فلو تيقنهما وجهل السابق فضد ما قبلهما في الأصح.
الشروح عليها
(فَلَوْ تَيَقَّنَهُمَا وَجَهِلَ السَّابِقَ مِنْهُمَا فَضِدُّ مَا قَبْلَهُمَا فِي الْأَصَحِّ) صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ أَوْقَع طُهْرًا وَحَدَثًا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مَثَلًا، وَيَجْهَلُ السَّابِقُ مِنْهُمَا فَيُؤْمَرُ بِالتَّذَكُّرِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَهَا فَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا رَفْعَ الْحَدَثِ الْوَاقِعِ قَبْلَهَا بِالطُّهْرِ الْوَاقِعِ بَعْدَهَا وَشَكَكْنَا فِي رَافِعِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا مُتَطَهِّرًا، وَهُوَ مِمَّنْ يَعْتَادُ التَّجْدِيدَ أَخَذَ بِالضِّدِّ فَيَكُونُ الْآنَ مُحْدِثًا،
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَعْتَادُهُ أَخَذَ بِالْمِثْلِ فَيَكُونُ مُتَطَهِّرًا؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا تَوَسُّطَ الْحَدَثِ بَيْنَ الطُّهْرَيْنِ،
فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ شَيْئًا فَالْوُضُوءُ إنْ اعْتَادَ التَّجْدِيدَ وَإِلَّا فَمُتَطَهِّرٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَتَثْبُتُ عَادَةُ التَّجْدِيدِ وَلَوْ بِمَرَّةٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يَنْظُرُ إلَى مَا قَبْلَهُمَا فَيَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ بِكُلِّ حَالٍ احْتِيَاطًا.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا.
فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الِاسْتِنْجَاءِ اعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ الْآدَابِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ إلَّا الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ وَالِاسْتِنْجَاءَ بِشُرُوطِهَا الْآتِيَةِ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِنْجَاءِ وبِالِاسْتِطَابَةِ وَبِالِاسْتِجْمَارِ، وَالْأَوَّلَانِ يَعُمَّانِ الْمَاءَ وَالْحَجَرَ،
وَالثَّالِثُ يَخْتَصُّ بِالْحَجَرِ، وَهُوَ مِنْ نَجَوْتُ الشَّجَرَةَ إذَا قَطَعْتُهَا، كَأَنَّ الْمُسْتَنْجِيَ يَقْطَعُ الْأَذَى عَنْ نَفْسِهِ وَقَدَّمَ هَذَا الْفَصْلَ عَلَى الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ يُسَنُّ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ فِي حَقِّ السَّلِيمِ، وَأَخَّرَهُ عَنْهُ فِي الرَّوْضَةِ إشَارَةً إلَى جَوَازِ تَأْخِيرِهِ عَنْهُ فِي حَقِّ مَنْ ذُكِرَ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ شَيْئًا فَالْوُضُوءُ) أَيْ فَالْوَاجِبُ الْوُضُوءُ.
بَقِيَ مَا لَوْ عَلِمَ قَبْلَهُمَا حَدَثًا وَطُهْرًا وَجَهِلَ أَسْبَقَهُمَا فَيُنْظَرُ مَا قَبْلَهُمَا،
فَإِنْ تَذَكَّرَ طُهْرًا فَقَطْ أَوْ حَدَثًا كَذَلِكَ أَخَذَ بِمِثْلِهِ أَوْ ضِدِّهِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ،
فَإِنْ تَيَقَّنَهُمَا فِيهِ أَيْضًا وَجَهِلَ أَسْبَقَهُمَا أُخِذَ بِضِدِّ مَا قَبْلَهُمَا إنْ ذَكَرَ أَحَدُهُمَا فِيهِ، وَهَكَذَا يَأْخُذُ فِي الْوِتْرِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الِاشْتِبَاهُ بِضِدِّهِ إذَا ذَكَرَهُ فِي الْوِتْرِ، وَيَأْخُذُ فِي الشَّفْعِ الَّذِي فِيهِ الِاشْتِبَاهُ بِمِثْلِ الْفَرْدِ الَّذِي قَبْلَهُ مَعَ اعْتِبَارِ عَادَةِ تَجْدِيدِهِ وَعَدَمِهَا،
فَإِذَا تَيَقَّنَهُمَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَهُ وَقَبْلَ الْعِشَاءِ وَعَلِمَ أَنَّهُ قَبْلَ الْمَغْرِبِ مُحْدِثٌ أَخَذَ فِي الْوِتْرِ وَهُوَ مَا قَبْلَ الْعِشَاءِ إذْ هُوَ أَوَّلُ أَوْقَاتِ الِاشْتِبَاهِ بِضِدِّ الْحَدَثِ فَيَكُونُ فِيهِ مُتَطَهِّرًا،
