ولم يتعيّن شيءٌ من القرآن لصلاةٍ
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ لِصَلَاةٍ) لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} أَرَادَ بِعَدَمِ التَّعْيِينِ عَدَمَ الْفَرْضِيَّةِ وَإِلَّا فَالْفَاتِحَةُ مُتَعَيِّنَةٌ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ لِكُلِّ صَلَاةٍ،
وَأَشَارَ إلَى كَرَاهَةِ تَعْيِينِ سُورَةٍ لِصَلَاةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ هَجْرِ الْبَاقِي وَإِيهَامِ التَّفْضِيلِ كَتَعْيِينِ سُورَةِ السَّجْدَةِ وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ فِي فَجْرِ كُلِّ جُمُعَةٍ وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فِي الْوِتْرِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ مَكْرُوهَةٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ اعْتَقَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ تَجُوزُ بِغَيْرِهِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْكَرَاهَةِ لَمْ يُفَصِّلْ، وَهُوَ إيهَامُ التَّفْضِيلِ وَهَجْرُ الْبَاقِي فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ والإسبيجابي مِنْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ إذَا رَآهُ حَتْمًا يُكْرَهُ غَيْرُهُ
أَمَّا لَوْ قَرَأَ لِلتَّيْسِيرِ عَلَيْهِ أَوْ تَبَرُّكًا بِقِرَاءَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا كَرَاهَةَ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَقْرَأَ غَيْرَهَا أَحْيَانًا لِئَلَّا يَظُنَّ الْجَاهِلُ أَنَّ غَيْرَهَا لَا يَجُوزُ اهـ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ دَلِيلَ كَرَاهَةِ الْمُدَاوَمَةِ إيهَامُ التَّعْيِينِ لَا هَجْرُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ لَمْ يَقْرَأْ الْبَاقِي فِي صَلَاةٍ أُخْرَى،
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ عَدَمُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعَدَمِ كَمَا يَفْعَلُهُ حَنَفِيَّةُ الْعَصْرِ بَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ ذَلِكَ أَحْيَانًا تَبَرُّكًا بِالْمَأْثُورِ فَإِنَّ الْإِيهَامَ يَنْتَفِي بِالتَّرْكِ أَحْيَانًا وَلِذَا قَالُوا: السُّنَّةُ أَنْ يَقْرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ بِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَظَاهِرُ هَذَا إفَادَةُ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِيهَامَ الْمَذْكُورَ مُنْتَفٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُصَلِّي نَفْسِهِ. اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ كَرَاهَةِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى قِرَاءَةِ السُّوَرِ الثَّلَاثِ فِي الْوِتْرِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ فِي رَمَضَانَ إمَامًا أَوْ لَا، فَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ إيهَامُ التَّعْيِينِ،
وَأَمَّا عَلَى مَا عَلَّلَ بِهِ الْمَشَايِخُ مِنْ هَجْرِ الْبَاقِي فَهُوَ مَوْجُودٌ سَوَاءٌ كَانَ يُصَلِّي وَحْدَهُ أَوْ إمَامًا وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الْفَرْضِ أَوْ فِي غَيْرِهِ فَتُكْرَهُ الْمُدَاوَمَةُ مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ وَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ إلَخْ) هَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ: فَالْحَقُّ أَنَّهُ أَيْ دَلِيلَ الْكَرَاهَةِ إيهَامُ التَّعْيِينِ اهـ.
وَمُقْتَضَى جَعْلِ دَلِيلِ الْكَرَاهَةِ ذَلِكَ دُونَ هَجْرِ الْبَاقِي أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ التَّعْيِينُ لِلْمُنْفَرِدِ لِانْتِفَاءِ الْإِيهَامِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ الْفَتْحِ مَعَ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ وَنَظَرَ فِيهِ بِمَا سَيَنْقُلُهُ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ
(قَوْلُهُ فَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَبْنِيٌّ إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: قَدْ عَلَّلَ الْمَشَايِخُ بِهِمَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْهِدَايَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا عِلَّتَانِ وَبِهَذَا اتَّجَهَ مَا فِي الْفَتْحِ
(ولم يتعين شيء من القرآن لصلاة) بحيث لا يصح بغيره خلافًا للشافعي في تعينه الفاتحة كذا في الشرح واستثنى العيني الفاتحة مدعيًا أن ذكر خلاف الشافعي في هذا المقام غير موجه لما أنها متعينة إجماعًا إنما الخلاف في جهة التعيين فعنده الفريضة وعندنا الوجوب ولا يخفى أن المتبادر من تعيين شيء لشيء أداه اختصاصه به بحيث لا يصح بغيره فما في الشرح أوجه وإذا لم يعين الشارع عليه شيئًا تيسيرًا كره أن يعين كالسجدة والإنسان لفجر الجمعة لما فيه من هجر الباقي وإيهام التفضيل كذا في (الهداية) .
