فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٩٢٥زاد المستقنعالحنابلةج ١ ص ٧٢ج ١ ص ٧٢

ويقول إذا زارها أو مر بها: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم.

الشروح عليها

الروض المربعالبهوتي

(و) يسن أن (يقول إذا زارها أو مر بها: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم» للأخبار الواردة بذلك. وقوله: إن شاء الله بكم لاحقون، استثناء للتبرك أو راجع للحوق لا للموت، أو إلى البقاع، ويسمع الميت الكلام ويعرف زائره يوم الجمعة بعد الفجر قبل طلوع الشمس،

٧١٨

وفي " الغنية ": يعرفه كل وقت وهذا الوقت آكد، وتباح زيارة قبر كافر.

حاشية الروض المربعابن قاسم، حاشية على الروض المربع

يسن أن (يقول إذا زارها) أو مر بها أي زار قبور المسلمين قاصدًا ذلك، أو مر بها على طريقه، من غير قصد زيارتها. أو أهل الديار من المؤمنين. فالمتن: لفظ حديث أبي هريرة. ودار منصوب على النداء،

٢٬٦١٩

وقيل: على الاختصاص. وفي المطالع: يجوز جره يعني أهل دار، وعلى البدل.

الله بكم للاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأْخرين أي المتقدمين بالوفاة، والمستأخرين بها، ليعم أولهم وآخرهم، ولفظ مسلم «منا ومنكم» .

المستقدمين منكم والمستأْخرين نسأل الله لنا ولكم العافية من كل مكروه، وعافاه الله معافاة وعفاء وعافية، أو العافية اسم منه وهب له العافين من كل سوء، والحديث في الصحيح من حديث أبي هريرة، ولمسلم من حديث بريدة: كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم «السلام عليكم أهل الديار من المسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» .

أو راجع للحوق لا للموت، أَو إلى البقاع فالأول قاله أكثر العلماء،

٢٬٦٢٠

وقال النووي: هو أصحها، لأن الموت واقع لا محالة، وامتثالاُ لقوله {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ} والثاني ذكره البغوي وغيره،

٢٬٦٢١

والثالث ذكره في الشافي وغيره، والتبرك التّيَمُّنُ والفوز بالبركة، والتبرك به تفاؤل بالبركة منه، واللحوق اللزوم في الإسلام، واللحاق الإدراك، والبقاع والبقعة القطع والقطعة من الأرض في الدفن معهم فيها.

لا للموت، أَو إلى البقاع ويسمع الميت الكلام في الجملة لما في الصحيحين وغيرهما، قال «إنه ليسمع خفق نعالهم»

٢٬٦٢٢

وقال في قتلى بدر «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» وقال «إنهم ليسمعون الآن» وأمر بالسلام على أهل القبور، ولم يكن ليأمر بالسلام على من لا يسمع، وغير ذلك من البراهين الدالة على أن الميت يسمع في الجملة،

٢٬٦٢٣

وقال الشيخ، وابن كثير وغيرهما: سماع الموتى هو الصحيح من كلام أهل العلم، وهذا السمع سمع إدراك، لا يترتب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفي في القرآن،

٢٬٦٢٤

وإن سمع فلا يمكنه إجابة الداعي، ولا ينتفع بالأمر والنهي،

٢٬٦٢٥

ولا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع بحال دون حال، كما يعرض للحي.

وهذا الوقت آكد . وتباح زيارة قبر كافر ولا يسلم عليه، كحال الحياة، ولا يدعو له، لأن الدعاء والاستغفار له منهي عنه،

٢٬٦٢٦

وقال شيخ الإسلام: تجوز زيارته للاعتبار، ولزيارته عليه الصلاة والسلام قبر أمه.

الشرح الممتع على زاد المستقنعابن عثيمين

«ويقول إذا زارها»، «يقولُ» بالضم، والفتح،

٦٬٨١٥

فإن جعلنا الواو للاستئناف فبالضم،

٦٬٨١٦

وإن جعلناها للعطف على «زيارة» فبالفتح؛ لأن المضارع إذا عطف على اسم خالص نصب بأن مضمرة جوازاً.

