ويردّ هديّةً
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَيَرُدُّ هَدِيَّةً إلَّا مِنْ قَرِيبٍ أَوْ مِمَّنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِهِ) أَيْ لَا يَقْبَلُ الْقَاضِي هَدِيَّةً لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ «اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - هَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا» قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَتْ الْهَدِيَّةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَدِيَّةً وَالْيَوْمُ رِشْوَةٌ فَتَعْلِيلُهُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْهَدِيَّةِ الَّتِي سَبَبُهَا الْوِلَايَةُ،
وَيَجِبُ رَدُّهَا عَلَى صَاحِبِهَا فَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا عَلَى مَالِكِهَا وَضَعَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ كَاللُّقَطَةِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَإِنْ كَانَ الْمُهْدِي يَتَأَذَّى بِالرَّدِّ يَقْبَلُهَا وَيُعْطِيهِ مِثْلَ قِيمَتِهَا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي الْمُضْمَرَاتِ إذَا دَخَلَتْ الْهَدِيَّةُ لَهُ مِنْ الْبَابِ خَرَجَتْ الْأَمَانَةُ مِنْ الْكُوَّةِ وَقَدَّمْنَا عَنْ الْأَقْطَعِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْهَدِيَّةِ وَالرِّشْوَةِ أَنَّ الرِّشْوَةَ مَا كَانَ مَعَهَا شَرْطُ الْإِعَانَةِ
بِخِلَافِ الْهَدِيَّةِ وَفِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ مَالٌ يُعْطِيهِ وَلَا يَكُونُ مَعَهَا شَرْطٌ وَالرِّشْوَةُ مَالٌ يُعْطِيهِ بِشَرْطِ أَنْ يُعِينَهُ.
وَذِكْرُ الْهَدِيَّةِ فِي الْكِتَابِ لَيْسَ احْتِرَازِيًّا إذْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الِاسْتِقْرَاضُ وَالِاسْتِعَارَةُ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَبُولُ هَدِيَّتِهِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُ هَدِيَّةَ الْقَرِيبِ لِمَا فِيهَا مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ وَرَدُّهَا قَطِيعَةٌ وَهِيَ حَرَامٌ وَأَطْلَقَهُ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالْمُحَرَّمِ فَخَرَجَ ابْنُ الْعَمِّ مَثَلًا وَمُقَيَّدٌ بِأَنْ لَا تَكُونَ لَهُ خُصُومَةٌ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُ مِمَّنْ لَهُ عَادَةٌ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِلْقَضَاءِ وَلَهُ شَرْطَانِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ خُصُومَةٌ وَأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الْعَادَةِ فَيَرُدُّ الْكُلَّ فِي الْأَوَّلِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فِي الثَّانِي وَقَيَّدَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِأَنْ لَا يَكُونَ مَالُ الْمُهْدِي قَدْ زَادَ فَبِقَدْرِ مَا زَادَ مَالُهُ لَا بَأْسَ بِقَبُولِهِ، وَظَاهِرُ الْعَطْفِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْ الْقَرِيبِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَادَةٌ بِالْإِهْدَاءِ وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَالْأَجْنَبِيِّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَادَةٌ وَإِلَّا فَلَا يَقْبَلُهَا مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِفَقْرِهِ ثُمَّ أَيْسَرَ؛
لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَانِعَ مَا كَانَ إلَّا الْفَقْرُ عَلَى وِزَانِ مَا قَالَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي الزِّيَادَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ لَهُ خُصُومَةٌ لَا يَقْبَلُهَا مُطْلَقًا وَمَنْ لَا خُصُومَةَ لَهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ عَادَةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ قَبِلَ الْمُعْتَادَ وَإِلَّا فَلَا وَفِي تَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ وَلَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً إلَّا مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ أَوْ مِنْ وَالٍ تَوَلَّى الْأَمْرَ مِنْهُ أَوْ وَالٍ مُقَدَّمِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْقَضَاءِ اهـ.
فَعَلَى هَذَا لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا مِنْ السُّلْطَانِ وَمِنْ حَاكِمِ بَلَدِهِ الْمُسَمَّى الْآنَ بِالْبَاشَاهْ وَاقْتَصَرَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَلَى مَنْ وَلَّاهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ لِلْمُسْلِمِينَ عَمَلًا حُكْمُهُ فِي الْهَدِيَّةِ حُكْمُ الْقَاضِي اهـ.
فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ قَبُولُهَا عَلَى الْوَالِي وَالْمُفْتِي، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَقَدْ
قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَالْمُفْتِي قَبُولُ الْهَدِيَّةِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ الْخَاصَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ عَنْهُ الْقَاضِي اهـ.
إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْإِمَامِ إمَامُ الْجَامِعِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّ هَدَايَاهُ لَهُ وَفِيهَا ضَمُّ الْوَاعِظِ إلَى الْمُفْتِي مُعَلَّلًا بِأَنَّهُ إنَّمَا يُهْدَى إلَى الْعَالِمِ لِعِلْمِهِ
بِخِلَافِ الْقَاضِي، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَبِيعُ وَلَا يَشْتَرِي فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ النَّاسَ يُسَاهِلُونَهُ لِأَجْلِ الْقَضَاءِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ هَذَا إذَا كَانَ يَكْفِي الْمُؤْنَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ يُعَامِلُ مَنْ يُحَابِيهِ وَإِلَّا لَا يُكْرَهُ،
وَلَوْ بَاعَ مَالَ الْمَدْيُونِ أَوْ الْمَيِّتِ لَا يُكْرَهُ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَدِيَّةُ الْمُسْتَقْرِضِ لِلْمُقْرِضِ كَالْهَدِيَّةِ لِلْقَاضِي إنْ كَانَ الْمُسْتَقْرِضُ لَهُ عَادَةٌ قَبْلَ اسْتِقْرَاضِهِ فَأَهْدَى إلَى الْمُقْرِضِ فَلِلْمُقْرِضِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ قَدْرَ مَا كَانَ يُهْدِيهِ بِلَا زِيَادَةٍ اهـ. وَهُوَ سَهْوٌ وَالْمَنْقُولُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ آخِرَ الْحَوَالَةِ أَنَّهُ يَحِلُّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ
(قَوْلُهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ بِلَامٍ مَضْمُومَةٍ وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَخُطِّئَ وَتَاءٍ مُثَنَّاةٍ سَاكِنَةٍ، وَحَكَى الْمُنْذِرِيُّ تَحْرِيكَهَا قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ بَنُو لُتْبٍ بَطْنٌ مِنْ الْأَزْدِ وَيُقَالُ الْأَتْيَةُ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَسُكُونِ التَّاءِ قَالَ وَتُحَرَّكُ، ثُمَّ قِيلَ إنَّهَا اسْمُ أُمِّهِ عُرِفَ بِهَا وَكَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ كَذَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي التَّنْقِيحِ لِأَلْفَاظِ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ
(قَوْلُهُ وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ لِلْمُسْلِمِينَ عَمَلًا إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَلِ وِلَايَةٌ نَاشِئَةٌ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ كَالسَّاعِي وَالْعَاشِرِ اهـ.
وَبِهِ يَنْدَفِعُ مُخَالَفَتُهُ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُفْتِي تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ هَدَايَاهُ لَهُ) ذِكْرُ الْخُصُوصِيَّةِ يُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ لِإِمَامٍ غَيْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبُولُهَا، وَإِلَّا انْتَفَتْ الْخُصُوصِيَّةُ تَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْته فِي النَّهْرِ بَحَثَ كَذَلِكَ وَهَذَا يُؤَكِّدُ حَمْلَ الْإِمَامِ فِي كَلَامِ الْخَانِيَّةِ عَلَى إمَامِ الْجَامِعِ.
(ويرد) القاضي (هدية) وهي كما قدمناه ما يعطى بلا شرط
بخلاف الرشوة وإنما يردها لأنها تشبه الرشوة وعلى هذا كانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأفاد بالرد إلى أنه لا يضعها في بيت المال وهو قول عامة المشايخ وإليه أشار في (السير الكبير)
وقيل: يضعها فيه ولا خلاف أنه لو تعذر الرد عليه
إما لعدم معرفته، أو لبعد مكانه أنه يضعها فيه،
فإن جاء المالك ردت عليه،
ولو تأذى المهدي بالرد. قال في (الخلاصة) : يعطيه مثل قيمتها وفي (الفتح) وكل من عمل للمسلمين عملًا حكمه في الهدية حكم القاضي وعارضه في (البحر) بما في (الخانية)
ويجوز للإمام والمفتي قبول الهدية وإجابة الدعوة الخاصة، وزاد في (التتارخانية) الواعظ إلا أن يراد بالإمام إمام الجامع.
وأقول: في (التتارخانية) من خصوصياته ثم الظاهر أن المراد بالعمل ولاية ناشئة من الإمام أو نائبه كالساعي والعاشر ونحوهما
(وَيَرُدُّ هَدِيَّةً إلَّا مِنْ قَرِيبِهِ أَوْ مِمَّنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِذَلِكَ) لِأَنَّ الْأُولَى صِلَةُ الرَّحِمِ وَرَدُّهَا قَطِيعَةٌ وَهِيَ حَرَامٌ وَالْمُرَادُ بِالْقَرِيبِ هُوَ ذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، وَالثَّانِيَةُ لَيْسَتْ لِأَجْلِ الْقَضَاءِ وَإِنَّمَا هِيَ جَرْيٌ عَلَى الْعَادَةِ، فَلَا يُتَوَهَّمُ فِيهِمَا الرِّشْوَةُ حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُمَا خُصُومَةٌ أَوْ زَادَ عَلَى الْعَادَةِ يَرُدُّهُ؛ لِأَنَّهُ لِأَجْلِ الْقَضَاءِ فَيَكُونُ مِنْ الْغُلُولِ كَغَيْرِهِمَا مِنْ الْهَدَايَا؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الرِّشْوَةَ فَيَتَجَنَّبُ عَنْهَا وَعَلَى هَذَا كَانَتْ الصَّحَابَةُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.