وندب إيثار المضطر دون عموم الأصناف
الشروح عليها
(وَنُدِبَ إيثَارُ الْمُضْطَرِّ) أَيْ الْمُحْتَاجِ عَلَى غَيْرِهِ بِأَنْ يُزَادَ فِي إعْطَائِهِ مِنْهَا (دُونَ عُمُومِ الْأَصْنَافِ) الثَّمَانِيَةِ فَلَا يُنْدَبُ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ الْخُرُوجَ مِنْ خِلَافِ الشَّافِعِيِّ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ دُونَ عُمُومِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ فَلَا يُنْدَبُ) فَيَجُوزُ دَفْعٌ لِصِنْفٍ وَاحِدٍ إلَّا الْعَامِلَ فَلَا تُدْفَعُ إلَيْهِ كُلُّهَا إلَّا إذَا كَانَتْ قَدْرَ عَمَلِهِ فَأَقَلَّ كَمَا فِي ح
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ الْخُرُوجَ مِنْ خِلَافِ الشَّافِعِيِّ) أَيْ فَيُنْدَبُ التَّعْمِيمُ حِينَئِذٍ فَالْمَنْفِيُّ أَوَّلًا النَّدْبُ الذَّاتِيُّ الْأَصْلِيُّ وَالْمُثْبَتُ النَّدْبُ الْعَرْضِيُّ وَفَهِمَ أَصْحَابُنَا أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} .
الْآيَةَ بِمَعْنَى أَوْ وَأَنَّ مَعْنَى الِاخْتِصَاصِ فِي الْآيَةِ عَدَمُ خُرُوجِهَا عَنْهُمْ قَالَهُ فِي المج
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَنُدِبَ إيثَارُ الْمُضْطَرِّ دُونَ عُمُومِ الْأَصْنَافِ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا صِنْفًا وَاحِدًا مِمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَجْزَأَهُ أَنْ يَجْعَلَ زَكَاتَهُ فِيهِمْ،
وَإِنْ وَجَدَ الْأَصْنَافَ كُلَّهَا آثَرَ أَهْلَ الْحَاجَةِ مِنْهُمْ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ قِسْمٌ مُسَمًّى، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا صِنْفٌ وَاحِدٌ أَجْزَأَ الْإِعْطَاءُ لَهُ إجْمَاعًا،
وَإِنْ وَجَدَ الْأَصْنَافَ كُلَّهَا أَجْزَأَهُ صِنْفٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ اسْتِيعَابُهُمْ إذَا وُجِدُوا وَاسْتَحَبَّهُ أَشْهَبُ لِئَلَّا يَنْدَرِسَ الْعِلْمُ بِاسْتِحْقَاقِهِمْ
وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ مَصَالِحِ سَدِّ الْخَلَّةِ وَالْإِعَانَةِ عَلَى الْغَزْوِ وَوَفَاءِ الدَّيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ،
وَلِمَا يُرْجَى مِنْ بَرَكَةِ دُعَاءِ الْجَمِيعِ وَمُصَادَقَةِ وَلِيٍّ فِيهِمْ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ اسْتِيعَابِ آحَادِهِمْ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَأَمَّا إجْزَاؤُهَا إذَا دُفِعَتْ إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ الثَّمَانِيَةِ أَوْ إلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ فَفِيهِ الِاضْطِرَابُ الْمَعْلُومُ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، وَاَلَّذِي تَسْكُنُ النَّفْسُ إلَيْهِ هُوَ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَقَدْ اسْتَقَرَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَذْهَبِ، انْتَهَى.