قال ابن مالك:

وإن على اسم خالص فعل عُطف تنصبه «أن» ثابتاً أو منحذف واستشهدوا لذلك بقوله:

ولُبْس عباءة وتقرَّ عيني أحب إلي من لبس الشفوف تقر: معطوف على «لبس» اسم خالص وهو مصدر.

وَيَقُولُ إِذَا زَارَهَا: .........

٦٬٨١٧

و «يقول» عطف على «زيارة» فعليه يكون المعنى: ويسن أن يقول،

٦٬٨١٨

أما إذا جعلناها بالرفع فإنها مستأنفة، «ويقول: إذا زارها، أو مر بها». «إذا زارها»، أي: قصد زيارتها وخرج إليها، أو مر بها مروراً قاصداً غيرها. «السلام عليكم» السلام: اسم من أسماء الله كما في قوله تعالى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ ، لكنه في التحية لا يراد به اسم الله، وإنما يراد به التسليم، فهو اسم مصدر كالكلام بمعنى التكليم، والمعنى التسليم عليكم، أي: الدعاء بالسلام عليكم.

والسلامة بالنسبة لأهل القبور تكون من العذاب. فقد يكون الإنسان معذباً في قبره،

٦٬٨١٩

ولو عذاباً خفيفاً، فإذا سألت الله له السلامة سلم، ثم أنت تسلم على عموم القبور.

«السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ..........

وقوله: «السلام عليكم»، أتى بكاف الخطاب، فهل الكاف هذه تدل على أنهم يسمعون؛ لأنه لا يخاطب إلا من يسمع ما لم يكن دليل ظاهر على أن المخاطب لا يسمع، وإنما قلت: ما لم يكن دليل ظاهر؛ لئلا يورد علينا مورد قول عمر رضي الله عنه للحجر الأسود:«إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أنني رأيت النبي ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتك»، فهنا خاطبه وهو حجر، لكن أهل القبور هل هم يخاطبون مخاطبة الحجر أو مخاطبة السامع؟.

الجواب: الظاهر الثاني، أي:«مخاطبة السامع».

وقد ذكر ابن القيم في كتاب الروح حديثاً عن النبي ﷺ: «ما مسلم يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام»، وقد صححه ابن عبد البر، وأقره ابن القيم عليه، فلا يبعد أن يكون أهل المقبرة عموماً إذا سُلم عليهم يسمعون، ولا نقيسهم بالحجر الأسود؛ لأن الحجر عندنا دلالة حسية ملموسة أنه لا يسمع وهي أنه حجر، وحتى الحجر فإنه قد يسمع أيضاً. قال الله تعالى عن الأرض عموماً: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا *بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا *﴾ [الزلزلة].

«تحدث أخبارها» أي: ما عمل عليها من خير أو شر، سواء قول مسموع أو فعل مرئي فتحدث به يوم القيامة، والجلود تنطق أنطقها الله الذي أنطق كل شيء، فلا تستبعد هذه الأمور؛ لأن قدرة الله عز وجل لا يمكن أن يدركها العقل.

فلا يبعد أنك إذا قلت لأهل المقبرة:«السلام عليكم دار قوم مؤمنين» أنهم يسمعون. وأما قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ أي موتى القلوب؛ فإن النبي ﷺ لم يكن يخرج لأهل القبور يدعوهم. «دار قوم مؤمنين»، أي: يا دار قوم، والمراد بالدار هنا: أهلها، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ المراد: أهلها. «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»، لاحقون على ماذا؟

الجواب: إذا قلنا: لاحقون بالموت ورد علينا إشكال، وهو تعليق ذلك بمشيئة الله مع أنه محقق، والمحقق لا يحتاج إلى تعليق بالمشيئة، والتعليق بالمشيئة في أمر لا يدرى عنه فيوكل إلى الله عز وجل قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ ، ولم يقل: فإنه لاحقكم؛ لأن اللاحق قد يدرك، وقد لا يدرك، لكن الملاقي مدرك لا محالة.

فقيل في التخلص من هذا الإشكال ما يأتي:

١ ـ أن المراد على الإيمان، فيكون لحوقاً معنوياً لا حسياً، بدليل قوله:«دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». وحينئذٍ فتعليق ذلك بالمشيئة مشروع.

٢ ـ أن المراد اللحاق على أصل الموت، لكن التعليق للتعليل، أي: أن لحوقنا إياكم سيكون بمشيئة الله.

