هو حبس شيءٍ بحقٍّ يمكن استيفاؤه منه كالدّين
الشروح عليها
كِتَابُ الرَّهْنِ] وَجْهُ مُنَاسَبَةِ كِتَابِ الرَّهْنِ لِكِتَابِ الصَّيْدِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّهْنِ وَالصَّيْدِ سَبَبٌ لِتَحْصِيلِ الْمَالِ وَالْكَلَامُ فِي الرَّهْنِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ: الْأَوَّلُ فِي مَعْنَاهُ لُغَةً.
وَالثَّانِي فِي دَلِيلِهِ. وَالثَّالِثُ فِي رُكْنِهِ. وَالرَّابِعُ فِي شَرْطِ لُزُومِهِ. وَالْخَامِسُ فِي شَرْطِ جَوَازِهِ. وَالسَّادِسُ فِي حُكْمِهِ. وَالسَّابِعُ فِي سَبَبِهِ. وَالثَّامِنُ فِي صِفَتِهِ. وَالتَّاسِعُ فِي مَعْنَاهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. وَالْعَاشِرُ فِي مَحَاسِنِهِ.
أَمَّا مَعْنَاهُ لُغَةً فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْحَبْسِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} أَيْ مَحْبُوسَةٌ بِمَا كَسَبَتْ مِنْ الْمَعَاصِي يُقَالُ رَهَنْت الشَّيْءَ وَارْتَهَنْته وَالْجَمْعُ رُهُنٌ وَرُهُونٌ وَرِهَانٌ وَالرَّهْنُ الْمَرْهُونُ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ،
وَأَمَّا دَلِيلُهُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} أَمْرٌ بِأَخْذِ الرَّهْنِ وَقَبْضِهِ حَالَ الْمُدَايَنَةِ.
وَأَمَّا رُكْنُهُ فَهُوَ الْإِيجَابُ وَهُوَ قَوْلُ الرَّاهِنِ رَهَنْت عِنْدَك هَذَا الشَّيْءَ بِمَا لَك عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ خُذْهُ وَالْقَبُولُ شَرْطٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ عَقْدُ تَبَرُّعٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْجِبْ الرَّهْنَ بِذَاتِهِ شَيْئًا وَالتَّبَرُّعُ يَتِمُّ بِالْإِيجَابِ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يَرْهَنُ فَرَهَنَ، وَلَمْ يَقْبَلْ الْآخَرُ يَحْنَثُ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ وَهُوَ شَرْطُ اللُّزُومِ وَهُوَ الْقَبْضُ.
وَأَمَّا الْخَامِسُ وَهُوَ شَرْطُ الْجَوَازِ فَكَوْنُهُ مَقْسُومًا مُفْرَزًا فَارِغًا عَنْ الشُّغْلِ بِحَقِّ الْغَيْرِ،
وَأَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ بِحَيْثُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهُ كَالدَّيْنِ حَتَّى لَا يَصِحَّ الرَّهْنُ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَالْعِتْقِ.
وَأَمَّا حُكْمُهُ فَمَلَك الْمُرْتَهِنُ الْمَرْهُونَ فِي حَقِّ الْحَبْسِ حَتَّى يَكُونَ أَحَقَّ بِإِمْسَاكِهِ إلَى وَقْتِ إيفَاءِ الدَّيْنِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ.
وَأَمَّا إذَا مَاتَ الرَّاهِنُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ فَيَسْتَوْفِي مِنْهُ دَيْنَهُ وَمَا فَضُلَ فَهُوَ لِلْغُرَمَاءِ.
وَأَمَّا سَبَبُهُ فَهُوَ الْحَاجَةُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ لَا يَجِدُ مَنْ لَا يُقْرِضُهُ مَجَّانًا مِنْ غَيْرِ رَهْنٍ أَوْ يَصْبِرُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رَهْنٍ.
وَأَمَّا صِفَتُهُ قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُرْتَهِنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
وَأَمَّا التَّاسِعُ وَهُوَ تَفْسِيرُهُ شَرْعًا فَسَيَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ.
