وحلف ما طلق واحدة
الشروح عليها
(وَحَلَفَ مَا طَلَّقَ وَاحِدَةً) مِنْ نِسَائِهِ فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ فَإِنْ طَالَ دُيِّنَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ، فَإِنْ طَالَ دُيِّنَ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ إنْ نَكَلَ فَلَا بُدَّ مِنْ حَبْسِهِ حَتَّى يُقِرَّ بِالْمُطَلَّقَةِ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَطَعَتْ بِأَنَّ وَاحِدَةً عَلَيْهِ حَرَامٌ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَحَلَفَ) الزَّوْجُ (مَا طَلَّقَ وَاحِدَةً) مِنْ زَوْجَاتِهِ فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ وَإِنْ طَالَ دُيِّنَ أَبُو الْحَسَنِ لَوْ نَكَلَ فَتَخَرَّجَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ لِمَالِكٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " هَلْ يُسْجَنُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَطْلُقْنَ كُلُّهُنَّ. اللَّخْمِيُّ وَأَرَى أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ وَيُسْجَنَ حَتَّى يُقِرَّ بِالْمُطَلَّقَةِ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَطَعَتْ بِأَنَّ وَاحِدَةً عَلَيْهِ حَرَامٌ. ابْنُ عَرَفَةَ مُقْتَضَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ عَلَى قَبُولِ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ طَلَاقُ جَمِيعِهِنَّ، كَمَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ طَلَّقَ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ وَهُوَ يُنْكِرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَمَنْ لَا نِيَّةَ لَهُ،
فَإِنْ صَدَّقَ الشُّهُودَ وَادَّعَى النِّسْيَانَ طَلَقْنَ كُلُّهُنَّ وَإِنْ عَيَّنَ وَاحِدَةً صُدِّقَ
وحلف ما طلق واحدة يعني أن هذا الذي شهد عليه الشهود أنه طلق واحدة معينة من نسائه ونسيها الشهود يحلف إن أنكر ما شهدت عليه البينة به، وصورة يمينه أن يقول: بالله الذي لا إله إلا هو ما طلقت واحدة من نسائي قاله ابن القاسم في المدونة.
فإن نكل حبس وإن طال دين، كذا يفيده أبو الحسن. قاله عبد الباقي.
وقال محمد بن الحسن: لفظ أبي الحسن: لو نكل، يتخرج على روايتين لمالك: هل يسجن أبدا حتى يحلف؟ أو يطلقن كلهن؟ اللخمي: وأرى أن يحال بينه وبينهن ويسجن حتى يقر بالمطلقة، لأن البينة قطعت بأن واحدة عليه حرام. انتهى.
وقال ابن عرفة: مقتضى مشهور المذهب طلاق جميعهن؛ وقوله: وحلف ما طلق واحدة، خالف في ذلك ابن المواز؛
وقال: لا يمين عليه: وقد علمت أن محل كلام المصنف حيث أنكر الزوج الطلاق،
وأما لو صدق الشهود وادعى النسيان مثلهم طلقن كلهن،
فإن عين واحدة صدق، ولو شهد أحدهما أنه طلقها على عبد وشهد أحدهما أنه طلقها على ألف لم تطلق، والظاهر أن مثل المصنف ما إذا شهدا على رجل من رجلين بطلاق زوجته ونسياه فيحلف كل لرد شهادتهما أنه ما طلق وإلا سجنا،
فإن طال دينا. قاله عبد الباقي وقال الحطاب عن البرزلي: ونقل عن الرماح أنه إذا كان بحضرة رجلين وسمع من أحدهما الطلاق وشك في أحد الرجلين، فلا يشهد حتى يتحقق أنه أحد الرجلين
وظاهره أنه لا يمين على واحد منهما. قال البرزلي: وأعرف للخمي في باب تعليق الشهادة ما يدل على اليمين، فعلى هذا يَرْفَع ويُوجِب اليمين قِبَلَهُما معا.؛ إن شهد ثلاثة بيمين ونكل فالثلاث يعني أن من شهد عليه ثلاثة نفر كل واحد شهد عليه بيمين حنث فيها، وليس واحد منهم مع صاحبه، فإنه يؤمر بالحلف على تكذيب كل واحد من الثلاثة،
فإن حلف فظاهر أي لم يلزمه طلاق،
وإن نكل فإنه تلزمه الثلاث،
وأما لو كان في غير يمين لزمه طلقة لاجتماعهم عليها، ويحلف لرد الآخر،
فإن نكل لزمته اثنتان.
