وَلَا يَحْمِلُ وَعَنْهُ: لَا يَحِلُّ ذَلِكَ إِلَّا لِحَاجَةٍ وَفِي الزَّرْعِ وَشُرْبِ لَبَنِ الْمَاشِيَةِ؛ رِوَايَتَانِ
الشروح عليها
فصل: وإذا اشْتَدَّتِ المَخْمَصَةُ في سَنَةِ المَجاعَةِ، وأصابَتِ الضَّرورَةُ خَلْقًا كثيرًا، وكان عندَ بعضِ النّاسِ قَدْرُ كِفايَتِه [وكِفايَةِ عِيالِه، لم يلْزَمْه بَذْلُه للمُضْطَرِّين، وليس لهم أخذُه منه؛ لأنَّ ذلك يُفْضِي إلى وُقوعِ الضَّرورةِ به، ولا يدْفَعُها عنهم.
وكذلك إن كانوا في سفرٍ ومعه قَدْرُ كفايَتِه] مِن غيرِ فَضْلَةٍ، لم يَلْزَمْه بَذْلُ ما معه للمُضْطَرِّين. ولم يُفَرِّق أصْحابُنا بينَ هذه الحالِ وبينَ كونِه لا يتَضَرَّرُ بدَفْعِ ما معه إليهم، في أنَّ ذلك واجِبٌ عليه؛ لكونِه غيرَ مُضْطَرٍّ في الحالِ، والآخَرُ مُضْطَرٌّ، فوَجَبَ تَقْدِيمُ حاجَةِ المُضْطرِّ. ولَنا، أنَّ هذا مُفْضٍ به إلى هَلاكِ نفْسِه وعِيالِه، فلم يَلْزَمْه، كما لو أمْكَنَه إنْجاءُ الغَرِيقِ بتَغْرِيقِ نفْسِه، ولأنَّ في بَذْلِه إلْقاءً بيَدِه إلى التَّهْلُكَةِ، وقد نَهَى اللهُ عن ذلك.
وهذا اخْتِيارُ شيخِنا ، رَحِمَهُ اللهُ. فصل: والتِّرْياقُ مُحَرَّمٌ، وهو دَواءٌ يُعالجُ به مِن السَّمِّ، يُجْعَلُ فيه لُحومُ الحَيّاتِ، ويُعْجَنُ بالخَمْرِ، لا يَحِلُّ أكْلُه ولا شُرْبُه؛ لأنَّ الخمرَ ولُحومَ الحَيّاتِ حرَامٌ. وممَّن كَرِهَه الحسَنُ، وابنُ سِيرِينَ. ورَخَّصَ فيه الشَّعْبِيُّ، ومالِكٌ. ويَقْتَضيه مذْهَبُ الشافعيِّ؛ لإِباحَتِه التَّداويَ ببعضِ المُحَرَّماتِ. ولَنا، أنَّ لحمَ الحَيَّةِ حرَامٌ على ما ذكَرْنا فيما مَضَى،
وكذلك الخمرُ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيهَا».
فصل: ولا يجوزُ التَّداوي بشيءٍ مُحَرَّمٍ، ولا بشيءٍ فيه مُحَرَّمٌ، مثلَ ألْبانِ الأُتُنِ، ولحمِ شيء مِن المُحَرَّماتِ، ولا شُرْبُ الخمرِ للتَّداوي؛ لِما ذكَرْنا مِن الخبرِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ذُكِرَ له النَّبِيذُ يُصْنَعُ للدَّواءِ، فقال:«إنَّه لَيسَ بِدَواءٍ وَلَكِنَّه دَاءٌ».
فصل: قال رَحِمَهُ اللهُ: (ومَن مَرَّ بثَمَرَةٍ في شَجَرٍ لا حائِطَ عليه ولا ناظِرَ، فله أن يَأْكُلَ منه، ولا يَحْمِلُ.
وعنه، لا يَحِلُّ ذلك إلَّا لحاجَةٍ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في ذلك، فرُوىَ عنه أنَّه قال: إذا لم يَكُنْ عليها [حائِطٌ، يأكلُ] إذا كان جائِعًا،
وإذا لم يكُنْ جائِعًا، فلا يَأكلُ.