وَأَمَّا الْعَاشِرُ وَهُوَ مَحَاسِنُهُ فَهُوَ فَكُّ عُسْرَةِ الطَّلَبِ عَنْ الرَّاهِنِ وَوُثُوقُ قَلْبِ الْمُرْتَهِنِ بِمَا يُحَصِّلُ مَالَهُ،
وَلَوْ ارْتَهَنَ عَلَى أَنَّهُ ضَاعَ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَأَجَازَ الرَّاهِنُ جَازَ الرَّهْنُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِعَقْدٍ مَوْضُوعٍ بِحُكْمٍ مَشْرُوعٍ وَتَبْدِيلُ الْمَشْرُوعِ لَا يَجُوزُ، وَالْمَقْبُوضُ بِحُكْمِ الرَّهْنِ الْفَاسِدِ مَضْمُونٌ، وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَوْ رَهَنَ نِصْفَ دَارٍ وَسَلَّمَ الدَّارَ إلَى الْمُرْتَهِنِ وَهَلَكَتْ لَمْ يَذْهَبْ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ، وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي نَوَادِرِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ فِي الرَّهْنِ الْفَاسِدِ لَا يَذْهَبُ بِهَلَاكِهِ الدَّيْنُ،
وَفِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لَوْ اشْتَرَى مُسْلِمٌ خَمْرًا وَرَهَنَ بِثَمَنِهِ رَهْنًا فَضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ لَا يُضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ رَهْنٌ بَاطِلٌ فِي الْأَوَّلِ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيدُ بَيَانٍ عِنْدَ قَوْلِهِ مَضْمُونٌ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ،
وَفِي الْكُبْرَى لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَضْمَنَ الْفَضْلَ عَنْ الدَّيْنِ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (هُوَ حَبْسُ شَيْءٍ بِحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ كَالدَّيْنِ) ، وَهَذَا حَدُّهُ فِي الشَّرْعِ، كَذَا قَالَ الشَّارِحُ،
وَقَالَ قَوْلُهُ كَالدَّيْنِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ حَقٌّ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الدَّيْنِ لِعَدَمِ تَعْيِينِهِ.
وَأَمَّا الْعَيْنُ فَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الرَّهْنِ وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِهَا إلَّا إذَا كَانَتْ مَضْمُونَةً بِنَفْسِهَا كَالْمَغْصُوبِ وَالْمَهْرِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَبَدَلِ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ الْأَصْلِيَّ فِيهَا الْمِثْلُ أَوْ الْقِيمَةُ وَرَدُّ الْعَيْنِ لَا مَخْلَصَ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَلِهَذَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ وَالْإِبْرَاءُ عَنْ قِيمَتِهِ وَيَمْتَنِعُ وُجُوبُ الذَّكَاةِ عَمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ وَمَالُهُ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ،
وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ هُوَ الْعَيْنُ لَمَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ،
وَإِنْ كَانَ الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ رَدَّ الْعَيْنِ وَرَدَّ الْقِيمَةِ مَخْلَصٌ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ إلَّا بَعْدَ الْهَلَاكِ بِالْقَبْضِ السَّابِقِ وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ بِالْقَبْضِ فَيَكُونُ رَهْنًا لِوُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِهِ فَيَصِحُّ كَمَا هُوَ فِي الْكَفَالَةِ
بِخِلَافِ الْأَعْيَانِ الْأَمَانَةِ اهـ.
فَإِنْ قِيلَ هَذَا التَّعْرِيفُ لِلرَّهْنِ التَّامِّ أَوْ اللَّازِمِ وَإِلَّا فَفِي انْعِقَادِ الرَّهْنِ لَا يَلْزَمُ الْحَبْسُ بَلْ ذَلِكَ بِالْقَبْضِ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِانْعِقَادِ مَعْنَى الرَّهْنِ مَعْنَى جَعْلِ الشَّيْءِ مَحْبُوسًا بِحَقٍّ إلَّا أَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ لِلْعَاقِدِ الرُّجُوعَ عَنْهُ مَا لَمْ يَقْبِضْ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ فَقَبْلَ الْقَبْضِ يُوجَدُ مَعْنَى الْحَبْسِ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إلَّا بِالْقَبْضِ وَالْمَأْخُوذُ فِي التَّعْرِيف الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ لِلْمُرْتَهِنِ إنَّمَا هُوَ نَفْسُ الْحَبْسِ لَا لُزُومُهُ فَيَصْدُقُ هَذَا التَّعْرِيفُ عَلَى الرَّهْنِ قَبْلَ تَمَامِهِ وَلُزُومِهِ أَيْضًا،