وَفِي الشَّفْعِ وَهُوَ مَا قَبْلَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ ثَانِيهَا بِمِثْلِهِ فَيَكُونُ فِيهِ مُحْدِثًا إنْ اعْتَادَ تَجْدِيدًا، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ فِيمَا بَعْدَ الْفَجْرِ مُتَطَهِّرًا،
فَإِنْ لَمْ يَعْتَدَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا فِيمَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَفِيمَا بَعْدَهُ،
وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ قَبْلَ الْمَغْرِبِ كَانَ مُتَطَهِّرًا أَخَذَ فِي الْوِتْرِ وَهُوَ مَا قَبْلَ الْعِشَاءِ بِضِدِّهِ فَيَكُونُ مُحْدِثًا إنْ اعْتَادَ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ فِيمَا قَبْلَ الْفَجْرِ مُتَطَهِّرًا وَفِيمَا بَعْدَهُ مُحْدِثًا،
فَإِنْ لَمْ يَعْتَدَّ كَانَ قَبْلَ الْعِشَاءِ مُتَطَهِّرًا
وَكَذَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَكَذَا بَعْدَهُ، إذْ الظَّاهِرُ تَأَخُّرُ طُهْرِهِ عَنْ حَدَثٍ فِي الْجَمِيعِ. وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْأَخْذَ بِالضِّدِّ تَارَةً وَبِالْمِثْلِ أُخْرَى إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا عَلِمَ الْحَدَثَ دُونَ مَا إذَا عَلِمَ الطُّهْرَ وَهُوَ لَا يَعْتَادُ التَّجْدِيدَ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِالْمِثْلِ فِي الْمَرَاتِبِ كُلِّهَا قَالَهُ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ.
[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الِاسْتِنْجَاءِ وَآدَابِهِ] فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الِاسْتِنْجَاءِ
(قَوْلُهُ: فِي أَحْكَامِ الِاسْتِنْجَاءِ) أَيْ فِي آدَابِ الْخَلَاءِ مُحَلًّى وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ كَانَ أَوْلَى، وَلَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ الْمَقْصُودُ، لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ مُطَهِّرٌ وَالْكَلَامُ فِي الطَّهَارَةِ، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِنَا كَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ سُرَاقَةَ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ اهـ سَمَّ فِي شَرْحِ الْغَايَةِ.
قُلْت: الْمُرَادُ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ فَقَطْ كَمَا نُقِلَ عَنْ السُّيُوطِيّ، وَعِبَارَتُهُ فِي الْيَنْبُوعِ: قُلْت ذَكَرَ ابْنُ سُرَاقَةَ فِي الْإِعْدَادِ وَغَيْرِهِ أَنَّ إجْزَاءَ الْحَجَرِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ اهـ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِنَا مُطْلَقًا وَلَيْسَ مُرَادًا، وَيَدُلُّ لِمَا قَالَهُ السُّيُوطِيّ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ أَبُو اللَّيْثِ نَصْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي بُسْتَانِ الْعَارِفِينَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَنْبِيَاءِ مَا نَصُّهُ: وَكَانَ إبْرَاهِيمُ أَوَّلَ مَنْ اسْتَاكَ وَأَوَّلَ مَنْ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ وَأَوَّلَ مَنْ جَزَّ شَارِبَهُ وَأَوَّلَ مَنْ رَأَى الشَّيْبَ وَأَوَّلَ مَنْ اخْتَتَنَ وَأَوَّلَ مَنْ اتَّخَذَ السَّرَاوِيلَ وَثَرَدَ الثَّرِيدَ
