وأرض سنين لذي شجر بها سنين مستقبلة وإن لغيرك
الشروح عليها
(وَ) جَازَ كِرَاءُ (أَرْضٍ) مُكْتَرَاةٍ (سِنِينَ) مَاضِيَةٍ (لِذِي شَجَرٍ بِهَا) غَرَسَهُ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ هَذَا الْمُكْتَرِي أَيْ أَنْ يُكْرِيَهَا الْآنَ (سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً) تَلِي مُدَّةَ الْأُولَى إذَا كَانَ الشَّجَرُ لَك يَا مُكْتَرِي بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الشَّجَرُ (لِغَيْرِك) بِأَنْ تَكُونَ اكْتَرَيْتَ الْأَرْضُ سِنِينَ فَ أَكَرَيْتَهَا لِغَيْرِك فَغَرَسَ فِيهَا شَجَرًا ثُمَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَفِيهَا شَجَرُهُ أَرَدْت أَنْ تَكْتَرِيَهَا مِنْ رَبِّهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً فَيَجُوزُ، وَلَك أَنْ تَأْمُرَ الْغَارِسَ بِقَلْعِ شَجَرِهِ أَوْ تَدْفَعَ لَهُ قِيمَتَهُ مَنْقُوضًا أَوْ يُرْضِيَك (لَا زَرْعٍ) لِلْغَيْرِ أَيْ
لَا إنْ كَانَ الَّذِي فِي الْأَرْضِ زَرْعًا لِغَيْرِك فَلَا يَجُوزُ لَك أَنْ تَكْتَرِيَهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُدَّةً مِنْهَا الْمُدَّةُ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الزَّرْعُ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ إجَارَتِهِ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ قَلْعُهُ
بِخِلَافِ الشَّجَرِ، وَتَقْيِيدُ بَعْضِهِمْ الْمَنْعَ بِمَا إذَا كَانَ الزَّارِعُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتِمُّ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَإِلَّا جَازَ وَلِلْمُكْتَرِي أَنْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ كَالشَّجَرِ ضَعِيفٌ.
(قَوْلُهُ: مُكْتَرَاةٍ سِنِينَ إلَخْ) أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ السِّنِينَ الْأُولَى مَعْمُولَةٌ لِنَعْتِ أَرْضٍ، وَهُوَ مُكْتَرَاةٌ وَقَوْلُهُ: مُسْتَقْبَلَةً صِفَةٌ لِسِنِينَ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ مَعْمُولَةٌ لِكِرَاءٍ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ أَيْ أَنْ يُكْرِيَهَا الْآنَ سِنِينَ إلَخْ،
وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَأَرْضٍ سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً لِذِي شَجَرٍ بِهَا أَوْ غَيْرِهِ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَوْضَحَ،
وَفِي قَوْلِهِ، وَإِنْ لِغَيْرِك الْتِفَاتٌ مِنْ الْغَيْبَةِ لِلْحُضُورِ، وَمَا بَعْدَ الْمُبَالَغَةِ غَيْرُ مُنْدَرِجٍ فِيمَا قَبْلَهَا كَمَا كَتَبَ شَيْخُنَا فَفِيهِ رَكَاكَةٌ وَبَالَغَ عَلَى الْغَيْرِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الشَّجَرُ لِغَيْرِهِ وَلَيْسَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الِانْتِفَاعِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِئْجَارُ
(قَوْلُهُ: أَوْ يُرْضِيَكَ) أَيْ فِي مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ الْمُدَّةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لِأَجْلِ بَقَاءِ غَرْسِهِ
(قَوْلُهُ: مِنْهَا الْمُدَّةُ إلَخْ) أَشَارَ الشَّارِحُ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ مَحَلَّ مَنْعِ اكْتِرَاءِ غَيْرِ رَبِّ الزَّرْعِ لِلْأَرْضِ إذَا كَانَ عَلَى أَنْ يَقْبِضَهَا قَبْلَ تَمَامِ الْغَرَضِ مِنْ الزَّرْعِ لِتَلَفِ الزَّرْعِ إذَا قُلِعَ
بِخِلَافِ الشَّجَرِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى أَنْ يَقْبِضَهَا بَعْدَ تَمَامِ الزَّرْعِ جَازَ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الزَّرْعَ إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ إجَارَتِهِ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَطِبْ
(قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ قَلْعُهُ) أَيْ، وَإِنَّمَا لَهُ كِرَاءُ أَرْضِهِ إلَى تَمَامِ الْغَرَضِ مِنْ الزَّرْعِ
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الشَّجَرِ) أَيْ فَإِنَّهُ إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ إجَارَتِهِ فَلِرَبِّ الْأَرْضِ قَلْعُهُ
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ يَتِمُّ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ) أَيْ فَقَدَّرَ اللَّهُ أَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ فِيهَا
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا جَازَ) أَيْ، وَأَمَّا إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ أَمْرُ الزَّرْعِ فِيهَا فَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ عَلَى تَلَفِ زَرْعِهِ
(قَوْلُهُ: ضَعِيفٌ) أَيْ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى أَنَّ الْمُكْتَرِيَ يَقْبِضُ الْأَرْضَ قَبْلَ تَمَامِ الزَّرْعِ فَالْمَنْعُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ عَلِمَ الزَّارِعُ أَنَّ الزَّرْعَ يَتِمُّ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَمْ لَا،
وَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى أَنَّ الْمُكْتَرِيَ يَقْبِضُ الْأَرْضَ بَعْدَ تَمَامِ الزَّرْعِ فَالْجَوَازُ مُطْلَقًا.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَأَرْضٍ سِنِينَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: إنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ فِي الْأَرْضِينَ لِلسِّنِينَ الْكَثِيرَةِ جَائِزٌ مَأْمُونَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَأْمُونَةٍ (لِذِي شَجَرٍ بِهَا مُسْتَقْبَلَةً)
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اكْتَرَيْت أَرْضًا سِنِينَ مُسَمَّاةً فَغَرَسْت فِيهَا شَجَرًا فَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَفِيهَا شَجَرُكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَكْتَرِيَهَا مِنْ رَبِّهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً. (وَإِنْ لِغَيْرِكَ)
. اللَّخْمِيِّ: وَيَجُوزُ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُكْرِيَهَا مِنْ غَيْرِ الْمُكْتَرِي الْأَوَّلِ وَيُقَالُ لِلْمُكْتَرِي أَرْضِ الْمُكْتَرِي الْآخَرَ أَوْ اقْلَعْ شَجَرَكَ.
وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ اكْتَرَيْتهَا ثُمَّ أَكْرَيْتَهَا مِنْ غَيْرِك فَغَرَسَهَا ثُمَّ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْكِرَاءِ وَفِيهَا غَرْسُهُ فَلَكَ أَنْ تَكْتَرِيَهَا مِنْ رَبِّهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً،
فَإِنْ أَرْضَاكَ الْغَارِسُ وَإِلَّا قَلَعَ غَرْسَهُ. ابْنُ يُونُسَ: وَإِنَّمَا جَازَ كِرَاؤُهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُجْبِرَ الْغَارِسَ عَلَى قَلْعِ غَرْسِهِ بَعْدَ تَمَامِ كِرَائِهِ فَكَانَ الْمُكْتَرِي إنَّمَا دَخَلَ عَلَى أَنْ يَقْلَعَ عَنْهُ الْغَارِسُ غَرْسَهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ مِنْ الْأَرْضِ مَا كَانَ رَبُّهَا يَمْلِكُهُ، وَلَا يَسْتَطِيعُ الْغَارِسُ مُخَالَفَتَهُ فَقَدْ دَخَلَ عَلَى أَمْرٍ مَعْرُوفٍ. (لَا زَرْعٍ) . اللَّخْمِيِّ: إنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَفِي الْأَرْضِ زَرْعٌ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكْتَرِي الْأَوَّلِ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يَكْتَرِيَ إلَّا مَا بَعْدَ هَذَا الزَّرْعِ