فَفُهِمَ مِنْهُ إنَّ دَفْعَهَا إلَى الشَّخْصِ الْوَاحِدِ مِنْ الصِّنْفِ كَدَفْعِهَا إلَى الصِّنْفِ فِي جَرْيِ الْخِلَافِ فِيهِ فَيَكُونُ الْمَذْهَبُ فِيهِ الْإِجْزَاءَ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(الثَّانِي) قَالَ اللَّخْمِيُّ: يُبْدَأُ فِي الزَّكَاةِ بِأَجْرِ الْعَامِلِينَ ثُمَّ بِالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِنْ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ سَدَّ خَلَّةِ الْمُؤْمِنِ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ أَنْ لَا تُصْرَفَ زَكَاتُهُمْ لِغَيْرِ الْفُقَرَاءِ إلَّا بَعْدَ سَدِّ خَلَّتِهِمْ؛ لِأَنَّ صَرْفَهَا إلَى غَيْرِهِمْ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ الْمُسَاوَاةَ لِأُولَئِكَ قَبْلَ الْعَامِ التَّالِي،
وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُؤَلَّفَةٌ بَدَأَ بِهِمْ؛ لِأَنَّ اسْتِنْقَاذَهُمْ مِنْ النَّارِ بِإِدْخَالِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ تَثَبُّتَهُمْ عَلَيْهِ إنْ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ إطْعَامِ فَقِيرٍ، وَقَدْ يُبْدَأُ بِالْغَزْوِ إذَا خَشِيَ عَلَى النَّاسِ، وَيَبْدَأُ بِابْنِ السَّبِيل عَلَى الْفَقِيرِ إذَا كَانَ يُدْرِكُهُ فِي بَقَائِهِ وَتَأَخُّرِهِ ضَرَرٌ، وَالْفَقِيرُ فِي وَطَنِهِ أَقَلُّ ضَرَرًا، انْتَهَى.
وَذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ وَصَدَّرَهُ بِقَوْلِهِ الْحُكْمُ الثَّانِي: التَّرْتِيبُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْبَيَانَ مَا هُوَ الْأَوْلَى أَنْ يُعْمَلَ وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِقَوْلِهِ " وَنُدِبَ إيثَارُ الْمُضْطَرِّ " وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّخْمِيُّ تَبْدِئَةَ الْمَسَاكِينِ عَلَى الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الْمِسْكِينَ أَحْوَجُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَحْوَجَ مُقَدَّمٌ وَلَمْ يَذْكُرْ أَيْضًا رُتْبَةَ الْغَارِمِينَ.
(الثَّالِثُ) قَالَ سَنَدٌ: إنْ اسْتَوَتْ الْحَاجَةُ، قَالَ مَالِكٌ: يُؤْثَرُ الْأَدْيَنُ وَلَا يُحْرَمُ غَيْرُهُ، وَكَانَ عُمَرُ يُؤْثِرُ أَهْلَ الْحَاجَةِ، وَيَقُولُ: الْفَضَائِلُ الدِّينِيَّةُ لَهَا أُجُورٌ فِي الْآخِرَةِ، وَالصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُؤْثِرُ بِسَابِقَةِ الْإِسْلَامِ وَالْفَضَائِلِ الدِّينِيَّةِ؛ لِأَنَّ إقَامَةِ بِنْيَةِ الْأَبْرَارِ أَفْضَلُ مِنْ إقَامَةِ بِنِيَّةِ غَيْرِهِمْ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى بَقَائِهَا مِنْ الْمَصَالِحِ، انْتَهَى. وَنَحْوُهُ فِي النَّوَادِرِ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْعُمَرَيْنِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَكْسُ مَا نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ وَأَبُو الْحَسَنِ وَغَيْرُهُمَا عَنْهُمَا إلَّا أَنَّهُمَا نَقَلَا عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت لَقَسَمْت ذَلِكَ قَسْمًا وَاحِدًا، وَلَئِنْ بَقِيت إلَى قَابِلٍ لَأُلْحِقَنَّ الْأَسْفَلَ بِالْأَعْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) أَطْلَقَ الْقَرَافِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمْ الْقَوْلَ بِأَنَّ دَفْعَهَا لِصِنْفٍ مُجْزِئٌ،
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَيَّدَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ بِمَا عَدَا الْعَامِلَ، قَالَ: إذْ لَا مَعْنَى لِدَفْعِهَا جَمِيعِهَا لَهُ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَعَلَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ إذَا أَتَى بِشَيْءٍ لَهُ بَالٌ،
وَأَمَّا إنَّ حَصَلَتْ لَهُ مَشَقَّةٌ وَجَاءَ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ إعْطَاؤُهُ الْجَمِيعَ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْبَاجِيِّ ثُمَّ ذَكَرَهُ وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ، وَجَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ،