(قَوْلُهُ: مِنْ الْآدَابِ) جَمْعُ أَدَبٍ وَهُوَ الْمُسْتَحَبُّ، وَعَلَيْهِ فَلَيْسَ مِنْهَا مَا يَأْتِي مِنْ وُجُوبِ عَدَمِ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ لِلْقِبْلَةِ بِالصَّحْرَاءِ، فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالْآدَابِ تَغْلِيبًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَدَبِ هُنَا الْمَطْلُوبُ شَرْعًا فَيَشْمَلُ الْمُسْتَحَبَّ وَالْوَاجِبَ، وَعَلَيْهِ فَلَا تَغْلِيبَ فِي الْعِبَارَةِ
(قَوْلُهُ: وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِنْجَاءِ) الضَّمِيرُ فِي عَنْهُ لِلِاسْتِنْجَاءِ بِمَعْنَى الْإِزَالَةِ وَهُوَ غَيْرُ لَفْظِ الِاسْتِنْجَاءِ فَلَمْ يَتَّحِدْ الْمُعَبَّرُ بِهِ مَعَ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُسَنُّ تَقْدِيمُهُ إلَخْ) أَيْ وَلِأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ الْوُضُوءَ أَنْ يُفَرِّغَ نَفْسَهُ أَوَّلًا مِمَّا يَمْنَعُ الْخُشُوعَ،
فَمِنْ ثَمَّ قَدَّمَ آدَابَ الْخَلَاءِ
(قَوْلُهُ: فِي حَقِّ السَّلِيمِ) وَيَجِبُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ
(قَوْلُهُ: مَنْ ذُكِرَ) أَيْ السَّلِيمُ
(قَوْلُهُ: فِي أَحْكَامِ الِاسْتِنْجَاءِ) أَيْ وَآدَابُ الْخَلَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّهَا فِي الْفَصْلِ تَبَعٌ لِلِاسْتِنْجَاءِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ بِالذَّاتِ، إذْ الْكَلَامُ فِي الطِّهَارَاتِ وَلَا يَضُرُّ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ فِي الذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِتَقَدُّمِهَا فِي الْوَاقِعِ
(قَوْلُهُ: إلَّا الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ) يَعْنِي مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا، إذْ الْأَدَبُ إنَّمَا هُوَ تَرْكُهُمَا لَا هُمَا إذْ هُمَا
إمَّا حَرَامَانِ أَوْ مَكْرُوهَانِ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى أَوْ مُبَاحَانِ كَمَا يَأْتِي
(قَوْلُهُ: وَالِاسْتِنْجَاءُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يُعْتَبَرُ عَنْهُ.
وَوَقَعَ فِي نُسَخٍ زِيَادَةُ وَاوٍ قَبْلَ يُعَبَّرُ وَهِيَ غَيْرُ صَوَابٍ، وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِنْجَاءِ هُنَا الْفِعْلُ الْمَخْصُوصُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بِشُرُوطِهِ الْآتِيَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِيمَا بَعْدَهُ اللَّفْظُ، فَلَا اتِّحَادَ فِي الْمُعَبَّرِ بِهِ، وَالْمُعَبَّرِ عَنْهُ
(فَلَوْ تَيَقَّنَهُمَا) بِأَنْ وُجِدَا مِنْهُ بَعْدَ الشَّمْسِ مَثَلًا (وَجَهِلَ السَّابِقَ) مِنْهُمَا (فَضِدُّ مَا قَبْلَهُمَا) يَأْخُذُ بِهِ بِتَفْصِيلِهِ الْمَطْوِيِّ اخْتِصَارًا (فِي الْأَصَحِّ) ،
فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُمَا مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ مُطْلَقًا لِتَيَقُّنِهِ الطُّهْرَ وَشَكِّهِ فِي تَأَخُّرِ الْحَدَثِ عَنْهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُ تَأَخُّرِهِ أَوْ مُتَطَهِّرًا،
فَإِنْ اُحْتُمِلَ وُقُوعُ تَجْدِيدٍ مِنْهُ فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ لِتَيَقُّنِ رَفْعِ الْحَدَثِ لِأَحَدِ طُهْرَيْهِ مَعَ الشَّكِّ فِي تَأَخُّرِ الطُّهْرِ الْآخَرِ عَنْهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُ تَأَخُّرِهِ وَقَرِينَةُ احْتِمَالِ التَّجْدِيدِ تُؤَيِّدُهُ،
وَإِنْ لَمْ يُحْتَمَلْ فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ تَأَخُّرُ طُهْرِهِ الثَّانِي عَنْ حَدَثِهِ وَلَوْ عَلِمَ قَبْلَهُمَا طَهَارَةً وَحَدَثًا وَجَهِلَ أَسْبَقَهُمَا نَظَرَ لِمَا قَبْلَ قَبْلِهِمَا وَهَكَذَا ثُمَّ أَخَذَ بِالضِّدِّ فِي الْأَوْتَارِ وَبِالْمِثْلِ فِي الْأَشْفَاعِ بَعْدَ اعْتِبَارِ احْتِمَالِ وُقُوعِ التَّجْدِيدِ وَعَدَمِهِ كَمَا بَيَّنْته بِمَا فِيهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ،
