وغسل كالجنابة تعبدا بلا نية
الشروح عليها
(وَغُسِّلَ) الْمَيِّتُ (كَالْجَنَابَةِ) إجْزَاءً وَكَمَالًا إلَّا مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَيِّتُ مِنْ تَكْرَارِ غُسْلٍ وَسِدْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي وَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُضُوءُ بِتَكَرُّرِ الْغُسْلِ عَلَى الْأَرْجَحِ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ أَوَّلًا ثَلَاثًا ثُمَّ يَبْدَأُ بِغُسْلِ الْأَذَى فَيُوَضِّئُهُ مَرَّةً مَرَّةً فَيُثَلِّثُ رَأْسَهُ ثُمَّ يُقَلِّبُهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيَغْسِلُ الْأَيْمَنَ ثُمَّ يُقَلِّبُهُ عَلَى الْأَيْمَنِ فَيَغْسِلُ الْأَيْسَرَ (تَعَبُّدًا)
وَقِيلَ لِلنَّظَافَةِ (بِلَا نِيَّةٍ) لِأَنَّهُ فِعْلٌ فِي الْغَيْرِ.
(قَوْلُهُ عَلَى الْأَرْجَحِ) وَعَلَيْهِ فَيُوَضِّئُهُ عِنْدَ الْغَسْلَةِ الْأُولَى ثَلَاثًا لَا مَرَّةً قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَفِي اسْتِحْبَابِ تَوْضِيئِهِ قَوْلَانِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَفِي تَكَرُّرِهِ مَعَ تَكَرُّرِ الْغُسْلِ قَوْلَانِ اهـ وَنَصَّهُ الْبَاجِيَّ وَيَنْبَغِي عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْرِيرِهِ بِتَكْرِيرِ الْغُسْلِ أَنَّهُ لَا يُوَضِّئُهُ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ ثَلَاثًا بَلْ مَرَّةً مَرَّةً حَتَّى لَا يَقَعَ التَّكْرَارُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَإِذَا لَمْ نَقُلْ بِتَكْرِيرِهِ أُتِيَ بِثَلَاثٍ أَوَّلًا اهـ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَرْجَحِيَّةِ عَدَمِ تَكْرِيرِ الْوُضُوءِ تَبِعَ فِيهَا عج قَالَ أَبُو عَلِيٍّ وَلَمْ أَرَهَا لِغَيْرِهِ اهـ بْن
(قَوْلُهُ فَيُوَضِّئُهُ مَرَّةً مَرَّةً إلَخْ) قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا خِلَافُ نَقْلِ التَّوْضِيحِ عَنْ الْبَاجِيَّ
(قَوْلُهُ تَعَبُّدًا) أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الْغُسْلِ الْمَفْهُومِ مِنْ وَغُسِّلَ تَعَبُّدًا أَيْ مُتَعَبَّدًا بِهِ أَيْ مَأْمُورًا بِهِ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ أَيْ حِكْمَةٍ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ التَّعَبُّدِيَّ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مَا لَا عِلَّةَ لَهُ أَصْلًا وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ مَا لَهُ عِلَّةٌ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهَا، وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي كَوْنِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَمِيعُ أَفْعَالِهِ الْمَوْجُودَةِ فِي الدُّنْيَا لَا تَخْلُو عَنْ مَصْلَحَةٍ وَحِكْمَةٍ تَفَضُّلًا مِنْهُ أَوْ يَجُوزُ خُلُوُّهَا عَنْهَا وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ طَلَبَ غُسْلِ الْمَيِّتِ تَعَبُّدِيٌّ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ وَقَوْلُهُ
وَقِيلَ لِلنَّظَافَةِ لَمْ يَقُلْ بِهِ إلَّا ابْنُ شَعْبَانَ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ غُسْلُ الذِّمِّيِّ وَعَدَمُ غُسْلِهِ فَمَالِكٌ يَقُولُ لَا يُغَسِّلُ الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْكَافِرَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا بَأْسَ أَنْ يُغَسِّلَ الْمُسْلِمُ قَرَابَتَهُ الْمُشْرِكِينَ وَيَدْفِنَهُمْ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ الْغُسْلُ تَعَبُّدٌ أَوْ لِلنَّظَافَةِ؟ فَعَلَى التَّعَبُّدِ لَا يَجُوزُ غُسْلُ الْكَافِرِ وَعَلَى النَّظَافَةِ يَجُوزُ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ فِي فِعْلِ الْغَيْرِ) أَيْ وَالتَّعَبُّدُ إنَّمَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ إذَا كَانَ فِعْلًا فِي النَّفْسِ
