فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الروض المربعالبهوتي

(ويأثم) من تصدق (بما ينقصها) أي ينقص مؤونة تلزمه،

٨٣٠

وكذا لو أضر بنفسه أو غريمه أو كفيله لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كفي بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» ،

٨٣١

ومن أراد الصدقة بماله كله وله عائلة لهم كفاية أو يكفيهم بمكسبه فله ذلك لقصة الصديق.

٨٣٢

وكذا لو كان وحده ويعلم من نفسه حسن التوكل والصبر على المسألة وإلا حرم. [

حاشية الروض المربعابن قاسم، حاشية على الروض المربع

من تصدق (بما ينقصها) أي ينقص مؤنة تلزمه لتركه الواجب، ولأبي داود عن جابر مرفوعًا «يأتي أحدكم بما يملك، فيقول: هذه صدقة! ثم يقعد يتكفف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» .

عائلة، لهم كفاية، أو يكفيهم بمكسبه، فله ذلك

٣٬٠٥٧

قال في الإنصاف: بلا نزاع. لقوله تعالى {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} وقوله «أفضل الصدقة جهد المقل» رواه أبو داود، وخبر «سبق درهم ألف درهم» لدلالة المقل على الثقة بالله، والزهد في الدنيا، فصدقته أفضل الصدقة.

كفاية، أو يكفيهم بمكسبه، فله ذلك لقصة الصديق وهي أنه جاء بجميع ماله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «ما أبقيت لأهلك؟» فقال: الله ورسوله. وكان تاجرًا، ذا مكسب، وظاهر عبارته الإباحة فقط، وقصة الصديق تقتضي الاستحباب.

والصبر عن المسأَلة، وإلا حرم . كتاب الصيام هو أحد أركان الإسلام، وفرض من فروض الله، المعلوم من الدين بالضرورة، وإجماع المسلمين، بل من العلم العام، الذي توارثته الأمة، خلفًا عن سلف، وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، وأجمعوا على أن من أنكر وجوبه كفر، قال تعالى {كُتِبَ} أي فرض {عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فهو وصلة إلى التقوى، لما فيه من قهر النفس، وترك الشهوات،

٣٬٠٥٨

وقال {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} والأمر للوجوب، لما في من تزكية النفس، وطهارتها، وتنقيتها من الأخلاط الرديئة، والأخلاق الرذيلة.

٣٬٠٥٩

وقال صلى الله عليه وسلم «بني الإسلام على خمس» وذكر منها صوم رمضان، والأحاديث كثيرة في الدلالة على فرضيته وفضله.

الشرح الممتع على زاد المستقنعابن عثيمين

«ويأثم بما ينقصها»«يَنْقُصُهَا» هذا هو الصواب، وقد يقرؤها البعض «يُنْقِصُهُا» من الرباعي، لكنها من الثلاثي، وهي لازمة ومتعدية، بل تتعدى لاثنين، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ فهنا تعدت لاثنين: الكاف، وشيئاً، وتكون لازمة كما لو

٧٬٧٥٠

قلت: نقص المال، ومثلها «زاد» تستعمل متعدية مثل زادني خيراً،

٧٬٧٥١

وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ نصبت مفعولين، ولازمة مثل: زاد المال.

وقوله:«يأثم» أي: المتصدق.

وقوله:«بما» أي: بصدقة تنقص كفايته وكفاية من يمونه.

ووجه ذلك أنه إذا نقص الواجب أثم، كيف يليق بك أن تترك واجباً وتتصدق بتطوع؟ لهذا لا يليق لا شرعاً، ولا عقلاً، ولا عرفاً، فابدأ أولاً بمن تعول.

ثم اعلم أيضاً أن خير صدقة تتصدق بها ما تصدقت به على نفسك وأهلك؛ لأن الصدقة على أهلك أفضل من الصدقة على البعيد، كما جاء في الحديث ،

٧٬٧٥٢

فإذا قمت بالواجب في مؤونة أهلك كنت قائماً بواجب وصدقة، كما ثبت عن النبي ﷺ أن الإنسان إذا أنفق على أهله فهي صدقة بل لو أنفق على نفسه فهي صدقة، وحينئذ نقول: إنك في الواقع لم تخرج عن مسمى المتصدق إذا أنفقت على أهلك ونفسك؛ لأن النبي ﷺ جعل الإنفاق على الأهل من الصدقة، بل الإنفاق على الأهل واجب تثاب عليه أكثر من الثواب على الصدقة على بعيد.