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا قَبْلَهُمَا لَزِمَهُ الْوُضُوءُ بِكُلِّ حَالٍ حَيْثُ اُحْتُمِلَ وُقُوعُ تَجْدِيدٍ مِنْهُ لِتَعَارُضِ الِاحْتِمَالَيْنِ بِلَا مُرَجِّحٍ
بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُحْتَمَلْ وُقُوعُ تَجْدِيدٍ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِالطُّهْرِ بِكُلِّ حَالٍ فَلَا أَثَرَ لِتَذَكُّرِهِ وَعَدَمِهِ (فَصْلٌ) فِي آدَابِ قَاضِي الْحَاجَةِ ثُمَّ الِاسْتِنْجَاءِ
(قَوْلُهُ: بِتَفْصِيلِهِ) أَيْ الْآتِي آنِفًا فِي الشَّارِحِ
(قَوْلُهُ: الْمَطْوِيِّ إلَخْ) أَيْ فِي الْمَتْنِ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُمَا) إلَى قَوْلِهِ وَلَا أَثَرَ فِي النِّهَايَةِ إلَى قَوْلِهِ مُطْلَقًا وَقَوْلُهُ وَلَوْ عَلِمَ إلَى،
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَقَوْلُهُ بِكُلِّ حَالٍ إلَى قَوْلِهِ وَعَدَمُهُ فِي الْمُغْنِي إلَى قَوْلِهِ بِكُلِّ حَالِ الْأَوَّلِ
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ اعْتَادَ تَجْدِيدَ الطَّهَارَةِ أَمْ لَا مُغْنِي
(قَوْلُهُ: لِتَيَقُّنِهِ الطُّهْرَ إلَخْ) قَدْ يُعَارَضُ بِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي تَأَخُّرِ الطُّهْرِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَيُجَابُ بِتَيَقُّنِ رَفْعِ الطَّهَارَةِ أَحَدُ الْحَدَثَيْنِ فَقَوِيَ اعْتِبَارُهَا سم.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ اُحْتُمِلَ وُقُوعُ تَجْدِيدٍ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ اعْتَادَ تَجْدِيدَ الطَّهَارَةِ،
وَإِنْ لَمْ تَطَّرِدْ عَادَتُهُ مُغْنِي زَادَ النِّهَايَةُ وَتَثْبُتُ عَادَةُ التَّجْدِيدِ وَلَوْ بِمَرَّةٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اهـ
(قَوْلُهُ: لِأَحَدِ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِالرَّفْعِ الْمُضَافِ إلَى فَاعِلِهِ
(قَوْلُهُ الْآخِرِ) بِكَسْرِ الْخَاءِ
(قَوْلُهُ: عَنْهُ) أَيْ رَفْعُ الْحَدَثِ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّأَخُّرِ
(قَوْلُهُ: عَدَمُ تَأَخُّرِهِ) أَيْ الطُّهْرِ الْآخِرِ
(قَوْلُهُ: تُؤَيِّدُهُ) أَيْ عَدَمُ تَأَخُّرِهِ خَبَرُ وَقَرِينَةُ إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يُعْتَدْ التَّجْدِيدُ مُغْنِي وَنِهَايَةٌ
(قَوْلُهُ: لِمَا قَبْلَ قَبْلِهِمَا) الْأَوْلَى الْأَخْصَرُ حَذْفُ قَبْلَ كَمَا فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ أُخِذَ بِالضِّدِّ فِي الْأَوْتَارِ إلَخْ) تَوْضِيحُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ تَيَقَّنَ طُهْرًا وَحَدَثًا بَعْدَ الشَّمْسِ مَثَلًا وَجَهِلَ أَسْبَقَهُمَا وَتَيَقَّنَهُمَا قَبْلَ الْفَجْرِ كَذَلِكَ وَتَيَقَّنَهُمَا قَبْلَ الْعِشَاءِ كَذَلِكَ فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ أُولَاهَا مَا قَبْلَ الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ مَرَاتِبِ الشَّكِّ وَمَا قَبْلَ الْفَجْرِ هُوَ الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ وَمَا بَعْدَ الشَّمْسِ هُوَ الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ فَيُنْظَرُ إلَى مَا قَبْلَ الْعِشَاءِ كَقَبْلِ الْمَغْرِبِ،
فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ إذْ ذَاكَ مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ قَبْلَ الْعِشَاءِ مُتَطَهِّرٌ أَوْ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ إنْ اعْتَادَ التَّجْدِيدَ وَإِلَّا فَمُتَطَهِّرٌ ثُمَّ يُنْقَلُ الْكَلَامُ إلَى الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ مَا قَبْلَ الْفَجْرِ،
فَإِنْ كَانَ حُكِمَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعِشَاءِ بِالْحَدَثِ فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ إلَى آخِرِ مَا سَبَقَ ثُمَّ يُنْقَلُ الْكَلَامُ إلَى مَا بَعْدَ الشَّمْسِ مِثْلَ مَا سَبَقَ فَقَوْلُ الْمُحَشِّي أَيْ الزِّيَادِيِّ يَأْخُذُ فِي الْوِتْرِ بِالضِّدِّ وَفِي الشَّفْعِ بِالْمِثْلِ مُرَادُهُ الضِّدُّ وَالْمِثْلُ بِالنَّظَرِ لِمَا قَبْلَ أَوَّلِ مَرَاتِبِ الشَّكِّ، وَهُوَ الْمُتَيَقَّنُ لَا بِالنَّظَرِ لِمَا قَبْلَ آخِرِهَا وَالْوِتْرُ أَوَّلُ مَرَاتِبِ الشَّكِّ كَقَبْلِ الْعِشَاءِ وَالْمُتَيَقَّنُ حَالُهُ قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَالشَّفْعُ ثَانِي الْمَرَاتِبِ، وَهُوَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَحَالُهُ بَعْدَ الشَّمْسِ وِتْرٌ؛
لِأَنَّهَا ثَالِثَةٌ وَهَكَذَا عَلَى سُلُوكِ طَرِيقِ التَّرَقِّي كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ ع ش عَلَى م ر اهـ حِفْنِي وَإِذَا تَأَمَّلْت ذَلِكَ تَجِدُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَرَاتِبِ ضِدَّ مَا قَبْلَهَا فَإِذَا كَانَ قَبْلَ أَوَّلِ الْمَرَاتِبِ مُحْدِثًا فَهُوَ فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى مُتَطَهِّرٌ،
وَإِذَا حَكَمْنَا عَلَيْهِ بِالتَّطَهُّرِ فَهُوَ فِي الثَّانِيَةِ مُحْدِثٌ إنْ اعْتَادَ التَّجْدِيدَ،
فَإِنْ لَمْ يَعْتَدْهُ فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ أَيْضًا،
وَإِذَا حَكَمْنَا عَلَيْهِ بِالْحَدَثِ فِي الثَّانِيَةِ فَهُوَ فِي الثَّالِثَةِ مُتَطَهِّرٌ،
وَإِذَا حَكَمْنَا عَلَيْهِ بِالتَّطَهُّرِ فَفِي الثَّالِثَةِ مُحْدِثٌ إنْ اعْتَادَ التَّجْدِيدَ،
فَإِنْ لَمْ يَعْتَدْهُ فَمُتَطَهِّرٌ وَهَكَذَا فِي جَمِيعِ الْمَرَاتِبِ بُجَيْرِمِيٌّ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ إلَخْ) مُحْتَرَزُ قَيْدٍ مَلْحُوظٍ فِيمَا سَبَقَ تَقْدِيرُهُ فَضِدُّ مَا قَبْلَهُمَا يَأْخُذُ بِهِ إنْ عَلِمَهُ بُجَيْرِمِيٌّ
(قَوْلُهُ: مَا قَبْلَهُمَا) أَيْ أَصْلًا وَلَوْ بِمَرَاتِبَ
(قَوْلُهُ: بِكُلِّ حَالٍ) لَمْ يَظْهَرْ الْمُرَادُ بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَلَا النِّهَايَةُ وَالْمُغْنِي وَقَوْلُ الْكُرْدِيِّ أَيْ سَوَاءٌ عَلَى مَا قَبْلَ مَا قَبْلَهُمَا أَمْ لَا اهـ ظَاهِرُ السُّقُوطِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ،
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا قَبْلَهُمَا الْمُرَادُ بِهِ الْعُمُومُ وَالِاسْتِغْرَاقُ كَمَا مَرَّ
(قَوْلُهُ: لِتَعَارُضِ الِاحْتِمَالَيْنِ) أَيْ الْحَدَثِ وَالطُّهْرِ بُجَيْرِمِيٌّ
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُحْتَمَلْ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي
أَمَّا مَنْ يُعْتَادُ التَّجْدِيدُ فَيَأْخُذُ الطَّهَارَةَ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِكُلِّ حَالٍ) أَيْ عَلِمَ مَا قَبْلَهُمَا أَمْ لَا ثُمَّ الْأَوْلَى إسْقَاطُهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَعَ عَدَمِ التَّذَكُّرِ [فَصْلٌ فِي آدَابِ قَاضِي الْحَاجَةِ ثُمَّ الِاسْتِنْجَاءِ] (فَصْلٌ فِي آدَابِ قَاضِي الْحَاجَةِ) وَالْآدَابُ بِالْمَدِّ جَمْعُ أَدَبٍ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْمَطْلُوبُ شَرْعًا فَيَشْمَلُ الْمُسْتَحَبَّ وَالْوَاجِبَ ع ش.
