لا تطلق بها إلّا بنيّته أو دلالة الحال
الشروح عليها
(بَابُ الْكِنَايَاتِ فِي الطَّلَاقِ) قَدَّمَ الصَّرِيحَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ إذْ هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْأَفْهَامِ وَهِيَ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ كَنَى يَكْنُو إذَا سَتَرَ وَذَكَرَ الرَّضِيُّ أَنَّهَا فِي اللُّغَةِ، وَالِاصْطِلَاحِ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَفْظًا كَانَ أَوْ مَعْنًى بِلَفْظٍ غَيْرِ صَرِيحٍ فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ
إمَّا لِلْإِبْهَامِ عَلَى بَعْضِ السَّامِعِينَ كَقَوْلِك جَاءَنِي فُلَانٌ وَأَنْتَ تُرِيدُ زَيْدًا وَقَالَ فُلَانٌ كَيْتَ وَكَيْتَ إبْهَامًا عَلَى بَعْضِ مَنْ يَسْمَعُ أَوْ لِشَنَاعَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ كَهُنَّ فِي الْفَرْجِ أَوْ لِلِاخْتِصَارِ كَالضَّمَائِرِ أَوْ لِنَوْعٍ مِنْ الْفَصَاحَةِ كَقَوْلِك فُلَانٌ كَثِيرُ الرَّمَادِ وَكَثِيرُ الْقِرَى أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ اهـ.
وَفِي عِلْمِ الْبَيَانِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْمُطَوَّلِ أَنْ لَا يُصَرِّحَ بِذِكْرِ الْمُسْتَعَارِ بَلْ بِذَكَرِ رَدِيفِهِ وَلَازِمِهِ الدَّالِّ عَلَيْهِ فَالْمَقْصُودُ بِقَوْلِنَا أَظْفَارُ الْمَنِيَّةِ اسْتِعَارَةُ السَّبُعِ لِلْمَنِيَّةِ كَاسْتِعَارَةِ الْأَسَدِ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ فِي قَوْلِنَا رَأَيْت أَسَدًا لَكِنَّا لَمْ نُصَرِّحْ بِذِكْرِ الْمُسْتَعَارِ أَعْنِي السَّبُعَ بَلْ اقْتَصَرْنَا عَلَى ذِكْرِ لَازِمِهِ لِيَنْتَقِلَ مِنْهُ إلَى الْمَقْصُودِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْكِنَايَةِ فَالْمُسْتَعَارُ هُوَ لَفْظُ السَّبُعِ الْغَيْرِ الْمُصَرَّحِ بِهِ، وَالْمُسْتَعَارُ مِنْهُ هُوَ الْحَيَوَانُ الْمُفْتَرِسُ، وَالْمُسْتَعَارُ لَهُ هُوَ الْمَنِيَّةُ إلَى آخِرِهِ،
وَفِي أُصُولِ الْفِقْهِ قَالَ فِي التَّنْقِيحِ ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ إذَا كَانَ فِي نَفْسِهِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَتِرُ الْمُرَادُ فَصَرِيحٌ وَإِلَّا فَكِنَايَةٌ.
فَالْحَقِيقَةُ الَّتِي لَمْ تُهْجَرْ صَرِيحٌ وَاَلَّتِي هُجِرَتْ وَغَلَبَ مَعْنَاهَا الْمَجَازِيُّ كِنَايَةٌ، وَالْمَجَازُ الْغَالِبُ الِاسْتِعْمَالِ صَرِيحٌ وَغَيْرُ الْغَالِبِ كِنَايَةٌ، وَعِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ الْكِنَايَةُ لَفْظٌ يُقْصَدُ بِمَعْنَاهُ مَعْنًى ثَانٍ مَلْزُومٍ لَهُ وَهِيَ لَا تُنَافِي إرَادَةَ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَإِنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ فِيهِ لَكِنْ قَصَدَ بِمَعْنَاهُ مَعْنَى ثَانٍ كَمَا فِي طَوِيلِ النِّجَادِ
بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ فَيُنَافِي إرَادَةَ الْمَوْضُوعِ لَهُ اهـ.
وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ فِي نَفْسِهِ عَنْ انْكِشَافِ الْمُرَادِ فِيهَا بِوَاسِطَةِ التَّفْسِيرِ، وَالْبَيَانِ وَدَخَلَ فِيهَا الْمُشْكِلُ، وَالْمُجْمَلُ،
وَفِي الْفِقْهِ هُنَا مَا احْتَمَلَ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ (قَوْلُهُ: لَا تَطْلُقُ بِهَا إلَّا بِنِيَّةٍ أَوْ دَلَالَةِ الْحَالِ) أَيْ لَا تَطْلُقُ بِالْكِنَايَاتِ قَضَاءً إلَّا بِإِحْدَى هَذَيْنِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِلطَّلَاقِ بَلْ مَوْضُوعَةٌ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ وَمِنْ حُكْمِهِ لِمَا سَيَأْتِي أَنْ مَا عَدَا الثَّلَاثَ مِنْهَا لَمْ يَرِدْ بِهَا الطَّلَاقُ أَصْلًا بَلْ مَا هُوَ حُكْمُهُ مِنْ الْبَيْنُونَةِ مِنْ النِّكَاحِ، وَالْمُرَادُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ الْحَالَةُ الظَّاهِرَةُ الْمُفِيدَةُ لِمَقْصُودِهِ وَمِنْهَا تَقَدُّمُ ذِكْرِ الطَّلَاقِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ،
وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْت طَالِقٌ إنْ شِئْت وَاخْتَارِي فَقَالَتْ شِئْت وَاخْتَرْت يَقَعُ طَلَاقَانِ أَحَدُهُمَا بِالْمَشِيئَةِ، وَالْآخَرُ بِالِاخْتِيَارِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِتَقَدُّمِ الصَّرِيحِ عَلَيْهَا، وَالْحَالُ فِي اللُّغَةِ صِفَةُ الشَّيْءِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ يُقَالُ حَالٌ حَسَنٌ وَحَسَنَةٌ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ قَيَّدْنَا بِالْقَضَاءِ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ دِيَانَةً إلَّا بِالنِّيَّةِ وَلَا عِبْرَةَ بِدَلَالَةِ الْحَالِ كَمَا إذَا قَالَ: أَنْت طَالِقٌ وَنَوَاهُ عَنْ الْوَثَاقِ لَا يَقَعُ دِيَانَةً،
وَفِي الْمُجْتَبَى عَنْ صَدْرِ الْقُضَاةِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إذَا قَالَ: لَمْ أَنْوِ الطَّلَاقَ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ إنْ ادَّعَتْ الطَّلَاقَ،
وَإِنْ لَمْ تَدَعْ يَحْلِفُ أَيْضًا حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى ن قَالَ أَبُو نَصْرٍ قُلْت لِمُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ يُحَلِّفُهُ الْحَاكِمُ أَمْ هِيَ تُحَلِّفُهُ قَالَ يُكْتَفَى بِتَحْلِيفِهَا إيَّاهُ فِي مَنْزِلِهِ فَإِذَا حَلَّفَتْهُ فَحَلَفَ فَهِيَ امْرَأَتُهُ وَإِلَّا رَافَعَتْهُ إلَى الْقَاضِي،
وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ عِنْدَهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ يَنْظُرُ الْمُفْتِي إلَى سُؤَالِ السَّائِلِ إنْ قَالَ: قُلْت كَذَا هَلْ يَقَعُ يَقُولُ نَعَمْ إنْ نَوَيْت،
وَإِنْ قَالَ: كَمْ يَقَعُ يَقُولُ وَاحِدَةً وَلَا يَتَعَرَّضُ لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ.
[بَابُ الْكِنَايَاتِ فِي الطَّلَاقِ] (قَوْلُهُ: أَنْ لَا يُصَرِّحَ بِذِكْرِ الْمُسْتَعَارِ إلَخْ) لَيْسَ هَذَا هُوَ الْكِنَايَةُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْبَيَانِيِّينَ بَلْ هِيَ مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ التَّنْقِيحِ
أَمَّا هَذِهِ فَهِيَ الِاسْتِعَارَةُ الْمَكِنِيَّةُ الْمُقَابِلَةُ لِلْمُصَرَّحَةِ ثُمَّ رَأَيْته تَعَقَّبَهُ فِي النَّهْرِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ مَعْنَى الْكِنَايَةِ عِنْدَهُمْ بِنَحْوِ مَا يَأْتِي قَالَ إنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ هُوَ الِاسْتِعَارَةُ بِالْكِنَايَةِ الَّتِي مِنْ الْمَجَازِ بِعَلَاقَةِ الْمُشَابَهَةِ وَلَا يَصِحُّ إرَادَتُهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْآتِيَةِ
بِخِلَافِ الْكِنَايَةِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إرَادَتُهَا فِي نَحْوِ اعْتَدِّي كَمَا سَيَأْتِي. (قَوْلُهُ: وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاقْتِضَاءِ)
قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ كَيْفَ، وَقَدْ جَعَلَهُ مُقَابِلًا لَهُ فَتَدَبَّرْ.