وقوله:«بما ينقُصُها».

إن قال قائل: كيف تؤثمون من ينقصها، وقد أقر النبي ﷺ أبا بكر رضي الله عنه حينما تصدق بجميع ماله ؟ وكيف تؤثمونه، والله تعالى امتدح الذين يؤثرون على أنفسهم،

٧٬٧٥٣

ولو كان بهم خصاصة؟ وكيف تقولون ذلك وقد قال النبي ﷺ للأنصاري الذي قدم الضيف على نفسه وأهله قال:«إن الله عجب من صنيعكما بضيفكما البارحة» والقصة مشهورة؟

فهذه الأدلة وغيرها تدل على أنه لا يأثم الإنسان بما ينقص مؤونة نفسه وعياله.

فالجواب على ذلك أن يقال: إذا كان الإنسان قد عرف من نفسه الصبر والتوكل، وعنده ما يستطيع أن يُحَصِّلَ به، فهذا لا حرج عليه إذا تصدق بما ينقص مؤونته،

٧٬٧٥٤

أما إذا كان لا يعرف من نفسه الصبر والتوكل، وإخلاف ما أنفق،

٧٬٧٥٥

فإن الأمر كما قال المؤلف.

٧٬٧٥٦

فإذا فرضنا أنه إذا تصدق بما ينقص مؤونته خرج يتكفف الناس، فهذا لا يجوز، لكن إذا علم أنه إذا تصدق بما ينقص مؤونة أهله خرج يشتغل ويبيع ويشتري، كما كان أبو بكر رضي الله عنه يفعل،

٧٬٧٥٧

فإن ذلك لا بأس به.

٧٬٧٥٨

أما قصة الضيف فقد يقال: إن أهل الأنصاري رضوا بذلك وصبروا، وإكرام الضيف ليس تطوعاً، بل هو واجب فيدخل في الواجب.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أي: مما أوتي المهاجرون.

فالمهاجرون آتاهم الله فضلاً على الأنصار، فهم لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا فيحسدونهم.

فقوله: ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ الضمير يعود على الأنصار.

وقوله: ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ الضمير يعود على المهاجرين.

(تم كتاب الزكاة والحمد لله) رسالة في زكاة الحلي الحمد لله رب العالمين نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا،

٧٬٧٦٠

ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له،

٧٬٧٦١

ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

٧٬٧٦٢

أما بعد:

فهذه رسالة في بيان حكم زكاة الحلي المباح، ذكرت فيها ما بلغه علمي من الخلاف

٧٬٧٦٣

والراجح من الأقوال وأدلة الترجيح، فأقول وبالله التوفيق والثقة، وعليه التكلال،

وهو المستعان:

لقد اختلف أهل العلم رحمهم الله في وجوب الزكاة في الحلي المباح على خمسة أقوال:

أحدها: لا زكاة فيه، وهو المشهور من مذاهب الأئمة الثلاثة، مالك والشافعي وأحمد، إلا إذا أعد للنفقة،

٧٬٧٦٤

وإن أعد للأجرة ففيه الزكاة عند أصحاب أحمد، ولا زكاة فيه عند أصحاب مالك والشافعي وقد ذكرنا أدلة هذا القول إيراداً على القائلين بالوجوب وأجبنا عنها.

الثاني: فيه الزكاة سنة واحدة، وهو مروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

الثالث: زكاته عاريته، وهو مروي عن أسماء، وأنس بن مالك أيضاً رضي الله عنهما.

الرابع: أنه يجب فيه إما الزكاة

٧٬٧٦٥

وإما العارية، ورجحه ابن القيم رحمه الله في الطرق الحكمية.

الخامس: وجوب الزكاة فيه إذا بلغ نصاباً كل عام، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وأحد القولين في مذهب الشافعي، وهذا هو القول الراجح لدلالة الكتاب والسنة والآثار عليه،

والمراد بكنز الذهب والفضة، عدم إخراج ما يجب فيهما من زكاة وغيرها من الحقوق، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما :«كل ما أديت زكاته، وإن كان تحت سبع أرضين فليس بكنز، وكل ما لا تؤدي زكاته فهو كنز، وإن كان ظاهراً على وجه الأرض».

قال ابن كثير رحمه الله : وقد روي هذا عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً اهـ.

