وإن جامع دون الفرج فأنزل أو كانت المرأة معذورة أو جامع من كان نوى الصوم في سفره أفطر ولا كفارة.
الشروح عليها
(وإن جامع دون الفرج) ولو عمدا (فأنزل) منيا أو مذيا (أو كانت المرأة) المجامعة (معذورة) بجهل أو نسيان أو إكراه فالقضاء ولا كفارة،
وإن طاوعت عامدة عالمة فالكفارة أيضا، (أو جامع من نوى الصوم في سفره) المباح فيه القصر أو في مرض يبيح الفطر (أفطر ولا كفارة) لأنه صوم لا يلزمه المضي فيه أشبه التطوع؛ ولأنه يفطر بنية الفطر فيقع الجماع بعده.
دون الفرج) ولو عمدًا (فأَنزل) منيًا أَو مذيًا فالقضاء، ولا كفارة، اختاره وصححه غير واحد، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، لأن قوة النص تقتضي أنه جامع في الفرج وكنى عن ذلك بالمواقعة، والأصل براءة الذمة من الكفارة،
وأما القضاء فيجب، باتفاق الأئمة، حكاه الوزير وغيره،
وإن لم ينزل فلا قضاء، ولا كفارة عليه، إذ مع عدم الإنزال ضعف اعتباره، فصار بمنزلة اللمس ونحوه،
وإن وطئ بهيمة في الفرج أفطر، لأنه وطء في فرج، أشبه وطء الآدمية في فرجها، ولم يقيده الموفق بالإنزال، لإقامة المظنة مقام الحقيقة، واختار أنه لا كفارة عليه.
بجهل، أَو نسيان، أَو إكراه، فالقضاءُ، ولا كفارة وفاقًا لأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، في أحد قوليه، واختاره الموفق، والمجد، وجماعة، واستظهره في الفروع، وصححه في تصحيحها،
قال في المبدع: لأنها معذورة.
قال في الشرح: وعليها القضاء، بغير خلاف نعلمه. وهذه الشروط، معتبرة في وجوب الكفارة،
فإن كانت جاهلة، أو ناسية، أو مكرهة، أو نائمة، فلا كفارة، حكاه الوزير وغيره اتفاقًا، إلا في إحدى الروايتين عن أحمد، وذكر أن الرواية الأخرى عنه، في إسقاط الكفارة أصح وأظهر، والفرق بينها وبين الرجل في الإكراه، أن الرجل له نوع اختيار، يدل على الرغبة، بخلافها
فأما النسيان فإن جهة الرجل في المجامعة لا تكون إلا منه غالبًا،
بخلاف المرأة، فكان الزجر في حقه أقوى، فوجبت عليه في حالة النسيان دونها، وتقدم.
كفارة . وإن طاوعت عامدة عالمة فالكفارة أيضًا وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحد القولين للشافعي، لأنها هتكت حرمة صوم رمضان، بالجماع مطاوعة، فهي كالرجل، ولأن تمكينها كفعله في حد الزنا، ففي الكفارة أولى،
وعنه: لا كفارة عليها، لأن الشارع لم يأمرها بها، واتفقوا على أن عليها القضاء، وتدفعه إذا أكرهها، بالأسهل،
وإن أدى إلى قتله، ولو طاوعته أمته كفرت بالصوم،
ولو استدخلت ذكر نائم، أو صبي، أو مجنون، بطل صومها، ووجب عليها القضاء والكفارة.
من نوى الصوم في سفره) المباح فيه القصر فله الفطر، لفعله صلى الله عليه وسلم، ولا كفارة عليه،
وقال الوزير: أجمعوا أنه إذا أفطر في السفر يباح له الجماع،
وإذا صام وجامع، فقال أبو حنيفة والشافعي: لا كفارة عليه. وعن مالك وأحمد روايتان، لكن ينبغي أن يفطر بنية الفطر، فيقع الجماع بعده.