(قَوْلُهُ: نَدْبًا) كَذَا فِي الْمُغْنِي وَقَالَ النِّهَايَةُ اعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنْ الْآدَابِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ إلَّا الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ اهـ قَالَ الرَّشِيدِيُّ قَوْلُهُ: إلَّا الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ يَعْنِي مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا إذْ الْأَدَبُ إنَّمَا هُوَ تَرْكُهُمَا إذْ هُمَا
إمَّا حَرَامَانِ أَوْ مَكْرُوهَانِ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى أَوْ مُبَاحَانِ كَمَا يَأْتِي اهـ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ الِاسْتِنْجَاءِ) أَيْ آدَابِ الِاسْتِنْجَاءِ بِمَعْنَى الْإِزَالَةِ قَالَ النِّهَايَةُ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِنْجَاءِ وَبِالِاسْتِطَابَةِ وَبِالِاسْتِجْمَارِ وَالْأَوَّلَانِ يَعُمَّانِ الْمَاءَ وَالْحَجَرَ وَالثَّالِثُ يَخْتَصُّ بِالْحَجَرِ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِتَيَقُّنِهِ الطُّهْرَ إلَخْ) قَدْ يُعَارَضُ بِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي تَأَخُّرِ الطُّهْرِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَيُجَابُ بِتَيَقُّنِ رَفْعِ الطَّهَارَةِ أَحَدَ الْحَدَثَيْنِ فَقَوِيَ اعْتِبَارُهَا (فَصْلٌ)
لا زيادة له على هذه المسألة.
(فَلَوْ تَيَقَّنَهُمَا) أَيْ الطُّهْرَ وَالْحَدَثَ بِأَنْ وُجِدَا مِنْهُ بَعْدَ الشَّمْسِ مَثَلًا (وَجَهِلَ السَّابِقَ) مِنْهُمَا (فَضِدُّ مَا قَبْلَهُمَا) يَأْخُذُ بِهِ (فِي الْأَصَحِّ) فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُمَا مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ اعْتَادَ تَجْدِيدَ الطَّهَارَةِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَشَكَّ فِي تَأَخُّرِ الْحَدَثِ عَنْهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ،
وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُمَا مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ، وَشَكَّ فِي تَأَخُّرِ الطَّهَارَةِ عَنْهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، هَذَا إنْ اعْتَادَ تَجْدِيدَ الطَّهَارَةِ،
وَإِنْ لَمْ تَطَّرِدْ عَادَتُهُ. أَمَّا إذَا لَمْ يَعْتَدْ التَّجْدِيدَ فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ تَأَخُّرُهَا عَنْ الْحَدَثِ،
فَإِنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَهُمَا مُتَطَهِّرًا أَوْ مُحْدِثًا أَخَذَ بِمَا قَبْلَ الْأَوَّلَيْنِ عَكْسَ مَا مَرَّ قَالَهُ فِي الْبَحْرِ، قَالَ: وَهُمَا فِي الْمَعْنَى سَوَاءٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْوَقْتُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الِاشْتِبَاهُ وِتْرًا أَخَذَ بِالضِّدِّ أَوْ شَفْعًا فَبِالْمِثْلِ بَعْدَ اعْتِبَارِ التَّجْدِيدِ وَعَدَمِهِ،
فَإِنْ جَهِلَ مَا قَبْلَهُمَا وَجَبَ الْوُضُوءُ لِتَعَارُضِ الِاحْتِمَالَيْنِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الصَّلَاةِ مَعَ التَّرَدُّدِ الْمَحْضِ فِي الطَّهَارَةِ، وَهَذَا فِيمَنْ يَعْتَادُ التَّجْدِيدَ.
أَمَّا غَيْرُهُ فَيَأْخُذُ بِالطَّهَارَةِ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ فَلَا أَثَرَ لِتَذَكُّرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَنْظُرُ إلَى مَا قَبْلَهُمَا، وَيَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ بِكُلِّ حَالٍ احْتِيَاطًا، وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحَيْ الْمَذْهَبِ وَالْوَسِيطِ وَاخْتَارَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَ جَمَاعَاتٍ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا.
وَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: إنَّهُ الْمُفْتَى بِهِ لِذَهَابِ الْأَكْثَرِينَ إلَيْهِ: أَيْ وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ الشَّمْسِ بَطَلَ يَقِينًا وَمَا بَعْدَهُ مُعَارَضٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ ظُهْرٍ مَعْلُومٍ أَوْ مَظْنُونٍ، وَمَعَ هَذَا فَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَالتَّحْقِيقِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: إنْ مَبْنَى الْفِقْهِ عَلَى أَرْبَعِ قَوَاعِدَ: الْيَقِينُ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ، وَالضَّرَرُ يُزَالُ، وَالْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ وَالْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ. قَالَ بَعْضُهُمْ وَالْأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا، ثُمَّ قَالَ: بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، وَالْفِقْهُ عَلَى خَمْسٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَرْجِعُ الْفِقْهُ كُلُّهُ إلَى اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ: بَلْ إلَى اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَمُوجِبُ الطَّهَارَةِ وُضُوءًا وَغُسْلًا هَلْ هُوَ الْحَدَثُ أَوْ الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا أَوْ هُمَا أَوْجُهٌ؟
(فَلَوْ تَيَقَّنَهُمَا) أَيْ الطُّهْرَ وَالْحَدَثَ بِأَنْ وُجِدَا مِنْهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مَثَلًا (وَجَهِلَ السَّابِقَ) مِنْهُمَا (فَضِدُّ مَا قَبْلَهُمَا) يَأْخُذُ بِهِ (فِي الْأَصَحِّ) فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُمَا مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي تَأَخُّرِ الْحَدَثِ عَنْهَا. وَالْأَصْلُ عَدَمُ تَأَخُّرِهِ،
وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُمَا مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ، وَشَكَّ فِي تَأَخُّرِ الطَّهَارَةِ عَنْهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُ تَأَخُّرِهَا إنْ كَانَ يَعْتَادُ تَجْدِيدَ الطَّهَارَةِ،
فَإِنْ لَمْ يَعْتَدَّ تَجْدِيدَهَا فَالظَّاهِرُ تَأَخُّرُهَا عَنْ الْحَدَثِ فَيَكُونُ الْآنَ مُتَطَهِّرًا،
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا قَبْلَهُمَا لَزِمَهُ الْوُضُوءُ لِتَعَارُضِ الِاحْتِمَالَيْنِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يَنْظُرُ إلَى مَا قَبْلَهُمَا وَيَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ بِكُلِّ حَالٍ احْتِيَاطًا
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ جَمَاعَاتٍ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ) سَوَاءٌ اعْتَادَ التَّجْدِيدَ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ) أَيْ الرَّافِعَةَ لِلْحَدَثِ الَّذِي قَبْلَ الشَّمْسِ الَّذِي ذَكَرَهُ، فَلَا مُعَارَضَةَ بِالْمِثْلِ
قَوْلُهُ: (وَشَكَّ فِي تَأَخُّرِ الطَّهَارَةِ) أَيْ الثَّانِيَةِ الَّتِي بَعْدَ الشَّمْسِ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ يَعْتَادُ تَجْدِيدَ الطَّهَارَةِ) وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ وَلَوْ بِمَرَّةٍ فِي عُمْرِهِ الْمَاضِي.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا قَبْلَهُمَا) أَخَذَ بِمِثْلِ مَا قَبْلَ مَا قَبْلَهُمَا فَيَأْخُذُ فِي الْإِفْرَادِ بِالضِّدِّ وَفِي الْإِشْفَاعِ بِالْمِثْلِ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ الْوُضُوءُ بِكُلِّ حَالٍ) أَيْ إنْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ، وَكَانَ يَعْتَادُ التَّجْدِيدَ وَإِلَّا فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ دَائِمًا.
فَائِدَةٌ) قَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يُرْفَعُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ إلَّا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ: إحْدَاهَا: الشَّكُّ فِي خُرُوجِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ فَيُصَلُّونَ ظُهْرًا. الثَّانِيَةُ: الشَّكُّ فِي بَقَاءِ مُدَّةِ الْمَسْحِ فَيَغْسِلُ. الثَّالِثَةُ: الشَّكُّ فِي وُصُولِ مَقْصِدِهِ فَيُتِمُّ. الرَّابِعَةُ: الشَّكُّ فِي نِيَّةِ الْإِتْمَامِ فَيُتِمُّ أَيْضًا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَنَّ هَذِهِ رُخَصٌ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْيَقِينِ وَحِينَئِذٍ فَكُلُّ رُخْصَةٍ كَذَلِكَ وَلَا يَخْتَصُّ بِالْمَذْكُورَاتِ بَلْ إنَّ غَيْرَ الرُّخَصِ يَقَعُ فِيهَا ذَلِكَ كَمَا مَرَّ آنِفًا فِي اللَّمْسِ وَالْمَسِّ، وَانْظُرْ الْيَقِينَ الْمُقَابِلَ لِلشَّكِّ فِي الْأَخِيرَةِ مَا هُوَ فَتَأَمَّلْ.
