ولا تنجس قلتا الماء بملاقاة نجس
الشروح عليها
(وَلَا تُنَجَّسُ قُلَّتَا الْمَاءِ بِمُلَاقَاةِ نَجَسٍ) لِحَدِيثِ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» أَيْ يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ لَا يَحْمِلُ الظُّلْمَ: أَيْ يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَشَمِلَ ذَلِكَ مَا لَوْ شَكَّ فِي كَثْرَتِهِ عَمَلًا بِأَصْلِ الطَّهَارَةِ وَلِأَنَّا شَكَكْنَا فِي نَجَاسَةٍ مُنَجِّسَةٍ،
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً أَوْ جَمَعَ شَيْئًا فَشَيْئًا وَشَكَّ فِي وُصُولِهِ لَهُمَا، كَمَا لَوْ شَكَّ الْمَأْمُومُ هَلْ تَقَدَّمَ عَلَى إمَامِهِ أَمْ لَا، فَإِنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَلَوْ جَاءَ مِنْ قُدَّامِهِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ أَيْضًا، وَيُعْتَبَرُ فِي الْقُلَّتَيْنِ قُوَّةُ التَّرَادِّ،
فَلَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي حُفْرَتَيْنِ فِي كُلِّ حُفْرَةٍ قُلَّةٌ وَبَيْنَهُمَا اتِّصَالٌ مِنْ نَهْرٍ صَغِيرٍ غَيْرِ عَمِيقٍ فَوَقَعَ فِي إحْدَى الْحُفْرَتَيْنِ نَجَاسَةٌ قَالَ الْإِمَامُ: فَلَسْت أَرَى أَنَّ مَا فِي الْحُفْرَةِ الْأُخْرَى دَافِعٌ لِلنَّجَاسَةِ، وَاقْتَضَى إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ النَّجَاسَةَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا جَامِدَةً أَوْ مَائِعَةً وَهُوَ كَذَلِكَ،
وَلَا يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْهَا حَالَ الِاغْتِرَافِ مِنْ الْمَاءِ بِقَدْرِ قُلَّتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ لَهُ أَنْ يَغْتَرِفَ مِنْ حَيْثُ شَاءَ حَتَّى مِنْ أَقْرَبِ مَوْضِعٍ إلَى النَّجَاسَةِ
(قَوْلُهُ: وَلَا تُنَجَّسُ قَلَّتَا الْمَاءِ إلَخْ) أَيْ الْخَالِصِ،
أَمَّا مَا دُونَهُمَا وَكَمُلَ بِطَاهِرٍ كَمَاءِ وَرْدٍ وَفُرِضَ غَيْرَ مُغَيَّرٍ فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الطَّهَارَةِ، وَلَكِنَّهُ يَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ وُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ، فَحُكْمُهُ فِي التَّنَجُّسِ حُكْمُ الْقَلِيلِ
(قَوْلُهُ: لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ) عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ خَبَثًا بِدُونِ (الـ) انْتَهَى.
وَفِي الْمَحَلِّيِّ أَيْضًا الْخَبَثُ انْتَهَى
(قَوْلُهُ وَشَمِلَ ذَلِكَ) لَعَلَّ وَجْهَ الشُّمُولِ أَنَّ الْمُرَادَ وَلَا تَنْجُسُ قُلَّتَا الْمَاءِ وَلَوْ احْتِمَالًا
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّا شَكَكْنَا فِي نَجَاسَةٍ مُنَجِّسَةٍ) أَيْ فِي كَوْنِ النَّجَاسَةِ مُنَجِّسَةً، فَالنَّجَاسَةُ مُحَقَّقَةٌ وَكَوْنُهَا مُنَجَّسَةً مَشْكُوكٌ فِيهِ
(قَوْلُهُ: مِنْ نَهْرٍ صَغِيرٍ غَيْرِ عَمِيقٍ)
وَضَابِطُ غَيْرِ الْعَمِيقِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ حُرِّكَ مَا فِي إحْدَى الْحُفْرَتَيْنِ لَا يَتَحَرَّكُ مَا فِي الْأُخْرَى، وَمِنْهُ يُعْلَمُ حُكْمُ حِيَاضِ الْأَخْلِيَةِ إذَا وَقَعَ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا نَجَاسَةٌ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ لَوْ حُرِّكَ وَاحِدٌ مِنْهَا تَحَرَّكَ مُجَاوِرُهُ، وَهَكَذَا إلَى الْآخِرِ لَا يُحْكَمُ بِالتَّنْجِيسِ عَلَى مَا وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، وَإِلَّا حُكِمَ بِنَجَاسَةِ الْجَمِيعِ، وَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ قَاسِمٍ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ بِالِاكْتِفَاءِ بِتَحَرُّكِ كُلِّ مُلَاصِقٍ بِتَحْرِيكِ مُلَاصِقِهِ،
وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِتَحْرِيكِ غَيْرِهِ إذَا بَلَغَ الْمَجْمُوعُ قُلَّتَيْنِ انْتَهَى.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِالتَّحَرُّكِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ عَنِيفٍ،
وَإِنْ خَالَفَ عَمِيرَةُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ فَرَاجِعْهُ، وَعِبَارَتُهُ قَوْلُهُ: بِحَيْثُ يَتَحَرَّكُ مَا فِي كُلٍّ بِتَحَرُّكِ الْآخَرِ تَحَرُّكًا عَنِيفًا إلَخْ، هَلْ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ عَنِيفًا بِقَوْلِهِ يَتَحَرَّكُ، أَوْ بِقَوْلِهِ يَتَحَرَّكُ الْآخَرُ، وَيَتَّجِهُ اعْتِبَارُهُ فِيهِمَا انْتَهَى
(قَوْلُهُ: دَافِعٌ لِلنَّجَاسَةِ) أَيْ لِنَجَاسَةِ مَا وَقَعَتْ فِيهِ، وَقُوَّةُ هَذَا الْكَلَامِ تَقْتَضِي بَقَاءَ الْحُفْرَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى طَهَارَتِهَا، وَقَدْ يَشْكُلُ بِأَنَّ مَا فِي الْأَنْهَارِ الَّذِي بَيْنَهُمَا مُتَّصِلٌ بِحُفْرَةِ النَّجَسِ فَيُنَجَّسُ مِنْهُ لِقِلَّتِهِ وَبِمَا فِي الْحُفْرَةِ الْأُخْرَى فَيُنَجِّسُهُ لِقِلَّتِهِ فَرَاجِعْهُ، ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ حَجَرٍ صَرَّحَ بِنَجَاسَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا انْتَهَى
(قَوْلُهُ مِنْ أَقْرَبِ مَوْضِعٍ إلَى النَّجَاسَةِ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: وَعَلَيْهِ
فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْمَاءَ قُلَّتَانِ فَقَطْ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ الِاغْتِرَافُ مِنْهُ، وَعَلَى الثَّانِي يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي يَنْجُسُ بِالِانْفِصَالِ،
وَقِيلَ لَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: وَشَمِلَ ذَلِكَ إلَخْ) فِي الشُّمُولِ الْمَذْكُورِ نَظَرٌ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتَّضِحُ لَوْ قَالَ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفُ قُلَّتَا الْمَاءِ نَحْوَ قَوْلِهِ وَلَوْ احْتِمَالًا كَمَا قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ
(قَوْلُهُ: وَبَيْنَهُمَا نَهْرٌ صَغِيرٌ) بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ وَاسِعًا، وَضَابِطُهُ أَنْ يَتَحَرَّكَ مَا فِي إحْدَى الْحُفْرَتَيْنِ بِتَحَرُّكِ الْأُخْرَى تَحَرُّكًا عَنِيفًا.
قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَنْبَغِي فِي أَحْوَاضٍ تَلَاصَقَتْ الِاكْتِفَاءُ بِتَحَرُّكِ الْمُلَاصِقِ الَّذِي يَبْلُغُ بِهِ الْقُلَّتَيْنِ، لَكِنْ قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ فِيمَا كَتَبَهُ عَلَيْهِ: الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ بِالِاكْتِفَاءِ بِتَحَرُّكِ كُلِّ مُلَاصِقٍ بِتَحَرُّكِ مُلَاصِقِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِتَحْرِيكِ غَيْرِهِ إذَا بَلَغَ الْمَجْمُوعُ قُلَّتَيْنِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَلَا تُنَجَّسُ قُلَّتَا الْمَاءِ) وَلَوْ احْتِمَالًا كَأَنْ شَكَّ فِي مَاءٍ أَبَلَغَهُمَا أَمْ لَا وَإِنْ تَيَقَّنَتْ قُلَّتُهُ قَبْلُ (بِمُلَاقَاةِ نَجِسٍ) لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» أَيْ لَمْ يَقْبَلْهُ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ رِوَايَةُ لَمْ يُنَجَّسْ وَهِيَ صَحِيحَةٌ أَيْضًا، وَخَرَجَ بِقُلَّتَا الْمَاءِ الصَّرِيحُ فِي أَنَّهُمَا كُلُّهُمَا مِنْ مَحْضِ الْمَاءِ مَا لَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ يَنْقُصُ عَنْ قُلَّتَيْنِ مَائِعٍ يُوَافِقُهُ فَبَلَغَهُمَا بِهِ، وَلَمْ يُغَيِّرْهُ فَرْضًا لَوْ قُدِّرَ مُخَالِفًا فَإِنَّهُ يُنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ وَلَا يَدْفَعُ الِاسْتِعْمَالَ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا نَزَلَ ذَلِكَ الْمَائِعُ مَنْزِلَةَ الْمَاءِ فِي جَوَازِ الطُّهْرِ بِالْكُلِّ؛
