لَا نَهَارًا إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا رَاعٍ وسرحت بعد المزارع
الشروح عليها
(لَا) مَا أَتْلَفَتْهُ غَيْرُ الْعَادِيَةِ (نَهَارًا) فَلَيْسَ عَلَى رَبِّهَا بِشَرْطَيْنِ ذَكَرَهُمَا بِقَوْلِهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا رَاعٍ) أَوْ عَجَزَ عَنْ دَفْعِهَا (وَسَرَحَتْ بُعْدَ الْمَزَارِعِ) بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا لَا تَذْهَبُ لِلزَّرْعِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَجَزَ عَنْ دَفْعِهَا) أَيْ أَوْ كَانَ مَعَهَا رَاعٍ وَعَجَزَ عَنْ دَفْعِهَا
(قَوْلُهُ: وَسَرَحَتْ بَعْدَ الْمَزَارِعِ) أَيْ بِأَنْ أَخْرَجَهَا لِمَكَانٍ بَعِيدٍ عَنْ الزَّرْعِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا لَا تَرْجِعُ مِنْهُ لِلزَّرْعِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(لِأَنَّهَا إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا رَاعٍ وَسَرَحَتْ بَعْدَ الْمَزَارِعِ وَإِلَّا فَعَلَى الرَّاعِي) ابْنُ الْحَاجِّ: إذَا قُلْنَا بِضَمَانِ مَا أَفْسَدَتْ الْمَاشِيَةُ فَهَلْ يَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بِأَرْبَابِهَا أَوْ بِرُعَاتِهَا، تَكَلَّمْت فِيهَا مَعَ ابْنِ رُشْدٍ فَظَهَرَ لَهُ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الرُّعَاةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَى أَرْبَابِهَا لِأَنَّ الرَّاعِي أَجِيرٌ يَحْلِفُ مَا ضَيَّعَ وَلَا فَرَّطَ وَيَغْرَمُ رَبُّ الْمَاشِيَةِ. اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا فِي الْإِجَارَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ:" وَأُجْبِرَ كَالْبَيْعِ ".
ابْنُ سَلْمُونَ: وَإِذَا عَدَتْ بَهِيمَةٌ عَلَى أُخْرَى فَقَتَلَتْهَا فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ.
أَبُو عُمَرَ: وَكَذَلِكَ إذَا انْفَلَتَتْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَرَكِبَتْ عَلَى رَجُلٍ نَائِمٍ فَجَرَحَتْهُ أَوْ قَتَلَتْهُ لِأَنَّ جَرْحَ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ. أَبُو عُمَرَ: وَإِنَّمَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ نَهَارًا عَنْ أَرْبَابِ الْمَاشِيَةِ إذَا أُطْلِقَتْ دُونَ رَاعٍ، إنْ كَانَ مَعَهَا رَاعٍ فَلَمْ يَمْنَعْهَا فَهُوَ كَالْقَائِدِ وَالرَّاكِبِ وَالسَّائِقِ، وَقَدْ ضَمَّنَ مَالِكٌ الْقَائِدَ وَالسَّائِقَ وَالرَّاكِبَ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: مِنْ الْمَوَاضِعِ ضَرْبٌ تَنْفَرِدُ فِيهِ الْمَزَارِعُ وَالْحَوَائِطُ لَيْسَ بِمَكَانِ مَسْرَحٍ هَذَا لَا يَجُوزُ إرْسَالُ الْمَوَاشِي فِيهِ، وَمَا أَفْسَدَتْ فِيهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَعَلَى أَرْبَابِهَا. الْبَاجِيُّ: وَضَرْبٌ ثَالِثٌ جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِإِرْسَالِ مَوَاشِيهِمْ فِيهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَأَحْدَثَ رَجُلٌ فِيهِ زَرْعًا لَا ضَمَانَ فِيهَا عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي لَيْلًا أَوْ نَهَارًا.
وَانْظُرْ إحْيَاءَ الْمَوَاتِ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ النَّحْلُ وَالْحَمَامُ وَالدَّجَاجُ كَالْمَاشِيَةِ لَا يُمْنَعُ مِنْ اتِّخَاذِهَا وَعَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ حِفْظُ زُرُوعِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالصَّوَابُ بِخِلَافِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ. ابْنُ شَاسٍ. [كِتَاب الْعِتْق][بَاب أَرْكَان الْعِتْق] وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، وَالنَّظَرُ فِي أَرْكَانِهِ وَخَوَاصِّهِ.
أَمَّا الْأَرْكَانُ فَثَلَاثَةٌ: الْمُعْتِقُ وَالرَّقِيقُ وَالصِّيغَةُ.
(لَا) يَضْمَنُ رَبُّهَا مَا أَتْلَفَتْهُ (نَهَارًا إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا) أَيْ الْبَهَائِمِ (رَاعٍ وَ) إنْ (سُرِّحَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا، أَيْ أُطْلِقَتْ لِتَرْعَى (بُعْدَ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ فِي مَحَلٍّ بَعِيدٍ عَنْ (الْمَزَارِعِ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ كَانَ مَعَهَا رَاعٍ
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا نهارا هذا مفهوم قوله: "ليلا" يعني أن ما أتلفته البهائم غير العادية من الزرع والحوائط والكروم نهارا لا ضمان فيه، بل هو هدر بشرطين أحدهما قوله: إن لم يكن معها راع أي إنما يكون ما أتلفته البهائم هدرا حيث لم يكن معها راع، أو كان وعجز عن دفعها كما في أحمد. قاله عبد الباقي. والشرط الثاني قوله: وسرحت بُعْد الزارع بأن يخرجها عن الزرع إلى موضع يغلب على الظن أنها لا ترجع لذلك الزرع.
