وَلَا يُنْبَشُ ما دام به
الشروح عليها
(وَلَا يُنْبَشُ) أَيْ يَحْرُمُ (مَادَامَ) الْمَيِّتُ أَيْ مُدَّةَ ظَنِّ دَوَامِ شَيْءٍ مِنْ عِظَامِهِ غَيْرَ عَجْبِ الذَّنَبِ (بِهِ) أَيْ فِيهِ وَإِلَّا جَازَ الْمَشْيُ وَالنَّبْشُ لِلدَّفْنِ فِيهِ لَا بِنَاؤُهُ دَارًا وَلَا حَرْثُهُ لِلزِّرَاعَةِ وَاسْتَثْنَى مِنْ مَنْعِ النَّبْشِ مَسَائِلَ فَقَالَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ مَا دَامَ بِهِ) هَذَا قَيْدٌ لِلنَّفْيَيْنِ فَقَطْ أَيْ نَفْيِ الْمَشْيِ وَنَفْيِ النَّبْشِ لَا لِقَوْلِهِ أَيْضًا حَبْسٌ إذْ هُوَ حَبْسٌ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَيْءٌ إلَّا عَجَبُ الذَّنَبِ
وَأَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ لَا بِنَاؤُهُ دَارًا إلَخْ وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ حِجَارَةِ الْمَقَابِرِ الْفَانِيَةِ لِبِنَاءِ قَنْطَرَةٍ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ دَارٍ بِالْأَوْلَى وَ
(قَوْلُهُ وَلَا حَرْثُهُ لِلزِّرَاعَةِ) لَكِنْ لَوْ حُرِثَتْ جُعِلَ كِرَاؤُهَا فِي مُؤْنَةِ دَفْنِ الْفُقَرَاءِ اهـ خش
(قَوْلُهُ مَسَائِلُ) أَيْ ثَلَاثَةٌ وَتَقَدَّمَتْ رَابِعَةٌ وَهِيَ نَبْشُهُ لِأَجْلِ نَقْلِهِ فَيَجُوزُ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَخَامِسَةٌ وَهِيَ نَبْشُهُ لِدَفْنِ غَيْرِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَلَا يُنْبَشُ مَا دَامَ بِهِ) تَقَدَّمَتْ فُتْيَا شُيُوخِ ابْنِ عَرَفَةَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَيْسَ عَيْبًا ". وَانْظُرْ فِي حَدِيثٍ، ثَالِثٍ لِمَالِكٍ عَنْ أَبِي الرَّحَّالِ مِنْ التَّمْهِيدِ أَنَّهُ يَجُوزُ النَّبْشُ لِعُذْرٍ،
وَإِنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَخْرَجَ أَبَاهُ مِنْ قَبْرِهِ وَدَفَنَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ،
وَكَذَلِكَ فَعَلَ مُعَاوِيَةُ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرُوهُ عَلَيْهِ. اللَّخْمِيِّ: نَقْلُ الْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ لَيْسَ بِحَسَنٍ وَلَا يَبْلُغُ ذَلِكَ تَأْثِيمَ فَاعِلِهِ، وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أُحْدِثَتْ قُبُورٌ بِفِنَاءِ قَوْمٍ فِي غَيْبَتِهِمْ ثُمَّ قَدِمُوا فَلَهُمْ تَسْوِيَةُ قَدِيمِهَا بِالرَّمْيِ عَلَيْهَا وَلَا أُحِبُّ تَسْوِيَةَ جَدِيدِهَا. ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا كَرِهَهُ فِي الْجَدِيدَةِ لِأَنَّهَا فِي الْأَفْنِيَةِ،
وَلَوْ كَانَتْ فِي الْمِلْكِ الْمُحَوَّزِ لَمْ يَكْرَهْهُ بَلْ لَهُمْ نَبْشُهَا وَتَحْوِيلُهَا إلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ كَفِعْلِ مُعَاوِيَةَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: فِي الِاسْتِدْلَالِ بِفِعْلِ مُعَاوِيَةَ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ حَاجِيَّةٍ كَبَيْعِ الْحَبْسِ لِتَوْسِيعِ جَامِعِ الْخُطْبَةِ. ابْنُ سَهْلٍ: أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِالْمَشْيِ عَلَى أَسْنِمَةِ الْقُبُورِ «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشُقُّ الْمَقَابِرَ عَلَى أَسْنِمَتِهَا لَا بَيْنَهَا» .
وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمَشْيُ عَلَى الْمَقَابِرِ لِمَنْ لَهُ قَبْرٌ ضَرُورَةً وَيُؤْمَرُ بِالتَّحَفُّظِ أَنْ لَا يَهْدِمَهَا وَلِلضَّرُورَةِ أَحْكَامٌ
(وَلَا يُنْبَشُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ أَيْ يَحْرُمُ أَنْ يُحْفَرَ الْقَبْرُ (مَا دَامَ) الْمَيِّتُ أَيْ مُدَّةَ تَحَقُّقِ أَوْ ظَنِّ بَقَاءِ الْمَيِّتِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ عِظَامِهِ الْمَحْسُوسَةِ (بِهِ) أَيْ فِي الْقَبْرِ فَإِنْ تَحَقَّقَ أَوْ ظُنَّ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مَحْسُوسٌ مِنْ الْمَيِّتِ فَيَجُوزُ نَبْشُهُ لِلدَّفْنِ فِيهِ فَقَطْ، لَا لِزِرَاعَةٍ وَلَا بِنَاءِ دَارٍ، وَقَيَّدَ الْجُزْءَ بِالْمَحْسُوسِ احْتِرَازًا عَنْ عُجْبِ الذَّنَبِ فَدَوَامُهُ بِهِ لَا يَحْرُمُ نَبْشُهُ فَهُوَ كَالْعَدَمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحَسُّ فِي الْمَدْخَلِ.
اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ مُسْلِمٌ وَقْفٌ عَلَيْهِ مَا دَامَ شَيْءٌ مِنْهُ مَوْجُودًا فِيهِ حَتَّى يَفْنَى فَإِذَا فَنَى فَيُدْفَنُ فِيهِ غَيْرُهُ فَإِنْ بَقِيَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ عِظَامِهِ فَالْحُرْمَةُ ثَابِتَةٌ لِجَمِيعِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْفَرَ عَلَيْهِ، وَلَا أَنْ يُدْفَنَ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَلَا يُكْشَفُ عَنْهُ اتِّفَاقًا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ قَدْ غُصِبَ اهـ. الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ لِلْمَيِّتِ حُرْمَةٌ تَمْنَعُ مِنْ إخْرَاجِهِ مِنْ قَبْرِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ، كَنِسْيَانِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيهِ، وَإِلْحَاقِ دَفْنٍ آخَرَ مَعَهُ بِأَبْوَابِ الضَّرُورَةِ الْمُبِيحَةِ لِإِخْرَاجِهِ يَفْتَقِرُ إلَى نَظَرٍ وَبَسْطٍ طَوِيلٍ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
وقوله: "ولا ينبش" ؛ يعني إلا للنقل بشروطه المتقدمة، وإلا في الأمور الآتية: ما دام به، راجع للنفيين؛ يعني أن محل كراهة المشي على القبر وحرمة نبشه إنما هو ما دام به الميت؛ أي ظن دوام شيء من عظامه بالقبر غير عجب الذنب. قاله الشيخ عبد الباقي. قال: وهذا قيد في النفيين فقط، لا لقوله: "حبس" ؛ إذ هو حبس أيضًا إذا لم يبق به إلا عجب الذنب، فلا يجوز بناؤه دارا ولا حرثه لزراعة، وإنما يجوز نبشه للدفن فيه حينئذ لعدم منافاته لكونه حبسا.
انتهى. وقوله: "ما دام به" ؛ علم مما قررت أن عجب الذنب غير مانع من المشي عليه، ونبشه للدفن فيه،
وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وقد سئلت عن تربة درست وصارت طريقا منذ ثلاثين سنة، ويريد شخص أن يبنيها بيتاً للسكنى، فهل يجوز؟ فأجبت بأنه: لا يجوز أي يحرم، ففي الطراز: سئل ابن عات عن مقبرة لها أربعون سنة لم يدفن فيها، فهل يجوز جعلها مساكن؟ فأجاب بأنها حبس. وقول ابن عبد السلام: وقع في كلام أهل المذهب عن بعضهم أنه يجوز حرث البقيع بعد عشرة أعوام ضعيف، كما كتبه الوالد بطرة الشارح.
وقال الإمام: موضع القبر لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به. انتهى. واعلم أن الإنسان كله يفنى إلا عجب الذنب،
وفي بقائه دون سائر الجسد سر لا يعلمه إلا الله عز وجل. وقد مر أنه يجوز للشخص أن يعد الكفن قبل موته،
وأن يحفر قبرا بملكه، وإن احتاج إليه انتفع به، وما تقدم من تفسير "دام" : بظن، هو لعبد الباقي كما عرفت.
وقال الأمير عند قوله: "ما دام" ، ويكفي في ذلك غلبة الظن، ونحوه للخرشي. قال: وهذا يختلف باختلاف الأراضي. وسئل ابن رشد عمن دفن أربعة أولاد في مقبرة من مقابر المسلمين، فلما كان بعد عشرة أعوام من دفنه إياهم غاب الرجل عن البلد، فجاء الحفار فحفر على قبور أولئك الأطفال قبرا لامرأة دفنها فيه، ثم جاء الوالد من سفره بعد دفن المرأة بثلاثين يوما ولم يجد لقبور بنيه أثرا غير قبر المرأة، فأراد نبشها وتحويلها إلى موضع آخر ليقيم قبور بنيه على ما كانت؟
فأجاب: لا يجوز أن ينبشها، ولا أن ينقلها عن موضعها، ولا يحل له ذلك؛ لأن حرمتها ميتة كحرمتها حية، فلا يحل له أن يكشفها ويطلع عليها وينظر إليها ولو كان ذا محرم منها لَمَا ساغ له ذلك بعد هذه المدة؛ إذ لا يشك في تغيرها فيها. وبالله التوفيق. قاله الإمام الحطاب.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.