وقال: قد فَعَلَه غيرُ واحدٍ مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولكن إذا كان عليه حائِطٌ لم يأكلْ؛ لأنَّه قد صارَ شِبْهَ الحَرِيمِ.
وقال في مَوْضِعٍ: إنَّما الرُّخْصَةُ للمُسافِرِ. إلَّا أنَّه لم يَعْتَبِرْ ههُنا الاضْطِرارَ؛ لأنَّ الاضْطِرَارَ يُبِيحُ ما وراءَ الحائِطِ. ورُويَت عنه الرُّخْصَةُ في الأكْلِ مِن غيرِ المَحُوطِ مُطْلَقًا، مِنْ غيرِ اعْتِبارِ جوعٍ ولا غيرِه. وهذا المشْهورُ في المذهَبِ؛ لِما رُوِيَ عن أبي زَينَبَ التَّيمِيِّ، قال: سافَرْتُ مع أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وعبدِ الرحمنِ بنِ سَمُرَةَ، وأبي بَرْزَةَ، فكانُوا يمُرُّونَ بالثِّمارِ، فيأْكُلُون في أفْواهِهِم. وهو قولُ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وأبي بَرْزَةَ . قال عمرُ : يأكلُ، ولا يَتَّخِذُ خُبْنَةً .
ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّه قال: يأكلُ ممَّا تحتَ الشَّجَرِ،
فإذا لم يكنْ تحتَ الشَّجَرِ، فلا يأكلُ ثِمارَ الناسِ، وهو غَنِيٌّ عنه، ولا يضْرِبُ بحَجَرٍ، ولا يَرْمِي؛ لأنَّ هذا يُفْسِدُ. وقد رُوِيَ عن [رافِعَ بنَ عمرٍو]، قال: كنتُ أرْمِي نَخْلَ الأنصارِ، فأخَذونِي، فذَهَبوا بي إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «يَا رَافِعُ ، لِمَ تَرْمِي نَخْلَهُمْ؟». فقلْتُ: يا رسولَ اللهِ، الجوعُ. قال:«لَا ترْمِ، وَكُلْ مَا وَقَعَ، أشْبَعَكَ اللهُ وأرْوَاكَ». أخْرَجَه التِّرْمِذِيُّ ،
وقال: هذا حدِيثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ.
وقال أكثرُ الفُقَهاءِ: لا يُباحُ الأكلُ إلَّا في الضَّروَرةِ؛ لِما روَى العِرْباضُ بنُ سارِيَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال:«أَلَا وَإِنَّ اللهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أهْلِ الْكِتَابِ إلَّا بإِذْنٍ، ولَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ، ولَا أكْلَ ثِمَارِهِمْ، إذَا أعْطَوْكُمُ الَّذِي عَلَيهِمْ». أخْرَجَه أبو داودَ .
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ دمَاءَكُمْ، وأمْوَالكُمْ، وأعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا». مُتَّفَقٌ عليه . ولَنا، ما روَى عمرُو بنُ شعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه سُئِلَ عن الثَّمَرِ المُعَلَّقِ، فقال:«مَا أصَابَ مِنْهُ مِنْ ذِي الْحَاجَةِ، غَيرَ مُتَّخِذٍ خبْنَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيهِ، ومَنْ أخْرَجَ مِنْهُ شَيئًا، فَعَلَيهِ غَرَامَةُ مِثْلَيهِ والْعُقُوبَةُ».
وقال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حسَنٌ. وروَىَ أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ، عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:«إذَا أَتَيتَ عَلَى حَائِطِ بُسْتَانٍ، فَنَادِ صَاحِبَ البُسْتَانِ ثَلَاثًا، فَإنْ أجَابَكَ، وإلَّا فَكُلْ مِنْ غَيرِ أَنْ تُفسِدَ». وروَى سعيدٌ، بإسْنادِه عنَ الحسَنِ، عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَه . ولأنَّه قولُ مَن سَمّينا مِن الصَّحابَةِ مِن غيرِ مُخالِفٍ، فكان إجْماعًا.
