ومنها: ستر العورة
الشروح عليها
(ومنها) أي من شروط الصلاة (ستر العورة) قال ابن عبد البر: أجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه، وهو قادر على الاستتار به وصلى عريانا. والستر - بفتح السين -: التغطية وبكسرها: ما يستر به. والعورة لغة النقصان والشيء المستقبح. ومنه كلمة عوراء أي قبيحة،
وفي الشرع: القبل والدبر، وكل ما يستحيى منه على ما يأتي تفصيله
والستر بفتح السين التغطية، وبكسرها ما يستر به كائنا ما كان، جمعه ستائر.
ما يستر به والعورة لغة النقصان والشيء المستقبح مأخوذ من العور، وهو النقص والعيب.
وكل ما يستحي منه على ما يأتي تفصيله أي العورة في الشرع تطلق على كل ما يستحي من كشفه، على ما يأتي تفصيله، في حق ذكر أو أنثى أو أمة أو من دون التمييز.
ما يأتي تفصيله (فيجب) سترها حتى عن نفسه أي فيجب ستر العورة في الصلاة عن النظر حتى عن نفسه،
فلو كان عليه قميص واسع الجيب، إذا ركع أو سجد رأى عورته لم تصح، وإن لم يرها.
«وَمِنْها سَتْرُ العَوْرَةِ»، أي: من شروط الصَّلاة ستر العورة والسَّترُ بمعنى التغطية. والعَوْرة: هي ما يسوءُ الإنسان إخراجه، والنَّظر إليه؛ لأنها من «العَوَر» وهو العيب، وكلُّ شيء يَسُوءُكَ النَّظرُ إليه،
فإن النَّظر إليه يُعتبر من العيب.
ولكن سنناقش هذا التعبير «سَتْرُ العَوْرَة». هل جاء في الكتاب أو السُّنَّة كلمة «سَتْرُ العَوْرَة» فيما يتعلَّق بالصَّلاة أم لا؟.
الجواب: لا، لم تأتِ كلمة «سَتْرُ العَوْرَة» في الكتاب أو السُّنَّة،
ومن أجل أنَّه لم تأتِ ينبغي أن لا نعبِّر إلا بما جاء في القرآن والسُّنَّة في مثل هذا الباب، ونظيرُ هذا التعبير الذي أوهم، تعبيرُ بعضهم في باب محظورات الإحرام بلبس المخيط بدلاً عن القميص والسَّرَاويلِ والبَرَانِسِ والعِمَامةِ والخِفَافِ.
ولمَّا قال العلماء:«سَتْرُ العَوْرَة» اشتبه على بعض النَّاس عورة الصَّلاة وعورة النَّظر واختلطت عليهم؛ حتى قال بعضهم: هذه وهذه سواء. والأمر ليس كذلك، فبين عورة الصَّلاة وعورة النَّظر فرق، لا تتَّفقان طرداً ولا عكساً، كما سيتبيَّن إن شاء الله.
إذاً؛ فلو عَبَّرَ بما جاء في القرآن أو السُّنَّة لكان أسلم، والذي جاء في القرآن: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ . فأمر الله تعالى بأخذ الزِّينة عند الصَّلاة، وأقلُّ ما يمكن لباس يُواري السَّوأة، وما زاد على ذلك فهو فَضْل، والسُّنة بيَّنت ذلك على سبيل التفصيل،
وإذا كان الإنسان يستحي أن يقابل مَلِكاً من الملوك بثياب لا تستر، أو نصف بدنه ظاهر، فكيف لا يستحي أن يقفَ بين يدي مَلِكَ الملوك عز وجل بثياب غير مطلوب منه أن يلبسها؟! ولهذا قال عبد الله بن عمر لمولاه نافع .... وقد رآه يصلِّي حاسرَ الرَّأس:«غَطِّ رأسك، هل تخرج إلى النَّاس وأنت حاسر الرَّأس؟ قال: لا. قال: فاللَّهُ أحقُّ أن تتجمَّلَ له»، وهذا صحيح لمن عادتهم أنهم لا يحسرون عن رؤوسهم، ولا يمكن أن يخرج حاسر الرَّأس أمام النَّاس.
إذاً؛ فاتِّخاذُ الزِّينة غير سَتْر العَوْرَة، ونقول: قال النبيُّ ﷺ: «لا يُصَلِّيَنَّ أحدُكُمْ في الثَّوبِ الواحدِ ليس على عاتِقِهِ منه شيءٌ»، وعاتق الرَّجُلِ ليس بعورة بالاتفاق، ومع ذلك أمر النبيُّ عليه الصلاة والسلام بستره في الصَّلاةِ فقال:«ليس على عاتقه منه شيء»، فدلَّ هذا على أن منَاط الحُكم ليس ستر العورة.
وقال ﷺ لجابر: «إن كان ضيِّقاً فاتَّزرْ به، وإن كان واسعاً فالتحفْ به» . ومعلوم أنه لا يُشترط لسَتْرِ العَوْرَة أن يلتحف الإنسان، بل يُغطِّي ما يجب ستره في غير الصَّلاة.
إذاً؛ فليس مَنَاط الحُكم سَتْر العَورة، إنما مَنَاط الحُكم اتِّخاذ الزِّينة، هذا هو الذي أمرَ الله به، ودلَّت عليه السُّنَّة.
والدَّليل على أنَّ من شَرْط صحَّة الصَّلاة سَتْر العَورة ما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ *﴾ [الأعراف]، لأن أخذ الزِّينة يلزم منه سَتْر العورة .....
٢ - قول الرَّسول ﷺ :«إنْ كان واسعاً فالتحفْ به، وإن كان ضيقاً فاتَّزرْ به» فلا بُدَّ من الاتِّزار،
وإذا كان واجباً في العبادة، فكلُّ واجب في العبادة شرط لصحَّتها، فالقاعدة الشَّرعية:«أنَّ كلَّ واجب في العبادة هو شرط لصحَّتها».
فإذا تركه الإنسان عمداً بطلت هذه العبادة، ولهذا لو تركَ الإنسانُ التَّشَهُّدَ الأوَّلَ، أو الأخير في الصَّلاة مُتعمِّداً بطلت صلاتُه.
وكذلك بقية الواجبات؛ لو تركها متعمِّداً بطلت الصَّلاةُ. ولهذا نقول: إنَّ سَتْرَ العورة شرط لصحَّة الصَّلاة،
وأنَّ من صَلَّى من غير أن يلبس ما يستر به العورة، أو ما يجب ستره على الأصحِّ،
فإن صلاتَه باطلةٌ.
٣ - نقل ابنُ عبد البَرِّ إجماعَ العُلماء على أنَّ من صَلَّى عُرياناً مع قُدْرَته على اللباس فصلاتُه باطلة .
وكذلك نقل شيخ الإسلام ابن تيمية أن العلماء اتفقوا على أن الإنسان الذي يصلِّي عُرياناً وهو قادر على اللباس فصلاته باطلة .
فَيَجِبُ بما لا يَصِفُ البَشرَة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.