْخَطَأِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي الْحُرِّ كَوْنَهُ أَهْلًا لِلْوَلَاءِ لِيَخْرُجَ الْمُبَعَّضُ فِيمَا مَلَكَهُ بِبَعْضِهِ الْحُرِّ،
قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ) أَيْ مِنْ صَحِيحِ الْعِبَارَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ كَسَفِيهٍ، وَرَاهِنٍ مُعْسِرٍ وَمُفْلِسٍ وَمُرْتَدٍّ سَوَاءٌ عُلِمَتْ الصِّفَةُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهَا أَوْ لَا،
وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ التَّعْلِيقِ بِالْقَوْلِ،
وَيَصِحُّ بِالْفِعْلِ كَبَيْعٍ وَنَحْوِهِ وَأَمَّا تَأْقِيتُهُ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ نُفُوذِهِ وَيَلْغُو التَّأْقِيتُ،
[كِتَابُ الْعِتْقِ] قَوْلُ الْمَتْنِ: (الْعِتْقُ) مَادَّتُهُ لُغَةً تَدُورُ عَلَى مَعْنَى السَّرَاحِ وَالِاسْتِقْلَالِ وَمِنْهُ عَتَقَ الْفَرْخُ إذَا طَارَ وَاسْتَقَلَّ وَشَرْعًا رَفْعُ مِلْكِ الْآدَمِيِّينَ عَنْ آدَمِيٍّ مُطْلَقًا تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَخَرَجَ بِمُطْلَقِ الْوَقْفِ فَإِنَّهُ رَفْعٌ عَنْ الرَّقَبَةِ دُونَ الْمَنَافِعِ.
قَالَ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ وَالْعَامَّةُ تَقُولُ عَتَقَهُ وَهُوَ خَطَأٌ وَإِنَّمَا هُوَ أَعْتَقَهُ،
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مِنْ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ) هَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْتِقَ عَنْ بَيْتِ الْمَالِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ الْأَشْبَهُ نَعَمْ بِالْمَصْلَحَةِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
كتاب العتق] هو: إسقاط الملك عن الآدمي تقربًا إلى الله تعالى, وأصله من عتق الفرس إذا سبق, وعتق الفرخ إذا طار واستقل؛ لأن العبد به يخلص من أسر الرق.
وخرج بالآدمي: الطير والبهائم, فلا يصح عتقها على الأصح, ويحتج لمقابله بم روى أبو نعيم عن أبي الدرداء أنه كان يشتري العصافير من الصبيان ويرسلها.
قال ابن الصلاح: والخلاف فيما يملك باصطياد,
أما البهائم الإنسية فإعتاقها من قبيل سوائب الجاهلية, وذلك باطل قطعًا.
ولا يرد الوقف؛ لأنه نقل ملك إلى الله تعالى لا إسقاط, ولهذا يضمن بالقيمة فدل على بقاء الملك فيه.
فإن قيل: ذكر الأصحاب أن عتق الكافر ليس بقربة .. فالجواب: أن الكافر قصد القربة وإن لم يصح له ما قصد, وإنما يكون العتق قربة إذا تنجز,
أما تعلقه .. فلا, قاله الرافعي في (كتاب الصداق) ,
بخلاف التدبير.
والأصل فيه: قوله تعالى: {فَكُّ رَقَبَةٍ} ,
وفي غير موضع:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}.
وفي (الصحيحين ( [خ ٢٥١٧ _ م ١٥٠٩/ ٢٤] عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أعتق رقبة مؤمنة .. كانت فداءه من النار).
وخصت الرقبة بالذكر؛ لأن ملك السيد للرقيق كالغل في رقبته, فهو محتبس به كما تحتبس الدابة بحبل في عنقها,
فإذا أعتق .. أطلق من ذلك.
وإذا أعتق جماعة عبدًا مشتركًا حصل لكل منهم ثواب كامل؛ لما سيأتي من قوله صلى الله عليه وسلم: (عتق النسمة أن ينفرد بعتقها, وفك الرقبة أن يعين في عتقها (صححه الحاكم [٢/ ٢١٧].