قاله الأقفهسي. قاله عبد الباقي. وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك بأن كان معها راع وسرحها بعد المزارع أو سرحها قرب المزارع بحيث يغلب على الظن عودها لها، فعلى الراعي أي فضمان ما أتلفت من ذلك على الراعي مكلفا أو صبيا مميزا يقدر على منعها، وحينئذ فعليه قيمته على الرجاء والخوف إن فرط في حفظها وإلا فلا شيء عليه،
فإذا سرحت قرب المزارع نهارا بلا راع فعلى ربها. وإيضاح معنى المصنف أن ما أتلفته البهائم نهارا من الأمور المذكورة لا يضمنه أحد، بل هو هدر بشرطين: أحدهما إن لم يكن معها راع،
فإن كان معها راع قادر على حفظها ضمن ما أتلفته من ذلك سرحت بعد المزارع أو قربها،
فإن لم يكن معها راع فإن سرحها ربها بعد المزارع فلا ضمان عليه وهو الشرط الثاني،
فإن سرحها قرب المزارع فضمان ما أتلفت من ذلك على ربها. فقوله: "وإلا" تصريح بالمفهوم الأول أي وإن كان معها راع فعلى الراعي ما أتلفته، سرحها قرب المزارع أو بعدها، وسكت عن مفهوم الشرط الثاني وهو إذا سرحت قرب المزارع وليس معها راع فالضمان على ربها، قال الشبراخيتي: لا ما أتلفته نهارا من المزارع والحوائط فلا ضمان فيه على ربها ما لم تكن عادية وإلا ضمن ما أتلفته ولو نهارا.
وفي الموطإ وغيره عنه عليه الصلاة والسلام أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول اللَّه عليه الصلاة والسلام أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدته المواشي باليل ضمانه على أهلها. انتهى. وعدم الضمان مشروط بشرطين: أحدهما إن لم يكن معها راع شرط في قوله: نهارا يريد أو كان معها وهو عاجز عن دفعها عن الزرع كما ذكره الزرقاني، وثانيهما وسرحت بعد المزارع، المراد بتسريحها بعد المزارع أن تسرح بمكان يغلب على الظن أنها لا ترجع عنه للزرع،
فإذا أطلقت بعد مجاوزتها المزارع مجاوزة بينة ورجعت لها وأتلفت منها فلا ضمان وصرح بمفهوم الشرط الأول بقوله: وإلا فإن كان معها راع فعلى الراعي الضمان،
ولو سرحت بعد المزارع وهو الموافق لظاهر ما لابن ناجي ومقتضى ما لغيره كالأقفهسي أن فعلها حيث سرحت بعد المزارع هدر، سواء كان معها راع أم لا، وسكت عن حكم مفهوم الشرط الثاني وهو أن الضمان على ربها،
ولو قال: وإلا فعلى الراعي أو على ربها كان أولى، وتكون أو للتنويع. وقوله: "فعلى الراعي" إن كان مكلفا وفرط بأن نام مضطجعا،
وأما لو نام مستندا فليس بمفرط وإن اختلفا في التفريط وعدمه فالأصل عدم التفريط حتى يتبين خلافه،
وإن كان غير مكلف فهدر. انتهى.
وقال التتائي: لا ما أتلفته البهائم نهارا فلا ضمان فيه على ربها إن لم يكن معها راع يحفظها، والحال أنها سرحت بعد موضع المزارع بل أخرجها ربها عن مزارع القرية وتركها بالمسرح فلا ضمان عليه،
وإن أطلقها قبل خروجها عن مزارع القرية فهو ضامن وإن كان معها راع أي فالضمان على الكل. واللَّه تعالى أعلم. وإلا بأن كان معها راع فعلى الراعي الضمان إن فرط أو ضيع. ابن رشد: وعلى هذا حمل أهل العلم الحديث،
وأشار لخبر الموطإ (أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها نهارا وما أفسدته ليلا فعلى أربابها) ، ولم يسلك المصنف هنا طريق الباجي، وهو أن الموضع ثلاثة أضرب: ضرب يكون فيه المزارع والمراعي وهو الذي تقدم ذكره، وضرب تنفرد فيه المزارع والحوائط وليس بمكان مسرح وهذا لا يجوز إرسال المواشي فيه، وما أفسدت ليلا أو نهارا فعلى أربابها ضمانه، وضربٌ جرت عادة الناس بإرسال مواشيهم فيه ليلا ونهارا فأحدث فيه رجل زرعا من غير إذن الإمام في إحيائه فلا ضمان على أهل المواشي فيه ليلا ولا نهارا.