لِأَنَّهُ أَخَفُّ إذْ هُوَ رَفْعٌ وَذَاكَ دَفْعٌ وَهُوَ أَقْوَى غَالِبًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ الْوَارِدَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَالْخَبَثَ وَلَا يَدْفَعُهُمَا لَوْ وَرَدَا عَلَيْهِ وَمِنْ ثَمَّ اخْتَلَفُوا فِي مُسْتَعْمَلٍ كَثُرَ انْتِهَاءً هَلْ تَرْفَعُ كَثْرَتُهُ اسْتِعْمَالَهُ أَوْ لَا وَاتَّفَقُوا فِي كَثِيرٍ ابْتِدَاءً عَلَى أَنَّهُ يَدْفَعُ الِاسْتِعْمَالَ عَنْ نَفْسِهِ، وَخَرَجَ بِ غَالِبًا نَحْوُ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ النِّكَاحَ، وَلَا يَدْفَعُهُ لِحِلِّ ارْتِجَاعِ الْمُطَلَّقَةِ وَعَكْسُهُ الْإِحْرَامُ وَعِدَّةُ الشُّبْهَةِ فَهُوَ أَقْوَى تَأْثِيرًا مِنْهُمَا، فَعُلِمَ أَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَدْفَعُ فَقَطْ كَهَذَيْنِ، وَقَدْ يَرْفَعُ فَقَطْ كَالطَّلَاقِ وَالْمَاءُ هُنَا وَأَنَّ الرَّفْعَ التَّأَثُّرُ بِمَا يَصْلُحُ لَهُ لَوْلَا ذَلِكَ الدَّافِعُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ يُسَنُّ لِمَنْ دَعَا بِرَفْعِ بَلَاءٍ وَاقِعٍ أَنْ يَجْعَلَ ظَهْرَ كَفَّيْهِ لِلسَّمَاءِ، وَيَدْفَعُهُ أَنْ يَقَعَ بِهِ بَعْدُ عَكْسُهُ وَلَوْ كَانَ الْقُلَّتَانِ فِي مَحَلَّيْنِ بَيْنَهُمَا اتِّصَالٌ وَبِأَحَدِهِمَا نَجَسٌ نَجَّسَ الْآخَرَ إنْ ضَاقَ مَا بَيْنَهُمَا وَإِلَّا طَهَّرَ النَّجِسَ كَمَا يَأْتِي.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ وَلَوْ احْتِمَالًا) إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخَفَّ فِي النِّهَايَةِ وَإِلَى قَوْلِهِ وَخَرَجَ بِ غَالِبًا فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ غَالِبًا قَوْلُ الْمَتْنِ (وَلَا تُنَجَّسُ قُلَّتَا الْمَاءِ إلَخْ) قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ النَّجَاسَةَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا جَامِدَةً أَوْ مَائِعَةً، وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَا يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْهَا حَالَ الِاغْتِرَافِ مِنْ الْمَاءِ بِقَدْرِ قُلَّتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ بَلْ لَهُ أَنْ يَغْتَرِفَ مِنْ حَيْثُ شَاءَ حَتَّى مِنْ أَقْرَبِ مَوْضِعٍ إلَى النَّجَاسَةِ نِهَايَةٌ أَيْ وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي يُنَجَّسُ بِالِانْفِصَالِ عَمِيرَةٌ، وَيَأْتِي عَنْ الْمُغْنِي مَا يُوَافِقُهُ بِزِيَادَةٍ
(قَوْلُهُ وَإِنْ تُيُقِّنَتْ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ زَادَ الْقَلِيلُ وَاحْتُمِلَ بُلُوغُهُ وَعَدَمُهُ سم.
(قَوْلُهُ الْخَبَثُ) كَذَا فِي الْمُحَلَّى وَالنِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي بِأَلْ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ خَبَثًا بِدُونِ أَلْ
(قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَقْبَلْهُ) عِبَارَةُ الْمُحَلَّى وَالْمُغْنِي وَشَرْحِ الْمَنْهَجِ أَيْ يَدْفَعُ النَّجِسَ وَلَا يَقْبَلُهُ اهـ زَادَ النِّهَايَةُ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ لَا يَحْمِلُ الظُّلْمَ أَيْ يَدْفَعُهُ اهـ.