«وإن جامع دون الفرج فأنزل، أو كانت المرأة معذورة»
هاتان مسألتان:
الأولى: إذا جامع دون الفرج فأنزل، فقد ذكر المؤلف أن عليه القضاء دون الكفارة، لأنه أفسد صومه بغير الجماع، ومثاله أن يجامع بين فخذي امرأته وينزل، وعن أحمد رواية أنه تلزمه الكفارة؛ لأن الإنزال موجب للغسل فكان موجباً للكفارة كالجماع، ولكن هذا القياس فيه نظر؛ لأن الإنزال دون الجماع وإن كان موجباً للغسل
فلو أن إنساناً تمتع بامرأة حتى أنزل فإنه لا يقام عليه الحد ولو جامعها أقيم عليه الحد،
ولو أن إنساناً باشر امرأة حتى أنزل، في الحج لم يفسد حجه
بخلاف الجماع، ولو أنه فعل ذلك في الحج فأنزل لم يكن عليه بدنة على القول الراجح؛ لأنه دون الجماع فالإنزال دون الجماع بالاتفاق فلا يمكن أن يلحق به؛ لأن من شرط القياس مساواة الفرع للأصل،
فإذا لم يساوه امتنع القياس، فالمذهب هو الصحيح في هذه المسألة.
الثانية: إذا كانت المرأة معذورة بجهل، أو نسيان، أو إكراه؛
فإن عليها القضاء دون الكفارة وسيأتي الكلام عليها.
وعُلم من قوله:«أو كانت المرأة معذورة» أنه لو كانت مطاوعة فعليها القضاء والكفارة كالرجل.
فإن قال قائل: ما الدليل على وجوب الكفارة بالجماع؟
فالجواب: حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين «أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: هلكت، قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم، فسأله النبي ﷺ هل تجد رقبة؟ فقال: لا، قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: هل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا، ثم جلس الرجل، فجيئ إلى النبي ﷺ بتمر فقال: خذ هذا تصدق به، قال: أعلى أفقر مني يا رسول الله، والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني، فضحك النبي ﷺ ثم قال: «أطعمه أهلك» فرجع إلى أهله بتمر.
فإن قال قائل: ما الدليل على وجوب الكفارة على المرأة، والنبي ﷺ لم يذكر في هذا الحديث أن على المرأة كفارة، مع أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يمكن، أي لا يمكن أن يؤخر النبي ﷺ بيان الحكم مع دعاء الحاجة إليه؟
فالجواب: أن هذا الرجل استفتى عن فعل نفسه، والمرأة لم تستفت، وحالها تحتمل أن تكون معذورة بجهل أو إكراه، وتحتمل أن تكون غير معذورة، فلما لم تأت وتستفت سكت عنها النبي ﷺ ولم يذكر أن عليها كفارة، والفتوى لا يشترطُ فيها البحث عن حال الشخص الآخر، ولهذا لما جاءت امرأة أبي سفيان للنبي ﷺ تشتكيه بأنه لا ينفق لم يطلب أبا سفيان ليسأله، بل أذن لها أن تأخذ من ماله ما يكفيها ويكفي ولدها .
فإذا قال قائل: ما الدليل على الوجوب عليها؟ أليس الأصل براءة الذمة؟
فالجواب: الدليل على ذلك أن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام إلا بدليل، ولهذا لو أن رجلاً قذف رجلاً بالزنى لجلد ثمانين جلدة إذا لم يأت بالشهود، مع أن الآية في النساء ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ .
فالمرأة مسكوت عنها فهي قضية عين لا يمكن أن تستدل بها على انتفاء الوجوب في حق المرأة، ولا على الوجوب ولكن القياس يقتضي أن تكون مثله، فإذا كان الفعل واحداً وكان موجباً لحد الزنى على المرأة، والحد كفارة للزاني فإنه يلزم أن يكون موجباً للكفارة هنا، كما يجب على الزوج وهذا هو الأقرب من أقوال أهل العلم، وبعض العلماء يقول لا كفارة عليها للسكوت عنها في الحديث، وبعضهم يقول: إذا أكرهت فكفارتها على الزوج لأنه هو الذي أكرهها، ولكن الصواب أنها إذا أكرهت لا شيء عليها.