وَلَوْ قَالَ هُوَ عَقْدٌ يَرِدُ عَلَى مَعْنَى حَبْسِ الْعَيْنِ بِحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ لَكَانَ أَوْلَى، وَقَوْلُنَا عَلَى مَعْنَى حَبْسٍ إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يُوجِبُ حَقِيقَةَ الْحَبْسِ؛ لِأَنَّهَا بِالْقَبْضِ بَلْ يُوجِبُ نَفْسَ الْحَبْسِ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ الزَّيْلَعِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ كَالدَّيْنِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْحَقُّ الْمُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ لِعَدَمِ تَعْيِينِهِ قُلْنَا الْمُتَبَادِرُ إلَيْهِ مِنْ الْكَافِي أَنَّهُ يَجُوزُ الرَّهْنُ بِغَيْرِ الدَّيْنِ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْت أَمْثَالَهُ، وَقَوْلُهُ شَيْءٌ صَادِقٌ عَلَى مَا لَوْ عُيِّنَ ذَلِكَ أَوَّلًا وَعَلَى مَا إذَا كَانَ عَلَى كُلِّ الدَّيْنِ أَوْ بَعْضِهِ وَعَلَى مَا إذَا قَبَضَ الدَّيْنَ أَوَّلًا قَالَ قَاضِي خَانْ رَجُلٌ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ ثَوْبَيْنِ،
وَقَالَ خُذْ أَيَّهُمَا شِئْت بِالْمِائَةِ الَّتِي عَلَيَّ فَأَخَذَهُمَا وَنَحَلَتْ فِي يَدِهِ قَالَ الثَّالِثُ لَا يَذْهَبُ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ وَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ عَلَيْهِ عِشْرُونَ دِرْهَمًا يَدْفَعُ الْمَدْيُونُ إلَى الطَّالِبِ مِائَةً،
وَقَالَ خُذْ مِنْهَا عِشْرِينَ بِدَيْنِك فَضَاعَتْ الْمِائَةُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا عِشْرِينَ ضَاعَتْ مِنْ مَالِ الْمَدْيُونِ وَالدَّيْنُ عَلَى حَالِهِ،
وَلَوْ قَالَ خُذْ أَحَدَهُمَا رَهْنًا بِدَيْنِك فَأَخَذَهُمَا وَنَحَلَتْ فِي يَدِهِ وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ قَالَ الثَّالِثُ يَذْهَبُ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالدَّيْنِ إنْ كَانَ مِثْلَ الدَّيْنِ رَجُلٌ عَلَيْهِ مِائَةٌ فَأَعْطَى الدَّائِنَ ثَوْبًا،
وَقَالَ خُذْ هَذَا بِبَعْضِ حَقِّك فَقَبَضَهُ وَهَلَكَ يَهْلِكُ بِقِيمَتِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَمَّا شَاءَ الْمُرْتَهِنُ أَخَذَ الرَّهْنَ، وَلَمْ يَدْفَعْ شَيْئًا فَضَاعَ فِي يَدِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَقْرَضَ آخَرَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، فَقَالَ الْمُقْرِضُ لَا يَكْفِيَك هَذَا الْقَدْرُ وَلَكِنْ أَبْعَثُ لَك مَا يَكْفِيَك فَبَعَثَ فَدَفَعَ إلَيْهِ فَضَاعَ فِي يَدِهِ فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ وَمِنْ الْخَمْسِينَ وَاشْتِرَاطُ خِيَارِ الشَّرْطِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الرَّهْنِ غَيْرُ جَائِزٍ فِي الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ فَسْخَهُ مِنْ غَيْرِ خِيَارِ الشَّرْطِ فَلَا
فَائِدَةَ فِي اشْتِرَاطِهِ وَلِلرَّاهِنِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْخِيَارِ فِيهِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ فَيَصِحُّ إثْبَاتُ الْخِيَارِ لَهُ فِيهِ كَذَا فِي الْأَصْلِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
كِتَابُ الرَّهْنِ] ِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (هُوَ حَبْسُ شَيْءٍ بِحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ كَالدَّيْنِ) هَذَا حَدُّهُ فِي الشَّرْعِ، وَهَذَا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ وَالدَّوَامِ وَيُطْلَقُ الرَّهْنُ عَلَى الْمَرْهُونِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ يُقَالُ رَهَنْتُ الرَّجُلَ شَيْئًا وَرَهَنْتُهُ عِنْدَهُ وَأَرْهَنْتُهُ لُغَةٌ فِيهِ وَالْجَمْعُ رِهَانٌ وَرُهُونٌ وَرُهُنٌ وَالرَّهْنُ فِي اللُّغَةِ جَعْلُ الشَّيْءِ مَحْبُوسًا أَيَّ شَيْءٍ كَانَ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} أَيْ مَحْبُوسَةٌ بِوَبَالِ مَا كَسَبَتْ مِنْ الْمَعَاصِي وَقَالَ الشَّاعِرُ وَفَارَقَتْك بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ ...
يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَمْسَى الرَّهْنُ قَدْ غَلَقَا أَيْ ارْتَهَنَتْ وَحَبَسَتْ قَلْبَهُ فَذَهَبَتْ بِهِ يَوْمَ التَّوْدِيعِ وَانْحَبَسَ قَلْبُ الْمُحِبِّ عِنْدَهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ فِكَاكُهُ وَقَوْلُهُ كَالدَّيْنِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْحَقُّ الْمُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ،
وَأَمَّا الْعَيْنُ فَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ فَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِهَا إلَّا إذَا كَانَتْ مَضْمُونَةً بِنَفْسِهَا كَالْمَغْصُوبِ وَالْمَهْرِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَبَدَلِ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ الْأَصْلِيَّ فِيهَا الْمِثْلُ أَوْ الْقِيمَةُ، وَرَدُّ الْعَيْنِ مُخَلِّصٌ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ دَيْنٌ وَلِهَذَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ وَالْإِبْرَاءُ عَنْ قِيمَتِهِ وَيَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ فِي مَالِهِ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ هُوَ الْعَيْنُ لَمَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ وَعِنْدَ الْبَعْضِ،
وَإِنْ كَانَ الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ رَدُّ الْعَيْنِ وَرَدُّ الْقِيمَةِ مُخَلِّصًا وَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ إلَّا بَعْدَ الْهَلَاكِ لَكِنْ يَجِبُ عِنْدَ الْهَلَاكِ بِالْقَبْضِ السَّابِقِ، وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ فَيَكُونُ رَهْنًا بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِهِ فَيَصِحُّ كَمَا فِي الْكَفَالَةِ
بِخِلَافِ الْأَعْيَانِ غَيْرِ الْمَضْمُونَةِ كَالْأَمَانَاتِ أَوْ الْمَضْمُونَةِ بِغَيْرِهَا كَالْمَبِيعِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِهَا لِعَدَمِ وُجُوبِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَوَالَةَ الْمُقَيَّدَةَ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِنَفْسِهَا لَا تَبْطُلُ بِهَلَاكِهَا وَالْمُقَيَّدَةَ بِغَيْرِ الْمَضْمُونَةِ بِأَعْيَانِهَا تَبْطُلُ بِهِ وَلَوْلَا أَنَّ الْوُجُوبَ أَوْ شُبْهَتَهُ لِوُجُودِ سَبَبِهِ ثَابِتٌ لَبَطَلَتْ وَالرَّهْنُ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}،
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ:«إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ فِي جَانِبِ الِاسْتِيفَاءِ فَيَجُوزُ كَمَا تَجُوزُ الْوَثِيقَةُ فِي جَانِبِ الْوُجُوبِ وَهِيَ الْكَفَالَةُ وَالْحَوَالَةُ وَالْجَامِعُ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْوَثِيقَةِ مَاسَّةٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَإِنَّ الْمُسْتَدِينَ قَلَّمَا يَجِدُ مَنْ يُدَيِّنُهُ بِلَا رَهْنٍ وَالدَّائِنُ يَأْمَنُ بِالرَّهْنِ مِنْ التَّوَى بِالْجُحُودِ أَوْ بِإِسْرَافِ الْمَدِينِ فِي مَالِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ بِمُحَاصَّةِ غَيْرِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ فَكَانَ فِيهِ نَفْعٌ لَهُمَا كَمَا فِي الْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ فَشُرِعَ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ هُوَ حَبْسُ شَيْءٍ بِحَقٍّ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْحَقِّ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ كَمَا يَصِحُّ بِالدَّيْنِ يَصِحُّ بِالْغَصْبِ وَالْحَقُّ يَشْمَلُهُمَا وَقَالَ الْقُدُورِيُّ: فِي شَرْحِهِ الرَّهْنُ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ عَقْدِ وَثِيقَةٍ بِمَالٍ وَبِذَلِكَ يَنْفَصِلُ مِنْ الْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ؛ لِأَنَّهُمَا عَقْدُ وَثِيقَةٍ بِذِمَّةٍ وَيَنْفَصِلُ مِنْ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ، وَلَيْسَ بِعَقْدٍ عَلَى وَثِيقَةٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَأَرْهَنْتُهُ) قَالَ فِي الصِّحَاحِ رَهَنْته الشَّيْءَ وَأَرْهَنْتُهُ الشَّيْءَ بِمَعْنًى. اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْجَمْعُ) أَيْ جَمْعُ الرَّهْنِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَرُهُنٌ) ظَاهِرُهُ أَنَّ رُهُنًا جَمْعُ رَهْنٍ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُ الشَّارِحِ