(قَوْلُهُ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ التَّفْسِيرِ
(قَوْلُهُ وَخَرَجَ إلَخْ) وَفَارَقَ كَثِيرُ الْمَاءِ كَثِيرَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ بِأَنَّ كَثِيرَهُ قَوِيٌّ وَيَشُقُّ حِفْظُهُ عَنْ النَّجَسِ
بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَإِنْ كَثُرَ مُغْنِي
(قَوْلُهُ مَا لَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ يَنْقُصُ إلَخْ) بَقِيَ مَا لَوْ خُلِطَ قُلَّةٌ مِنْ الْمَائِعِ بِقُلَّتَيْنِ مِنْ الْمَاءِ، وَلَمْ تُغَيِّرْهُمَا حِسًّا وَلَا تَقْدِيرًا، ثُمَّ أَخَذَ قُلَّةً مِنْ الْمُجْتَمِعِ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْبَاقِي نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ فَهَلْ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْبَاقِيَ مَحْضُ الْمَاءِ،
وَأَنَّ الْمَأْخُوذَ هُوَ الْمَائِعُ وَالْأَصْلُ طَهَارَةُ الْمَاءِ أَوْ بِنَجَاسَتِهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْقُلَّةِ الْمَأْخُوذَةِ هِيَ مَحْضُ الْمَائِعِ دُونَ الْمَاءِ حَتَّى يَكُونَ الْبَاقِي مَحْضَ الْمَاءِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُحَالًا عَادَةً كَانَ فِي حُكْمِهِ فِيهِ نَظَرٌ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ قِيَاسُ مَا فِي الْأَيْمَانِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ فَأَكَلَ مِمَّا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ وَعَمْرٌو حَيْثُ قَالُوا إنْ أَكَلَ مِنْهُ حَبَّتَيْنِ لَمْ يَحْنَثْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمَا مِنْ مَحْضِ مَا اشْتَرَاهُ عَمْرٌو أَوْ أَكْثَرَ نَحْوَ حَفْنَةٍ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا أَكَلَهُ مُخْتَلِطٌ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الْحَلَبِيِّ فِي الدَّرْسِ أَنَّهُ اعْتَمَدَ ذَلِكَ الْقِيَاسَ، وَحِينَئِذٍ يَحْتَاجُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّضَاعِ وَمَعَ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ إلْحَاقُهُ بِمَا فِي الْأَيْمَانِ؛
لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الرَّضَاعِ خَارِجَةٌ عَنْ نَظَائِرِهَا فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا اهـ ع ش.
(قَوْلُهُ وَلَا يَدْفَعُ الِاسْتِعْمَالَ عَنْ نَفْسِهِ)
فَلَوْ انْغَمَسَ فِيهِ جُنُبٌ نَاوِيًا صَارَ مُسْتَعْمَلًا نِهَايَةٌ وَمُغْنِي
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) وَقَوْلُهُ (إذْ هُوَ) أَيْ الطُّهْرُ
(قَوْلُهُ وَذَاكَ) أَيْ عَدَمُ التَّنَجُّسِ كُرْدِيٌّ
(قَوْلُهُ وَهُوَ أَقْوَى) أَيْ وَالدَّفْعُ أَقْوَى مِنْ الرَّفْعِ، فَالدَّافِعُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنْ الرَّافِعِ مُغْنِي وَسَمِّ
(قَوْلُهُ وَلَا يَدْفَعُهُمَا إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَلَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ النَّجَاسَةَ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ اهـ
(قَوْلُهُ وَمِنْ ثَمَّ إلَخْ) لَا يُقَالُ قَضِيَّةُ مَا قَرَّرَهُ أَنَّ الْمُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ عَكْسُ هَذَا.
وَهُوَ الِاتِّفَاقُ فِي الْأَوَّلِ وَالِاخْتِلَافُ فِي الثَّانِي؛ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا أَيْ ذَلِكَ الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ضَمِيرَ وَهُوَ أَقْوَى لِلرَّفْعِ سم وَفِيهِ نَظَرٌ
(قَوْلُهُ وَاتَّفَقُوا فِي كَثِيرٍ ابْتِدَاءً إلَخْ) زَادَ الْمُغْنِي عَقِبَ ذَلِكَ مُبَيِّنًا لِوَجْهِ التَّأْيِيدِ بِمَا ذُكِرَ مَا نَصُّهُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إذَا اُسْتُعْمِلَ وَهُوَ قُلَّتَانِ كَانَ دَافِعًا لِلِاسْتِعْمَالِ،
وَإِذَا جُمِعَ كَانَ رَافِعًا وَالدَّفْعُ أَقْوَى مِنْ الرَّفْعِ كَمَا مَرَّ اهـ
(قَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ يَدْفَعُ إلَخْ) أَيْ لِقُوَّتِهِ بِكَثْرَتِهِ سم
(قَوْلُهُ وَخَرَجَ بِ غَالِبًا نَحْوُ الطَّلَاقِ) قَدْ يَتَخَيَّلُ أَنَّ الطَّلَاقَ مِنْ الْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ قَوِيٌّ عَلَى الرَّفْعِ، وَلَمْ يَقْوَ عَلَى الدَّفْعِ بَصْرِيٌّ
(قَوْلُهُ وَلَا يَدْفَعُهُ) أَيْ فَكَانَ الرَّفْعُ هُنَا أَقْوَى قَالَهُ سم وَفِيهِ تَأَمُّلٌ
(قَوْلُهُ وَعَكْسُهُ) أَيْ الطَّلَاقِ (الْإِحْرَامُ وَعِدَّةُ الشُّبْهَةِ إلَخْ) قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا لَا يَرْفَعَانِ النِّكَاحَ، وَيَدْفَعَانِهِ لِامْتِنَاعِ الِارْتِجَاعِ فِي الْإِحْرَامِ وَعِدَّةِ الشُّبْهَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِجَوَازِ الِارْتِجَاعِ فِي الْإِحْرَامِ وَعِدَّةِ الشُّبْهَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ، فَلَعَلَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا لَا يَرْفَعَانِ النِّكَاحَ وَيَدْفَعَانِهِ بِمَعْنَى امْتِنَاعِ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ فِي الْإِحْرَامِ وَعِدَّةِ الشُّبْهَةِ سم.