[فَصْلٌ فِي آدَابِ الْخَلَاءِ وَفِي الِاسْتِنْجَاءِ] (فَصْلٌ فِي آدَابِ الْخَلَاءِ وَفِي الِاسْتِنْجَاءِ) حَقِيقَةً وَشُرُوطًا وَآدَابًا. وَالْآدَابُ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ جَمْعُ أَدَبٍ، وَهُوَ مَا يُطْلَبُ الْإِتْيَانُ بِهِ نَدْبًا أَصَالَةً، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا يُطْلَبُ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا لِأَجْلِ غَيْرِهِ صِحَّةً أَوْ كَمَالًا، وَقَدَّمَ هَذَا الْفَصْلَ عَلَى الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ الْأَكْمَلُ، وَأَخَّرَهُ فِي الرَّوْضَةِ إشْعَارًا بِجَوَازِهِ فِي حَقِّ السَّلِيمِ، وَأَعَادَ الْعَامِلَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ إرَادَةِ آدَابِهِ فَقَطْ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (فلو تيقنهما وجهل السابق .. فضد ما قبلهما في الأصح) .
المراد: إذا تيقن أنه بعد طلوع الشمس مثلاً وجد منه حدث وطهارة، ولم يدر أيهما سبق .. فيؤمر بالتذكر،
فإن تذكر أنه كان قبل طلوع الشمس متطهراً .. فهو الآن محدث،
وإن كان محدثاً .. فهو الآن متطهر؛ لأن ما قبل الشمس إن كان طهارة .. فقد أحدث بعدها،
وإن كان حدثاً .. فقد تطهر بعده، فما قبل الشمس ارتفع بيقين، وهو يشك في زوال الرافع له، ولا يزال اليقين بالشك، كمن عليه ألف درهم ديناً، فأقام بينة بالبراءة، فأقام المستحق بينة على إقراره بألف مطلق، فإنا نقدم بينة البراءة؛ لأنا تيقنا أنها وردت على دين واجب فأزالته ونحن نشك: هل اشتغلت ذمته بدين آخر بعد البراءة أو لا؟ فلا يزال يقين البراءة بالشك.
والوجه الثاني: يكون حكمه وفق ما قبلهما لتعارضهما، وهو غلط صريح لتحقيق ارتفاعه.
والثالث: يعمل بما ظنه فإن تساويا فمحدث. والرابع: يلزمه الوضوء بكل حال وهو الأصح المختار في شرحي (المهذب) و (الوسيط)، واختاره الشيخ لقول القاضي أبي الطيب: إنه قول عامة الأصحاب، ورجحه الدارمي، وجزم بن ابن كج، واختاره الشيخ أبو حامد وجماعة منهم ابن الصلاح وقرره تقريراً حسناً، وضعف المرجح في الكتاب.
وحيث أمرناه بالتذكر فلم يتذكر شيئاً .. لزمه الوضوء لتعارض الاحتمالين من غير ترجيح، ولم يتعرض المصنف لهذا القسم.
ولو علم قبلهما حدثاً وطهارة وجهل أسبقهما .. اعتبر ما قبل هذين وأخذ به، قاله في (البحر)، فيأخذ بالمثل في هذه الحالة.
ومن نظائر المسألة: إذا أحرم بالعمرة، ثم أحرم بالحج وشك: هل أحرم قبل الطواف؟ فيصح حجه، أو بعده؟ فلا يصح، ففي (الحاوي) الأظهر: الصحة.
ومنها: إذا أحرم وتزوج وشك: هل سبق التزوج الإحرام؟ فيصح، أو لا؟ فيبطل .. فالمنصوص: الصحة.
تتمة:
أطلق المصنف المسألة تبعاً لـ (المحرر) والجمهور، والذي في (الروضة) و (أصلها) و (التحقيق) وفاقاً للمتولي: إن كان قبلهما محدثاً .. أخذ بالضد مطلقاً،
وإن كان قبلهما متطهراً .. فإنما يأخذ بالضد إذا كان ممن يعتاد تجديد الوضوء، وإلا فيأخذ بالمثل فيكون الآن متطهراً أيضاً.
* * * قال: (فصل)
:
عبر في (الروضة) عن هذا بـ (باب الاستنجاء)،
وفي (التنبيه) بـ (باب الاستطابة)، وهو طلب طيب النفس بإخراج الأذى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.