باب الكنايات لما فرغ من أحكام الصريح الذي هو الأصل في الكلام لما أنه موضوع للإفهام والصريح أدخل فيه، شرع في الكنايات وهو مصدر كنى يكنو إذا ستر وعند النحاة واللغويين أن يعبر عن شيء معين لفظا أو معنى بلفظ غير صريح
إما للإبهام على السامع كقولك: جاءني فلان وأنت تريد معينا، أو للشناعة كالهن للفرج أو للاختصار كالضمير، أو لنوع من الفصاحة كثير الرماد، وعند الأصوليين ما استتر المراد منه في نفسه وخرج بالأخير ما استتر المراد في الصريح بواسطة نحو غرابة اللفظ، أو انكشف المراد في الكناية بواسطة التفسير والبيان، وهما أعني الصريح والكناية من أقسام الحقيقة والمجاز فالحقيقة التي لم تهجر صريح والمهجور التي غلب المجازي كناية، والمجاز الغالب الاستعمال صريح وغير الغالب كناية، وعند علماء البيان لفظ قصده بمعناه معنى ثان وملزوم له أي: استعمل في معناه الموضوع له لكن لا ليتعلق به الإثبات والنفي ويرجع التصديق والتكذيب إليه بل لينتقل منه إلى ملزومه فيكون هو مناط الإثبات والنفي ومرجع الصدق والكذب،
بخلاف المجاز فإنه استعمل في غير ما وضع له فينافي إرادة الموضوع له فقولنا: فلان طويل النجاد وقصد بطول النجاد إلى طول القامة فيصح الكلام وإن لم يكن له نجاد قط، بل وإن استحال المعنى الحقيقي نحو {والسموات مطويات بيمينه} و {الرحمن على العرش استوى} وأمثال ذلك فإن هذه كلها كنايات عند المحققين كذا في (التلويح) وإذا عرف هذا فما في (البحر) من أنها أن لا يصرح اسم المستعار بل يذكر رديفه ولازمه فتلك الاستعارة بالكناية التي من المجاز بعلاقة المشابهة،
ولا يصح إرادتها في شيء من الألفاظ الآتية
بخلاف الكناية بالمعنى لا تطلق بها إلا بنيته، أو دلالة الحال المذكور فإنه يصح إرادتها في نحو اعتدى كما سيأتي، وعند الفقهاء ما احتمل طالق وغيره (لا تطلق بها) أي: بالكناية يعني قضاء (إلا بالنية) أي: نية الطلاق (أو دلالة الحال) / وهي حالة مذاكرة الطلاق أو الغضب،
أما في الديانة فيصدق بيمينه ويكفي تحليفها له في البيت فإن امتنع رفعته إلى القاضي،
فإن نكل فرق بينهما كما مر في (المجتبي) وقد سوى المصنف بين هذه الألفاظ في أنه لا يصدق مع الدلالة إذا قال: نويت غير الطلاق تبعا للإمام السرخسي والمشايخ كفخر الإسلام وغيره قالوا: هذا إنما هو فيما لا يصلح ردا
أما ما يصلح له فيصدق إذا ادعى الرد وجملة الأمر أن الأحوال ثلاثة: حالة مطلقة، وحالة مذاكرة الطلاق، وحالة الغضب، والكنايات ثلاثة أقسام منها ما يصلح جوابا فقط، وهو: أمرك بيدك واختاري اعتدي ومرادفها، وقسم يصلح جوابا وشتما لا ردا: هي خلية برية بتة بائن حرام ومرادفها، وقسم يصلح جوابا وردا لا سبا: اخرجي اذهبي اغربي قومي تقنعي ومرادفها ومعنى الرد في هذه أي: اشتغلي بالتقنع الذي هو أنفع لك ففي الرضى لا يقع بشيء منها إلا بالنية، والقول له مع اليمين في عدمها وفي الحال المذاكرة وهي أن تسأله هي أو أجنبي الطلاق يقع بها في القسم الأول والثاني دون الثالث،
وفي حالة الغضب يقع بالقسم الأول فقط وأجاب بعض المتأخرين بأن صلاحيته وكان معارضة لحال مذاكرة الطلاق فلم يبق دليلا فكانت الصور المذكورة خالية عن دلالة لحال ولذا توقف فيها على النية.
قال في (فتح القدير) : وحقيقة التقسيم في الأحوال قسمان الرضى والغضب
وأما المذاكرة فيصدق مع كل منهما بل لا يتصور سؤالهما الطلاق إلا في إحدى الحالتين لأنهما ضدان لا واسطة بينهما فتحرير التقدير أن في حالة الرضى المجرد عن سؤال يصدق في الكل، والمسئول فيه الطلاق يصدق فيما يصلح ردا وفي حالة مع الغضب المجرد يصدق فيما يصلح سببا أو ردا لا فيما يصلح جوابا ففي الغضب مع السؤال يجتمع في عدم التصديق في المتمحض جوابان سببيان،
وكذا في قبول قوله: فيما يصلح ردا وفيما يصلح للسب ينفرد الغضب فلا تتغير الأحكام انتهى، ملخصا.