انتهى. تنبيهات: الأول: قال التتائي: لو أفسدت البهائم غير الزرع والحوائط بأن وطئت آدميا أو غيره ليلا أو نهارا فلا ضمان على أربابها
وكذا سائر الأمتعة والأموال. وفي الطرر: سئل بعضهم الذي يؤذيه دجاج جاره في مزرعته، فقال: على الجيران أن يمنعوا دجاجهم ويقصروها عنه، وهذا إذا كانت الدجاجة طائرة مما لا يستطاع الاحتراس منها،
وإن كانت مقصوصة فهي كالماشية، وأصبغ يقول غير هذا عن ابن القاسم،
قيل له: فإن فتح الباب على الدجاج وسيَّبها؟ فقال: يضمن ما أفسدت، واختلف في الحيوان الذي لا تمكن حراسته كالحمام والنحل، هل يمنع أربابه من اتخاذه إذا آذى الناس وهو رواية مطرف عن مالك أو لا يمنعون وعلى أرباب الزرع والشجر حفظه وهو قول ابن القاسم وابن كنانة وابن حبيب. انتهى.
وقال المواق: ابن سلمون: وإذا عدت بهيمة على أخرى أو قتلتها فلا شيء في ذلك.
أبو عمر: وكذا إذا انفلتت ليلا أو نهارا فركبت على رجل نائم فجرحته أو قتلته لأن جرح العجماء جبار. أبو عمر: يسقط الضمان نهاها عن أرباب الماشية إذا أطلقت دون راع وإذا كان معها راع، ولم يمنعها فهو كالقائد والراكب، وقد ضمن مالك القائد والسائق والراكب. انتهى.
وقال ابن القاسم: النحل والحمام والدجاج كالماشية لا يمنع من اتخاذها وعلى أهل القرية حفظ زرعهم، قال ابن عرفة: والصواب خلاف قول ابن القاسم. انتهى.
وقال عبد الباقي عند قوله: "وسرحت بعد المزارع وإلا فعلى الراعي" ما نصه: فإن سرحت قرب المزارع بلا راع فعلى ربها
وكذا إن كانت عادية يعني عادية على الزرع؛ أي شأنها ذلك كما في الخرشي فعلى ربها ما أتلفته نهارا أو ليلا، إلا لراع مكلف قادر على منعها فعليه حيث فرط،
فإن ربطت وقفل عليها ما يمنعها منعا كليا لم يضمن ربها ما أتلفته ليلا أو نهارا، عادية أم لا، كما إذا سرحت بعد المزارع بلا راع فإن كانت مما لا يمكن التحرز منه ولا الحراسة كحمام ونحل ودجاج يطير، ففي منع أربابها من اتخاذها إن آذت الناس وهو رواية مطرف عن مالك وعدم منعهم، وعلى أرباب الزرع والشجر حفظها وهو قول ابن كنانة وابن حبيب قولان. قاله التتائي. وصوب ابن عرفة الأول لاستغناء ربها عنها وضرورة الناس للزرع والشجر، ويؤيده قاعدة ارتكاب أخف الضررين عند التقابل، وقول التتائي وابن حبيب خلاف عزو الباجي له موافقة مالك وعزا لأصبغ موافقة ابن القاسم كما في ابن عرفة، ثم مثل ما ذكر المصنف في الراعي في النهار ما لو كان لها راع في الليل فالضمان عليه مع قدرته على دفعها كما أشار له أحمد، ومحل تفصيل المصنف حيث المزارع والمراعي بموضع واحد،
فإن انفردت المزارع بموضع فلا يجوز إرسال المواشي فيه وإلا غرموا ما أفسدت ليلا أو نهارا، كما أن موضع المواشي التي جرت العادة بإرسالها فيه إذا أحدث فيه رجل زرعا بلا إذن إمام لا ضمان على أهل المواشي التي جرت العادة بإرسالها فيه مطلقا. قاله الباجي. وقولي: وما أتلفته اليهائم من زرع وحوائط تحرز عما أتلفته من غيرهما كآدمي أو بعضه فلا ضمان على ربها إن أتلفته ليلا كما في العتبية؛
أي حيث لم يقصر في حفظها. انتهى. قول عبد الباقي: وصوب ابن عرفة الأول وهو أنه يمنع من اتخاذها إن آذت الناس، قال الرهوني: صرح أبو علي بأنه الراجح ويأتي لفظه وأطلق غير واحد الخلاف في ذلك،
وفي أجوبة سيدي عبد القادر الفاسي بعد ذكره هذا الخلاف ما نصه: وهذا إذا كانت الأشياء حادثة،
وأما إن تقدمت فليس بضرر. واللَّه أعلم. انتهى منها بلفظها. ونقله الشريف الشفشاوي في نوازله في مسائل الغصب والتعدي وسلمه،
وقال أبو علي في فصل القيام بالضرر من حاشية التحفة ما نصه: والراجح وهو الذي يفتى به هو المنع من اتخاذ الحمام ونحوه إن كان يضر بالناس وهو قول مطرف وقول ابن القاسم في ذلك مرجوح، وهذا إذا كان اتخذ بعد زرع الزارع مثلا،
وأما إن تقدم اتخاذ الحمام مثلا فجاء رجل فزرع بإزائه فإنه لا كلام له لدخوله على الضرر. انتهى. الثاني: قال عبد الباقي: ما كدمته الدابة بفمها أو رمته برجلها إن لم يكن بفعل من معها لا ضمان فيه.