بِخِلَافِ الْغَرْسِ، وَثَالِثُ الْأَقْوَالِ الزَّرْعُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَغْرَمُ فِيهِ كِرَاءَ الْمِثْلِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ كَانَ مَوْضِعُ الشَّجَرِ زَرْعًا أَخْضَرَ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُكْرِيَهَا مَا دَامَ زَرْعُ هَذَا فِيهَا؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ إذَا انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ قَلْعُهُ وَإِنَّمَا لَهُ كِرَاءُ أَرْضِهِ وَلَهُ أَنْ يَقْلَعَ الشَّجَرَ فَافْتَرَقَا إلَّا أَنْ يُكْرِيَهَا مِنْكَ إلَى تَمَامِ الزَّرْعِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ مَأْمُونَةً يُرِيدُ فِي جَوَازِ النَّقْدِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِذَا انْقَضَتْ السُّنُونَ وَلِلْمُكْتَرِي فِي الْأَرْضِ زَرْعٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ لَمْ يَجُزْ لِرَبِّ الْأَرْضِ شِرَاؤُهُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُ زَرْعٍ أَخْضَرَ يُشْتَرَطُ مَعَ الْأَرْضِ فِي صَفْقَةٍ،
وَكَذَلِكَ الْأُصُولُ بِثَمَرِهَا وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُبْتَاعُ كَانَ مَا أَبَّرَ مِنْ الثَّمَرَةِ أَوْ مَا ظَهَرَ مِنْ الْأَرْضِ مِنْ الزَّرْعِ لِلْبَائِعِ،
وَإِذَا لَمْ تُؤَبَّرْ الثَّمَرَةُ وَلَمْ يَظْهَرْ الزَّرْعُ مِنْ الْأَرْضِ فَذَلِكَ لِلْمُبْتَاعِ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: الْأَشْبَهُ أَنْ يَجُوزَ لِرَبِّ الْأَرْضِ شِرَاءُ مَا فِيهَا مِنْ زَرْعٍ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ مِلْكٌ لَهُ فَصَارَ مَقْبُوضًا بِالْعَقْدِ، وَمَا يَحْدُثُ فِيهِ مِنْ نَمَاءٍ إنَّمَا هُوَ فِي ضَمَانِ مُشْتَرِيهِ لِكَوْنِهِ فِي أَرْضِهِ وَإِنَّمَا مُنِعَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا لِكَوْنِ ضَمَانِهَا مِنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أُصُولِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَرَأَيْت إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ» .
وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَجَازَ عَبْدُ الْمَلِكِ شِرَاءَ جِنَانٍ فِيهِ ثَمَرَةٌ بِقَمْحٍ أَوْ بِجِنَانٍ فِيهِ ثَمَرَةٌ تُخَالِفُهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ ثَمَرَةٍ مَقْبُوضَةٌ فَكَانَا مُتَنَاجِزَيْنِ.
(ص) وَأَرْضٍ سِنِينَ لِذِي شَجَرٍ بِهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً (ش) أَيْ وَجَازَ كِرَاءُ أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ سِنِينَ مَاضِيَةً لِذِي شَجَرٍ بِهَا فِي تِلْكَ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً فَسِنِينَ الْأُولَى مَعْمُولٌ لِنَعْتِ أَرْضٍ وَمُسْتَقْبَلَةً صِفَةٌ لِسِنِينَ الثَّانِيَةِ وَهِيَ مَعْمُولٌ لَجَازَ وَقَوْلُهُ (وَإِنْ لِغَيْرِك) أَيْ وَإِنْ كَانَ الشَّجَرُ لِغَيْرِك وَمَعْنَاهُ أَنَّك اكْتَرَيْت أَرْضًا سِنِينَ ثُمَّ أَكْرَيْتهَا لِغَيْرِك تِلْكَ السِّنِينَ فَغَرَسَ فِيهَا شَجَرًا ثُمَّ انْقَضَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ وَفِيهَا شَجَرَةٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَك أَنْ تَكْتَرِيَهَا مِنْ رَبِّهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً وَلَك أَنْ تَأْمُرَ الْغَارِسَ أَنْ يَقْلَعَ شَجَرَهُ مِنْ أَرْضِك إلَّا أَنْ يُرْضِيَك هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَأَنَّ لِغَيْرِك فَالضَّمِيرُ يَرْجِعُ لِمُسْتَأْجِرِ الْأَرْضِ مِنْ رَبِّهَا أَوَّلًا وَثَانِيًا، وَإِنَّمَا بَالَغَ عَلَى ذَلِكَ؛
لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الشَّجَرُ لِغَيْرِهِ فَلَيْسَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِئْجَارُهَا فَقَوْلُهُ وَأَرْضٍ إلَخْ عُطِفَ عَلَى حَمَّامٍ وَعَلَى نُسْخَةٍ كَذِي شَجَرٍ بِهَا سِنِينَ بِالْكَافِ يَكُونُ الْمَعْنَى وَجَازَ كِرَاءُ أَرْضٍ سِنِينَ أَيْ: يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَكْتَرِيَ أَرْضًا سِنِينَ كَجَوَازِ اكْتِرَائِهَا صَاحِبَ شَجَرٍ بِهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً إلَخْ أَيْ: كَمَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ شَجَرٍ بِهَا اكْتِرَاؤُهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً إلَخْ فَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَسِنِينَ مُسْتَقْبَلَةٌ مَعْمُولٌ لَجَازَ عَلَى كِلَا النُّسْخَتَيْنِ لَا أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ سِنِينَ الْأُولَى؛
لِأَنَّ تِلْكَ مَاضِيَةٌ وَهَذِهِ مُسْتَقْبَلَةٌ. (ص) لَا زَرْعٍ
(ش) أَيْ: لَا إنْ كَانَ الَّذِي فِي الْأَرْضِ زَرْعًا لِغَيْرِك فَإِنَّهُ يُتْرَكُ إلَى تَمَامِ طِيبِهِ وَلَيْسَ لَك أَنْ تَسْتَأْجِرَهَا مَا دَامَ زَرْعُ هَذَا فِيهَا وَبِعِبَارَةٍ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى شَجَرٍ أَيْ لَا اسْتِئْجَارُ غَيْرِ ذِي زَرْعِ أَرْضِ زَرْعِهِ أَيْ: زَرْعِ الْغَيْرِ قُرِئَ لِذِي شَجَرٍ بِاللَّامِ أَوْ بِالْكَافِ أَوْ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ أَيْ: وَجَازَ اسْتِئْجَارُ أَرْضٍ سِنِينَ لَا زَرْعٌ فَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ أَرْضِهِ لِغَيْرِ رَبِّهِ وَتَقْيِيدُ بَعْضِهِمْ لَهُ بِمَا إذَا كَانَ الزَّارِعُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتِمُّ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ ضَعِيفٌ؛
لِأَنَّ الزَّرْعَ إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةُ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ قَلْعُهُ وَإِنَّمَا لَهُ كِرَاءُ أَرْضِهِ
بِخِلَافِ الشَّجَرِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ الْغَارِسَ بِقَلْعِهِ كَمَا مَرَّ وَالشَّجَرُ إذَا كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ قَدْ أَبَّرَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الزَّرْعِ.
(قَوْلُهُ مَعْمُولٌ لَجَازَ) فِيهِ نَظَرٌ بَلْ مَعْمُولٌ لِكِرَاءٍ الْمُقَدَّرِ
(قَوْلُهُ أَيْ: يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَكْتَرِيَ أَرْضًا سِنِينَ) ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى فَرَعَيْنَ مُشَبَّهٌ بِهِ وَمُشَبَّهٌ
فَأَمَّا الْمُشَبَّهُ بِهِ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ وَأَرْضُ مَطَرٍ عَشْرًا فَلَيْسَ بِتَكْرَارٍ مَعَهُ لِشُمُولِ هَذَا لِكِرَاءِ الْأَرْضِ لِلْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ فَصَّلَ فِي النَّقْدِ دُونَ هَذَا،
وَأَمَّا الْمُشَبَّهُ فَهُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ الْقَائِلُ وَإِنْ اكْتَرَيْت أَرْضًا سِنِينَ مُسَمَّاةً فَغَرَسْت فِيهَا شَجَرًا وَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَفِيهَا شَجَرُك فَلَا بَأْسَ أَنْ تَكْتَرِيَهَا مِنْ رَبِّهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً انْتَهَى إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ وَإِنْ لِغَيْرِك تَضِيعُ عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ
(قَوْلُهُ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ) أَيْ سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً مَرْتَبَتُهَا التَّقْدِيمُ عَلَى قَوْلِهِ لِذِي شَجَرٍ بِهَا وَقَوْلُهُ لِذِي شَجَرٍ حَقُّهَا التَّأْخِيرُ.