فإن قيلَ: فقد أبَى سعدٌ أن يَأكلَ ؟ قُلْنا: امْتِناعُ سعْدٍ مِن أكِله ليس مُخالِفًا لهم؛
فإنَّ الإِنسانَ قد يتْرُكُ المُباحَ غِنًى عنه، أو تَوَرُّعًا، أو تَقَذُّرًا، كتَركِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أكلَ الضَّبِّ .
فأمّا أحادِيثُهم، فهي مخْصوصَةٌ بما روَيناه مِن الحديثِ والإِجْماعِ.
فإن كانت مَحُوطَةً، لم يَجُزِ الدُّخُولُ إليها؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: إن كان عليها حائِطٌ فهي حَرِيمٌ، فلا تأكلْ،
وإن لم يكنْ عليها حائِطٌ، فلا بأسَ . ولأنَّ إحْرازَه بالحائطِ يدُلُّ على شُحِّ صاحِبِه به، وعَدَمِ المُسامَحَةِ. قال بعْضُ أصْحابِنا: إذا كان عليه ناطُورٌ ، فهو كالمَحُوطِ، في أنَّه لا يدْخُلُ إليه، ولا يأكلُ منه إلَّا في الضَّرورَةِ. ٤٦٢١ - مسألة: (وفي الزَّرْعِ وشُرْب لَبَنِ الماشِيَةِ رِوايَتان) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في الزرعِ، فرُوِيَ عنه أَنَّه قال: لا يأكلُ، إنَّما رُخِّصَ في الثِّمارِ، ليس الزرعُ.
وقال: ما سَمِعْنا في الزرعِ أن يُمَسَّ منه. ووَجْهُه أنَّ الثِّمارَ خَلَقَها اللهُ تعالى للأكلِ رَطْبَةً، والنُّفُوسُ تَتُوقُ إليها، والزرعُ بخِلافِها. والثانيةُ، قال: يأكلُ مِن الفَرِيكِ؛ لأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بأكلِه رَطبًا، أشْبَهَ الثَّمَرَ.
وكذلك الحُكْمُ في الباقِلَّا، والحِمَّصِ، وشِبْهِه ممّا يُؤكَلُ رَطْبًا.
فأمّا الشَّعِيرُ، وما لم تَجْرِ العادَه بأكلِه، فلا يجوزُ الأكلُ منه. والأوْلَى في الثِّمارِ وغيرِها، أن لا يأْكلَ منها إلَّا بإذْنٍ؛ لما فيها مِن الخِلافِ والأخْبارِ الدّالَّةِ على التَّحْريمِ.
وكذلك رُوِيَ عن أحمدَ في حَلْبِ لَبَنِ الماشِيَةِ رِوايَتان؛ إحداهُما، يجوزُ له أن يحلبَ، ويَشْرَبَ، ولا يَحْمِلُ، لِما روَى الحسَنُ، عن سَمُرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أتَى أحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ، فإنْ كَان فِيهَا صَاحِبُهَا، فلْيَسْتَأْذِنْهُ، فَإنْ أَذنَ فَلْيَحْلِبْ، ولْيَشْرَبْ، [وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا، فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا، فَإنْ أَجَابَهُ أَحَدٌ، فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ، فَلْيَحْلِبْ، ولْيَشْرَبْ]، ولا يَحْمِلْ». رَواه التِّرْمِذِيُّ ،
وقال: حديثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ، والعَمَلُ عليه عندَ بعضِ أهلِ العلمِ، وهو قولُ إسحاقَ. والرِّوايةُ الثانيةُ، لا يجوزُ له أن يَحْلِبَ ولا يَشْرَبَ؛ لما روَى ابنُ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَحْلِبَنَّ أحَدٌ مَاشِيَةَ أحَدٍ إلَّا بِإذْنِهِ، أيُحِبُّ أحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرَبَتُهُ، وتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، ويُنْتَقَلَ طَعَامُهُ، فَإنَّما تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أطْعِمَتَهُمْ، فَلَا يَحْلِبَنَّ أحَدٌ مَاشِيَةَ أحَدٍ إلَّا بإذْنِه».