فإذا قال قائل: ظاهر كلام المؤلف أنه لو كان الرجل هو المعذور بجهل أو نسيان فإنّ الكفارة لا تسقط عنه؟
قلنا: نعم هذا ظاهر قوله؛ لقوله:«أو كانت المرأة معذورة» ففهم منه أنه لو كان الرجل هو المعذور فإنّ الكفارة لا تسقط عنه، وهذا المشهور من المذهب. والصحيح أن الرجل إذا كان معذوراً بجهل، أو نسيان، أو إكراه، فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة، وأن المرأة كذلك إذا كانت معذورة بجهل أو نسيان أو إكراه، فليس عليها قضاء ولا كفارة.
والمذهب أن عليها القضاء، وليس عليها الكفارة، وهذا من غرائب العلم أن تعذر في أحد الواجبين دون الآخر؛ لأن مقتضى العذر أن يكون مؤثراً فيهما جميعاً، أو غير مؤثر فيهما جميعاً وقد علمت الصحيح في ذلك.
مسألة مهمة: وهي: أن الفقهاء رحمهم الله، قالوا: لا يمكن الإكراه على الجماع من الرجل، أي: لا يمكن أن يكره الرجل على الجماع؛ لأن الجماع لا بد فيه من انتشار وانتصاب للذكر، والمكره لا يمكن أن يكون منه ذلك.
فيقال: هذا غير صحيح؛ لأن الإنسان إذا هُدد بالقتل أو بالحبس أو ما أشبه ذلك، ثم دنا من المرأة فلا يسلم من الانتشار، وكونهم يقولون هذا غير ممكن نقول: بل هذا ممكن.
فإن قال قائل: الرجل الذي جاء إلى الرسول ﷺ أليس جاهلاً؟
فالجواب: هو جاهل لما يجب عليه، وليس جاهلاً أنه حرام، ولهذا يقول «هلكت»، ونحن إذا قلنا إن الجهل عذر، فليس مرادنا أن الجهل بما يترتب على هذا الفعل المحرم، ولكن مرادنا الجهل بهذا الفعل، هل هو حرام أو ليس بحرام، ولهذا لو أن أحداً زنى جاهلاً بالتحريم، وهو ممن عاش في غير البلاد الإسلامية، بأن يكون حديث عهد بالإسلام، أو عاش في بادية بعيدة لا يعلمون أن الزنى محرّم فزنى فإنه لا حدّ عليه، لكن لو كان يعلم أنّ الزنى حرام، ولا يعلم أن حده الرجم، أو أن حده الجلد والتغريب، فإنه يحد لأنه انتهك الحرمة، فالجهل بما يترتب على الفعل المحرم ليس بعذر، والجهل بالفعل هل هو حرام أو ليس بحرام، هذا عذر. «أو جامع من نوى الصوم في سفره أفطر ولا كفارة» قوله: «من نوى الصوم في سفره» أي كان صائماً في سفره أفطر أي: فسد صومه بجماعه.
مثاله: إنسان مسافر سفراً يبيح الفطر فصام، ثم في أثناء النهار جامع زوجته، فهذا يُفطر لأنه جامع، والجماع من المفطرات وليس عليه كفارة؛ لأنه لم ينتهك حرمة الصوم حيث إن الصوم لا يجب عليه في السفر ويلزمه القضاء، وعليه فالذين يذهبون إلى العمرة في رمضان ويصومون هناك، ثم يجامع أحدهم زوجته في النهار ليس عليه كفارة؛ لأنه مسافر، والمسافر يباح له الفطر فيباح له الجماع والأكل، هذا إذا نوى أقل من أربعة أيام، أما إذا نوى أكثر من أربعة أيام، فالمسألة خلافية معروفة.
والصحيح أنه مسافر حتى لو أقام الشهر كله يجوز له الفطر.
وقوله:«أفطر ولا كفارة» هذا جواب الشرط وهو يشمل الصور الثلاث:
١ ـ إذا جامع دون الفرج فأنزل.
٢ ـ إذا كانت المرأة معذورة. ٣ ـ إذا جامع من نوى الصوم في سفره.
وإنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ، أَوْ كَرَّرَهُ فِي يَوْمٍ وَلَمْ يُكَفِّر فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ في الثانية، وفي الأولَى اثْنَتَانِ، وإنْ جَامَعَ ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ فِي يَوْمِهِ فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.