فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الروض المربعالبهوتي

* * * [باب السواك وسنن الوضوء] وما ألحق بذلك من الادهان والاكتحال والاختتان والاستحداد ونحوها السواك والمسواك: اسم للعود الذي يستاك به. ويطلق السواك على الفعل أي دلك الفم بالعود لإزالة نحو تغير كالتسوك. (التسوك بعود لين) سواء كان رطبا أو يابسا مندى من أراك أو زيتون أو عرجون أو غيرها (منق) للفم (غير مضر) احترازا عن الرمان والآس وكل ماله رائحة طيبة (لا يتفتت) ولا يجرح،

٥٦

ويكره بعود يجرح أو يضر أو يتفتت. و (لا) يصيب السنة من استاك (بأصبع أو خرقة) ونحوها لأن الشرع لم يرد به، ولا يحصل به الإنقاء كالعود. (مسنون كل وقت) . خبر قوله: التسوك، أي يسن كل وقت لحديث:«السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» رواه الشافعي وأحمد وغيرهما (لغير صائم بعد الزوال) فيكره فرضا كان الصوم أو نفلا وقبل الزوال يستحب له بيابس

٥٧

ويباح برطب لحديث: «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي» أخرجه البيهقي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -

حاشية الروض المربعابن قاسم، حاشية على الروض المربع

وسنن الوضوء وما ألحق بذلك من الإدهان والاكتحال أي ما ألحق بالسواك وسنن الوضوء لما له به من التعلق، أو المقاربة من الإدهان بالكسر، والدهن بالفتح مصدر، والدهن بالضم الاسم، من دهن الشيء إذا بله،

٢١٦

وكذا الاكتحال، وهو مصدر وكحل العين يكحلها كحلا جعل فيها الكحل، والكحل الإثمد وكلما وضع في العين يستشفي به، والإكحال أصناف كثيرة معروفة، لها أسماء متعددة، يصنعونها من مواد تناسب أمراض العيون.

للعود الذي يستاك به، ويطلق السواك على الفعل قاله الشيخ وغيره، والمسواك بكسر الميم.

أي دلك الفم بالعود لإزالة نحو تغير، كالتسوك أي والسواك شرعا استعمال العود في الأسنان لإزالة نحو تغير كصفرة ورائحة، كالتسوك أي كما يطلق التسوك على الفعل يطلق عليه السواك، فالمراد بالسواك الاستياك.

من الرمان والآس وكل ما له رائحة طيبة أي وكل عود ذكي الرائحة، والآس هو المعروف بالريحان عند بعض العامة وهو شجر ورقة عطر، قيل إنه مضر بلحم الفم.

ما له رائحة طيبة (لا يتفتت) ولا يجرح أي لا يتكسر وفتات الشيء بضم الفاء ما تكسر منه، ولا يجرح أي لا يشق وجرحه كقطعه.

وخرقة) ونحوهما . لأن الشرع لم يرد به

٢١٧

وكذا حكاه بعض الأصحاب ولعل من قال به لم يبلغه ما ورد مما تقدم وغيره.

لم يرد به ولا يحصل به الإنقاء كالعود أي لا يحصل بالإصبع والخرقة ونحوهما الإتقاء، كما يحصل بالعود.

أو نفلا . وقبل الزوال يستحب له بيابس قولا واحدا.

وقبل الزوال يستحب له بيابس ، ويباح برطب يعني قبل الزوال، والفرق بين الرطب واليابس: أن الرطب له أجزاء تتحلل واليابس ليس له أجزاء تتحلل.

الشرح الممتع على زاد المستقنعابن عثيمين

بابُ السِّواكِ وسُنَنِ الوُضُوءِ التَّسوُّكُ بعودٍ ..........

السِّواك: فِعَال من ساك يسُوك، أو مِنْ تسوَّك يتسوَّكُ، فهو على الثَّاني اسم مصدر يُطلق على الآلة التي هي العُود فيُقال: هذا سواكٌ من أراك، كما يقال: مِسْواك، ويُطلق على الفعل ويُقال: السِّواك سُنَّةٌ، أي: التَّسوُّك الذي هو الفعل.

وقوله:«باب السِّواك وسُنَنِ الوُضُوء»، بعضُ العلماء قال: باب السِّواكِ وسُنَنِ الفِطْرة، والمناسبة أنَّ السِّواك من الفِطْرة.