وَقَالَ: الْإِشْكَالُ فِي تَبْدِئَةِ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَصِّلُ لَهَا فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ حَتَّى إنَّهُ لَوْ حَصَلَتْ لَهُ مَشَقَّةٌ وَجَاءَ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ لَا يُسَاوِي مِقْدَارَ أُجْرَتِهِ لَأَخَذَهُ جَمِيعَهُ وَلَا شَيْءَ لِغَيْرِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْأَصْنَافَ الثَّمَانِيَةَ: وَصَرْفُهَا فِي أَحَدِهَا غَيْرَ الْعَامِلِ مُجْزِئٌ، انْتَهَى. وَيُقَيَّدُ بِمَا، قَالَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا لَوْ دُفِعَتْ لِصِنْفٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ إلَّا الْعَامِلَ فَلَا تُدْفَعُ إلَيْهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْرَ عَمَلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَنُدِبَ إيثَارُ الْمُضْطَرِّ دُونَ عُمُومِ الْأَصْنَافِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ وَجَدَ الْأَصْنَافَ كُلَّهَا آثَرَ أَهْلَ الْحَاجَةِ مِنْهُمْ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ قِسْمٌ مُسَمًّى.
قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فَرْضُ جَمِيعِ الْأَصْنَافِ بَلْ جَائِزٌ أَنْ يَقْتَصِرَ مِنْهُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى مُصَدِّقٍ لَهُ: اقْسِمْ نِصْفَهَا.
قَالَ أَشْهَبُ: تَأَوَّلْنَا فِعْلَ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِمْ مِنْ الْحَاجَةِ أَوَّلَ عَامٍ. كَحَاجَتِهِمْ فِي الثَّانِي.
لا زيادة له على هذه المسألة.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ الْأَصْنَافِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى كَيْفِيَّةِ الدَّفْعِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (ص) وَنُدِبَ إيثَارُ الْمُضْطَرِّ دُونَ عُمُومِ الْأَصْنَافِ (ش) يَعْنِي أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْمُتَوَلِّي تَفْرِقَةُ الزَّكَاةِ إمَامًا أَوْ مَالِكًا إيثَارُ الْمُضْطَرِّ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْبُلْدَانِ وَالْأَصْنَافِ عَلَى بَعْضِهَا وَإِفْرَادُ كُلِّ صِنْفٍ عَلَى بَقِيَّتِهَا بِأَنْ يُزَادَ فِي إعْطَائِهِ،
وَأَمَّا عُمُومُ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَعُمَّهَا عِنْدَ وُجُودِهَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَلَا يُنْدَبُ أَيْضًا فَيَجُوزُ دَفْعُ جَمِيعِهَا الصِّنْفُ وَاحِدٌ مَعَ إمْكَانِ تَعْمِيمِهِمْ،
وَلَوْ الْعَامِلُ إذَا أَتَى بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يُسَاوِي تَعَبَهُ، وَلِشَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ صِنْفٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ اللَّامَ فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} الْآيَةَ لِبَيَانِ الْمَصْرِفِ وَالِاسْتِحْقَاقِ أَيْ: إنَّمَا الصَّدَقَاتُ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْفُقَرَاءِ إلَخْ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ الْإِعْطَاءُ بِالْفِعْلِ لَا لِلْمِلْكِ،
أَمَّا إنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا صِنْفٌ وَاحِدٌ أَوْ شَخْصٌ مِنْهُ أَجْزَأَ الْإِعْطَاءُ لَهُ إجْمَاعًا وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ تَعْمِيمَ الْأَصْنَافِ إذَا وُجِدُوا،
وَلَا يَجِبُ تَعْمِيمُ آحَادِهِمْ إجْمَاعًا لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ، وَاسْتَحَبَّ أَصْبَغُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ قَالَ: لِئَلَّا يَنْدَرِسَ الْعِلْمُ بِاسْتِحْقَاقِهِمْ
وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَصَالِحِ مِنْ سَدِّ الْخَلَّةِ وَالْغَزْوِ وَوَفَاءِ الدَّيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ،
وَلِمَا يُوجِبُهُ مِنْ دُعَاءِ الْجَمِيعِ وَمُصَادَقَةِ وَلِيٍّ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى بَعْضِهَا) بِأَنْ يُقَدِّمَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضِهَا، بِأَنْ يُقَدِّمَ هَذِهِ الْبَلَدَ عَلَى هَذِهِ الْبَلَدِ وَلَوْ كَانَا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ: فُقَرَاءَ، أَوْ مَسَاكِينَ، وَيُقَدِّمَ صِنْفَ الْمَسَاكِينِ عَلَى صِنْفِ الْفُقَرَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالِاضْطِرَارِ شِدَّةُ الِاحْتِيَاجِ.