قوله: وإن شهد ثلاثة لخ. هو تأويل القابسي مسألة ربيعة الواقعة في المدونة، ونص المدونة: قال ربيعة ومن شهد عليه ثلاثة نفر كل واحد بطلقة ليس معه صاحبه فأمر أن يحلف فأبى فليفرق بينهما وتعتد من يوم نكل وقضي عليه. انتهى. عياض: قال القابسي: معناه أن كل واحد شهد عليه بيمين حنث فيها، فلذلك إذا نكل طلق عليه بالثلاث، فظاهر هذا أنه يحلف على تكذيب كل واحد،
قال: وأما لو كان في غير يمين لزمه طلقة، يريد لاجتماعهم عليها ويحلف لرد الآخر،
فإن نكل لزمته اثنتان، فعلى هذا يكون وفاقا للمذهب على أحد القولين لمالك في التطليق عليه بالنكول، فالصنف مشى على تأويل القابسي بالوفاق بدليل قوله: بيمين، قال الشيخ محمد بن الحسن: وحينئذ فيتعين حمله على خصوص التعاليق المختلفة، وقوله: ونكل جملة حالية، وقوله: ونكل فالثلاث، هذا على قول مالك المرجوع عنه، وما مر من أنه يسجن فإن طال دين هو المرجوع إليه. انتهى. وذهب غير القابسي إلى أن قول ربيعة مخالف لقول مالك؛
لأن ظاهره أنه إن حلف لم يلزمه شيء ومالك يلزمه واحدة لاجتماع اثنين عليها وهو قول مطرف وأصبغ وعبد الملك، وجعل ابن يونس قول ربيعة مخالفا لقول مالك؛ لأن مالكا لا يحلفه ويلفق عليه الشهادة، فيلزمه واحدة لأنه من وجه الإقرار، فابن يونس حمل كلام ربيعة على العموم، بحيث يشمل الطلقات دون تعليق والتعاليق المتفقة والمختلفة، فيكون خلافا للإمام في التلفيق في الأولين؛ وتعبير المصنف بيمين يمنع أن يحمل على تأويل ابن يونس، ويعين الحمل على تأويل القابسي.
والله تعالى أعلم. وعلم من التقييد بكون الثلاثة ليس واحد منهم مع صاحبه أنه لو سمع اثنان طلاقها في آن واحد لزمته طلقة اتفاقا. واعلم أن المذهب لزوم طلقة واحدة في غير التعاليق وفي التعاليق التفقة والحلف على الزاند في المسألتين،
وأما المختلفة فيحلف ولا تلزمه واحدة،
فإن نكل في ذلك كله حبس وإن طال دين، مثال التعاليق المتفقة شهادة كل واحد منهم أنه حلف لا دخل دار زيد أو أنه دخلها، ومثال التعاليق المختلفة شهادة أحدهما أنه حلف لا دخل الدار ودخلها، وشهادة أحدهما أنه حلف لا ركبها وأنه ركب، وآخر أنه حلف لا ألبسُ هذا الثوب وأنه لبسه. [فصل: في التفويض] وهو ينقسم إلى توكيل وتخيير وتمليك، فالتوكيل جعل إنشاء الطلاق بيد الغير باقيا منع الزوج منه، والتمليك جعل إنشاء الطلاق حقا لغيره راجحا في الثلاث يخص بما دونها بنية، والتخيير جعل الزوج إنشاء الطلاق الثلاث حكما أو نصا عليه حقا لغيره، والفرق بين هذه الحقائق أمر عرفي للفقهاء فينعكس بانعكاس العرف.
قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الإمام الحطاب: الفرق بين الوكيل وغيره أن الوكيل يفعل ذلك على سبيل النيابة عن من وكله، والملك والخير إنما يفعلان ذلك عن أنفسهما لأنهما ملكا ما كان يملكه الزوج،
وأما الفرق بين التخيير والتمليك فقيل أمر عرفي لا مشاركة للغة فيه، فقولهم في المشهور كما سيأتي: إن للزوج أن يناكر الملكة دون المخيرة إنما هو أمر مستفاد من العرف، وعلى هذا ينعكس الحكم بانعكاس العرف،
وقيل: هو وإن كان تابعا للعرف إلا أن العرف تابع للغة أو قريب منها؛ لأن التمليك إعطاء ما لم يكن حاصلا، فلذلك قلنا: إن للزوج أن يناكرها لأن الأصل بقاء ملكه بيده فلا يلزمه إلا ما اعترف بأنه أعطاه،
وأما التخيير فقال أهل اللغة: خير فلانا بين شيئين إذا جعل له الخيار، فيكون تخيير الزوج معناه أن الزوج فوض إليها البقاء على العصمة والذهاب عنها، وذلك إنما يتأتى لها إذا حصلت على حال لا يبقى للزوج عليها حكم فيها وإنما يكون ذلك بعد الدخول في إيقاع الثلاث، قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: يتحصل من كافى مهم هنا أن التوكيل ما دل على أن الزوج جعل الغير نائبا عنه في إنشاء الطلاق مع أن للزوج منعه من ذلك قبل إيقاعه له بأي لفظ كان،
وأن التخيير ما دل على أن الزوج جعل للمرأة أحد أمرين
إما أن تبين منه أو تقيم معه بأي لفظ كان،
وأن التمليك وهب لها ما له من إنشاء الطلاق؛ والأصل أن ملك الإنسان لا ينتقل عنه إلا بمحقق فلذا ناكر مطلقا، والمعتبر ما دل على ذلك بأي لفظ كان. والله أعلم. واعلم أن الشافعي وأبا حنيفة وأحمد اتفقوا على أن التخيير كناية لا يلزم فيه شيء إلا بالنية؛ لأن لفظ التخيير يحتمل التخيير في الطلاق وغيره،
وإن أراد الطلاق فيحتمل الوحدة والكثرة، والأصل بقاء العصمة حتى ينوي.
القرافي: والصحيح الذي يظهر أن قول الأئمة الثلاثة هو مقتضى اللفظ لغة لا مرية في ذلك،
وأن مالكا رحمه الله أفتى بالثلاث بناء على عادة كانت في زمانه أوجبت نقل اللفظ عن مسماه اللغوي إلى هذا المفهوم فصار صريحا فيه،
ويلزم على هذا بطلان الحكم اليوم ووجوب الرجوع إلى اللغة ويكون كناية محضة كما قاله الأئمة لتغير العرف حتى لم يصر أحد يستعمل هذا اللفظ إلا في غاية الندور، والقاعدة أن اللفظ متى كان الحكم فيه مضافا لنقل عادي بطل ذلك الحكم عند بطلان العادة وتغيره إلى حكم آخر إن شهد له عادة أخرى، هذا هو الفقه المتجه. ابن الشاط: ما قاله من أن مالكا رضي الله عنه إنما بنى على عرف زمانه هو الظاهر وما قاله من لزوم تغير الفتوى عند تغير العرف صحيح انتهى إن فوضه لها توكيلا فله العزل التفويض هو رد الأمر إلى الغير، يقال: فوض الأمر إليه إذا رده إليه؛
يعني أن الزوج إذا فوض أمر عصمته إلى زوجته نظر إلى ذلك فإن كان تفويضه ذلك إليها على جهة الوكالة فإن له أن يعزلها عن ذلك، أي: له أن يبطل ما بيدها قبل أن تطلق نفسها لا بعد ذلك؛ لأنها نائبة عنه. وعلم مما قررت أن المفوض إلى المرأة هو الطلاق، فالضمير المستتر في فوضه يعود على الزوج، والمراد به هنا الزوج المسلم المكلف ولو سكر حراما، وهل إلا أن لا يميز؟
إلى آخر ما مر؛ والضمير الظاهر عائد على الطلاق. وقوله: توكيلا، قال محمد بن الحسن: الصواب إعرابه مفعولا مطلقا أو حالا على تقدير مضاف فيهما؛ أي تفويض توكيل أو ذا توكيل. والله تعالى أعلم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.