وبعضهم قال: باب السِّواكِ وسُنَنِ الوُضُوء؛ لأنَّه لما كان السِّواك من سُنَنِ الوُضوء قَرَنَ بقيةَ السُّنن بالسِّواك، وإِلا فالأصل أن السُّنَنَ تُذْكَرُ بعد ذِكْرِ الواجبات والأركان، كما فعلوا ذلك في كتاب الصَّلاة،

وإِنما قُدِّمَ السواكُ على الوُضُوء وهو من سُنَنِه لوجهين:

الأول: أنَّ السِّواك مَسْنُون كلَّ وقت، ويتأكّد في مواضع أخرى غير الوُضُوء.

٤٣٣

والثاني: أنَّ السِّواك من باب التطهير فله صِلَةٌ بباب الاستنجاء. «التَّسوُّك بعُود»، التسوُّك مبتدأ، وخبره «مسنونٌ». والجار والمجرور الذي هو «بعود» متعلِّق بالتَّسوُّك.

وقوله:«بعودٍ» دخل فيه كلُّ أجناس العيدان؛ سواء كانت من جريد النَّخل، أو من عراجينها، أو من أغصان العنب أو من غير ذلك، فهو جنس شامل لجميع الأعواد، وما بعد ذلك من القُيود فإِنها فصولٌ تُخرِجُ بقيةَ الأعواد.

فخرج بقوله:«عُود» التَّسوُّكُ بخِرْقَةٍ، أو الأصابعُ، فليس بسُنَّة على ما ذهب إليه المؤلِّف وهو المذهب.

ليِّنٍ مُنْقٍ غَيْرِ مُضِرٍّ لا يَتَفَتَّتُ، لا بِأصْبِع، ........ «ليِّنٍ»، خرج به بقيَّةُ الأعواد القاسية؛ فإنه لا يُتسوَّكُ بها؛ لأنها لا تفيد

٤٣٤

فائدةَ العود الليِّن، وقد تضرُّ اللِّثَةَ إِن أصابتها، والطَّبقة التي على العظم في الأسنان. «مُنْقٍ»، خرج به العُودُ الذي لا شعر له، ويكون رطباً رطوبة قويَّة، فإنه لا يُنقي لكثرة مائه وقِلَّة شعره التي تؤثِّرُ في إِزالة الوَسَخ. «غَيْرِ مُضرٍّ»، احترازاً مما يُضِرُّ كالرَّيحان، وكُلّ ما له رائحة طيِّبة؛ لأنَّه يؤثِّر على رائحة الفم؛ لأن هذه الريح الطيِّبة تنقلب إلى ريح خبيثة. «لا يَتَفَتَّتُ»، معناه لا يتساقط، لأنه إِذا تساقط في فمك ملأه أذى.

«لا بأصْبع»، أي: لا يُسَنُّ التَّسوُّكُ بالأصبع، ولا تحصُل به السُّنَّةُ، سواء كان ذلك عند الوُضُوء أو لم يكن، هذا مقتضى إِطلاق المؤلِّف.

٤٣٥

وقال بعض العلماء؛ ومنهم الموفَّق صاحب «المقنع»، وابن أخيه شارح «المقنع»: إِنه يحصُل من السُّنِّيَّة بقدر ما حصل من الإِنْقاء . وقد رُوي عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه في صفة الوُضُوء أن النبيَّ ﷺ :«أدخل بعضَ أصابعه في فيه … »، وهذا يدلُّ على أن التَّسوُّك بالأصبع كافٍ، ولكنَّه ليس كالعُود؛ لأن العود أشدُّ إِنقاءً.

لكن قد لا يكون عند الإنسان في حال الوُضُوء شيء من العيدان يَستاكُ به، فنقول له: يجزئ بالأصبع.

أو خِرْقَةٍ ......... «أو خِرْقَةٍ»، أي: لا يُسَنُّ التَّسوُّك بالخِرْقَة ولا تحصُل به السُّنَّة، ومعناه: أن يجعل الخِرْقَة على الأصبع ملفوفة ويتسوَّك بها، والإِنقاء بالخِرْقَة، أبلغُ من الإِنقاء بمجرَّد الأصبع.

ولهذا قال بعضُ العلماء: إن كان الإصبع خشناً أجزأ التَّسوُّك به،

٤٣٦

وإِن كان غير خشنٍ لم يجزئ .

وتقدَّم أن الخرقة أبلغ في التَّنظيف.

٤٣٧

فَمَنْ قال: إِن الأصبع تحصُل به السُّنَّة قال: إِن الخِرْقَة من باب أولى.

٤٣٨

فائدة: في الأصبع عَشْرُ لُغَاتٍ؛ ولذلك يُقال: لا يُغلَّطُ فيها أحدٌ في الصَّرف؛ لأن الصَّاد ساكنة، والهمزة والباء مثلثتان، يعني يجوز فيها فتح الهمزة، وكسرها، وضمُّها، مع فتح الباء، وكسرها، وضمِّها.