(قَوْلُهُ فَهُوَ أَقْوَى إلَخْ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ دُونَهُمَا سم
(قَوْلُهُ بِمَا يَصْلُحُ لَهُ) قَدْ يُقَالُ الْأَوْلَى لِلتَّأْثِيرِ بَصْرِيٌّ
(قَوْلُهُ أَنْ يَقَعَ بِهِ) بَدَلٌ مِنْ ضَمِيرِ يَدْفَعُهُ
(قَوْلُهُ إنْ ضَاقَ مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ حُرِّكَ مَا فِي أَحَدِ الْمَحَلَّيْنِ لَا يَتَحَرَّكُ الْآخَرُ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ حُكْمُ حِيَاضِ الْأَخْلِيَةِ إذَا وَقَعَ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا نَجَاسَةٌ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ لَوْ حُرِّكَ وَاحِدٌ مِنْهَا تَحَرَّكَ مُجَاوِرُهُ، وَهَكَذَا إلَى الْآخِرِ يُحْكَمُ بِالتَّنْجِيسِ عَلَى مَا وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، وَإِلَّا حُكِمَ بِنَجَاسَةِ الْجَمِيعِ كَمَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ وَيَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِتَحَرُّكِ الْمُجَاوِرِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ عَنِيفٍ وَإِنْ خَالَفَ عَمِيرَةُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَاشْتِرَاطُ التَّحَرُّكِ الْعَنِيفِ فِي كُلٍّ مِنْ الْمُحَرَّكِ وَمَا يُجَاوِرُهُ ع ش اعْتَمَدَهُ الْبُجَيْرِمِيُّ، ثُمَّ قَالَ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الْحَنَفِيُّ خِلَافًا لِلْقَلْيُوبِيِّ الْحَلَبِيِّ حَيْثُ اشْتَرَطَا تَبَعًا لِعَمِيرَةَ التَّحَرُّكَ الْعَنِيفَ فِي الْمُحَرَّكِ وَمَا يَلِيهِ اهـ.
وَكَذَلِكَ اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا عِبَارَتُهُ الْمَاءُ الْكَثِيرُ لَا يُنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ سَوَاءٌ كَانَ بِمَحِلٍّ وَاحِدٍ أَوْ فِي مَحَالَّ مَعَ قُوَّةِ الِاتِّصَالِ بِحَيْثُ لَوْ حُرِّكَ وَاحِدٌ مِنْهَا تَحَرُّكًا عَنِيفًا يَتَحَرَّكُ الْآخَرُ وَلَوْ ضَعِيفًا، وَمِنْهُ يُعْلَمُ حُكْمُ حِيضَانِ بُيُوتِ الْأَخْلِيَةِ فَإِذَا وَقَعَ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ حُرِّكَ الْوَاحِدُ مِنْهَا تَحَرُّكًا عَنِيفًا لَتَحَرَّكَ مُجَاوِرُهُ، وَهَكَذَا وَكَانَ الْمَجْمُوعُ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ لَمْ يُحْكَمْ بِالتَّنْجِيسِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَإِلَّا حُكِمَ بِالتَّنْجِيسِ عَلَى الْجَمِيعِ إنْ كَانَ مَا وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ مُتَّصِلًا بِالْبَاقِي، وَإِلَّا تَنَجَّسَ هُوَ فَقَطْ اهـ.