ص (وَغُسْلٌ كَالْجَنَابَةِ) ش: أَيْ يَجِبُ تَعْمِيمُ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ وَالدَّلْكِ؛
قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَأَمَّا صِفَةُ الْغُسْلِ فَإِنَّهُ فِي صَبِّ الْمَاءِ وَالتَّدَلُّكِ عَلَى حُكْمِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ حُكْمَهُ فِي الْمُوَالَاةِ كَحُكْمِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ أَيْضًا، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَيُغْسَلُ كَالْجَنَابَةِ يَعْنِي الْأَجْزَاءَ كَالْأَجْزَاءِ، وَالْكَمَالَ كَالْكَمَالِ إلَّا مَا يَخْتَصُّ بِهِ غُسْلُ الْمَيِّتِ كَالتَّكْرَارِ فَإِنَّهُ يُبَيِّنُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَسْقُطُ الدَّلْكُ لِلضَّرُورَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَصَرَّحَ فِي الْمَدْخَلِ بِأَنَّ فَرَائِضَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَسُنَنَهُ وَفَضَائِلَهُ تَأْتِي فِي هَذَا الْبَابِ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ كَالْجَنَابَةِ أَنَّهُ أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِغُسْلِ النَّجَاسَةِ فَيَتَتَبَّعُهَا وَيَغْسِلُ جَمِيعَ بَدَنِهِ وَيُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ ثُمَّ يَغْسِلُهُ حِينَئِذٍ الْغُسْلَ الْفَرْضَ قَالَهُ فِي الْمَدْخَلِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ النِّيَّةُ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.
[فَرْعٌ غُسِلَتْ الْمَيِّتَةُ ثُمَّ وُطِئَتْ] (فَرْعٌ) فَإِنْ غُسِلَتْ الْمَيِّتَةُ ثُمَّ وُطِئَتْ لَمْ تُغْسَلْ نَقَلَهُ الْأَبِيُّ وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ فَصْلِ الْجَنَابَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ص (بِلَا نِيَّةٍ) ش: أَيْ وَإِنْ كَانَ تَعَبُّدًا؛ لِأَنَّ التَّعَبُّدَ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ إذَا كَانَ مِمَّا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُمَا وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ.
[غسل الزوجين للآخر]
(وَغُسِّلَ كَالْجَنَابَةِ) ابْنُ بَشِيرٍ: أَمَّا صِفَةُ غُسْلِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ فِي صَبِّ الْمَاءِ وَالتَّدَلُّكِ عَلَى حُكْمِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ (تَعَبُّدًا) اللَّخْمِيِّ قَالَ مَالِكٌ: يَتَيَمَّمُ الْمَيِّتُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غُسْلَهُ تَعَبُّدٌ (بِلَا نِيَّةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: تُجْزِئُ غُسْلُ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا يَعْقِدُهُ الْإِنْسَانُ فِي غَيْرِهِ فَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى نِيَّةٍ كَغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا.
[تَغْسِيل أَحَد الزَّوْجَيْنِ صَاحِبه]
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ص) وَغُسِّلَ كَالْجَنَابَةِ (ش) الْأَجْزَاءُ كَالْأَجْزَاءِ وَالْكَمَالُ كَالْكَمَالِ إلَّا مَا يَخْتَصُّ بِهِ غُسْلُ الْمَيِّتِ كَالتَّكْرَارِ، وَلَا يُكَرَّرُ وُضُوءُهُ عَلَى الرَّاجِحِ وَيُسْتَفَادُ مِمَّا قُلْنَاهُ مِنْ مَعْنَى التَّشْبِيهِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِغَسْلِ يَدَيْ الْمَيِّتِ أَوَّلًا، ثُمَّ يُزِيلُ الْأَذَى إنْ كَانَ، ثُمَّ يُوَضِّئُهُ مَرَّةً مَرَّةً وَيُثَلِّثُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ عَلَى الْأَيْسَرِ (ص) تَعَبُّدًا (ش) أَيْ: حَالَ كَوْنِ الْغُسْلِ تَعَبُّدًا، أَوْ لِأَجْلِ التَّعَبُّدِ بِدَلِيلِ تَيَمُّمِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، قَالَهُ اللَّخْمِيُّ.