وَقَوْلُهُ: وَأَفْرَادِ كُلِّ صِنْفٍ إلَخْ فَإِنَّ الْمَسْكَنَةَ مَقُولَةٌ بِالتَّشْكِيكِ،
وَكَذَا الْفَقْرُ، وَقَوْلُهُ وَأَفْرَادُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْبُلْدَانِ وَقَوْلُهُ: عَلَى بَقِيَّتِهَا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ: بِأَنْ يُقَدِّمَ بَعْضَهَا عَلَى بَقِيَّتِهَا
(قَوْلُهُ: وَلَا يُنْدَبُ أَيْضًا إلَخْ) إلَّا أَنْ يَقْصِدَ رَعْيَ خِلَافِ الشَّافِعِيِّ فَيَعُمُّ لِنَدْبِ مُرَاعَاتِهِ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ
(قَوْلُهُ: الَّذِي لَا يُسَاوِي تَعَبَهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُسَاوِي تَعَبَهُ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ
قَالَ فِي ك مَا نَصُّهُ قَالَ الْحَطَّابُ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا لَوْ دُفِعَتْ لِصِنْفٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ أَيْ: وَيَجُوزُ إلَّا الْعَامِلَ فَلَا يُدْفَعُ إلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَتْ قَدْرَ عَمَلِهِ اهـ. قُلْت الَّذِي فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَالشَّارِحِ وَغَيْرِهِمَا: إنَّهَا لَا تُدْفَعُ إلَّا إذَا كَانَتْ شَيْئًا يَسِيرًا لَا يُسَاوِي عَمَلَهُ اهـ.
الْمُرَادُ مِنْهُ هَذَا مَا فِي ك، وَالظَّاهِرُ مَا لِلْحَطَّابِ مِنْ أَنَّهُ يَأْخُذُ مَا كَانَ قَدْرَ أُجْرَةِ عَمَلِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ يَسِيرًا
(قَوْلُهُ: لِئَلَّا يَنْدَرِسَ الْعِلْمُ) أَيْ: يَذْهَبَ الْعِلْمُ بِاسْتِحْقَاقِهِمْ اُنْظُرْ هَذَا مَعَ أَنَّ آيَةَ الْقُرْآنِ نَاطِقَةٌ بِالْمَصَارِفِ فَكَيْفَ يَأْتِي النِّسْيَانُ؟ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ يَنْسَى وَلَوْ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ،
وَإِنْ كَانَ لَا يَنْسَى بِاعْتِبَارِ أَهْلِ الْقُرْآنِ، أَوْ مَنْ فِي مَعْنَاهُمْ.
(وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (إيثَارُ) أَيْ تَرْجِيحُ الشَّخْصِ (الْمُضْطَرِّ) أَيْ: شَدِيدِ الِاحْتِيَاجِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى غَيْرِهِ لَا بِالْجَمِيعِ (دُونَ عُمُومِ) أَيْ تَعْمِيمِ (الْأَصْنَافِ) الثَّمَانِيَةِ الَّتِي فِي الْآيَةِ فَلَا يَنْدُبُ فِيهِمْ أَئِمَّتُنَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّ الْوَاوَ فِي آيَةِ {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} إلَخْ بِمَعْنَى أَوْ أَنَّ مَعْنَى الِاخْتِصَاصِ فِيمَا عُدِمَ خُرُوجُهَا عَنْهُمْ
لا زيادة له على هذه المسألة.