وإن كان بفعل من معها ضمن، ففي المدونة: من قال قطارا فهو ضامن لما وطئ البعير في أول القطار أو آخره،
وإن نفحت رجلا أي ضربته بيدها أو رجلها لم يضمن القائد إلا أن يكون ذلك من شيء فعله بها. انتهى. فقول الرسالة: والسائق والقائد والراكب ضامنون لما وطئت الدابة أي كل واحد ضامن، معناه إن جاء العطب من فعل المذكورين فيوافق ما مر عن المدونة من أن ما ضربته بيدها أو رجلها يضمنه مسيرها إن كان من فعله، وقوله: برجلها ظاهر في رفسها بنفس رجلها،
وأما إن طارت حصاة فأتلفته، فقال ابن زرب: لا يضمن، وذهب بعض المتأخرين إلى أنه يضمن إن طارت بطرف حافرها، ولعدمه إن طارت من تحته. الثالث: إذا اجتمع سائق وقائد وراكب، فما وطئت على سائق وقدم على قائد إلا أن يكون ما أتلفت من فعل الراكب كنخسها فعليه فقط إن لم يعيناه، وإلا اشترك الثلاثة في الضمان ولو ركبها اثنان ضمن المقدم ولو صبيا يقدر على إمساكها؛ لأن لجامها بيده
فلو حركها المؤخر كما في الميسر أو ضربها فعليهما كزميلين بمحمل بلا قائد إلا أن يفعل الرديف ما لا يقدر المقدم على دفعه أو يكون صبيا عاجزا عن إمساكها فعلى المؤخر، ولا ينفع الإنذار مع سماع المنذر بالفتح عند مالك، فيضمن مسيرها ما أتلفته لعدم لزوم التنحي؛ إذ من سبق إلى مباح كطريق لا يلزمه التنحي لغيره
وقيل ينفعه، فإن انفلتت الدابة فنادى ربها رجلا بإمساكها فأمسكها أو أمره بسقيها ففعل فقتلته أو قطعت له عضوا لم يضمن ربها، كعدم ضمان راكب وسائق وقائد ما حصل من فلوها،
فإن نادى صبيا أو عبدا بإمساكها أو سقيها فأتلفته ضمن قيمة العبد ودية الصبي على عاقلة الآمر، كناخس دابة فقتلت رجلا فعلى عاقلة الناخس،
فإن قتلت رجلا في مسك الصبي أو العبد أو أمرهما بسقيها فعلى عاقلة الصبي ولا رجوع لهم على عاقلة الآمر، وخير سيد العبد بين إسلامه فلا رجوع له على الآمر وبين فدائه بدية الحر، ومعلوم أن ضمان جميع ما مر معناه المال في مالك كعقل لم يبلغ الثلث وإلا فعلى العاقلة،
ولو انهارت بير أو معدن بمن يعمل في أحدهما فهذا لم يضمن مستأجره إذ لا صنع له فيه حيث حفره بموضع يجوز له، لحديث الموطإ والصحيحين مرفوعا: (العجماء جبار والبير جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس) . انتهى.
فإن حفره اثنان فماتا فنصف دية كل على عاقلة الآخر وثلاثة فثلث دية كل على عاقلة الآخر، وهكذا لو كثروا فبالنسبة لتسبب كل في قتله وقتل من معه فما نابه ساقط بقتله نفسه وتؤخذ عاقلته بما تسبب في غيره، ولا شيء على هارب خائف صدم أو وطئ شيئا، بل على من تسبب في هروبه أو خوفه. انتهى كلام عبد الباقي.
وفي الميسر: ما جنته الدابة غير زرع وحائط جبار أي هدر سواء لم يكن معها أحد أو كان معها راكب أو قائد أو سائق وتبين أن ذلك من غير فعله،
وإن تبين أنه من فعله فكالخطإ تحمل منه العاقلة ثلث الدية فأكثر، ولا يضمن ما أصابت برجلها إلا أن يفزعها ويضمن بكل حال ما أصابت بمقدمها كذا في الكافي. انتهى. ومر أنه إنما يضمن من ذلك ما كان من فعله. واللَّه تعالى أعلم.
ثم قال: وقال الفاكهاني لا يضمن الراكب ما كدمت الدابة إلا أن يكون بسببه، قال ابن فرحون: إن أصابت بفمها فرآها ولم يمنعها أو كان ذلك شأنها ولم يحفظ فمها ضمن،
وإن لم يرها ولا كان ذلك شأنها ولا فعل بها ما أوجب ذلك لم يضمن،
وإن لم يعلم هل فعل ما يوجب ضمانه حمل على أنه جناية منها حتى يعلم غيره. انتهى.
وإذا اجتمع سائق وقائد وراكب فما وطئت فعلى السائق والقائد إلا أن يكون فعلها بسبب الراكب فعليه خاصة إن لم يعيناه،
وإن طارت حصاة ضمن ما أتلفته إن دفعته بحافرها
لا إن طارت تحته. قاله محمد. ونقله ابن فرحون وذكر أن الراكب إذا انفرد يضمن ما وطئت ولو كان نائما أو مريضا، ولا يضمن ما أتلفه ولدها التابع لها،
وإن جمحت به فعطبت شخصا ضمن وإن نخسها غيره ضمن الناخس والدية في ذلك على العاقلة،
وكذا لو صدم هارب خائف شيئا أو وطئه لم يضمنه وضمنه من تسبب في هروبه. ذكره ابن فرحون.