(أَقُولُ) وَإِذَا تَأَمَّلْت لَا تَجِدُ تَقْدِيمًا وَلَا تَأْخِيرًا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى كَمَا عُلِمَ وَجَازَ كِرَاءُ أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ سِنِينَ مَاضِيَةً لِذِي شَجَرٍ بِهَا سِنِينَ فَقَوْلُهُ لِذِي شَجَرٍ بِهَا مُتَعَلِّقٌ بِالْمَحْذُوفِ الَّذِي هُوَ مُسْتَأْجَرَةٌ سِنِينَ مَاضِيَةً فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ لَا زَرْعَ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَوْ كَانَ مَوْضِعَ الشَّجَرِ زَرْعٌ أَخْضَرُ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُكْرِيَهَا مَا دَامَ زَرْعُ هَذَا فِيهَا؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ قَلْعُهُ وَإِنَّمَا لَهُ كِرَاءُ أَرْضِهِ وَلَهُ أَنْ يَقْلَعَ الشَّجَرَ فَافْتَرَقَا إلَّا أَنْ يُكْرِيَهَا إلَى تَمَامِ الزَّرْعِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ابْنُ يُونُسَ وَإِنَّمَا جَازَ كِرَاؤُهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ جَبَرَ الْغَارِسَ عَلَى قَلْعِ غَرْسِهِ
وَكَذَا الْمُكْتَرِي إنْ كَانَ الشَّجَرُ لِغَيْرِهِ لِتَنَزُّلِهِ مَنْزِلَةَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْغَارِسُ لَا يَسْتَطِيعُ مُخَالَفَتَهُ فَكَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنْ يَقْلَعَ الْغَارِسُ غَرْسَهُ فَقَدْ دَخَلَ عَلَى أَمْرٍ مَعْرُوفٍ
بِخِلَافِ الزَّرْعِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ جَبْرُهُ عَلَى الْقَلْعِ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى أَمْرٍ مَعْرُوفٍ فَلِذَا لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُكْرِيَهَا الْآنَ بَعْدَ تَمَامِ زَرْعِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ إذْ هُوَ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ، وَلِذَا حَمَلَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلَهُ إلَّا أَنْ يُكْرِيَهَا إلَى تَمَامِ الزَّرْعِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ أَيْ بَعْدَ الزَّرْعِ وَأَنَّ إلَى الْمَعْنَى بَعْدُ وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ إذْ لَا مَعْنَى لِإِبْقَائِهَا عَلَى ظَاهِرِهَا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي بَقِيَتْ لِلزَّرْعِ فَلَا مَعْنَى لِعَقْدِ الْكِرَاءِ عَلَى ذَلِكَ أَفَادَهُ مُحَشِّي تت - رَحِمَهُ اللَّهُ - (فَإِنْ قُلْت) مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ.
(قُلْت) قَدْ ذَكَرَ بَعْضُ شُيُوخِنَا لَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الزَّرْعَ يَفْسُدُ بِقَلْعِهِ
بِخِلَافِ الشَّجَرِ لَا يَفْسُدُ بَلْ يُمْكِنُ غَرْسُهُ أَوْ يَسْتَمِرُّ.
(قَوْلُهُ أَوْ بِالرَّفْعِ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى الرَّفْعِ يَكُونُ عَامًّا
بِخِلَافِ الْجَرِّ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَقْصُورًا عَلَى صُورَةٍ وَهِيَ مَا إذَا كَانَتْ مُسْتَأْجِرَةً سِنِينَ مَاضِيَةً لِذِي زَرْعٍ فَلَا يَجُوزُ لِلْغَيْرِ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا مُسْتَقْبَلًا وَذَلِكَ لِاتِّحَادِ الْمَوْضُوعِ فِي الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ أَيْ: وَجَازَ اسْتِئْجَارُ أَرْضٍ إلَخْ)
أَيْ: فَإِذَا اسْتَأْجَرْت أَرْضًا سَنَةً كَامِلَةً وَزَرَعْت فِيهَا زَرْعًا فَلَا يَجُوزُ لِلْغَيْرِ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا مَا دَامَ الزَّرْعُ فِيهَا وَلَوْ انْقَضَتْ السُّنَّة،
ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ قَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا كَانَ الزَّارِعُ يَعْلَمُ أَنَّ زَرْعَهُ يَتِمُّ فِي مُدَّةِ السَّنَةِ أَيْ:
وَأَمَّا إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ فِي السَّنَةِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ فَيَجُوزُ إيجَارُهَا لِغَيْرِ الزَّارِعِ وَلَوْ فَسَدَ زَرْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِعِلْمِهِ ذَلِكَ فَقَالَ الشَّارِحُ هَذَا تَقْيِيدُ ضَعِيفٌ؛
لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الزَّرْعَ إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ قَلْعُهُ أَيْ: وَلَوْ كَانَ الزَّارِعُ يَعْلَمُ أَنَّ زَرْعَهُ لَمْ يَتِمَّ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي كِرَاءٍ لَا تَتِمُّ سَنَتُهُ بِالْحَصَادِ فَإِنْ كَانَتْ تَتِمُّ بِالْحَصَادِ وَوَقْتُهُ مُنْضَبِطٌ كَمَا بِمِصْرَ جَازَ.