والآية عامة في جميع الذهب والفضة ولم تخصص شيئاً دون شيء فمن ادعى خروج الحلي المباح من هذا العموم فعليه الدليل.

٧٬٧٦٧

وأما السنة فمن أدلتها:

١ ـ ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال:«ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره» الحديث.

والمتحلي بالذهب والفضة صاحب ذهب وفضة، ولا دليل على إخراجه من العموم، وحق الذهب والفضة من أعظمه وأوجبه الزكاة قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : الزكاة حق المال.

٢ ـ ما رواه الترمذي والنسائي وأبو داود واللفظ له قال: حدثنا أبو كامل، وحميد بن مسعدة، المعنى أن خالد بن الحارث حدثهم، حدثنا حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها،

٧٬٧٦٨

وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها:«أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار، قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ورسوله»

٧٬٧٦٩

قال في بلوغ المرام: وإسناده قوي ، وقد رواه الترمذي من طريق ابن لهيعة، والمثنى بن الصباح، ثم قال:«إنهما يضعفان في الحديث ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء»، لكن قد رد قول الترمذي هذا برواية أبي داود لهذا الحديث من طريق حسين المعلم، وهو ثقة احتج به صاحبا الصحيح، البخاري ومسلم، وقد وافقه الحجاج بن أرطاة، وقد وثقه بعضهم، وروى نحوه أحمد عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها بإسناد حسن.

٣ ـ ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن إدريس الرازي، حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن أبي جعفر أن محمد بن عمرو بن عطاء، أخبره عن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال: دخلنا على عائشة رضي الله عنها فقالت: «دخل عليّ رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، فقال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا أو ما شاء الله، قال: هو حسبك من النار» قيل لسفيان: كيف تزكيه؟

قال: تضمه إلى غيره .

وهذا الحديث أخرجه أيضاً الحاكم والبيهقي والدارقطني،

٧٬٧٧٠

وقال في التلخيص: «إسناده على شرط الصحيح، وصححه الحاكم وقال: إنه على شرط الشيخين يعني البخاري ومسلماً، وقال ابن دقيق: إنه على شرط مسلم» .

٤ ـ ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا عتاب يعني ابن بشير عن ثابت بن عجلان عن عطاء عن أم سلمة رضي الله عنها قالت:«كنت ألبس أوضاحاً من ذهب فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز» وأخرجه أيضاً البيهقي والدارقطني والحاكم، وقال:«صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه» وصححه أيضاً الذهبي،

٧٬٧٧١

وقال البيهقي: تفرد به ابن عجلان،

٧٬٧٧٢

قال في التنقيح:«وهذا لا يضر فإن ثابت بن عجلان روى له البخاري، ووثقه ابن معين والنسائي، وقول عبد الحق فيه: لا يحتج بحديثه، قول لم يقله غيره، قال ابن دقيق: وقول العقيلي في ثابت بن عجلان: لا يتابع على حديثه، تحامل منه» اهـ.

٧٬٧٧٣

فإن قيل: لعل هذا حين كان التحلي ممنوعاً، كما قاله مسقطو الزكاة في الحلي.

فالجواب: أن هذا لا يستقيم فإن النبي ﷺ لم يمنع من التحلي به، بل أقره مع الوعيد على ترك الزكاة،

٧٬٧٧٤

ولو كان التحلي ممنوعاً لأمر بخلعه وتوعد على لبسه ،

تعليق

ثم إن النسخ يحتاج إلى معرفة التاريخ، ولا يثبت ذلك بالاحتمال ، ثم لو فرضنا أنه كان حين التحريم فإن الأحاديث المذكورة تدل على الجواز بشرط إخراج الزكاة، ولا دليل على ارتفاع هذا الشرط، وإباحته إباحة مطلقة.

٧٬٧٧٥

فإن قيل: ما الجواب عما احتج به من لا يرى الزكاة في الحلي وهو ما رواه ابن الجوزي بسنده في «التحقيق» عن عافية بن أيوب عن الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ليس في الحلي زكاة» ورواه البيهقي في معرفة السنن والآثار ؟

قيل: الجواب على هذا من ثلاثة أوجه:

الأول: أن البيهقي قال فيه: إنه باطل لا أصل له، وإنما يروى عن جابر من قوله، وعافية بن أيوب مجهول،

٧٬٧٧٦

فمن احتج به كان مغرراً بدينه. اهـ.