وإن ركبها اثنان ضمن المتقدم ولو صبيا يقدر على منعها إلا أن يحركها المؤخر فيضمنان وإن ضربها المؤخر فرمحت رجلا فمات ضمن المؤخر خاصة،
وإن كانا متزاملين في محمل ضمنا ما وطئت،
ولو أنذر الراكب أو السائق في طريقه لم ينفعه ذلك؛ لأن من سبق لمباح كطريق لا يلزمه التنحي لغيره
وقيل ينفعه، ومن قال قطارا ضمن ما وطئه بعير في أوله أو آخره وإن كان معه سائق اشتركا في ما وطئ الأخير خاصة. ذكره ابن فرحون.
ولو نفحت دابة من القطار رجلا أي ضربته لم يضمن القائد ذلك إن لم يفعل بها شيئا ولو نخسها غيره ضمن الناخس ومن حمل على بعير لغيره بإذنه فقاده في سوق فسقط الحمل على رجل وقتله ضمن دون رب البعير:
ومن سقط عن دابته على رجل فقتله ضمن ديته. ذكره الفاكهاني.
ومن انفلتت دابته فأمر من يحبسها له فقتلته لم يضمن إلا أن يأمر صبيا أو عبدا لغيره، فدية الصبي على عاقلته وقيمة العبد في ماله،
ولو ركبها الصبي أو العبد فجنت في غيرهما لم يضمنه الآمر بل هو على عاقلة الصبي وفي رقبة العبد، وذكر ابن فرحون عن محمد أن من انفلتت دابته من يده فعلى عاقلته دية من قتلته،
وإن انفلتت من قيدها فهدر. انتهى كلام الميسر.
ولو وقع الذباب على دابة فنفحت لم يكن على راكبها شيء قاله ابن فرحون.
وفي الموطإ أن من حفر بيرا في الطريق أو ربط دابة أو نحو ذلك مما لا يجوز له فهو ضامن لما أصيب في ذلك من جرح أو غيره في ماله إن كان دون ثلث الدية،
وإن بلغه فعلى عاقلته وما صنع من ذلك مما يجوز له على الطريق فلا غرم عليه، كبير حفرها للمطر ودابة نزل عنها لحاجة أو أوقفها على الطريق،
وقال فيمن نزل في بير فيدركه آخر فيجذبه الأسفل فخرا في البير وماتا إن على عاقلة الأسفل الدية كاملة.
وقال في صبي أمره رجل أن ينزل في بير أو يرقى نخلة فهلك في ذلك: إن الآخر ضامن لا أصابه. انتهى باختصار وباللَّه التوفيق. انتهى. أبو عمر: روي عن عمر وعلي أنهما قضيا في قتيل الزحام بالدية في بيت المال وقال الرهوني: هو على من حضره في جمعة أو غيرها ولا شيء فيه عند مالك والشافعي. قاله القلشاني.
الرابع: قال الرهوني: قال في أواخر طرر ابن عات ما نصه: وليحيى بن عمر في رجل كان مع غنم بين زرع وخاف فوت وقت الصلاة إنه يصلي ويغرم قيمة الزرع إن أفسدته الغنم. منها بلفظها. ونقله ابن مرزوق هنا وسلمه. واللَّه أعلم. انتهى. الخامس: إذا أخذ الماشية من وجدها في ملكه فهلكت أو تعيبت فهو ضامن، ففي سماع عبد الملك بن الحسن من كتاب السلطان من العتبية ما نصه: قال وسألت ابن وهب عن رجل وجد في زرعه بقرتين فساقهما إلى داره فأدخلهما داره، فلما كان من جوف الليل خرقا داره أو خرقا زرب الدار فخرجا منه فعقرتهما السباع، فهل يضمنهما الذي ساقهما إلى داره؟
أو إن كانا في داره وعقرهما السبع الذي في داره يضمنهما صاحب الدار؟ قال: أراه ضامنا إذا عقرا أو أصيبا في الأمر الذي بسنببه وأصله منه، ولم يكن له سوقهما وحبسهما في داره وإنما له إتيان السلطان إن كان السلطان قريبا والانتهاء إلى صاحبهما أو ردهما عن زرعه،
فإذا ترك ذلك وساقهما إلى داره وربطهما وحبسهما فأراد متعديا، وأرى عليه ضمانهما إن أصيبا في ذلك.
وقال أشهب: هو ضامن لهما أبدا حتى يرجعا إلى صاحبهما، ماتا في داره أو عقرا خارجا عن داره قال محمد بن رشد: قول أشهب مثل قوله ابن وهب،
فلو قال: قال أشهب مثله لكان أحسن، والمسألة كلها بينة إلا قوله إنما له إتيان السلطان إن كان السلطان قريبا، فمعناه إن كان الأذى والرعي في الليل أو في النهار في موضع لا يصلح إهمال الأنعام والمواشي فيه دون راع يذودها،
وأما إن كان ذلك بالنهار في موضع لأصحاب المواشي فيه إهمال مواشيهم دون رعاة يرعونها فليس له إتيان السلطان ولا رفع الأمر إليه. انتهى محل الحاجة منه بلفظه. ونقله مؤلف المغارسة وما معها في الشرح بالمعنى،
وزاد عقبه ما نصه: وقال في المذهب: ولو أخرج من زرعه ماشية فعطبت،
فإن ساقها سوقا عنيفا كإشلائه عليها الكلاب ورميها بالحجارة أو غير ذلك ضمن ما عطب،
وإن أخرجها برفق فلا شيء عليه. انتهى.