٣ ـ أن التعليق هنا ليس على أصل الموت، ولكن على وقت الموت، كأنه قال: وإنا إذا شاء الله أي: متى ما شاء الله، لحقناكم، أي: سنلحق بكم في الوقت الذي يشاء الله أن نلحق، والتعليق بالمشيئة هنا واضح. والمقصود من هذه الجملة: توطين النفس على ما صار إليه هؤلاء من أجل تحقيق التذكر.

يَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالمُسْتَأْخِرِينَ. نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ». «يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين»، جملة خبرية لفظاً إنشائية معنى، أي: نسأل الله أن يرحم المستقدمين منكم، والمستأخرين. «نسأل الله لنا ولكم العافية»،

٦٬٨٢٠

أما بالنسبة لنا فإنها عافية حسية كعافية البدن، وعافية معنوية من الذنوب والمعاصي.

٦٬٨٢١

أما العافية لأهل القبور فهي: العافية من عذاب القبر. «اللهم لا تحرمنا أجرهم».

أجرنا على الأموات متعدد:

أولاً: الحزن عليهم، فكم من ميت في هذه المقبرة قد حزنت عليه،

٦٬٨٢٢

إما لقرابة، أو لصداقة، أو نفع، أو غير ذلك، ولا شك أن الإنسان إذا أصيب بمصاب وتحمل فله أجر.

ثانياً: أجر الزيارة، أي لا تحرمنا أجر الزيارة لهم؛ لأن زيارتنا لهم سنة أمر بها النبي ﷺ، وفعلها بنفسه، فنحن نفعلها امتثالاً واقتداءً.

امتثالاً لأمره، واقتداء بفعله ﷺ. «ولا تفتنا بعدهم» هذه جملة عظيمة، فتسأل الله ألاَّ يفتنك بعدهم؛ لأن الإنسان قد يفتن بعد موت أقاربه، وأصحابه، ومشايخه، وغير ذلك، فقد يفارقون هذا الرجل مستقيم الحال، ثم يفتن وبالعكس، فتسأل الله ألاَّ يفتنك بعدهم بشبهات تعرض لك، أو بإرادات سيئة، وهي فتنة الشهوات، والإنسان ما دامت روحه في جسده، فهو معرض للفتنة.

يُذكر أن الإمام أحمد رحمه الله، وهو في سياق الموت يغمى عليه ويُسمع يقول: بعد، بعد، فلما أفاق قيل له: يا أبا عبد الله ما بعد، بعد، قال: رأيت الشيطان أمامي يعض على يديه، يقول: فُتَّنِي يا أحمد، أي: عجزت أن أدركك وأغويك، فأقول: بعد بعد. أي: ما دامت الروح في الجسد، فالإنسان على خطر، ويدل لهذا قول النبي ﷺ :«إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيصدق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها».

ولهذا أوصي نفسي وإياكم أن نسأل الله دائماً الثبات على الإيمان وأن تخافوا؛ لأن تحت أرجلكم مزالق،

٦٬٨٢٣

فإذا لم يثبتكم الله عز وجل وقعتم في الهلاك، واسمعوا قول الله سبحانه وتعالى لرسوله ﷺ أثبت الخلق وأقواهم إيماناً: ﴿ولَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً *﴾، أي: تميل ميلاً قليلاً،

٦٬٨٢٥

فإذا كان هذا للرسول ﷺ فما بالنا نحن؛ ضعفاء الإيمان، واليقين، وتعترينا الشبهات، والشهوات؛ فنحن على خطر عظيم. فعلينا أن نسأل الله تعالى الثبات على الحق، وألاَّ يزيغ قلوبنا. وهذا هو دعاء أولي الألباب: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ *﴾ [آل عمران]. «واغفر لنا ولهم» الغفر: هو ستر الذنب مع العفو، والتجاوز عنه، يدل على ذلك الاشتقاق؛ لأنه مشتق من المغفر، وهو ما يوضع على الرأس أثناء القتال؛

لأجل وقاية السهام، فهو ساتر وواقٍ.

وَتُسَنُّ تَعْزِيَةُ المُصَابِ بِالْمَيِّتِ، .........

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.