الثاني: أننا إذا فرضنا توثيق عافية كما نقله ابن أبي حاتم عن أبي زرعة فإنه لا يعارض أحاديث الوجوب، ولا يقابل بها لصحتها ونهاية ضعفه.

الثالث: أننا إذا فرضنا أنه مساوٍ لها، ويمكن معارضتها به فإن الأخذ بها أحوط، وما كان أحوط فهو أولى بالاتباع؛

٧٬٧٧٧

لقول النبي ﷺ :«دع ما يَريبك إلى ما لا يَرِيبك» وقوله: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه».

٧٬٧٧٨

وأما الآثار فمنها:

١ ـ عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه«أنه كتب إلى أبي موسى رضي الله عنه أن مُرْ من قِبَلَكَ من نساء المسلمين أن يَصَّدّقن من حُلِيِّهن».

قال ابن حجر في التلخيص:«أخرجه ابن أبي شيبة، والبيهقي من طريق شعيب بن يسار … وهو مرسل قاله البخاري. وقد أنكر ذلك الحسن فيما رواه ابن أبي شيبة عنه قال: لا نعلم أحداً من الخلفاء قال: في الحلي زكاة» اهـ. لكن ذكره مروياً عن عمر رضي الله عنه صاحب المغني، والمحلى، والخطابي.

٢ ـ عن ابن مسعود رضي الله عنه :«أن امرأة سألته عن حلي لها؟ فقال: إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة» رواه الطبراني والبيهقي ورواه الدارقطني من حديثه مرفوعاً،

٧٬٧٧٩

وقال: هذا وهم، والصواب عن إبراهيم عن عبد الله مرسل موقوف .

٣ ـ عن ابن عباس رضي الله عنهما حكاه عنه ابن المنذر والبيهقي، قال الشافعي:«لا أدري يثبت عنه أم لا».

٤ ـ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما«أنه كان يأمر بالزكاة في حلي بناته ونسائه» ذكره عنه في المحلى من طريق جرير بن حازم عن عمرو بن شعيب عن أبيه.

٥ ـ عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:«لا بأس بلبس الحلي إذا أعطي زكاته» رواه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها لكن روى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها«أنها كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي، فلا تخرج من حليهن الزكاة» قال ابن حجر في التلخيص: يمكن الجمع بينهما بأنها كانت ترى الزكاة فيها ولا ترى إخراج الزكاة مطلقاً عن مال الأيتام.

اهـ، لكن يرد على جمعه هذا ما رواه مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: «كانت عائشة تليني أنا وخالي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة» قال بعضهم: ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنها لا ترى إخراج الزكاة عن أموال اليتامى واجباً فتخرج تارة، ولا تخرج أخرى كذا قال.

وأحسن منه أن يجاب بوجه آخر وهو أن عدم إخراجها فعل والفعل لا عموم له، فقد يكون لأسباب ترى أنها مانعة من وجوب الزكاة، فلا يعارض القول، والله أعلم .

٧٬٧٨٠

فإن قيل: ما الجواب عما استدل به مسقطو الزكاة فيما نقله الأثرم قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: «خمسة من الصحابة كانوا لا يرون في الحلي زكاة أنس بن مالك، وجابر، وابن عمر، وعائشة، وأسماء رضي الله عنهم ».

فالجواب: أن بعض هؤلاء روي عنهم الوجوب وإذا فرضنا أن لجميعهم قولاً واحداً، أو أن المتأخر عنهم هو القول بعدم الوجوب، فقد خالفهم من خالفهم من الصحابة، وعند التنازع يجب الرجوع إلى الكتاب والسنة، وقد جاء فيهما ما يدل على الوجوب كما سبق.

٧٬٧٨١

فإن قيل: قد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «تصدقن يا معشر النساء، ولو من حليكن» وهذا دليل على عدم وجوب الزكاة في الحلي إذ لو كانت واجبة في الحلي لما جعله النبي ﷺ مضرباً لصدقة التطوع.

فالجواب على هذا: أن الأمر بالصدقة من الحلي ليس فيه إثبات وجوب الزكاة فيه ولا نفيه عنه، وإنما فيه الأمر بالصدقة حتى من حاجيات الإنسان، ونظير هذا أن يقال: تصدق ولو من دراهم نفقتك ونفقة عيالك،

٧٬٧٨٢

فإن هذا لا يدل على انتفاء وجوب الزكاة في هذه الدراهم .