وقال الإمام ابن مرزوق في اختصاره الحاوي على الفتاوي: وسئل ابن أبي زيد ضمن وجد في الزرع دابة مقيدة فحلها فذهبت وضاعت أو ذهب بها لداره فهلكت، فأجاب بأنه ضامن في الوجهين إلا أن يعلم أهل القرية أن فاعل ذلك من عادته سجن الدواب أو حبسها وأنهم على ذلك حرسوه فلا شيء عليه. انتهى. وقوله: وعلى ذلك حرسوه أي جعلوه حارسا وكلامه هذا في حاكم الفحص، لكن تعليله يدل على تعميم الحكم فيه وفي غيره من أهل الزرع، وبه يقيد ما تقدم من كلام غيره في المسألة؛
لأن عادة بعض البلدان سيما بلدتنا هذه التي لا حاكم فيها أن يأتي صاحب الزرع بالدواب التي يجدها في زرعه لبيته إلى أن يأتي ربها ويتكلم معه في ذلك واللَّه الموفق للصواب. انتهى منه بلفظه.
قلت: قوله لكن تعليله يدل على تعميم الحكم الخ إن عنى أنه انضم إلى عادتهم تلك إذن جميعهم بعضهم لبعض في ذلك فما قاله مسلم،
وإن عنى أن مجرد عادتهم تلك فغير مسلم؛ لأن الشيخ أبا محمد لم يسقط عنه الضمان بمجرد العادة بل بذلك، وبقوله: وإنهم على ذلك حرسوه ووجه سقوط الضمان إذ ذاك ظاهر؛ لأن إتيانه بالماشية إذ ذاك إنما هو بإذن سابق من ربها وليس تعديا. فتأمله بإنصاف. وكلام أبي محمد إنما هو باعتبار سقوط الضمان،
وأما جواز ذلك فلم يتعرض له والمتعين منع ذلك على الوجه الذي يقع في هذه الأزمنة لا يحصل للماشية من الضرر بالجوع والعطش،
ومن التوله إذا كان لها أولاد فحبست هي فقط أو أولادها فقط. واللَّه سبحانه أعلم انتهى كلام الرهوني.
ولما أنهى الكلام على الجنايات أتبعه بالكلام على العتق؛ لأن الجناية سبب في الإثم والعتق من أقوى الأسباب في الخلوص من ذلك، فقال: [باب: في العتق وما يتعلق به] والعتق لغة: الخلوص، ومنه عتاق الخيل والطير أي الخالص منها، وسمى البيت الحرام بالعتيق لخلوصه من أيدي الجبابرة إذ لم يملكة جبار أو عتق من الطوفان وعتق العبد لحق بالأحرار وتم فضله. قاله التتائي.
وقال الشبراخيتي: والعتق لغة الكرم والجمال
وقيل الخلوص ومنه عتاق الخيل والطير، وسمى به البيت الحرام لخلوصه من أيدي الجبابرة إذ لم يملكه جبار، ويقال عتق من باب ضرب ومن باب دخل. انتهى.
وقال التتائي: ولا يقال عتق العبد بضم العين بل أعتق بهمز التعدية في أوله فهو عتيق وعتق العبدُ فهو عتيق،
وقيل سمع عتق العبدَ ثلاثيا متعديا. انتهى.
وقال الحطاب: قال في الصحاح: العتق الكرم، يقال ما أبين العتق في وجه فلان يعني الكرم، والعتق الجمال والعتق الحرية
وكذلك العتاق بالفتح والعتاقة، تقول منه عتق العبد يعتِق بالكسر عتقا وعتاقا وعتاقة فهو عتيق وعاتق وأعتقه. انتهى. ثم قال: وعَتُق الشيء بالضم عتاقة أي قدُم وصار عتيقا،
وكذلك عتق يعتُق مثل دخل يدخل وهو عاتق. انتهى. ثم قال: وعتاق الطير الجوارح منها، ولأرحبيات العتاق النجائب منها، ويعني أنه بكسر العين، والأرحبيات: الإبل،
قال في الصحاح: وأرحب قبيلة من همدان تنسب إليها الأرحبيات من الإبل. انتهى.
وقال في التنبيهات: ومعنى العتق ارتفاع الملك، ثم قال الحطاب بعد كلام كثير ما نصه: فتحصل من هذا أنه يقال العتق بكسر العين وفتحها والعتاق والعتاقة بفتحهما فقط، وأنه يقال عتق يعتق كضرب يضرب ولا يقال عتق بضم العين. واللَّه أعلم.