وفي لفظٍ:«فَإنَّ مَا فِي ضُرُوعِ مَوَاشِيهِمْ مِثْلُ مَا في مَشَارِبِهِم». مُتَّفَقٌ عليه . فصل: قال أحمدُ: أكرهُ أكْلَ الطِّينِ،
ولا يَصِحُّ فيه حَدِيثٌ، إلَّا أنَّه يَضُرُّ بالبَدَنِ، يقال: إنَّه رَدِئٌ، وتَرْكُه خَيرٌ مِن أكلِه. وإنَّما كَرِهَه أحمدُ مِن أجْلِ مَضَرَّتِه،
فإن كان منه ما يُتَداوَى به، كالطِّينِ الأرْمَنِيِّ، فلا يُكْرَهُ،
وإن كان ممّا لا مَضَرَّةَ فيه ولا نَفْعٌ، كالشيءِ اليَسِيرِ، جازَ أكلُه؛ لأنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، والمَعْنَى الذي كُرِه لأجْلِه مُنْتَفٍ ههُنا، فلم يُكْرَهْ.
فصل: ويُكْرَهُ أكلُ البَصَلِ، والثُّومِ والكُرّاثِ، والفُجْلِ، وكُلِّ ذِي رِائِحَةٍ كَرِيهَةٍ، مِن أجْلِ رائِحَتِه، سواءٌ أرادَ دُخُولَ المسْجِدِ أو لم يُرِدْ؛ لِما روَى ابنُ ماجه . أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ النَّاسُ».
فإن أكَلَه لم يَقرَبِ المسْجِدَ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَينِ الشَّجَرَتَينِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا».
وفي رِوايَةٍ:«فَلَا يَقْرَبْنَا فِي مَسَاجدِنَا». روَاه التِّرْمِذِيُّ ،
وقال: حَدِيثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ. وليس أكْلُهَا مُحَرَّمًا؛ لِما روَى أبو أيُّوبَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ إليه بطعامٍ فلم يأكلْ منه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فذكَرْتُ له ذلك، فقال:«فِيهِ الثُّومُ». فقال: يا رسولَ اللهِ، أحَرامٌ هو؟ قال:«لَا، وَلَكِنِّي أكْرَهُه مِنْ أجْلِ رِيحِهِ». رواه التِّرْمِذِيُّ ،
وقال: حديثٌ حَسَنٌ. ورُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعليٍّ: «كُلِ الثُّومَ، فَلَوْلَا أنَّ [المَلَكَ يَأْتِينِي] لأكلْتُهُ» . وإنَّما مَنَعَ أكْلَها لئلَّا يُؤْذِيَ الناسَ برائِحَتِه، ولذلك نُهِيَ عن قُرْبانِ المسْجِدِ.
فإن أتَى المسْجِدَ كُرِهَ له ذلك، ولم يَحْرُمْ؛ لِما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: أكَلْتُ ثُومًا، وأتَيتُ مُصلَّى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقد سُبِقْتُ برَكْعَةٍ، فلمَّا دخَلْتُ المسجدَ، وَجَدَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رِيحَ الثُّومِ، فلمّا قَضَى صلاتَه، قال:«مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبْنَا حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا». فجِئْتُ، فقلْتُ: يا رسولَ اللهِ: لِتُعْطِنِي يَدَكَ. قال: فأدْخَلْتُ يَدَه في كُمِّ قَمِيصِ إلى صَدْرِي،
فإذا أنا معْصُوبُ الصَّدْرِ، فقال:«إنَّ لَكَ عُذْرًا». رواه أبو داودَ . وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه يَأْثَمُ؛ لأنَّ ظاهِرَ النَّهْي التَّحْرِيمُ، ولأنَّ أذَى المسلمينَ حَرامٌ، وهذا فيه أذاهُم.
فصل: ويُكْرَهُ أكلُ الغُدَّةِ ، وأُذُنِ القلبِ ؛ لِما رُوِيَ عن مُجاهِدٍ، قال: كَرِهَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن الشَّاةِ سِتًّا. وذكَرَ هذَين . ولأنَّ النَّفْسَ تَعافُهما وتَسْتَخْبِثُهُما. قال الشيخُ : ولا أظُنُّ أحمدَ كِرَهَهُما إلَّا لذلك، لا للخَبَرِ؛ لأنَّه قال فيه: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. ولأنَّ في الخَبَرِ ذكرَ الطِّحالِ ، وقد قال أحمدُ: لا بأسَ به، ولا أكْرَهُ منه شيئًا.