٧٬٧٨٣

فإن قيل: إن في لفظ الحديث: «وفي الرقة في مائتي درهم ربع العشر» وفي حديث علي رضي الله عنه: «وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون ديناراً» والرقة «هي الفضة المضروبة سِكَّة، وكذلك الدينار هو السِّكَّة»، وهذا دليل على اختصاص وجوب الزكاة بما كان كذلك والحلي ليس منه.

فالجواب من وجهين:

أحدهما: أن الذين لا يوجبون زكاة الحلي، ويستدلون بمثل هذا اللفظ لا يخصون وجوب الزكاة بالمضروب من الذهب والفضة، بل يوجبونها في التبر ونحوه وإن لم يكن مضروباً، وهذا تناقض منهم وتحكم، حيث أدخلوا فيه ما لا يشمله اللفظ على زعمهم، وأخرجوا منه نظير ما أدخلوه من حيث دلالة اللفظ عليه، أو عدمها. الثاني: أننا إذا سلمنا اختصاص الرقة والدينار بالمضروب من الفضة والذهب،

٧٬٧٨٤

فإن الحديث يدل على ذكر بعض أفراد وأنواع العام بحكم لا يخالف حكم العام، وهذا لا يدل على التخصيص كما إذا

٧٬٧٨٥

قلت: أكرم العلماء، ثم قلت: أكرم زيداً، وكان من جملة العلماء، فإنه لا يدل على اختصاصه بالإكرام، فالنصوص جاء بعضها عاماً في وجوب زكاة الذهب والفضة، وبعضها جاء بلفظ الرقة والدينار، وهو بعض أفراد العام، فلا يدل ذلك على التخصيص .

٧٬٧٨٦

فإن قيل: ما الفرق بين الحلي المباح وبين الثياب المباحة إذا قلنا: بوجوب الزكاة في الأول دون الثاني؟

فالجواب: أن الشارع فرق بينهما حيث أوجبها في الذهب والفضة من غير استثناء، بل وردت نصوص خاصة في وجوبها في الحلي المباح المستعمل كما سبق،

٧٬٧٨٧

وأما الثياب فهي بمنزلة الفرس، وعبد الخدمة اللذين قال فيهما رسول الله ﷺ :«ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» فإذا كانت الثياب للبس، فلا زكاة فيها وإن كانت للتجارة ففيها زكاة التجارة .

٧٬٧٨٨

فإن قيل: هل يصح قياس الحلي المباح المعد للاستعمال على الثياب المباحة المعدة للاستعمال، كما قاله من لا يوجبون الزكاة في الحلي؟

فالجواب: لا يصح القياس لوجوه:

الأول: أنه قياس في مقابلة النص، وكل قياس في مقابلة النص فهو قياس فاسد ؛ وذلك لأنه يقتضي إبطال العمل بالنص؛ ولأن النص إذا فرق بين شيئين في الحكم، فهو دليل على أن بينهما من الفوارق ما يمنع إلحاق أحدهما بالآخر، ويوجب افتراقهما، سواء علمنا تلك الفوارق أم جهلناها،

٧٬٧٨٩

ومن ظن افتراق ما جمع الشارع بينهما أو اجتماع ما فرق الشارع بينهما فظنه خطأ بلا شك،

٧٬٧٩٠

فإن الشرع نزل من لدن حكيم خبير.

الثاني: أن الثياب لم تجب الزكاة فيها أصلاً، فلم تكن الزكاة فيها واجبة أو ساقطة بحسب القصد، وإنما الحكم فيها واحد، وهو عدم وجوب الزكاة، فكان مقتضى القياس أن يكون حكم الحلي واحداً وهو وجوب الزكاة، سواء أعدّه للبس أو لغيره، كما أن الثياب حكمها واحد لا زكاة فيها، سواء أعدها للبس أو لغيره، ولا يرد على ذلك وجوب الزكاة فيها إذا كانت عروضاً؛ لأن الزكاة حينئذ في قيمتها.

الثالث: أن يقال: ما هو القياس الذي يراد الجمع به بين الحلي المعد للاستعمال والثياب المعدة له أهو قياس التسوية أم قياس العكس؟

٧٬٧٩١

فإن قيل: هو قياس التسوية.