(قَوْلُهُ كَمَا يَأْتِي) أَيْ فِي شَرْحٍ وَلَا تَغَيُّرَ فَطَهُورٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ (فَإِنْ غَيَّرَهُ فَنَجِسٌ) إطْلَاقُهُ يَشْمَلُ التَّغَيُّرَ بِمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ عَمِيرَةَ
(قَوْلُهُ وَإِنْ تَيَقَّنَتْ قِلَّتَهُ قَبْلُ) أَيْ بِأَنْ زَادَ الْقَلِيلُ وَاحْتَمَلَ بُلُوغَهُ وَعَدَمَهُ
(قَوْلُهُ وَخَرَجَ بِقُلَّتَا الْمَاءِ إلَخْ) بَقِيَ مَا لَوْ خَلَطَ قُلَّةً مِنْ الْمَائِعِ بِقُلَّتَيْنِ مِنْ الْمَاءِ وَلَمْ تُغَيِّرْهُمَا حِسًّا وَلَا تَقْدِيرًا ثُمَّ أَخَذَ قُلَّةً مِنْ الْمُجْتَمِعِ ثُمَّ وَقَعَ فِي الْبَاقِي نَجَاسَةٌ فَلَمْ تُغَيِّرْهُ فَهَلْ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْبَاقِيَ مَحْضُ الْمَاءِ وَأَنَّ الْمَأْخُوذَ هُوَ الْمَائِعُ وَالْأَصْلُ طَهَارَةُ الْمَاءِ أَوْ بِنَجَاسَتِهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْقُلَّةِ الْمَأْخُوذَةِ هِيَ مَحْضُ الْمَائِعِ دُونَ الْمَاءِ حَتَّى يَكُونَ الْبَاقِي مَحْضَ الْمَاءِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُحَالًا عَادَةً كَانَ فِي حُكْمِهِ فِيهِ نَظَرٌ
(قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ الدَّفْعُ وَقَوْلُهُ أَقْوَى فَيَحْتَاجُ لِقُوَّةِ الدَّافِعِ
(قَوْلُهُ وَمِنْ ثَمَّ إلَخْ) لَا يُقَالُ قَضِيَّةُ مَا قَرَّرَهُ أَنَّ الْمُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ عَكْسُ هَذَا وَهُوَ الِاتِّفَاقُ فِي الْأَوَّلِ وَالِاخْتِلَافُ فِي الثَّانِي، وَقَوْلُهُ نَحْوُ الطَّلَاقِ إلَخْ قَدْ يُقَالُ هَذَا مِنْ الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ تَأْثِيرِ الطَّلَاقِ الدَّفْعَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدَّفْعَ أَقْوَى فَلْيُتَأَمَّلْ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ضَمِيرَ وَهُوَ أَقْوَى لِلدَّفْعِ
(قَوْلُهُ هَلْ تَرْفَعُ كَثْرَتُهُ اسْتِعْمَالَهُ) أَيْ فَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ كَانَ حِينَ قِلَّتِهِ فَلَمْ يَقْوَ عَلَى رَفْعِهِ لِضَعْفِهِ بِالْقِلَّةِ وَالرَّفْعُ قَوِيٌّ فَلَا يَكُونُ لِضَعِيفٍ هَكَذَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ الْمُرَادُ، وَقَوْلُهُ وَاتَّفَقُوا إلَخْ أَيْ لِقُوَّتِهِ بِكَثْرَتِهِ
(قَوْلُهُ وَلَا يَدْفَعُهُ) أَيْ فَكَانَ الرَّفْعُ هُنَا أَقْوَى
(قَوْلُهُ وَعَكْسُهُ الْإِحْرَامُ وَعِدَّةُ الشُّبْهَةِ) قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا لَا يَرْفَعَانِ النِّكَاحَ وَيَدْفَعَانِهِ لِامْتِنَاعِ الِارْتِجَاعِ فِي الْإِحْرَامِ وَعِدَّةِ الشُّبْهَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِجَوَازِ الِارْتِجَاعِ فِي الْإِحْرَامِ وَعِدَّةِ الشُّبْهَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ فَلَعَلَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا لَا يَرْفَعَانِ النِّكَاحَ وَيَدْفَعَانِهِ بِمَعْنَى امْتِنَاعِ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ فِي الْإِحْرَامِ وَعِدَّةِ الشُّبْهَةِ
(قَوْلُهُ فَهُوَ أَقْوَى) ؛ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ دُونَهُمَا.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَلَا تَنْجُسُ قُلَّتَا الْمَاءِ) الصِّرْفِ (بِمُلَاقَاةِ نَجِسٍ) جَامِدٍ أَوْ مَائِعٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» . قَالَ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْجَسُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ:«لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» : أَيْ يَدْفَعُ النَّجَسَ وَلَا يَقْبَلُهُ، وَفَارَقَ كَثِيرُ الْمَاءِ كَثِيرَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ بِأَنَّ كَثِيرَهُ قَوِيٌّ، وَيَشُقُّ حِفْظُهُ عَنْ النَّجَسِ،
بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَإِنْ كَثُرَ، وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا الصِّرْفِ مَا لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ مَائِعٌ يُوَافِقُهُ فِي الصِّفَاتِ وَفَرَضْنَاهُ مُخَالِفًا فَلَمْ يُغَيِّرْهُ فَحَكَمْنَا بِطَهُورِيَّتِهِ وَكَأَنَّ الْمَاءَ الصِّرْفَ يَنْقُصُ عَنْ قُلَّتَيْنِ بِقَدْرِ الْمَائِعِ الْوَاقِعِ فِيهِ فَصَارَ قُلَّتَيْنِ وَوَقَعَتْ فِيهِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ قُلَّتَيْنِ نَجَاسَةٌ فَإِنَّهُ يَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاتِهَا، وَإِنَّمَا تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ قُلَّتَانِ مِنْ مَحْضِ الْمَاءِ. وَاسْتُشْكِلَ بِتَصْحِيحِهِمْ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ جَمِيعِ ذَلِكَ الْمَاءِ،
وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ غَيْرَ كَافٍ لِلطَّهَارَةِ، وَنَزَّلُوا الْمَائِعَ الْمُسْتَهْلَكَ مَنْزِلَةَ الْمَاءِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ وَإِزَالَةَ النَّجَسِ مِنْ بَابِ الرَّفْعِ، وَدَفْعُ النَّجَاسَةِ مِنْ بَابِ الدَّفْعِ.