وقيده الإسبيجابي وغيره بما إذا رآه حتمًا لا يجوز غيره أو يكره
أما لو كان للتيسير عليه أو تبركًا بالمأثور فلا يكره بشرط أن يقرأ غيرهما أحيانًا كيلا يظن أن غيرهما لا يجوز
قال في (الفتح) : ولا تحرير في هذه العبارة بعد العلم بأن الكلام في المداومة والحق أنها مطلقًا مكروهة سواء رآه حتمًا يكره غيره أو لا إذ دليل الكراهة وهو إيهام التفضيل لم يفصل ومقتضى الدليل عدم المداومة لا المداومة على العدم كما يفعله حنفية العصر بل يستحب قراءة ذلك أحيانًا ولذا قالوا: السنة أن يقرأ في ركعتي الفجر بالكافرون والإخلاص وظاهر هذا إفاده المواظبة إذ الإيهام متفق بالنسبة ولا يقرأ المؤتم بل يستمع وينصت وإن قرأ آية الترغيب أو الترهيب إلى المصلي نفسه
قال في (البحر) : وهذا مبني على أن العلة إيهام التعيين
أما على ما علل به المشايخ من هجر الباقي فلا فرق في كراهة المداومة بين المنفرد والإمام والسنة والفرض وأقول: قد علل المشائخ بهما كما قدمناه عن (الهداية) والظاهر أنهما علة واحدة لا علتان وبهذا يتجه ما في (الفتح)
(وَلَمْ يَتَعَيَّنْ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ لِصَلَاةٍ) لِإِطْلَاقِ مَا تَلَوْنَا وَمَا رَوَيْنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَتَعَيَّنُ الْفَاتِحَةُ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَيَانِ الْوَاجِبَاتِ
وَيُكْرَهُ أَيْضًا أَنْ يُؤَقِّتَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ لِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ مِثْلُ أَنْ يَقْرَأَ أَلَمْ السَّجْدَةُ وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَسُورَةِ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ والإسبيجابي هَذَا إذَا رَآهُ حَتْمًا وَاجِبًا بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُمَا أَوْ رَأَى قِرَاءَةَ غَيْرِهِمَا مَكْرُوهًا
أَمَّا لَوْ قَرَأَ لِأَجْلِ التَّيْسِيرِ عَلَيْهِ أَوْ تَبَرُّكًا بِقِرَاءَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَا كَرَاهِيَةَ فِي ذَلِكَ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقْرَأَ غَيْرَهُمَا أَحْيَانًا لِئَلَّا يَظُنَّ الْجَاهِلُ أَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يَجُوزُ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ: لَكِنْ يُشْتَرَطُ إلَى آخِرِهِ) قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَا تَحْرِيرَ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُدَاوَمَةِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ مُطْلَقًا مَكْرُوهَةٌ سَوَاءٌ رَآهُ حَتْمًا يُكْرَهُ غَيْرُهُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْكَرَاهَةِ لَا يُفَصِّلُ وَهُوَ إيهَامُ التَّفْصِيلِ وَهَجْرُ الْبَاقِي لَكِنَّ الْهِجْرَانَ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ لَمْ يَقْرَأْ الْبَاقِيَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى فَالْحَقُّ أَنَّهُ إيهَامُ التَّعْيِينِ، ثُمَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ عَدَمُ الْمُدَاوَمَةِ لَا الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْعَدَمِ كَمَا يَفْعَلُهُ حَنَفِيَّةُ الْعَصْرِ بَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ بِذَلِكَ أَحْيَانًا تَبَرُّكًا بِالْمَأْثُورِ فَإِنَّ لُزُومَ الْإِيهَامِ يَنْتَفِي بِالتَّرْكِ أَحْيَانًا وَلِذَا قَالُوا السُّنَّةُ أَنْ يَقْرَأَ فِي سُنَّةِ الْفَجْرِ بِقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَظَاهِرُ هَذَا إفَادَةُ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ وَذَلِكَ؛
لِأَنَّ الْإِيهَامَ الْمَذْكُورَ مُنْتَفٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُصَلِّي نَفْسِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: لِئَلَّا يَظُنَّ الْجَاهِلُ إلَى آخِرِهِ) وَلِهَذَا ذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ يُكْرَهُ تَخْصِيصُ الْمَكَانِ فِي الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ تَصِيرُ الصَّلَاةُ طَبْعًا وَالْعِبَادَةُ مَتَى صَارَتْ طَبْعًا فَسَبِيلُهَا التَّرْكُ وَلِهَذَا كُرِهَ صَوْمُ الْأَبَدِ. اهـ. كَاكِيٌّ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.