قال بعضُهم ناظماً تلك اللُّغات، ومضيفاً إليها «أنملة»: وهمزَ أنملةٍ ثلِّث وثالِثَه التسعُ في أصبع، واختم بأصبوع مسنونٌ كل وقت ....... «مَسْنُون»، هذا خبر قوله:«التَّسوُّك». والمسنون عند العلماء: كلُّ عبادة أُمِرَ بها لا على سبيل الإِلزام.

فقولنا: لا على سبيل الإِلزام، لأنَّه إِن كان على سبيل الإِلزام فهو الواجب.

والدَّليل على سُنيَّة السِّواك قوله ﷺ في الحديث الصحيح:«لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسِّواك عند كلِّ صلاة».

فقوله ﷺ :«لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم … »، يدلُّ على أنه ليس بواجب، لأنه لو كان واجباً لشَقَّ عليهم.

ولا يدلُّ على أنه ليس بمسنون، أو ليس مأموراً به، بل لولا المشقَّة لكان واجباً لأهميَّته.

لغيرِ صائمٍ بَعْدَ الزوالِ، ......... «كُلّ وقْتٍ»، أي: بالليل والنَّهار، والدَّليل قول النبيِّ ﷺ في حديث عائشة:«السِّواك مطهرة للفم؛ مرضاة للرَّبِّ»، فأطلق النبي ﷺ ولم يقيِّد في وقت دون آخر.

٤٣٩

وفي هذا فائدتان عظيمتان:

١ ـ دُنيويَّة، كونُه مطهرةً للفم.

٢ ـ أُخرويَّة، كونُه مرضاةً للرَّبِّ.

وكلُّ هذا يحصُل بفعل يسير فيحصُل على أجر عظيم، وكثير من النَّاس يمرُّ عليه الشَّهران والثَّلاثة ولم يتسوَّك

٤٤٠

إِما جهلاً، أو تهاوناً. «لغير صائمٍ بعد الزَّوال»، أي: فلا يُسَنُّ، وهذا يعمُّ صيام الفرض والنَّفْل.

وقوله:«بعد الزَّوال»، أي: زوال الشَّمس، ويكونُ زوالُها إِذا مالت إلى جهة المغرب؛ لأنها أولُ ما تطلع من ناحية الشَّرق،

٤٤١

فإِذا توسطت السَّماء ثم زالت عنه فقد زالت.

قال أهل العلم رحمهم الله : علامة الزَّوال أن تنصب شاخصاً؛ أي: شيئاً مرتفعاً، وتَنْظُرَ إِليه فما دام ظِلُّه ينقص فالشَّمس لم تَزُلْ،

٤٤٢

فإِذا بدأ يزيد ولو شعرة فقد زالت .

٤٤٣

والمشهور من المذهب كراهة التَّسوُّك بعد الزَّوال للصَّائم؛

والدَّليل:

١ - قوله ﷺ :«إذا صُمْتُم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعَشيِّ»، والعَشِيُّ بعد الزَّوال.

٢ - قوله ﷺ :«لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائم أطيبُ عند الله يوم القيامة من ريح المسك». والخُلوف ـ بضم الخاء ـ هو الرَّائحة الكريهة التي تكون بالفم عند خلوِّ المعدة من الطَّعام، ولا يظهر في الغالب إلاَّ في آخر النَّهار، لكن لما كان ناشئاً عن طاعة الله صار أطيبَ عند الله من ريح المسك،

٤٤٤

وإِذا كان أطيبَ عند الله من ريح المسك فإِنَّه لا ينبغي أن يُزالَ، بدليل أنَّ دمَ الشَّهيد الذي عليه لا يُزالُ، بل يجب أن يبقى عليه وأن يُدفن في ثيابه وبدمائه، كما أمر النبيُّ ﷺ بذلك في شُهداء أحد ، قالوا: فكلُّ ما كان ناشئاً عن طاعة الله فإِنه لا ينبغي إِزالتُه، ولذلك كُرِه للصَّائم التَّسوُّك بعد الزَّوال،

٤٤٥

وأما قبل الزَّوال فقالوا: يُستحب بيابس

٤٤٦

ويُباح برطب. فجعلوا السِّواك للصَّائم على ثلاثة أوجه: مباح برطب قبل الزَّوال، ومسنون بيابس قبل الزَّوال، ومكروه بعد الزَّوال مطلقاً .

واستدلُّوا على أنَّه مسنون للصَّائم قبل الزَّوال: بعموم الأدلة.