والإجماع منعقد على صحته, وعتق العبد الصالح والقريب والمكدود وابذكر أفضل.
فائدة:
عاش النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثًا وستين سنة, ونحر بيده في حجة الوداع ثلاثًا وستين بدنة, وأعتق ثلاثًا وستين نسمة.
فالذكور: أسلم, وأفلح, وأنجشة, وأيمن, وأنسة, وباذام, وبدر, وثوبان, وحاتم, وحنين, ودوس, ورافع, ورويفع, ورباح, وزيد جد هلال بن يسار بن زيد, وسابق, وسالم, وسعد, وسعيد, وسفينة , وسلمان, وسندرة, وشقران, وسمعون, وضميرة, وطهمان, وعمرون, وغيلان, وقفير, وكريب, وكركرة, ومابورا القبطي, ومكحول, ومدعم, ونبيه, ونفيع بن الحارث أبو بكرة, وهرمز, وهلال, وواقد, ووردان, ويسار, وأبو أثيلة, وأبو البشير, وأبو الحمراء, وأبو رافع, وأبو سلمى, وأبو صفية, وأبو ضميرة, وأبو عبيد, وأبو قيلة, وأبو كبشة, وأبو لقيط, وأبو مويهبة, وأبو هند.
والإناث: سلمى أم رافع, وبركة أم أيمن, وميمونة بنت سعد, وخضرة, ورضوى, وأميمة, وريحانة, ورزينة, وركانة. وأعتقت عائشة سبعًا وستين, وعاشت كذلك, وأعتق أبو بكر كثيرًا, واعتق العباس سبعين عبدًا, رواه الحاكم.
وأعتق عثمان وهو محاصر عشرين عبدًا, وأعتق حكيم بن حزام مئة مطوقين بالفضة.
وأعتق عبد الله بن عمر ألفًا, واعتمر ألف عمرة, وحج ستين حجة, وحبس ألف فرس في سبيل الله.
وأعتق ذو الكلاع الحميري في يوم واحد ثمانية آلاف عبد.
وأعتق عبد الرحمن بن عوف ثلاثين ألف نسمة, وروى الحاكم [٣/ ٣١١] عن أم سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم؛ اسق عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنة).
قال: (إنما يصح من مطلق التصرف) فلا يصح من الصبي والمجنون؛ لعدم أهليتهما,
ولما فيه من ضياع المال.
وحكى الماوردي في (كتاب الوصية) وجهًا: أن إعتاق المميز ينفذ في مرض الموت إذا قلنا: تصح وصيته,
والمذهب النع؛ لأن الوصية يقدر على الرجوع فيها.
وشملت عبارته المسلم وغيره وإن لم يكن منه قربة كما تقدم, لكن تستثنى وصية السفيه بالعتق؛ فإنه يصح على المذهب, والمشترى قبل القبض يصح إعتاقه مع أنه ليس بمطلق التصرف.
وكذلك الوارث يصح إعتاقه رقبة العبد الموصى بمنفعته وهو غير تام الملك فيه كما قاله الرافعي في (باب الوصية) ,
ولو يكتف في (الروضة) بإطلاق التصرف, بل ضم إليه: أن لا يصادف إعتاقه تعلق حق لازم لغيره؛ ليخرج الواقف والموقوف عليه إن قلنا: الملك له,
وكذلك الراهن ومالك العبد المتعلق برقبته أرش جناية إذا كان معسرًا على الأصح؛ لما فيه من تفويت الحق بغير بدل,
بخلاف ما إذا كان موسورًا.
ولا بد أن يكون أهلًا للولاء, فلا يصح من المبعض, ولهذا لا يكفر بالعتق,
وكذلك عتق المكاتب نفسه بإذن على الأصح؛ لآستعقابه الولاء وليس من أهله؛ ولا بد أيضًا من قيد عدم الإكراه بغير حق, ويتصور الإكراه بحق في البيع بشرط العتق.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.