قَاعِدَةٌ: وَالدَّفْعُ أَقْوَى مِنْ الرَّفْعِ، وَالدَّافِعُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنْ الرَّافِعِ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ إذَا وَرَدَ عَلَى نَجَاسَةٍ طَهَّرَهَا، وَتَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ النَّجَاسَةَ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ. وَبِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ كَانَ فِي عَوْدِهِ طَهُورًا وَجْهَانِ،
وَلَوْ اُسْتُعْمِلَ قُلَّتَيْنِ ابْتِدَاءً لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إذَا اُسْتُعْمِلَ، وَهُوَ قُلَّتَانِ كَانَ دَافِعًا لِلِاسْتِعْمَالِ،
وَإِذَا جُمِعَ كَانَ رَافِعًا، وَالدَّفْعُ أَقْوَى مِنْ الرَّفْعِ كَمَا مَرَّ، وَيُؤْخَذُ مِنْ الْحُكْمِ بِتَنْجِيسِهِ أَنَّهُ لَوْ انْغَمَسَ فِيهِ جُنُبٌ صَارَ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّهُ كَمَا لَا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ لَا يَدْفَعُ الِاسْتِعْمَالَ: نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الزَّرْكَشِيُّ،
وَلَوْ شَكَّ فِي كَوْنِهِ قُلَّتَيْنِ، وَوَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ هَلْ يَنْجُسُ أَوْ لَا؟ الْمُعْتَمَدُ الثَّانِي، بَلْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ؛ إذْ الْأَصْلُ الطَّهَارَةُ وَشَكَكْنَا فِي نَجَاسَةٍ مُنَجِّسَةٍ؛
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ، وَصَوَّبَ فِي الْمُهِمَّاتِ أَنَّهُ إنْ جَمَعَ شَيْئًا فَشَيْئًا وَشَكَّ فِي وُصُولِهِ قُلَّتَيْنِ فَالْأَصْلُ الْقِلَّةُ،
وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا وَأَخَذَ مِنْهُ فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْكَثْرَةِ،
وَإِنْ وَرَدَ نَجَسٌ عَلَى مَا يَحْتَمِلُ الْقِلَّةَ وَالْكَثْرَةَ فَهَذَا مَحَلُّ التَّرَدُّدِ. وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ تَقَدَّمَ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ تَأَخَّرَ؟ وَالتَّفْصِيلُ هُنَاكَ ضَعِيفٌ فَكَذَا هُنَا
(وَلَا تَنْجُسُ قُلَّتَا الْمَاءِ بِمُلَاقَاةِ نَجَسٍ) لِحَدِيثِ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ» وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» أَيْ يَدْفَعُ النَّجَسَ وَلَا يَقْبَلُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تُنَجَّسُ قُلَّتَا الْمَاءِ) وَلَوْ احْتِمَالًا، وَالْمُرَادُ الصَّرْفُ يَقِينًا الْخَالِي مِنْ التَّغَيُّرِ السَّالِبِ لِلطَّهُورِيَّةِ،
وَإِنْ جُمِعَ مِنْ مُسْتَعْمَلٍ أَوْ نَجَسٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي حُفْرَةٍ، أَوْ حُفَرٍ بِحَيْثُ لَوْ حُرِّكَتْ وَاحِدَةٌ تَحَرُّكًا عَنِيفًا تَحَرَّكَ الْبَقِيَّةُ كَذَلِكَ فَخَرَجَ مَا لَوْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ بِمَائِعٍ اُسْتُهْلِكَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ، وَيَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِانْغِمَاسِ الْمُحْدِثِ فِيهِ، وَيَحْتَاجُ فِي الطَّهَارَةِ مِنْهُ إلَى نِيَّةِ الِاغْتِرَافِ،