وعلى أنَّه مباح برطْبٍ: أنَّه لرطُوبته يُخشى أن يتسرَّب منه طعمٌ يصل إلى الحلق فيُخِلَّ بصيامه؛ ولهذا قال النبيُّ ﷺ للقيط بن صَبِرة:«وبالغْ في الاستنشاقِ إِلا أن تكونَ صائماً».

٤٤٧

وأما كونه مكروهاً بعد الزَّوال فاستدلُّوا: بالأثر والنَّظر السابقين؛ الدَّالين على الكراهة.

٤٤٨

وقال بعض العلماء: إِنه لا يُكرَهُ للصَّائم مطلقاً، بل هو سُنَّةٌ في حَقِّه كغيره .

٤٤٩

قال في «الإِقناع» ـ وهو من كتب الحنابلة المتأخِّرين؛ وهو غالباً على المذهب ـ:«وهو أظهر دليلاً». وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

واستدلُّوا: بعموم الأدلة الدَّالَّة على سُنِّيَّة السِّواك؛ كحديث عائشة رضي الله عنها السابق ،

٤٥٠

فإن النبيَّ ﷺ لم يستثنِ شيئاً، والعام يجب إِبقاؤه على عمومه، إلا أن يَرِدَ مخصِّص له، وليس لهذا العموم مخصِّصٌ قائم.

٤٥١

وأما حديث عليٍّ فضعيف لا يَقْوَى على تخصيص العموم؛ لأنَّ الضَّعيف ليس بحُجَّة، فلا يَقْوَى على إِثبات الحكم، وتخصيص العموم حكم؛ لأنه إِخراج لهذا المخصَّصِ عن الحكم العام؛ وإِثبات حكم خاصٍّ به، فيحتاج إلى ثبوت الدَّليل المخصِّصِ، وإِلا فلا يُقْبَلُ.

٤٥٢

وأما التَّعليل فعليل من وجوه:

الوجه الأول: أن الذين قتلوا في سبيل الله، أُمِرْنا بأن نُبقيَ دماءهم؛ لأنهم يُبْعثونَ يوم القيامة، الجرح يَثْعُبُ دماً، اللونُ لونُ الدَّمِ، والرِّيحُ ريحُ المسكِ، فلا ينبغي أن يُزالَ هذا الشَّيءُ الذي سيوجدُ يوم القيامة.

ونظير هذا قوله ﷺ في الذي مات في عرفة «كَفِّنُوه في ثَوبيه»، ولهذا ينبغي فيمن مات محرماً أن لا نطلب له خِرْقَة جديدة، بل نكفِّنُه في ثياب إحرامه التي عليه؛ لأنه كما قال النبيُّ ﷺ :«يُبعث يوم القيامة ملبِّياً».

الوجه الثاني: أنَّ ربط الحُكم بالزَّوال مُنتقضٌ؛ لأنه قد تحصُل هذه الرَّائحة قبل الزَّوال؛ لأن سبَبَها خلوُّ المعدة من الطَّعام،

٤٥٣

وإِذا لم يتسحَّر الإِنسان آخر الليل فإِنَّ معدته ستخلو مبكِّرة؛ وهم لا يقولون: متى وُجِدت الرَّائحة الكريهة كُرِه السِّواك؟!

الوجه الثالث: أنَّ من النَّاس من لا توجد عنده هذه الرَّائحة الكريهة،

٤٥٤

إِما لصفاء معدته، أو لأنَّه معدته لا تهضم بسرعة، فتكون هذه العِلَّة منتقضة،

٤٥٥

وإِذا انتقضت العِلَّة انتقض المعلول؛ لأن العِلَّة أصلٌ والمعلول

٤٥٦

فرعٌ.

والرَّاجح أن السِّواك سُنَّةٌ حتى للصَّائم قبل الزَّوال وبعده، ويؤيِّده حديث عامر بن ربيعة ـ والذي ذَكَره البخاريُّ تعليقاً ـ:«رأيت النبيَّ ﷺ يَسْتَاك وهو صائمٌ، ما لا أُحصي أو أَعُدُّ». متأكِّدٌ عِنْدَ صلاةٍ، ........... «مُتَأكّدٌ»، خبرٌ ثان، لقوله:«التَّسوُّك» وتعدُّد الأخبار جائز، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ *﴾ [البروج] فالودودُ خبرٌ ثانٍ،

٤٥٧

ولا يجوزُ أن يكونَ صفةً للغفور؛ لأن «الغفور» نفسه صفة بالمعنى العام، لا بالمعنى النَّحْوي.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.