(وَ) جَازَ كِرَاءُ (أَرْضٍ) مَكْرِيَّةٍ (سِنِينَ لِذِي) أَيْ صَاحِبِ (شَجَرٍ) مَغْرُوسٍ (بِهَا) أَيْ الْأَرْضِ فَيَجُوزُ كِرَاؤُهَا (سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً) تَلِي السِّنِينَ الْأُولَى لِذِي الشَّجَرِ أَوْ لِغَيْرِهِ. " غ " فِي بَعْضِ النُّسَخِ كَذِي بِكَافٍ،
وَفِي بَعْضِهَا لِذِي بِلَامٍ، فَإِنْ كَانَ بِالْكَافِ فَأَرْضٌ مُنَوَّنٌ وَسِنِينَ صِلَةُ كِرَاءٍ الْمُقَدَّرِ، وَالْكَلَامُ مُشْتَمِلٌ عَلَى فَرَعَيْنَ مُشَبَّهٌ بِهِ، وَهُوَ مَا قَبْلَ الْكَافِ، وَمُشَبَّهٌ، وَهُوَ مَا بَعْدَهَا، وَالْمَعْنَى وَجَازَ كِرَاءُ أَرْضٍ سِنِينَ.
وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ فَقَالَ كَكِرَائِهَا لِذِي شَجَرٍ بِهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلَيْسَ الْأَوَّلُ الْمُشَبَّهُ بِهِ وَإِنْ لِغَيْرِك [منح الجليل] مُكَرَّرًا مَعَ قَوْلِهِ وَأَرْضِ مَطَرٍ عَشْرًا إلَخْ، لِشُمُولِ هَذَا كِرَاءَهَا لِغَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ فَصَّلَ فِي الْأَوَّلِ فِي النَّقْدِ دُونَ هَذَا.
وَأَشَارَ بِالْمُشَبَّهِ الَّذِي بَعْدَ الْكَافِ إلَى أَنَّ مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا سِنِينَ وَغَرَسَ بِهَا شَجَرًا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَكْتَرِيَهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً تَلِي السِّنِينَ الْأُولَى لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَوْ اكْتَرَيْت أَرْضًا سِنِينَ مُسَمَّاةً فَغَرَسْت فِيهَا شَجَرًا فَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَفِيهَا شَجَرُك فَلَا بَأْسَ أَنْ تُكْرِيَهَا مِنْ رَبِّهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً،
وَإِنْ كَانَ بِلَامٍ فَلَعَلَّ أَرْضٍ غَيْرُ مُنَوَّنٍ لِإِضَافَتِهِ لِسِنِينَ لِأَدْنَى مُنَاسَبَةٍ. سِيبَوَيْهِ: الْإِضَافَةُ تَقَعُ بِأَدْنَى سَبَبٍ، وَحِينَئِذٍ فَالْكَلَامُ مُشْتَمِلٌ عَلَى
فَرْعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ نَصُّهَا الْمُتَقَدِّمُ، وَالْمَعْنَى وَجَازَ كِرَاءُ أَرْضِ سِنِينَ مَاضِيَةٍ سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً لِمَنْ غَرَسَ بِهَا شَجَرًا فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ، وَفِيهِ قَلَقٌ.
وَلَوْ قَالَ وَأَرْضٍ سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً لِذِي شَجَرٍ بِهَا أَوْ غَيْرِهِ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَوْضَحَ. " غ " وَعِبَارَةُ الشَّامِلِ أَحْسَنُ، إذْ قَالَ كَكِرَائِهَا لِذِي شَجَرٍ بِهَا أَوْ غَيْرِهِ سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً، وَدَخَلَ فِي الْغَيْرِ الْأَجْنَبِيُّ، وَالْحُكْمُ سَوَاءٌ.
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَجُوزُ كِرَاءُ الْأَرْضِ الَّتِي شُجِّرَ بِهَا شَجَرٌ لِغَيْرِ مُكْرِيهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً إنْ كَانَ لَك، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الشَّجَرُ الَّذِي بِهَا (لِغَيْرِك) بِأَنْ اكْتَرَاهَا زَيْدٌ سِنِينَ وَغَرَسَ بِهَا شَجَرًا وَانْقَضَتْ مُدَّتُهُ فَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ اكْتِرَاؤُهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً، إنْ اكْتَرَاهَا مِنْك الْمُكْتَرِي الْأَوَّلُ بَقِيَ شَجَرُهُ إلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ الثَّانِيَةِ، وَإِلَّا فَلَكَ إلْزَامُهُ بِقَلْعِ شَجَرِهِ وَتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ.
فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْ اكْتَرَيْت أَرْضًا سِنِينَ ثُمَّ أَكْرَيْتُهَا لِغَيْرِك فَغَرَسَ فِيهَا شَجَرًا، ثُمَّ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْكِرَاءِ، وَفِيهَا غَرْسُهُ فَلَكَ أَنْ تُكْرِيَهَا مِنْ رَبِّهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً،
ثُمَّ إنْ أَرْضَاكَ الْغَارِسُ وَإِلَّا قَلَعَ غَرْسَهُ.
ابْنُ يُونُسَ جَازَ كِرَاؤُهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُجْبِرَ الْغَارِسَ عَلَى قَلْعِ غَرْسِهِ بَعْدَ تَمَامِ كِرَائِهِ، فَكَأَنَّ الْمُكْتَرِيَ إنَّمَا دَخَلَ عَلَى أَنْ يَقْلَعَ الْغَارِسُ غَرْسَهُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ مِنْ الْأَرْضِ مَا كَانَ رَبُّهَا يَمْلِكُهُ وَلَا يَسْتَطِيعُ مُخَالَفَتَهُ، فَقَدْ دَخَلَ عَلَى أَمْرٍ مَعْرُوفٍ.
" غ " فَتَجَوَّزَ الْمُصَنِّفُ فِي إطْلَاقِ ذِي الشَّجَرِ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ غَارِسِهِ، وَالْتَفَتَ فَخَاطَبَهُ بَعْدَ ذِكْرِهِ بِصِيغَةِ الْغَيْبَةِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ، وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ أَحْسَنُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. لَا زَرْعٍ وَشَرْطِ كَنْسِ مِرْحَاضٍ، [منح الجليل] لَا) يَجُوزُ اكْتِرَاؤُك أَرْضًا بِهَا (زَرْعٌ) أَخْضَرَ لِغَيْرِك عَقِبَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ اكْتِرَاءِ زَارِعِهِ، إذْ لَيْسَ لِمُكْرِي الْأَرْضِ إلْزَامُهُ بِقَلْعِهِ، بَلْ يَلْزَمُهُ بَقَاؤُهُ بِهَا إلَى تَنَاهِي طِيبِهِ وَلَهُ كِرَاءُ مَا زَادَ عَلَى الْمُدَّةِ الْأُولَى.
ابْنُ الْقَاسِمِ لَوْ كَانَ مَوْضِعَ الشَّجَرِ زَرْعٌ أَخْضَرُ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُكْرِيَهَا مَا دَامَ زَرْعُ هَذَا فِيهَا؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ قَلْعُهُ، وَإِنَّمَا لَهُ كِرَاءُ أَرْضِهِ وَلَهُ قَلْعُ الشَّجَرِ فَافْتَرَقَا إلَّا أَنْ يُكْرِيَهَا إلَى تَمَامِ الزَّرْعِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُكْرِيَهَا إلَى تَمَامِ الزَّرْعِ، أَيْ بَعْدَ الزَّرْعِ، فَإِلَى بِمَعْنَى بَعْدُ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، إذْ لَا مَعْنَى لِإِبْقَائِهَا عَلَى ظَاهِرِهَا؛
لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي بَقِيَتْ لِلزَّرْعِ حَسْبَمَا يَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ، فَلَا مَعْنَى لِعَقْدِ الْكِرَاءِ عَلَى ذَلِكَ.
وأرض سنين لذي شجر بها سنين مستقبلة، صورتها أن تكتري أرضا سنين معلومة فتغرس فيها شجرا وانقضت المدة وفيها شجرك فإنه يجوز لك أن تكتريها من ربها سنين مستقبلة فالشجر في هذه لمن اكترى الأرض أولا وثانيا، بل وإن كان الشجر لغيرك، بأن اكتريتها سنين فأكريتها لمن غرس فيها ثم انقضت مدة الكراء وفيها غرسه فلك أن تكتريها من ربها سنين تلي الأولى،
ثم إن أرضاك الغارس وإلا قلع غرسه، فقوله: وأرض، بالجر عطف على حمام؛ أي وجاز كراء أرض، وسنين الأولى معمول لصفة أرض محذوفة؛ أي وجاز كراء أرض مكتراة سنين ماضية، فحذف صفة سنين الأولى بقرينة صفة سنين الثانية، وقوله: لذي، متعلق بمكتراة صفة أرض، وسنين الثانية معمولة لكراء؛ أي وجاز كراء أرض سنين مستقبلة وتلك الأرض قد اكتريت سنين ماضية لمن غرس فيها شجرا، سواء كان الغارس للشجر فيها من اكتريت له سنين مستقبلة أو غيره من مكتريها من المكتري لها قبله الذي هو مكترٍ لها الآن؛
أي في السنين المستقبلة، قال في المدونة: وإن اكتريت أرضا سنين مسماةً فغرست فيها شجرا وانقضت المدة وفيها شجرك فلا بأس أن تكتريها من ربها سنين مستقبلة. اهـ.