قيل: هذا إنما يصح لو كانت الثياب تجب فيها الزكاة قبل إعدادها للبس والاستعمال، ثم سقطت الزكاة بعد إعدادها ليتساوى الفرع والأصل في الحكم،

٧٬٧٩٢

وإن قيل: هو قياس العكس قيل: هذا إنما يصح لو كانت الثياب لا تجب فيها الزكاة إذا لم تعد للبس، وتجب فيها إذا أعدت للبس،

٧٬٧٩٣

فإن هذا هو عكس الحكم في الحلي عند المفرقين بين الحلي المعد للبس وغيره . الرابع: أن الثياب والحلي افترقت عند مسقطي الزكاة في الحلي،

في كثير من المسائل فمن الفروق بينهما:

١ ـ إذا أعد الحلي للنفقة، وأعد الثياب للنفقة بمعنى أنه إذا احتاج للنفقة باع منهما، واشترى نفقة، قالوا: في هذه الحال تجب الزكاة في الحلي ولا تجب في الثياب،

٧٬٧٩٤

ومن الغريب أن يقال: امرأة غنية يأتيها المال من كل مكان، وكلما ذكر لها حلي معتاد اللبس اشترته برفيع الأثمان للتحلي به غير فرار من الزكاة،

تعليق

ولما افتقرت هذه المرأة نفسها أبقت حليها للنفقة وضرورة العيش، فقلنا لها: في الحال الأولى لا زكاة عليك في هذا الحلي، وقلنا لها: في الحال الأخيرة عليك زكاة فيه، وهذا هو مقتضى قول مسقطي الزكاة في الحلي المباح . ٢ ـ أن الحنابلة قالوا: إنه إذا أعد الحلي للكراء وجبت فيه الزكاة،

٧٬٧٩٥

وإذا أعدت الثياب للكراء لم تجب الزكاة فيها .

٣ ـ أنه إذا كان الحلي محرماً وجبت الزكاة فيه،

٧٬٧٩٦

وإذا كانت الثياب محرمة لم تجب الزكاة فيها .

٤ ـ لو كان عنده حلي للقنية ثم نواه للتجارة صار للتجارة،

٧٬٧٩٧

ولو كان عنده ثياب للقنية ثم نواها للتجارة لم تصر للتجارة. عللوا ذلك: بأن الأصل في الحلي الزكاة فقويت النية بذلك،

٧٬٧٩٨

بخلاف الثياب، وهذا اعتراف منهم بأن الأصل في الحلي، وجوب الزكاة، فنقول لهم: وما الذي هدم هذا الأصل بدون دليل؟!

٥ ـ قالوا: لو نوى الفرار من الزكاة باتخاذ الحلي لم تسقط الزكاة، وظاهر كلام أكثر أصحاب الإمام أحمد، أنه لو أكثر من شراء العقار، فراراً من الزكاة سقطت الزكاة، وقياس ذلك لو أكثر من شراء الثياب فراراً من الزكاة سقطت الزكاة؛ إذ لا فرق بين الثياب والعقار،

٧٬٧٩٩

فإذا كان الحلي المباح مفارقاً للثياب المعدة للبس في هذه الأحكام، فكيف نوجب أو نجوز إلحاقه بها في حكمٍ دلَّ النص على افتراقهما فيه ؟

إذا تبين ذلك فإن الزكاة لا تجب في الحلي حتى يبلغ نصاباً لحديث أم سلمة رضي الله عنها السابق:«ما بلغ أن تؤدى زكاته فزُكِيَ فليس بكنز» فنصاب الذهب عشرون ديناراً ونصاب الفضة مائتا درهم.

٧٬٨٠٠

فإذا كان حلي الذهب ينقص وزن ذهبه عن عشرين ديناراً، وليس عند صاحبه من الذهب ما يكمل به النصاب فلا زكاة فيه.

٧٬٨٠١

وإذا كان حلي الفضة ينقص وزن فضته عن مائتي درهم، وليس عند صاحبه من الفضة ما يكمل به النصاب فلا زكاة فيه. والمعتبر وزن ما في الحلي من الذهب أو الفضة،

٧٬٨٠٢

وأما ما يكون فيه من اللؤلؤ ونحوه، فإنه لا يحتسب به في تكميل النصاب، ولا يزكى ما فيه من اللؤلؤ ونحوه؛ لأنه ليس من الذهب والفضة، والحلي من غير الذهب والفضة لا زكاة فيه إلا أن يكون للتجارة.