وَإِذَا وَقَعَ فِيهِ طَاهِرٌ قَدَّرَ مُخَالِفًا وَسَطًا، لَكِنْ هَلْ يُفْرَضُ هَذَا الْوَاقِعُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْمُسْتَهْلَكِ الْأَوَّلِ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وَالظَّاهِرُ هُنَا الثَّانِي فَرَاجِعْهُ، وَخَرَجَ الْكَثِيرُ الْمُتَغَيِّرُ كَثِيرًا بِمُسْتَغْنًى عَنْهُ غَيْرِ نَحْوِ الْمِلْحِ الْمَائِيِّ، فَإِنَّهُ يُنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ أَيْضًا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ زَالَ هَذَا التَّغَيُّرُ أَيْ بِالطَّاهِرِ فِيمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ عَادَ طَهُورًا، فَهُنَا أَوْلَى، وَخَرَجَ مَا لَوْ وَقَعَتْ قُلَّةٌ مِنْ مَائِعٍ فِي قُلَّتَيْنِ مِنْ مَاءٍ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ حِسًّا وَلَا فَرْضًا، ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُ قُلَّةً فَلِلْبَاقِي حُكْمُ الْقَلِيلِ عَلَى أَقْرَبِ احْتِمَالَيْنِ، وَدَخَلَ مَا لَوْ شَكَّ فِي كَثْرَتِهِ ابْتِدَاءً أَوْ انْتِهَاءً فَلَهُ حُكْمُ الْكَثِيرِ وَلِلرَّغْوَةِ الْمُرْتَفِعَةِ عَلَى الْمَاءِ عِنْدَ الْبَوْلِ فِيهِ حُكْمُ الطَّهَارَةِ،
وَكَذَا لِلْمُتَنَاثِرِ مِنْ الرَّشَّاشِ عِنْدَهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا تَنْجُسُ قُلَّتَا الْمَاءِ) لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ جَامِدَةً فَهَلْ يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْهَا قَدْرَ قُلَّتَيْنِ أَوْ لَا؟ الْجَدِيدُ نَعَمْ، وَالْفَتْوَى عَلَى خِلَافِهِ،
فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْمَاءَ قُلَّتَانِ فَقَطْ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ الِاغْتِرَافُ مِنْهُ، وَعَلَى الثَّانِي يَجُوزُ،
وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي يَنْجُسُ بِالِانْفِصَالِ،
وَقِيلَ لَا، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ.
(فَائِدَةٌ) نَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَصَّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ التَّبَاعُدِ فِي اخْتِلَافٍ فَيَكُونُ الْفَتْوَى عَلَى الْجَدِيدِ الْمُوَافِقِ لِلْقَدِيمِ. قَوْلُ الْمَتْنِ:
(قُلَّتَا الْمَاءِ) أَيْ الطَّهُورِ، فَلَوْ كَانَ مَسْلُوبَ الطَّهُورِيَّةِ لِتَغَيُّرِهِ بِمُخَالِطٍ طَاهِرٍ تَنَجَّسَ بِالْمُلَاقَاةِ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ،
فَلَوْ زَالَ التَّغَيُّرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ عَدَمُ الطَّهُورِيَّةِ، وَمِثْلُ هَذَا لَوْ تَغَيَّرَ الْقَلِيلُ بِمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ ثُمَّ زَالَ التَّغَيُّرُ.
قال: (ولا تنجس قلتا الماء بملاقاة نجس) ؛ لقول صلى الله عليه وسلم:(إذا بلغ الماء قلتين .. لم يحمل الخبث)، قال الحاكم [١/ ١٣٣]: صحيح على شرط الشيخين، ورواه الشافعي [١/ ٧] وأحمد [٢/ ٣٨] وأبو داوود [٦٤] وابن ماجه [٥١٧] وابن حبان [١٤٤٩].
فلو كانت النجاسة مائعة .. فقيل: يجب أن يبقى قدرها.
والأصح: أن له استعمال الجميع كما تقدم في التغير بالطاهر.
فلو كانت النجاسة عينية .. وجب التباعد عنها بمقدار قلتين على الجديد وإن كان ذلك المقدار طاهراً على الأصح.
والقديم - وهو الذي عليه الفتوى -: لا يجب التباعد.
واحترز المصنف بـ (الماء) عن المائعات؛ فإنها تنجس بملاقاة النجاسة وإن بلغت قلالاً؛ لأن صونها بالتغطية ممكن معتاد،
بخلاف المياه الكثيرة.
مهمة:
إذا وقعت في الماء القليل نجاسة وشك: هل هو قلتان أو لا؟ في زوائد (الروضة) المختار بل الصواب: الجزم بطهارته؛ لأنه الأصل وشككنا في نجاسة منجسه،
ولا يلزم من النجاسة التنجيس. أهـ والصواب: أنه إن جمع شيئاً فشيئاً وشك في وصوله قلتين .. فالأصل القلة،
وإن كان كثيراً وأخذ منه ثم شك .. فالأصل بقاء الكثرة.
وإن ورد شخص على ماء يحتمل الكثرة والقلة .. فهذا محل التردد. أهـ
قلت: الصواب ما قاله المصنف، كما لو شك: هل تقدم على الإمام أو تأخر؟ ووجه التفصيل هناك ضعيف، فكذلك هنا.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.