وَعَلَى التَّعَبُّدِ فَلَا يُغَسِّلُ الذِّمِّيُّ الْمُسْلِمَ إذَا لَمْ يُوجَدْ مُسْلِمٌ. وَعَلَى النَّظَافَةِ يُغَسِّلُهُ، قَالَ مَالِكٌ يُعَلِّمُهُ النِّسَاءُ الْغُسْلَ وَيُغَسِّلُهُ. وَانْظُرْهُ مَعَ قَوْلِهِ وَكِتَابِيَّةٌ إلَّا بِحَضْرَةِ مُسْلِمٍ
وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْغُسْلَ تَعَبُّدٌ خَشِيَ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ تَعَبُّدٍ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ فَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (بِلَا نِيَّةٍ) لِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ فِي غَيْرِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا، كَغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ وَالنَّضْحِ،
بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ فِي نَفْسِهِ كَغَسْلِ يَدَيْهِ فِي الْوُضُوءِ فَيَحْتَاجُ إلَيْهَا.
(قَوْلُهُ أَنَّ مَنْ تَقَطَّعَ جَسَدُهُ) أَيْ: خِيفَ تَقَطُّعُ جَسَدِهِ
(قَوْلُهُ ثُمَّ عَلَى الْأَيْسَرِ) فِي شَرْحِ شب وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ.
وَالْحَاصِلُ عَلَى الْقَوْلِ الْمُعْتَمَدِ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ يَتَوَضَّأَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ ثُمَّ رَقَبَتَهُ ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ إلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ الْأَيْسَرَ إلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى بَطْنًا وَظَهْرًا ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ الرُّكْبَةِ الْيُمْنَى إلَى الْأَسْفَلِ ثُمَّ مِنْ الرُّكْبَةِ الْيُسْرَى إلَى الْأَسْفَلِ.
(قَوْلُهُ أَيْ حَالَ كَوْنِ الْغُسْلِ) الْمَفْهُومُ مِنْ (غُسِّلَ تَعَبُّدًا) أَيْ: مُتَعَبَّدًا بِهِ أَيْ: مَأْمُورًا بِهِ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ، وَقَوْلُهُ: أَوْ لِأَجْلِ التَّعَبُّدِ، لَا يَظْهَرُ لِأَنَّ الْمَعْنَى إنَّمَا وَجَبَ الْغُسْلُ لِأَجْلِ أَنَّنَا أُمِرْنَا بِهِ بِدُونِ عِلَّةٍ وَلَا ظُهُورٍ لَهُ، وَمُرَادُنَا بِالْعِلَّةِ الْحِكْمَةُ.
وَالْحَاصِلُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّ التَّعَبُّدَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مَا لَا عِلَّةَ لَهُ أَصْلًا، وَعِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأُصُولِ مَا لَهُ عِلَّةٌ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهَا. وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي كَوْنِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَمِيعُ أَفْعَالِهِ الْمَوْجُودَةِ فِي الدُّنْيَا لَا تَخْلُو عَنْ مَصْلَحَةٍ تَفَضُّلًا مِنْهُ، أَوْ يَجُوزُ خُلُوُّهَا عَنْهَا.
(قَوْلُهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ مُسْلِمٌ) وَأَوْلَى لَوْ وُجِدَ
(قَوْلُهُ وَانْظُرْهُ) أَيْ: اُنْظُرْ قَوْلَهُ: تَعَبُّدًا مَعَ قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي أَيْ: فَإِنَّ بَيْنَهُمَا تَنَافِيًا.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا يَأْتِي مَشْهُورٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ.
(وَغُسِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ الْمَيِّتُ (كَ) غُسْلِ (الْجَنَابَةِ) فِي الْإِجْزَاءِ وَالْكَمَالِ إلَّا مَا اخْتَصَّ بِالْمَيِّتِ مِنْ تَكْرِيرِ الْغُسْلِ وَالسِّدْرِ وَغَيْرِهِمَا حَالَ كَوْنِ غُسْلِهِ (تَعَبُّدًا) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ مُشَدَّدَةً أَيْ مُتَعَبَّدًا بِهِ أَيْ مَأْمُورًا بِهِ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ أَيْ حِكْمَةٍ أَصْلًا. هَذَا مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. أَوْ مِنْ غَيْرِ اطِّلَاعٍ عَلَى عِلَّتِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ. وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحْكَامَهُ هَلْ يَجُوزُ خُلُوُّهَا عَنْ الْحُكْمِ أَوْ لَا؟
وَكَوْنُهُ تَعَبُّدًا. قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ مُعَلِّلٌ بِالنَّظَافَةِ وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ غُسْلُ الْمُسْلِمِ أَبَاهُ الْكَافِرَ، مَثَلًا هَلْ يَجُوزُ؟ . فَعَلَى الْأَوَّلِ يَجُوزُ
وَيَجُوزُ عَلَى الثَّانِي حَالَ كَوْنِهِ (بِلَا نِيَّةٍ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَبُّدٌ فِي الْغَيْرِ وَلِذَا صَحَّ مِنْ الذِّمِّيَّةِ.
وغسل كالجنابة؛ يعني أن غسل الميت كغسل الجنابة في الصفة، الإجزاء كالإجزاء، والكمال كالكمال؛ إلا ما يختص به الميت كالتكرار، ولا يكرر وضوءه بتكرر الغسل على أرجح قولين، كما قاله الشيخ عبد الباقي وغيره.
ابن بشير: وأما صفة الغسل، فإنه في صب الماء والتدلك على حكم غسل الجنابة. انتهى. الباجي: وينبغي على القول بتكرر الوضوء أن لا يغسل ثلاثا، بل مرة مرة حتى لا يوقع التكرار النهي عنه،
وإذا لم نقل بتكريره أتيَ بثلاث أولا. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
وقال: تبع الزرقاني في أرجحية عدم تكرير الوضوء الأجهوري. قال أبو علي: ولم أر ذلك لغيره. واعلم أنه لا ينتقض غسل الميتة بوطئها بعده، فلا يعاد. قوله: "وغسل كالجنابة" ، وله الدلك هنا بخرقة يجعلها على يده كالدلك مباشرة، وقد فعل علي كذلك حين غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقوله: "غسل كالجنابة" ، أفاد وجوب التعميم والدلك، وأنه يسن أن يبدأ بغسل يدي الميت أولا؛ ثم يزيل الأذى عن جسده إن كان عليه أذى، ثم يوضئه، ثم يثلث رأسه، ثم يفيض الماء على شقه الأيمن، ثم على الأيسر، كما مر ما يفيده.
وصرح في المدخل بأن فرائض غسل الجنابة وسننه وفضائله تأتي في هذا الباب. تعبدا؛ يعني أن غسل الميت غير معقول المعنى. فليس هو للنظافة، بل هو تعبد؛ بدليل تيممه عند عدم الماء، وقوله: "تعبدا" ، مفعول لأجله أي غسل لأجل التعبد؛ أي امتثالا للأمر، مع أنا لم تظهر لنا حكمة الأمر به.
وفي التوضيح: أن في الغسل فوائد منها: إكرام الملائكة؛ وتنبيه العبيد على أن المولى أكرمهم أحياء وأمواتا؛
وأن يعلموا أن من تأهب للقدوم على مولاه لم يقدم إلا طاهر القلب من المعاصي؛ متفرغا مما سوى الله تعالى؛ لأنه إذا اعتنى المولي بتطهير جسد يلقى في التراب، تهيأ العبد إلى تطهير ما هو باق؛ وهو النفس، فنسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من رعونات الشر، ويفرغها عن غيره: ويملأها من ذكره، ويقدمنا عليه وهو راض عنا. وقوله: "تعبدا" ،
وقيل: للنظافة، وعلى الأول لا يغسل المسلم الذمي، وعلى الثاني يغسله، والتعبد لمالك، والنظافة للشافعي؛ فإنه قال: لا بأس بغسل المسلم قرابته من المشركين ودفنهم، وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور: وسبب الخلاف هو ما علمت. بلانية؛ يعني أن غسل الميت لا يفتقر لنية، بل يصح بدرنها،
وإن كان التعبد لا بد له من النية؛ لأن ذلك في التعبد في النفس،
وأما التعبد في الغير فلا يحتاج للنية كغسل الإناء من ولوغ الكلب، والنضح للثوب، كما قاله الباجي وابن رشد وغيرهما، ونقله في التوضيح وغيره. وقوله: "بلا نية" ، متعلق بقوله: "غسل" ، والباء للمصاحبة. والله سبحانه أعلم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.