لكن هل المعتبر في نصاب الذهب الدينار الإسلامي الذي زنته مثقال،

٧٬٨٠٣

وفي نصاب الفضة الدرهم الإسلامي الذي زنته سبعة أعشار المثقال، أو المعتبر الدينار والدرهم عرفاً في كل زمان ومكان بحسبه سواء قل ما فيه من الذهب والفضة أم كثر ؟

الجمهور على الأول، وحكي إجماعاً.

وحقق شيخ الإسلام ابن تيمية الثاني، أي: أن المعتبر الدينار والدرهم المصطلح عليه في كل زمان ومكان بحسبه، فما سمي ديناراً أو درهماً ثبتت له الأحكام المعلقة على اسم الدينار والدرهم، سواء قل ما فيه من الذهب والفضة أم كثر وهذا هو الراجح عندي؛ لموافقته ظاهر النصوص، وعلى هذا فيكون نصاب الذهب عشرين جنيهاً ونصاب الفضة مائتي ريال،

٧٬٨٠٤

وإن احتاط المرء، وعمل بقول الجمهور فقد فعل ما يثاب عليه إن شاء الله .

٧٬٨٠٥

فإذا بلغ الحلي نصاباً خالصاً عشرين ديناراً إن كان ذهباً، ومائتي درهم إن كان فضة ففيه ربع العشر؛ لحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:«إذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء ـ يعني في الذهب ـ حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كانت لك عشرون ديناراً، وحال عليها الحول ففيها نصف دينار» رواه أبو داود .

وبعد: فإن على العبد أن يتقي الله ما استطاع، ويعمل جهده في تحري معرفة الحق في الكتاب والسنة،

٧٬٨٠٦

فإذا ظهر له الحق منهما وجب عليه العمل به، وألاَّ يقدم عليهما قول أحد من الناس كائناً من كان، ولا قياساً من الأقيسة، أي قياس كان، وعند التنازع يجب الرجوع إلى الكتاب والسنة، فإنهما الصراط المستقيم، والميزان العدل القويم،

٧٬٨٠٧

فأقسم الله تعالى بربوبيته لرسوله ﷺ التي هي أخص ربوبية قسماً مؤكداً على أنه لا إيمان إلاّ بأن نحكم النبي ﷺ في كل نزاع بيننا، وألاّ يكون في نفوسنا حرج وضيق مما قضى به رسول الله ﷺ،

٧٬٨٠٩

وأن نسلم لذلك تسليماً تاماً بالانقياد الكامل والتنفيذ، وتأمل كيف أكد التسليم بالمصدر، فإنه يدل على أنه لا بد من تسليم تام، لا انحراف فيه، ولا توانيَ.

وتأمل أيضاً المناسبة بين المقسم به والمقسم عليه، فالمقسم به ربوبية الله لنبيه ﷺ، والمقسم عليه هو عدم الإيمان إلا بتحكيم النبي ﷺ تحكيماً تاماً، يستلزم الانشراح والانقياد والقبول،

٧٬٨١٠

فإن ربوبية الله لرسوله تقتضي أن يكون ما حكم به مطابقاً لما أذن به ربه ورضيه،

٧٬٨١١

فإن مقتضى الربوبية الخاصة بالرسالة ألا يقره على خطأ لا يرضاه له،

٧٬٨١٢

وإذا لم يظهر له الحق من الكتاب والسنة وجب عليه أن يأخذ بقول من يغلب على ظنه أنه أقرب إلى الحق بما معه من العلم والدين فإن النبي ﷺ يقول:«عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» وأحق الناس بهذا الوصف الخلفاء الأربعة أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ فإنهم خلفوا النبي ﷺ في أمته في العلم والعمل والسياسة والمنهج، جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين أفضل الجزاء.

ونسأل الله تعالى أن يهدينا صراطه المستقيم،

٧٬٨١٣

وأن يجعلنا ممن رأى الحق حقاً فاتبعه، ورأى الباطل باطلاً فاجتنبه، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.

حرره كاتبه الفقير إلى الله محمد الصالح العثيمين وذلك في ١٢ من صفر سنة ١٣٨٢ والحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات صفحة فارغة كِتَابُ الصِّيَامِ «

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.