فصل: قيلَ لأبي عبدِ اللهِ: الجُبْنُ؟ قال: يُؤكَلُ مِن كُلٍّ. وسُئِلَ عنِ الجُبْنِ الذي يَصْنَعُه المَجُوسُ؟ قال: وما أدْرِي، إلَّا أنَّ أصَحَّ حديثٍ فيه حَدِيثُ الأعْمَشِ، عن أبي وَائِلٍ، عن عَمْرِو بنِ شُرَحْبِيلٍ، قال: سُئِلَ عمرُ عنِ الجُبْنِ،
وقيل له: تُعْمَلُ فيه الإِنْفَحَةُ المَيِّتَةُ. فقال: سَمُّوا أنتم وكُلُوا. رواه أبو مُعاويَةَ، عنِ الأعْمَشِ .
وقال: ألَيسَ الجُبْنُ الذي يأكُلُه عامَّتُهُم يَصْنَعُه المَجُوسُ.
فصل: ولا يجوزُ أن يَشْتَرِيَ الجَوْزَ الذي يَتقامَرُ به الصِّبْيانُ ، ولا البَيضَ الذي يتَقامَرُون به يومَ العيدِ؛ لأنَّهم يأخُذونَه بغيرِ حَقٍّ. واللهُ أعلمُ.
٤٦٢٢ -
(وَلَا يَحْمِلُ) شَيْئًا بِحَالٍ، سَوَاءٌ كَانَ مُحْتَاجًا أَوْ لَا، لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ دَلَّتْ عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ فَقَطْ،
فَإِنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ:«فَكُلْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفْسِدَ» ،
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ:«وَلَا تَتَّخِذْ خُبْنَةً» (وَعَنْهُ: لَا يَحِلُّ ذَلِكَ إِلَّا لِحَاجَةٍ) وَقَالَ: قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ
قَوْلُهُ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ» ، الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ الْأَكْلِ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ مُطْلَقًا، تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ مَعَ الْحَاجَةِ، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثمر الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ:«مَا أَصَابَ مِنْهُ مِنْ ذِي الْحَاجَةِ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَخْرَجَ مِنْهُ شَيْئًا فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلِهِ وَالْعُقُوبَةُ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ،
وَعَنْهُ: الرُّخْصَةُ لِلْمُسَافِرِ فَقَطْ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي الرِّعَايَةِ،
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ فِيمَا سَقَطَ لِلْمُحْتَاجِ وَغَيْرِهِ، وَاحْتَجَّ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ لَهَا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِرَافِعٍ:«لَا تَرْمِ، وَكُلْ مَا وَقَعَ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ،
وَعَنْهُ: وَيَضْمَنُهُ، اخْتَارَهَا فِي الْمُبْهِجِ لِلْعُمُومَاتِ، (وَفِي الزَّرْعِ) الْقَائِمِ، (وَشُرْبِ لَبَنِ الْمَاشِيَةِ؛ رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ.
الْأُولَى: أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنَ الزَّرْعِ الْقَائِمِ شَيْئًا، لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي الثِّمَارِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهَا رَطْبَةً، فَالنَّفْسُ تَتُوقُ إِلَيْهَا،
بِخِلَافِ الزَّرْعِ.
وَالثَّانِيَةُ، وَهِيَ أَشْهَرُ: أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنَ الْفَرِيكِ، لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَكْلِهِ رَطْبًا، أَشْبَهَ الثَّمَرَ، وَأَلْحَقَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ الْبَاقِلَاءَ، وَالْحِمَّصَ الْأَخْضَرَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الثَّانِيَةِ فِي شُرْبِ لَبَنِ الْمَاشِيَةِ يَجُوزُ فِي رِوَايَةٍ، لِمَا رَوَى الْحَسَنُ، عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ:«إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا، فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ، وَلَا يَحْمِلْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ،
وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحَمَلَهَا فِي الرِّعَايَةِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا حَائِطٌ، أَوْ حَافِظٌ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا،
فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ جَازَ مُطْلَقًا، وَيُقَدِّمُهُ عَلَى الْمَيْتَةِ، لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَهُوَ أَسْهَلُ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.