قال في (البحر) - بعد نقله -: وبه علم أن الأحوال ثلاثة حالة مطلقة عن قيدي الغضب والمذاكرة وحالة المذاكرة وحالة الغضب انتهى، وعندي أن الأولى هو الاقتصار على حالة الغضب والمذاكرة إذ الكلام في الأحوال التي تؤثر فيها الدلالة لا مطلقا ثم رأيته في (البدائع) بعد أن قيم الأحوال ثلاثة كالشارح قال: ففي الحالة حالة الرضى يدين في القضاء وإن كان في حالة مذاكرة الطلاق أو الغضب فقد قالوا: إن الكنايات أقسام ثلاثة وذكر ما مر وهذا هو التحقيق.
واعلم أن دلالة الحال تعم فتطلق واحدة رجعية في اعتدي، واستبري رحمك، وأنت واحدة، دلالة المقال أيضا وعلى هذا فتفسير المذاكرة بسؤال الطلاق أو تقديم الإيقاع كما سيأتي في اعتدي ثلاثا،
(بَابُ الْكِنَايَاتِ) قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (لَا تَطْلُقُ بِهَا إلَّا بِنِيَّتِهِ أَوْ دَلَالَةِ الْحَالِ) أَيْ لَا تَطْلُقُ بِالْكِنَايَاتِ إلَّا بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ أَلْفَاظَ الْكِنَايَاتِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالطَّلَاقِ بَلْ تَحْتَمِلُهُ وَغَيْرَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُرَجِّحِ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا اعْتِبَارَ بِالدَّلَالَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُضْمِرَ خِلَافَ الظَّاهِرِ وَلَنَا أَنَّ الْحَالَ أَقْوَى دَلَالَةً مِنْ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ وَالنِّيَّةُ بَاطِنَةٌ وَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ يَا عَفِيفُ أَوْ يَا عَتِيقُ أَوْ يَا بَرِيًّا مِنْ الْعُيُوبِ وَنَحْوِهِ يَكُونُ مَدْحًا لَهُ فِي حَالِ تَعْظِيمِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ حَسَّانُ يَمْدَحُ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا ...
أَبَرَّ وَأَوْفَى ذِمَّةً مِنْ مُحَمَّدٍ وَفِي حَالِ الشَّتْمِ وَالْغَضَبِ يَكُونُ ذَمًّا كَمَا قَالَ النَّجَاشِيُّ يَهْجُو قَوْمًا قَبِيلَتُهُ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ... وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلٍ ،
وَكَذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ الْحِسِّيَّةِ حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلًا سَلَّ سَيْفَهُ وَقَصَدَ إنْسَانًا وَالْحَالُ يَدُلُّ عَلَى الْمَزْحِ وَاللَّعِبِ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ وَلَا يُعْتَبَرُ احْتِمَالُ الْجِدِّ وَإِظْهَارُ الْمَزْحِ لِلتَّمَكُّنِ،
وَلَوْ دَلَّ الْحَالُ عَلَى الْجِدِّ جَازَ قَتْلُهُ دَفْعًا فَكَانَتْ الْحَالَةُ الظَّاهِرَةُ مُغْنِيَةً عَنْ النِّيَّةِ وَمُعِينَةً لِلْجِهَةِ ظَاهِرًا فَإِذَا قَالَ لَمْ أُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ فَقَدْ أَرَادَ بُطْلَانَ حُكْمِ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدَّقُ قَضَاءً كَمَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ،
وَقَالَ نَوَيْت بِهِ الطَّلَاقَ عَنْ وَثَاقٍ وَعَلَى هَذَا أَحْكَامٌ جَمَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِظَاهِرِ الْحَالِ فَلَا يُنْكِرُهَا إلَّا مُكَابِرٌ كَتَعْيِينِ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ عِنْدَ إطْلَاقِ الثَّمَنِ مَعَ اخْتِلَافِ النُّقُودِ وَصَرْفِ مُطْلَقِ النِّيَّةِ فِي الْحَجِّ إلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لِلضَّرُورَةِ بِدَلَالَةِ حَالِهِمَا، وَأَوْضَحُ مِنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ لِي عَلَيْك أَلْفٌ فَقَالَ نَعَمْ لَزِمَهُ،
وَلَوْ قَالَ أَعْتَقْت عَبْدَك فَقَالَ نَعَمْ عَتَقَ لِإِقْرَارِهِ بِهِ دَلَالَةً.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.