وقال الشبراخيتي: وإن كان الشجر لغيرك بأن اكتريتها سنين فأكريتها لمن غرسها ثم انقضت مدة الكراء وفيها غرسه فلك أن تكتريها من ربها سنين تلي الأولى،
ثم إن أرضاك الغارس وإلا قلع غرسه، ونحوه في المدونة. اهـ.
وقال الخرشي: قال ابن القاسم: ولو اكتريتها ثم أكريتها من غيرك فغرسها ثم انقضت مدة الكراء وفيها غرسه فلك أن تكتريها من ربها سنين مستقبلة،
ثم إن أرضاك الغارس وإلا قلع غرسه، قال ابن يونس: وإنما جاز كراؤها عند ابن القاسم لأن لرب الأرض أن يجبر الغارس على قلع غرسه بعد تمام كرائه، فكأن المكتري إنما دخل على أن يقلع عنه الغارس غرسه لأنه ملك من الأرض ما كان ربها يملكه، ولا يستطيع الغارس مخالفته فقد دخل على أمر معروف، وهذا إذا لم يكن في الشجر ثمر قد أبر،
وأما لو كان فيها ذلك لكانت كالزرع، وقوله: وأرض، عطف على حمام. اهـ كلام الخرشي.
تنبيه: قررت المص بأن قوله: لذي شجر متعلق بمكتراةٍ صفة محذوفة لأرض؛ لأن تعلقه بكراء أو جاز فيه أمران، أحدهما: التصريح بما قبل المبالغة. ثانيهما: الالتفات من الغيبة إلى الحضور. واللَّه تعالى أعلم. لا زرع؛ يعني أنه إذا انقضت المدة وكان موضع الشجر زرع فإنه لا يجوز أن تكرَى الأرض إلا أن تكرى الآن على أن تقبض بعد تمام الزرع،
قال في المدونة: قال ابن القاسم: ولو كان موضع الشجر زرع أخضر لم يكن لرب الأرض أن يكريها ما دام زرع هذا فيها؛ لأن الزرع إذا انقضت الإجارة لم يكن لرب الأرض قلعه، وإنما له كراء أرضه وله أن يقلع الشجر فافترقا، إلا أن يكريها منك إلى تمام الزرع. انتهى. قال أبو الحسن: هذا الاستثناء متصل من قوله: لم يكن لرب الأرض أن يكريها لخ، وقوله: إلى تمام الزرع، إلى هنا بمعنى بعد؛
أي مدة بعد تمام الزرع؛ أي أكراها الآن ليقبضها بعد تمام الزرع، وعبارة ابن يونس: إلا أن يكريها الآن بعد تمام زرعه فلا بأس به. اهـ.
وقال المواق: قال اللخمي: إن انقضت المدة وفي الأرض زرع لم يكن للمكتري الأول ولا لغيره أن يكتري إلا ما بعد هذا الزرع بخلاف الغرس. اهـ.
وقال ابن القاسم: وإذا انقضت السنون وللمكتري في الأرض زرع لم يبد صلاحه لم يجز لرب الأرض شراؤه، وإنما يجوز بيع زرع أخضر يشترط مع الأرض في صفقة،
وكذلك الأصول بثمرها فإن لم يشترطه المبتاع كان ما أبر من الثمرة أو ما ظهر من الأرض من الزرع للبائع،
وإذا لم تؤبر الثمرة ولم يظهر الزرع من الأرض فذلك للمبتاع. ابن يونس: قال بعض القرويين: الأشبه أن يكون لرب الأرض شراء ما فيها من زرع لأن الأرض ملك له فصار مقبوضا بالعقد، وما يحدث فيه من نماء إنما هو من ضمان مشتريه لكونه في أرضه، (وإنما منع عليه الصلاة والسلام من بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها (١) )، لكون ضمانها من البائع لكونها في أصوله، لقوله: (أرأيت إن منع اللَّه الثمرة لم يأخذ أحدكم مال أخيه) ؟
وعلى هذا التعليل أجاز عبد الملك شراء جنان فيه ثمرة بقمح أو بجنان فيه ثمرة تخالفها لأن كل ثمرة مقبوضة فكانا متناجزين. اهـ. وقوله: لا زرع، عطف على شجر؛ أي
لا إن كانت مكتراة لذي زرع فلا يجوز استئجارها لربه ولا لغيره.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.