وفي الذخيرة: والعتق في الشرع خلوص الرقبة من الرق. انتهى. وعرف ابن عرفة العتق بقوله: رفع ملك حقيقي لا بسباء محرم عن آدمي حي. الخرشي: خرج بآدمي حيوان غير آدمي، وأخرج بقوله ملك رفع غيره كرفع الحكم بالفسخ ووصفه بقوله حقيقي ليخرج به استحقاق العبد بحرية؛ لأن المستحق من يده بحرية لم يكن ملكا حقيقة وقوله: لا بسباء عطف على مقدر أي بغير سباء لا بسباء، ليخرج به فداء المسلم من حربي سباه
وكذلك ممن وصل له من حربي. وقوله: عن آدمي متعلق بقوله رفع، وقوله: حي يخرج به من ارتفع الملك عنه بالموت. انتهى. قوله: كرفع الحكم من إضافة المصدر لفاعله، وقوله: بالفسخ متعلق بالحكم يعني أن الحكم يفسخ النكاح أو البيع أو الإجارة مثلا برفع المحكوم بفسخه من ذلك ليس برفع ملك، قال البناني: وأورد عليه أن قوله: لا بسباء محرم مستغنى عنه بقوله: ملك حقيقي لأن محترزه ليس فيه ملك حقيقي، وأورد عليه أيضا أنه غير مانع لصدقه ببيعه العبد فإنه رفع ملك أيضا،
فلو قال: رفع الملك بأل التي للحقيقة لخرج ما ذكر: لأن رفع الحقيقة يستلزم جميع أفرادها، وأورد عليه أيضا أنه غير مانع لصدقه فيما إذا أسلم عبد الحربي وبقي بيد الحربي حتى أسر، فإنه حر لتقدم إسلامه على سبائه لأنه بمجرد إسلامه ارتفع ملك الكافر عنه أي حكم الشرع بارتفاعه عنه مع أنه لا عتق هنا. انتهى المراد منه.
وقال الشبراخيتي: واعترض حد ابن عرفة بأنه يصدق على عبد الحربي إذا أسلم قبل إسلام سيده وبقي حتى غنم أوفر إلينا. تنبيهات: الأول: قال الشبراخيتي: في جعل العتق وما بعده قبل الوصية وبعد الجنايات. مناسبة لطيفة؛ لأن الجنايات آثام موجبة لدخول النار فيجب السعي في الخلاص منها،
ومن أقوى أسبابه العتق لما ورد فيه من أنه مكفر للذنوب، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه صلى اللَّه عليه وسلم قال: (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللَّه تعالى بكل إرب منها إربا منه من النار) ، زاد البخاري: (حتى الفرج بالفرج) ، والإرب بكسر الهمزة: العضو. انتهى المراد منه.
وقال البناني: ذكره -يعني العتق- عقب أبواب الجناية لأنه سبب في العتق من النار، وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم، قال: من أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللَّه بكل إرب منها إربا منه من النار،
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من أعتق رقبة أعتق اللَّه بكل عضو منها عضوا منه من النار حتى فرجه بفرجه) . انتهى.
وقال التتائي: قال صاحب المخبر الفصيح: يريد أن من أعتق خصيا أو مقطوع اليد أو غير ذلك يبعض في النار
ويصح التبعيض فيها لأنه عليه الصلاة والسلام، قال: حرم اللَّه عز وجل على النار أن تأكل موضع السجود. انتهى. ونحوه قول اللخمي: ظاهر الحديث أنه إذا أعتق ناقص عضو لا يحجب النار من العضو الذي يقابله وهو ممكن لأن الألم يخلقه اللَّه تعالى في أي عضو شاء، لما في الصحيح (أن اللَّه حرم على النار أن تأكل أثر السجود) انتهى. وظاهر ما في الصحيحين أن عتق الذكر للأنثى يجزي كل عضو منها عن عضو منه، لكن روى الترمذي وصححه أنه عليه الصلاة والسلام قال: (أيما امرئ مسلم أعتق امرءا مسلما كان فكاكه من النار يجزي كل عضو منه عضوا منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزئ كل عضو منهما عضوا منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار يجزي كل عضو منها عضوا منه) انتهى.
الثاني: قال الإمام التتائي ما نصه: وقد عاش رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ثلاثا وستين سنة، ونحر بيده الشريفة في حجة الوداع ثلاثا وستين بدنة، وأعتق ثلاثا وستين نسمة وعدها الكمال الدميري في شرح المنهاج له فانظره إن شئت. انتهى.
وقال الإمام الحطاب عن التنبيهات: والعتق مندوب إليه بالجملة
ويجب أحيانا بإلزام الرجل ذلك نفسه وتبتيله عتق مملوكه ابتداء وبنذره ذلك لأمر كان أو يكون، وبالحنث في يمين بذلك أو بحمل مملوكته منه أو لعتقه بعضه فيبتل عليه باقيه أو بالتمثيل به أو بشرائه من يعتق عليه أو بقتل النفس خطأ أو وطء الظاهر أو مكاتبته العبد أو مقاطعته على مال أو خدمته بذلك، ويلحق بذلك وجهان آخران [وهما] كفارة اليمين باللَّه وكفارة الفطر في رمضان، إلا أن الفرض في هذين موضع للتخيير بينه وبين غيره وإنما يتعين بتعين الكفر. انتهى.