قَالَ فِي الْمُغْرِبِ وَالرَّهْنُ الْمَرْهُونُ وَالْجَمْعُ رُهُونٌ وَرِهَانٌ وَرُهُنٌ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَالرِّهَانُ جَمْعُ الرَّهْنِ كَالْعِبَادِ وَالزِّنَادِ فِي جَمْعِ الْعَبْدِ وَالزَّنْدِ وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}، وَهِيَ جَمْعُ الْجَمْعِ اهـ
قَالَ فِي الصِّحَاحِ الرَّهْنُ مَعْرُوفٌ وَالْجَمْعُ رِهَانٌ مِثْلُ حَبْلٍ وَحِبَالٍ وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ رُهُنٌ بِضَمِّ الْهَاءِ قَالَ الْأَخْفَشُ، وَهِيَ قَبِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْمَعُ فِعْلٌ عَلَى فُعُلٍ إلَّا قَلِيلًا شَاذًّا قَالَ وَذَكَرَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ سَقْفٌ وَسُقُفٌ قَالَ وَقَدْ يَكُونُ رُهُنٌ جَمْعًا لِلرِّهَانِ كَأَنَّهُ يُجْمَعُ رَهْنٌ عَلَى رِهَانٍ ثُمَّ يُجْمَعُ رِهَانٌ عَلَى رُهُنٍ مِثْلُ فِرَاشٍ وَفُرُشٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ) يَعْنِي مَعْنَاهُ لُغَةً مُطْلَقُ الْحَبْسِ. اهـ.
(قَوْلُهُ فَمَا رَوَى) أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ) فِيهِ فَوَائِدُ إحْدَاهَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ نَسِيئَةً وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ،
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ طُولِ الْأَمَلِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ أُسَامَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئًا بِدَرَاهِمَ نَسِيئَةً فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّ أُسَامَةَ لَطَوِيلُ الْأَمَلِ وَاَللَّهِ لَا أَفْتَحُ عَيْنَيَّ إلَّا وَأَخْشَى عَلَى نَفْسِي الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ أَرُدَّهُمَا» وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَفِيهِ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالِاسْتِدَانَةِ فَإِنَّ الشِّرَاءَ نَسِيئَةً اسْتِدَانَةٌ وَكَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ؛
لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُشَدِّدُ فِي أَمْرِ الدَّيْنِ وَكَانَ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ثُمَّ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ وَوَعَدَ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَعْدًا جَمِيلًا وَكَانَ يَقُولُ «إنَّ اللَّهَ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهُوَ يُرِيدُ قَضَاءَهُ» وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَسَارَعَ قَضَاءَهُ لِئَلَّا يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ، وَهُوَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا حَائِلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالْعَبْدِ بَعْدَ الْكُفْرِ إلَّا الدَّيْنُ إلَّا أَنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَيُرْضِي خُصَمَاءَهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشِّرَاءِ وَالْمُعَامَلَةِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ فَيَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ الْوَثِيقَةُ) بَيَانُهُ أَنَّ الدَّيْنَ لَهُ طَرَفَانِ طَرَفُ الْوُجُوبِ وَطَرَفُ الِاسْتِيفَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ أَوَّلًا فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ يُسْتَوْفَى الْمَالُ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ الْوَثِيقَةُ بِطَرَفِ الْوُجُوبِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالذِّمَّةِ، وَهِيَ الْكَفَالَةُ جَائِزَةٌ فَكَانَتْ الْوَثِيقَةُ الَّتِي بِطَرَفِ الْوُجُوبِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالْمَالِ جَائِزَةً أَيْضًا اعْتِبَارًا بِطَرَفِ الْوُجُوبِ بَلْ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ مَقْصُودٌ وَالْوُجُوبُ وَسِيلَةٌ لِهَذَا الْمَقْصُودِ فَلَمَّا شُرِعَتْ الْوَثِيقَةُ فِي حَقِّ الْوَسِيلَةِ فَلَأَنْ تُشْرَعَ فِي حَقِّ الْمَقْصُودِ أَوْلَى كَذَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْزَادَهْ وَالْوَثِيقَةُ مَا يُوَثَّقُ بِهِ الشَّيْءُ وَيُؤَكَّدُ بِهِ اهـ أَتْقَانِيٌّ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.