"وندب إيثار المضطر" : يعني أنه يستحب في تفريق الزكاة إيثار المضطر أي المحتاج،
وكذا قال مالك: ابن القاسم: ولا يرضخ لغيرهم ممن لا يستحق الزكاة. انتهى. دون عموم الأصناف؛ يعني أنه لا يندب استيعاب الأصناف الثمانية بإعطاء الزكاة، فيجوز دفع جميعها لصنف واحد إلا العامل، فلا تدفع له إلا إذا كانت قدر عمله كما تقدم، وما ذكره المصنف يفيد أنه لا يستحب مراعاة الخلاف،
وفي ذلك خلاف، والراجح منه استحباب مراعاته كما ذكره غير واحد. قاله الشبراخيتي. وتقدم أن أصبغ يقول بندب تعميم الأصناف وهو الذي رد عليه المصنف بقوله: دون عموم الأصناف،
وقال عبد الباقي: ثم محل عدم ندب عموم الأصناف، إلا أن يقصد لرعي خلاف الشافعي، فيعمم لندب مراعاته كما ذكره غير واحد. انتهى. والاستنابة، عطف على قوله: "إيثار المضطر" ؛ يعني أنه يندب لرب المال أن يستنيب؛ أي يوكل وكيلا يتولى عنه إخراج الزكاة ودفعها، وكره له توليها خوف قصد المحمدة أو خوف الوقوع فيها. قاله عبد الباقي.
وقال الخرشي في كبيره: خوف وقوع المحمدة أي حصولها غَيْرُ خوف قصدها؛ الأول محمود،
والثاني مذموم، ويشهد لذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا مدح المؤمن في وجهه ربا الإيمان في قلبه ). انتهى.
وقال الخرشي في صغيره: يعني أن الاستنابة في تفرقة الزكاة تستحب،
ويكره أن يليها بنفسه خوف المحمدة والثناء، وعمل السر أفضل.
ومن آدابها دفعها باليمين، ودعاء الْمُصَدِّقِ والإمام لدافعها، والصلاة عليه، وأوجبه داود. انتهى،
وقد قال عياض في قواعده: ومن آداب الزكاة أن يسترها عن أعين الناس، وقد قيل الإظهار في الفرائض أفضل ونحوه لسيدي زروق، قال: إلا أن يكون الغالب تركها، فيستحب الإظهار للاقتداء به. انتهى.
وقال في المدونة: ولا يعجبني أن يلي أحد تفرقة صدقة ماله خوف المحمدة والثناء، وعمل السرّ أفضل، ولكن يدفع ذلك إلى رجل ينوبه فيقسمه. أبو الحسن: قال صاحب التقريب: لا أحب، وهذا يبين أنه حمل لا يعجبني على معنى الكراهة، وأراد خوف قصد المحمدة،
ولو جزم أنه قصد المحمدة لصرح بالمنع،
ولو جزم أنه يسلم من ذلك لصرح بالجواز، ولابد أن يكون عالما بأحكامها ومصرفها، وإلا وجب عليه أن يتعلم ذلك أوأن يستنيب من يعلم ذلك. قاله الخطاب. تنبيهات: الأول: قال عياض في قواعده: من آداب الزكاة أن يسترها عن أعين الناس، قال: وقد قيل الإظهار في الفرائض أفضل، قال شارحه: قال ابن بطال: لا خلاف بين أيمة العلم أن إعلان صدقة الفرض أفضل من إسرارها،
وأن الإسرار بصدقة النوافل أفضل من إعلانها،
ثم ذكر عن ابن عطية وغيره خلافا في صدقة الفرض، لكن ضعف القول بإسرارها، ثم قال: وما بدأ به المؤلف هو القول المرجوح المطعون عليه، وإنما قدمه لأنه مذهب مالك. انتهى. قاله الخطاب.