قال في اللباب عقب ذكره الأسباب المتقدمة: ويجب أن يعلم أن ما كثرت أسبابه كان إلى الوقوع أقرب، ألا ترى أنه جل وعلا قرب المغفرة على أسباب كثيرة تكاد تخرج عن الحصر، فقال صلى اللَّه عليه وسلم: صوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية والآتية، وصوم عاشوراء يكفر الماضية، ورمضان إلى رمضان يكفر ما بينهما، والصلوات الخمس تكفرن ما بينهما وإذا توضأ خرجت الخطايا من أشفار عينيه. وقد قلت لشيخنا شهاب الدين: إذا كان يوم عرفة يكفر الماضية والآتية فأيَّ شيء يكفر يومُ عاشوراء
وكذلك ما ذكرناه؟ فقال لي: ذلك دليل على أنه تعالى يريد المغفرة لعباده،
فإن العبد إذا أخطأه سبب لا يخطئه غيره وما كثرت أسبابه كان إلى الوقوع أقرب فتنبه لذلك. انتهى. وحكمة مشروعيته
قال في اللباب هي التنبيه على شرف الآدمي وكرامته: فإن الرق إذلال له والترغيب في مكارم الأخلاق وتعاطي أسباب النجاة من النار. انتهى. الثالث: قال ابن سلمون في وثائقه: سئل ابن رشد في عتق الإماء والعبيد أيهما أفضل؟ فقال: اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال إن عتق الأكثر ثمنا منهم أعلى في الأجر ذكرا كان أو أنثى؛ لأن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سئل أي الرقاب أفضل؟ فقال: (أعلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها) ولم يخص ذكرا من أنثى،
وأما إذا استوى الذكر والأنثى فعتق الذكر أفضل: كما أن عتق الأفضل في الدين من العبدين والأمتين أفضل وهذا مما لا اختلاف فيه، وإنما اختلف في الأفضل من عتق الكافر أو المسلم إذا كان الكافر أكثر ثمنا، فقيل إن عتق الأكثر ثمنا أفضل وإن كان كافرا لعموم الحديث،
وقيل إن عتق المسلم أفضل وإن الحديث إنما معناه مع استواء الرقاب
وكذلك الأفضل من عتق الكفار من كان منهم أكثر ثمنا،
قال: وإن استووا في الأثمان فالذي أقوله أن عتق الأنثى منهم أفضل: لأن عتقها يُحل للمسلمين نكاحها ولا منفعة في عتق الكافر الذكر. انتهى. نقله الحطاب. الرابع: قال الرهوني: قال ابن مرزوق: وجه تأخير أحكام العبيد إلى هنا وجعلها متصلة بالوصايا والفرائض أن الجنايات التي فرغ منها موجبة للإثم الذي هو دخول النار،
ويجب أن يسعى في الخلاص منها والعتق أقوى الأسباب في ذلك لما ورد فيه، وأيضا رغبة غالب الناس في العتق وشوائبه إنما تكون عند إياسهم من الحياة وقربهم من الموت؛ لأن حب الإنسان في المال شديد لا يسمح في إخراجه حال الصحة إلا الصابرون.
ولما فرغ من جميع ما يحتاج إليه من الأحكام، عبادات ومعاملات حال الصحة لم يبق إلا ذكر ما يحتاج إليه عند الموت. انتهى.
وقال المتيطي في نهايته: اعلم وقفنا اللَّه وإياك أن العتق عمل من الأعمال ومن إحدى القرب التي يتقرب بها إلى اللَّه تعالى،
قال اللَّه سبحانه: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} ، والمن العتاقة الخ. قال: وهو مندوب إليه لقوله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} الآية، وعتق الذكران أفضل من عتق الإناث؛ لأن الرجل إلى العتق أحوج وكثير من الإناث من لا يرغب في العتق وترى أن كونها مملوكة أحسن لها وإن عتقت ضاعت، وأعلى الرقاب ثمنا أعظمها أجرا لقول النبي صلى اللَّه عليه وسلم حين سئل أي الرقاب أفضل؟ قال: (أعلاها ثمنا) . انتهى.
وما جزم به من أن عتق الذكران أفضل من عتق الإناث سبقه إليه اللخمي، وظاهر كلام اللخمي والمتيطي إن عتق الذكر أفضل مطلقا.
وفي ابن سلمون عن أجوبة ابن رشد أنه سئل في عتق الإماء والعبيد أيهما أفضل؟ فقال: اختلف العلماء في ذلك إلى آخر ما مر، وقد أجمل في الخلاف وبينه في المقدمات، فقال فيها ما نصه: وقد اختلف في هذا التفضيل هل هو على عمومه في جميع الرقاب مسلمين كانوا أو كافرين، أو إنما ذلك عند استوائهما في الكفر والإسلام، فروى زياد عن مالك أنه قال: أفضل الرقاب أعلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها ولا أبالي يهوديا كان أو نصرانيا أو ولد زنى وقال أصبغ: عتق المسلم أفضل من عتق الكافر وإن كان أقل ثمنا منه، وإنما يكون الأعلى ثمنا أفضل عند استوائهما في الكفر والإسلام.
انتهى. ومثله للمتيطي وظاهر قول ابن رشد في الأجوبة، كما أن عتق الأفضل في الدين الخ،
ولو كان الآخر أعلى ثمنا والمتعين حمله على أنهما استويا ثمنا لحكاية الاتفاق،
ولا يصح ذلك إلا بالقيد المذكور؛ لأنه إذا قال مالك في رواية زياد وكتاب ابن حبيب: إن عتق الكافر إذا كان أعلى ثمنا أفضل من عتق المسلم، فكيف لا يقول ذلك في المسلمين مع اشتراكهما في الإسلام وتفاوتهما فيه؟ فتأمله. واللَّه أعلم. انتهى. وأركان العتق ثلاثة: المعتِق بكسر التاء والمعتَق بفتح التاء والصيغة،
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.