الثاني: قال الشيخ زروق في شرح القرطبية: فأما سترها فمستحب لما يعرض من الرياء إلا أن يكون الغالب على الناس تركها، فيستحب الإظهار للاقتداء. انتهى. وهذا عكس ما قال ابن عطية على ما نقل القباب، فإنه قال: كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء. انتهى. قاله الخطاب. قال: وهذا -والله أعلم- يختلف باختلاف الأحوال،
فمن أيقن بسلامته من الرياء وحسن قصده في الإظهار استحب له،
ومن غلب عليه خوف الرياء استحب له الإسرار،
ومن تحقق وقوع الرياء وجب عليه الإخفاء والاستنابة. والله أعلم. انتهى. الثالث: عد عياض في آدابها: دفعها باليمين،
وقال: ويستحب للمتصدق وللإمام الدعاء والصلاة على دافعها. انتهى.
وفي الذخيرة: ولا يجب على الساعي أن يدعو لصاحب الصدقة، خلافا لداود، واستحسنه الشافعي. انتهى.
وفي الجواهر: ولا يجب على الإمام ولا على نائبه أن يَدْعُوَ لصاحب الصدقة إذا أخذها منه لكن يندب إلى ذلك. انتهى. قاله الخطاب.
الرابع: قال في التمهيد في شرح الحديث الثاني عشر لزيد بن أسلم لما أن قال الأعرابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنك لتعطي لمن شئت (١) ): يحتمل أن يكون هذا من الأعراب الجفاة الذين لا يدرون حدود ما أنزل الله على رسوله،
وفي هذا الحديث دليل على ما قال مالك من أن من تولى تفريق الصدقات لم يعدم من يلومه، قال: وقد كنت أتولاها بنفسي فأوذيت وتركت ذلك. انتهى. قاله الخطاب. الخامس: قال سند في الكلام على مصرف الزكاة: من دفعت إليه زكاة ليفرقها في أهلها وكان هو من أهلها، جاز أن يأخذ منها بالمعروف، قال مالك في الموازية: فيمن أعطي مالا في خروجه لحج أو غزو ليصرفه على من قطع به فقطع به هو فليأخذ منه بالمعروف، وهذا بين لأن علة الاستحقاق قائمة، فلا فرق بينه وبين غيره من المستحقين.
انتهى. وما ذكر عن الموازية نحوه في كتاب النوادر في كتاب الزكاة،
وفي كتاب الحج الثاني فيمن بعث معه جزاء أو فدية أو جزاء صيد أنه لا يأكل منه، قال: إلا أن يكون الرسول مسكينا فجائز أن يأكل منه،
قال في الطراز في شرحه: ونظيره الكفارة والزكاة تدفع لبعض المساكين، ليفرقها على المساكين فله أن يأخذ نصيبه منها بالعدل. انتهى.
وقال أبو الحسن الصغير: يؤخذ من شرح هذه المسألة أن من أعطيت له صدقة يفرقها أنه يجوز له أن يأخذ مقدار حظه إذا كان مسكينا، وهي مسألة فيها قولان، وسببها الوكيل هل هو معزول عن نفسه أم لا؟ وهل المأمور بالتبليغ داخل تحت الخطاب أم لا؟ ويقوم منه أن من جعل ماء له في العطاش أنه يشرب منه إن عطش. انتهى. قاله الخطاب.
وفي رسم البز من سماع ابن القاسم: أجاز لمن بعث معه بمال في حج أو غزو ليفرقه على المنقطعين أن يأخذ منه إذا احتاج بالمعروف، والمعروف ألا يحابي نفسه فيأخذ أكثر مما يعطي غيره، واستحب له إن وجد من يسلفه أن يتسلف ولا يأخذ منه شيئا، واستحب له إذا رجع أن يعلم ربه بذلك،
فإن لم يمضه وجب غرمه له،
وإن فات ولم يمكنه إعلامه لم يكن عليه أن يتمحص منه؛ لأنه أجاز له الأخذ ابتداء،
وإن قال له صاحبه إن احتجت فخذ جاز له أن يأخذ باتفاق مثل ما يعطي غيره،
ولا يجوز له أن يأخذ لنفسه أكثر إلا أن يعلم أن صاحب المال يرضى بذلك. انتهى. قاله الخطاب.
وفي رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب الحبس فيمن حبس على ذوي الحاجة أنه يعطى منه ورثته إن احتاجوا. والله أعلم. قاله الخطاب.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.